!~المنشورات الحصرية~!
آخر المشاركات

حجز موقع

تحديث الرئيسية | خصوصية المنتدى | تواصل معنا | الهيئة الإدارية | استرجاع كلمة المرور | طلب كود تفعيل العضوية | تفعيل العضوية


         
العودة   منتدى كوباني|kobani| > :: .. المنتدى الثقافي والأدبي .. :: > الأدب|إبداع خاص|
 

الملاحظات

الأدب|إبداع خاص| قصة، شعر، مقالة


إضافة رد إنشاء موضوع جديد
 

 

 

 
أدوات الموضوع طريقة عرض الموضوع
  #1  
قديم 2010-07-31, 01:28 PM مصطف عبدي غير متواجد حالياً
الصورة الرمزية مصطف عبدي
مصطف عبدي 
The Godfather
 





مصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاً
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى مصطف عبدي إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى مصطف عبدي إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطف عبدي
المشاهدات: 15710 | التعليقات: 9 مدونة الشاعر محمود درويش

انا : مصطف عبدي






هو أحد أهم الشعراء الفلسطينيين المعاصرين الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة والوطن. يعتبر درويش أحد أبرز من ساهم بتطوير الشعر العربي الحديث وإدخال الرمزية فيه.
في شعر درويش يمتزج الحب بالوطن بالحبيبة الأنثى. قام بكتابة إعلان الاستقلال الفلسطيني الذي تم إعلانه في الجزائر.
حياته:
ولد الشاعر محمود درويش عام 1941 في قرية (البروة) وهي قرية فلسطينية تقع في الجليل قرب ساحل عكا. حيث كانت أسرته تملك أرضاً هناك. وهو الابن الثاني للعائلة التي تتكون من خمسة أبناء وثلاث بنات، خرجت الأسرة برفقة اللاجئين الفلسطينيين في العام 1947 إلى لبنان، ثم عادت بشكل متخفي العام 1949 بعيد توقيع اتفاقيات السلام المؤقتة، لتجد القرية وقد صارت قرية زراعية إسرائيلية محلها تحمل اسم «أحي هود».
أكمل محمود درويش تعليمه الابتدائي بعد عودته من لبنان في مدرسة (دير الأسد) متخفياً، فقد كان يخشى أن يتعرض للنفي من جديد إذا كشف أمر تسلله، وعاش تلك الفترة محروماً من الجنسية. أما تعليمه الثانوي فتلقاه في قرية (كفر ياسين)، (2كم شمالي الجديدة). وبعد إنهائه تعليمه الثانوي كانت حياته عبارة عن كتابة للشعر والمقالات في صحافة الحزب الشيوعي الإسرائيلي مثل (الاتحاد) و(الجديد)، التي أصبح فيما بعد مشرفاً على تحريرها، كما اشترك في تحرير جريدة (الفجر).
اعتقل من قبل السلطات الإسرائيلية مراراً بدأ من العام 1961 بتهم تتعلق بتصريحاته ونشاطه السياسي وذلك حتى عام 1972 حيث توجه إلى الاتحاد السوفييتي للدراسة، وانتقل بعدها لاجئاً إلى القاهرة في ذات العام حيث التحق بمنظمة التحرير الفلسطينية، ثم لبنان حيث عمل في مؤسسات النشر والدراسات التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية، علماً أنه استقال من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير احتجاجاً على اتفاقية أوسلو. كما أسس مجلة الكرمل الثقافية.
شغل منصب رئيس رابطة الكتّاب والصحفيين الفلسطينيين وحرر مجلة الكرمل. كانت إقامته في باريس قبل عودته إلى وطنه حيث إنه دخل إلى فلسطين بتصريح لزيارة أمه. وفي فترة وجوده هناك قدم بعض أعضاء الكنيست الإسرائيلي العرب واليهود اقتراحاً بالسماح له بالبقاء وقد سمح له بذلك.
جوائز وتكريم:
- جائزة لوتس عام 1969.
- جائزة البحر المتوسط عام 1980.
- درع الثورة الفلسطينية عام 1981.
- لوحة أوروبا للشعر عام 1981.
- جائزة ابن سينا في الاتحاد السوفييتي عام 1982.
- جائزة لينين في الاتحاد السوفييتي عام 1983.
- كما أعلنت وزارة الاتصالات الفلسطينية في 27 يوليو 2008 عن إصدارها طابع بريد يحمل صورة محمود درويش.
شعره
يعد شاعر المقاومة الفلسطينية ومرّ شعره بعدة مراحل.

بعض قصائده ومؤلفاته:
- عصافير بلا أجنحة (شعر) 1960.
- أوراق الزيتون (شعر).
- عاشق من فلسطين (شعر).
- آخر الليل (شعر).
- مطر ناعم في خريف بعيد (شعر).
- يوميات الحزن العادي (خواطر وقصص).
- يوميات جرح فلسطيني (شعر).
- حبيبتي تنهض من نومها (شعر).
- محاولة رقم 7 (شعر).
- أحبك أو لا أحبك (شعر).
- مديح الظل العالي (شعر).
- هي أغنية.. هي أغنية (شعر).
- لا تعتذر عما فعلت (شعر).
- عرائس.
- العصافير تموت في الجليل.
- تلك صوتها وهذا انتحار العاشق.
- حصار لمدائح البحر (شعر).
- شيء عن الوطن (شعر).
- ذاكرة النسيان.
- وداعاً أيها الحرب وداعاً أيها السلم (مقالات).
- كزهر اللوز أو أبعد.
- في حضرة الغياب (نص) 2006.
- لماذا تركت الحصان وحيداً.
- بطاقة هوية (شعر).
- أثر الفراشة (شعر) 2008.
- أنت منذ الآن غيرك (17 يونيو 2008، وانتقد فيها التقاتل الداخلي الفلسطيني).

وفاته:توفي في الولايات المتحدة الأميركية يوم السبت 9 أغسطس 2008 بعد إجرائه لعملية القلب المفتوح، التي دخل بعدها في غيبوبة أدت إلى وفاته بعد أن قرر الأطباء نزع أجهزة الإنعاش.




آخر مواضيعي
التوقيع:
" كن صامتاً أغلب الأحيان، ولا تقل إلا ما هو ضروري، وبقليل من الكلمات، وفيما ندر إن توفرت لك فرصة الكلام، تكلم ... لكن لا تقل أول شيء يأتي بخاطرك"
رد مع اقتباس
قديم 2010-07-31, 01:28 PM   مصطف عبدي غير متواجد حالياً   رقم المشاركة : [2]
مصطف عبدي
The Godfather
الصورة الرمزية مصطف عبدي
 

مصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاً
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى مصطف عبدي إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى مصطف عبدي إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطف عبدي

الأصدقاء: (62)

ذكاء القلب
• فواز طرابلسي

على مدى عقود من الزمن نعمتُ بصداقة محمود درويش. من بيروت السبعينيات إلى بيروت القرن الحادي والعشرين، نما هذا التواطؤ وتطور عابراً البحار والبلدان والتجارب.
خلال حصار بيروت صيف 1982، كانت اللقاءات شبه اليومية. لم تكن فرصتي للافلات من شقتي وقد تحولت إلى مقر للرفاق وغرفة عمليات عسكرية. وإنما اللقاءات فسحات استثنائية للصداقة والتضامن والأمل. وكان محمود قد انتقل حينها من شقته إلى أحد فنادق شارع الحمراء حيث الماء متوافر للحمّام اليومي، والكهرباء بالكاد تنقطع، وعلى البار بيرة مثلجة وعازفة على البيانو. هكذا أخذنا نرجم الحصار بالموسيقى والشعر. وفي غرفته في ذاك الفندق تلا عليّ وعلى سعدي يوسف الآيات الأولى من تلك الملحمة التي سوف تسمّى «مديح الظل العالي»: «اقرأ باسم الفدائي الذي خلقا/ من جزمة أفقاً». وفي تلك الغرفة انعقدت حلقات الوداع بين رفاق السلاح والقضية الواحدة على اختلاف بلدانهم العربية. وحده محمود يرفض مغادرة بيروت: أنا شاعر لست بمقاتل. لكنه سوف يضطر إلى المغادرة بعدما احتلت القوات الإسرائيلية المدينة.
تشاء صدف حياة كل منا أن نعود لنلتقي في باريس بعد عامين وفي أسرة تحرير «الكرمل». وخلال آحاد باريس الهانئة عندما تنعقد الجلسات حول الكبّة النيئة اللبنانية تعدّها نوال عبود يرطّبها كأس عرق، يصرّ محمود على أن يزيّن الكبّة بـ«الحوسة» الفلسطينية (قليّة لحم وبصل) يطبخها بنفسه. يغازل جنى اليافعة: «جُ تيم» وتجيبه: «موا أوسّي». ولاسم جنى آنذاك عنده ذكريات.
وعندما أصيب منه القلب في المستشفى النمسوي ومات ميتته الأولى لثوان سألت:
- ما الموت؟
- لونه أبيض.
- أردفت:
- انتبه إلى قلبك. إنه عضو عادي عند سائر البشر. أما القلب عندك فهو أداه إنتاج.
- فانطلق في تساؤلات طفلية عن غرائب الأحدية والعدد في الجسم البشري: كيف يعقل أن يكون للمرء مليون شعرة وقلب واحد فقط!
رقّصنا الساحة في إشبيلية مع الياس صنبر وفاروق مردم لحضور مؤتمر للمثقفين الإسبان بدعوة من خوان غويتسولو. وطيّرنا الحمام بعدما خرجنا من مخزن الألبسة وقد اختار كل منا، عن غير انتباه، السترة الجلدية عينها التي اختارها الآخر. ولم يرق لمحمود التشابه فلم يطل به الأمر حتى أهدى سترته إلى أحد الأصدقاء. ولِمَ لا؟ «إن التشابه للرمال وأنت للأزرق».
من «أيامنا» معاً أننا اعتزمنا رحلة إلى اليمن على أمل تنفيذ مشروع فيلم عن امرئ القيس يكتب محمود السيناريو ويخرجه الصديق ميشال خليفي. قررنا أن نسير على خطا الشاعر الأمير في دوعن، ببلاد حضرموت. وصلنا صنعاء والجو متوتر بين الحزبين الحاكمين. وبين الرئيس ونائبه. وكالعادة، بل فوق العادة في تلك المرة، توتر محمود إلى أبعد حد قبل أمسيته الشعرية. لم يكن يعرف ماذا يتوقع من الجمهور اليمني. ولكن بقدر توتر محمود، كان انفراج الناس الذين تفاءلوا بأن شيئاً لن يحصل لأن محمود موجود بينهم. فتوافدوا بكثرة للقاء الشاعر. مع ذلك، لم يطق محمود المكوث أياماً في الفندق بعدن في انتظار طائرة إلى وادي حضرموت فقفلنا راجعين، فلا اقتفينا آثار شاعر «قفا نبكِ» ولا ذقنا عسل دوعن.
محمود اليومي
لطالما عجبت كم أن محمود لا يشبه سائر الشعراء، أو أنه لا يشبه على الأقل الصورة النمطية الشائعة عن الشاعر. لا أثر فيه للبوهيمية. لا لحية له. ولا شارب. وهو حليق كل الوقت. ليس حزيناً ولا مكتئباً. أو انه لا يريك وجهه إذا ما سيطر عليه الغمّ. أنيق منتهى الأناقة. نظيف. جميل. ومجامل أحياناً. منظّم ودقيق في مواعيده بطريقة مدهشة. ثابت في طقوسه. يكتب صباحاً على مكتبه. يكوّر يده أمام الورقة، مثل الأولاد أيام الامتحانات، يخفي ما يكتب عن فضولي غير مرئي يتلصص عليه. أو يريد أن ينقل عنه. سألته لماذا. قال لست أدري. ربما خفرا. وربما لأني لست واثقاً من أني سوف أبقي ما كتبت. لا يتردد في تمزيق قصيدة لم تصل إلى مستوى يريده. ولا يتردد في إهمال قصيدة إذا ما قرأ قصيدة أفضل منها. مزّق قصيدة في رثاء بابلو نيرودا بعدما قرأ قصيدة إيتل عدنان «بابلو نيرودا شجرة موز».
بعد الغداء والقيلولة، يقرأ بنهم. الروايات خصوصاً. لا يخفي أنه يحلم بكتابة رواية. ولكنه يسارع إلى الاعتذار لأنه لن يجيد كتابة الروايات. وهو محقّ في ذلك. فعلى نحو غير إرادي، يتحول الكلام بين يديه دوماً إلى موسيقى.
في المساء يمارس الصداقة. يشرب في السهرات ولكنه لم يصل مرة إلى السكر، على حد معرفتي، ولا يطيل السهر على كل حال. هذا شاعر لا مهنة له إلا الشعر، وإن امتهن الصحافة للقيام بالأود. نادراً ما يترك وراءه نصاً بخط اليد. نادراً ما يكتب الرسائل. لا يريد أن يبقى منه إلا شعره. ليس يريد أن يبقى منه شيء إلا الشعر.

الـ«أنا» والـ«هنا»
وخزته فلسطين إلى الشعر منذ شهق الطفل: «من أين جاؤوا؟» وصرخ غاضباً في وجه أهل لم يستطيعوا منع انفصال الجسد عن المكان الأول. ولسعه الضابط الإسرائيلي بسوط الهوية عندما رفض تسجيل اسمه في عداد أبناء قريته ظناً منه أن الفتى الأشقر الشعر من أبناء جلدته. فردّ الفتى: «سجّل! أنا عربي!». مذ ذاك وشعر محمود درويش يشتغل على استعادة وصل الجسد بالمكان. فعلى وقع جدلية الـ«هنا» والـ«أنا» ولدت شاعريته ونمت وخصبت ونضجت وجمُلت وتأوجت.
«المكان الرائحة الأولى/ قهوة تفتح شباكا غموض المرأة الأولى /أبٌ علّق بحراً فوق حائط/ المكان/ خطوتي الأولى إلى أول ساقين أضاءا جسدي/ المكان المرض الأول.. /والمكان/ هو ما كان وما يمنعني الآن من اللهو/ المكان الفاتحة/ المكان السنة الأولى. ضجيج الدمعة الأولى/ التفاتُ الماء نحو الفتيات. الوجع الجنسي في أوله، والعسل المُرّ»..
وإن يتسامح الشاعر مع مكان ليس هو «ما كان»، فقد يتسامح مع بيروت، الخيمة الأخيرة والنجمة الأخيرة. وإذ حرم بيروت، حرم المنفى والوطن معاً («لا منفى لي/ لأقول لي وطن/ الله يا زمن»).
ومع أن مفتاح شعر محمود هو جدل الهنا والأنا، يظل الشاعر عصياً على التصنيف. رومنطيقي؟ يجوز قول ذلك في وجه من أوجه إنتاجه المتعددة. مثل الهنود الحمر، يلجأ إلى الطبيعة ليقاوم بها آلات القتل التي يحملها الرجل الأبيض. يقاوم بالشجرة والحصان والقمر. لكن الطفل الذي فيه يريد أن يعبث بكل شيء حتى بالطبيعة: «لو أستطيع أعدتُ ترتيب الطبيعة/ ههنا صفصافة وهناك قلبي/ ههنا قمر التردد/ ههنا عصفورة الانتباه/ هناك نافذة تعلّمكِ الهديلا/ وشارع يرجوكِ أن تبقي قليلا»). شاعر غنائي؟ لا يكفي. فهو عطف أوديسة العودة إلى حيث الأم تنتظر على إلياذة فلسطينية أودعها «أيام» شعب بأكمله. ذاكرة شعب. نعم. ولكنها مفتوحة على المستقبل لا متشبثة بالماضي.
كُتب على محمود درويش أن يكون «شاعر القبيلة» فلم يكتفِ بالنطق باسمها، صار مربيها ومعلّمها. رفض أن تذهب القبيلة بالصوت الفردي. بل ارتفعت نبرة صوته الفردي فوق ضجيج القبيلة. يريدونه نواحا بكاء، فيما هو يربّي الأمل مثلما يربّي المزارع النحل. ازعم أن هذا الرجل هو أبرز مفكر سياسي عند الشعب الفلسطيني. ليس فقط في معرفته الاستثنائية بالصهيونية ودولة إسرائيل، وحسّه العميق بنبض شعبه، بل بفضل قوة المخيلة عندما الشعر يجد حلولاً استعصت على السياسة وأهلها، كما قال ماياكوفسكي. لقد أجبر محمود درويش الفلسطيني ليجبر الإسرائيلي على أن يتأنسن. وفرض بالشعر حق شعب في أرضه.
يجوز القول إن الشعر لا يستطيع الكثير في نزاع مع أسلحة الدمار. ولكنه مع ذلك يستطيع. فمن يعرف حالات عديدة نشبت خلالها أزمات وزارية حول تدريس قصائد لشاعر بحدّة الأزمة التي نشبت داخل الحكومة الإسرائيلية إذ انقسمت بين مؤيدي تدريس شعر محمود درويش في المدارس ومعارضيه. وأي انتقام، ولو رمزياً، للضحية من جلادها أبلغ من أن يضطر الجلاد آرييل شارون إلى الاعتراف بأنه يقرأ شعر محمود درويش ويعجب به.
أما السلطة فاقترب منها ولكن من دون أن يتماهى معها أو أن يخدمها. ولسان حاله: ما أضيق الدولة/ ما أطول الرحلة/ ما أوسع الثورة.
ثم إنه ليس مجرد شاعر هوية. الهوية عنده مفتوحة على الأمام والأمل والتقدّم، الثالوث الذي يقضّ مضاجع الما بعد حداثيين. أليس هو القائل في قصيدة «طباق» التي بها رثى إدوارد سعيد: «إن الهوية بنت الولادة ولكن/ في النهاية إبداع صاحبها/ لا وراثة ماضٍ»!
ذكاء القلب
محمود درويش هو الذكاء الذي ليس هو مجرد عقل. والقلب الذي ليس هو مجرد عاطفة وشعور. والموهبة المصقولة بالثقافة وبشغف لا يشبع إلى المعرفة. وهو كتلة أحاسيس ترفعها المخيلة إلى أرقى مستويات النبل والجمال. الجمال لذاته وبذاته.
شعر محمود درويش هو ذكاء القلب.
ندّابون عدميون يتساءلون: ماذا قدّم العرب للثقافة العالمية؟ ببساطة، قدّمنا محمود درويش.
دعك من التخليط. هذا شاعر لا يعوَّض. وإنسان لا يعوَّض. وصديق لا يعوَّض. ولا حاجة إلى البلاغة واللعب على الكلمات عن الموت. فالمعنى هو عند المتنبي العظيم، أكبر ملهمي محمود: إن الموت ضرب من القتل.
محمود درويش قتيل. وهذه جريمة لا عقاب عليها. وكل ما كتبه محمود عن الموت يدور مدار هذه المأساة: الموت هو الجريمة الوحيدة التي لا مكان لها في القانون الجزائي. إنها الجريمة الوحيدة التي لا عقاب عليها!

* * *

عن غياب النجم
• رائف زريق

الأصل اللاتيني لكلمة Disaster ليس إلاDis-star ، أي غياب النجم. من أضاع نجمه فقد بوصلته وسياقه، ولا معنى خارج السياق، وهذا هو الكابوس في عينه. لقد خسرنا اليوم نجماً كانت بوصلته تدلّنا إلى فلسطين، وإلى الشعر والجمال.
منذ عملية القلب الأخيرة، وأنا أخشى قدوم هذه اللحظة. هكذا هو الأمر عندما نحب، ذلك أننا نخشى الخسارة، لأن القلب هشّ، وقابل للانكسار كالبلور على الرخام. لكن، كيف تعدّ قلبك لموت مفاجئ؟ كيف تدرّبه على الخسارة قبل موعدها؟ وأي احتياطات في وسع القلب اتّخاذها في انتظار شبح موت مقبل من بعيد؟ هذه هي طبيعة القلب، يقودنا ولا نقوده، ويرفض محاولات التدريب والترويض، ويأخذنا إلى النهايات المفتوحة بحلوها ومرّها.
سأعتذر لك عن بعض ضحالتي اللغوية، وبعض الافتقار إلى الأصالة. لا أستطيع أن أكتب عنك إلاّ بكلمات مضمّخة بعطر لغتك، موشومة برسمها، مستعيناً باستعاراتك، ومتّكئاً على مجازك. صحيح أنه بعدما فاض نهرك، وانتحر في بحر اللغة، أصبحت الكلمات والمعاني جزءاً من هذا البحر وملكاً للعامة.
لكن فيضك كان كبيراً، وكان إيقاعه خاصاً، ونكهته مميزة، بحيث لا يستطيع السابح فيه، إذا كان نظيف النيّة، إلاّ أن يتعرف إلى ملامح لغتك، وأن يستشعر رائحة النهر في البحر، وأن يرى ألق النبع. من الصعب على نفسي أن تتعرف إلى نفسها، وعلى لغتي أن تجد مفرداتها، من دون أن تتورط في عالم المعاني الذي شاركت في صنعه بقلم وورقة.
كيف نفهم المنفى، بمعزل عن روايتك ورحلتك الشخصية، وما قلته في المنفى وعنه، وعن الهنا والهناك؟ كيف نغرس في الوجدان حرب لبنان الأولى والكينونة الفلسطينية، وشعور الوحدة والتيه من دون «مديح الظل العالي» و«ذاكرة للنسيان»؟ كيف نؤسس لحقّنا في الوجود من دون سجالاتك الذكية؟ كيف نشرب قهوتنا من دون أن نستذكر غزلك بالقهوة، وكيف لا نتبارى في حمل صينية القهوة لأن «حامل القهوة، حامل الكلام»؟ كيف نمرّ بمطار من دون أن نستذكر مطار أثينا، وكيف سيكون الكرمل الذي لم تتوقع ميتة أحلى وأسمى وأشهى من ميتة فيه، وقد كرّست حياتك لترسّخ اسمه في الذاكرة عبر مجلة «الكرمل»؟ كيف نغازل المرأة الجميلة من دون أن نسمع همسك الناعم:
«وانتظرها.. بصبر الحصان المعدّ لمرتفعات الجبال» و«بذوق الأمير البديع»؟ كم من الصبايا سيفرحن لأنّهن يحملن اسم ريتا، ولهن قصيدة حب حاضرة؟ كيف نراقب الفراشات بحياد شاعريّ بعدك؟ وكيف لا نتحيّز إلى جمال زهر اللوز؟ كيف لا نستعيد الفرح كلما انكسر القلب وتعثّر الحظ لأن «على هذه الأرض ما يستحق الحياة؟».
لقد وسّع محمود درويش هامش المناورة اللغوي والمعنوي، فأعطانا فسحة للحركة، ومنطقة للكرّ والفرّ، منطقة محرّرة مجازياً من الاستيطان، من الأسطورة الصهيونية. منطقة نرفع فيها علماً، ونفرح ساعةً وننبهر بالجمال. بين ديوان وآخر كنا ندخل حالة انتظار. نسأل أنفسنا إلى أيّ قمة جديدة سوف يأخذنا هذه المرة. لقد كذّب الأطالس التي أقنعتنا بالسبع القارات، إذ اكتشف قارات أخرى أكثر جمالاً، ومحا الفرق اللغوي بين الاكتشاف والاختراع.
لم يأخذنا إلى البعيد من المفردات، بل دعانا لنتفرّس من جديد في المألوف والعادي منها، ومن قلب العادي أبدع الاستثنائي، ومن خيوط باهتة رسم لنا لوحات من قوس قزح، ومن المألوف صنع الدهشة. مع كل نص نشعر وكأننا نعاتب الكلمات، فهي ذاتها التي ألفناها عشرات السنين أو ظننا أننا عرفناها تفاجئنا بوجه آخر، وتضغط على وتر مختلف من أوتار القلب. تستأذننا الكلمات من عملها اليومي العادي، وتخرج في نزهة برفقة محمود وتعود إلينا جديدة تماماً، فنوشك أن لا نعرفها. تخفي الكلمات وجهها بحجاب، وتأبى إلا قلم محمود ليرفعه، ولنكتشف، تحت أنفنا مباشرة، بحراً زاخراً بالمعاني والصور والمشاعر، كنا قد غفلنا عنه في غمرة بلادتنا وروتين إيقاع حياتنا. نقف على حافة عتاب الكلمات فتقول لنا ما قاله محمود للعاشق المتسرّع: «تأنّ وانتظرني، خذني برفق وتفرّس فيَّ أنا كما أنا، وليس في حمّى البحث عمّا قبلي أو بعدي، عمّا ورائي أو أمامي».
سيتزاحم النثر والشعر على محمود، وسيغار النثر من الشعر كثيراً، لأنّ محمود، كما في حياته، لم يقبل زواجاً أحادياً، بل أصر على مغازلة الشعر والنثر معاً. محمود ناثراً ليس أقل منه شاعراً. وبين هذا وذاك ستفتقده فلسطين وشعبها، فهو الصوت والرمز.
إلاّ أنّ أهم رسائل محمود كانت ولا تزال فهمه الخاص لعلاقة الشعر بالوطن، والجمال بالأخلاق، والعلاقة بين كليهما من ناحية وبين السياسة من ناحية أخرى. لقد أصرّ على اعتبار كتابة الشعر مهنة لها أصولها وقوانينها وإيقاعها ومتطلّباتها. إن التزاماً كمثل هذا هو ضرورة فنية وأخلاقية وسياسية في الوقت نفسه. ما كان واضحاً هو إصراره على التعامل مع الجمال والفن باحترام يليق بهما. كل فعل جميل هو فعل مقاوم لأنه يجعل الحياة أجمل وتستحق أن تعاش. الجمال وطن والوطن جمال. هو وطن لأننا أمامه ننسى أنفسنا وننغمس كلياً فيه، وتقصر المسافة بين الذات والموضوع، وينتهي الاغتراب عن العالم. ولا يكون الوطن وطناً إلاّ إذا أنهى حالة اغترابنا عن العالم واستشعرنا تماهياً معه. لا معنى للوطن إذا لم يكن في مقدوره أن يأخذ بيدنا إلى الحرية أولاً وإلى الجمال ثانياً.
لقد صدّق محمود استعاراته وأغرته الفراشات كثيراً، ومن فرط حبّه لها ذهب مع قلبه إلى المنازلة، كما تذهب الفراشات إلى الضوء. إلاّ أنّ محمود لم يذهب بسذاجة الفراشة إلى موته، وإنما برشاقة الفارس الشجاع، وهو في عزّ عطائه وشموخه. مات دفعة واحدة لا بالتقسيط. ولأنه سقط من القمة، ولأن روحه كانت من البلور، تطايرت الشظايا لتطاول كل واحد منّا، جريحاً بمقدار الحب الذي نكنّه له.
هكذا فهم محمود العالم والمقاومة: الجمال والحب هما الرصاصتان المؤهلتان لاختراق قلب الموت. لقد صوّب وأصاب وانتصر على الموت. انظروا دواخلكم تجدوا محمود في انتظاركم، مصغياً إليكم بتأنّي العاشق الذي لا يملّ.
خسرت فلسطين رمزاً ومدافعاً عن حقّها في الاسم والوجود، وخسرت اللغة ابناً مشاكساً بحبّ وأباً معطاء، وخسر الجمال حليفاً عنيداً، وفقد الشعر جناحاً يرفّ به.

* * *

صانع الفردوس الأخير
• فاروق يوسف

عاش محمود درويش حياته كلها رمزياً. القرين، الشبح، الظل، كلها أسماء لذلك الكائن الشعري الذي اضطر أن يكون رمزاً لقضية صارت تزداد التباساً يوما بعد آخر، ورمزا لوطن حذف من الخريطة وعاد بقوة الكلمة لكن خارج كل الخيارات الممكنة جغرافياً. لولا صفته رمزا لكان الشاعر فيه قد ذهب إلى مكان آخر. مكان تهبه الأصوات المتخيلة أجنحة ليظل في حالة تحليق دائم. لم يكن درويش في حاجة إلى التفكير في التاريخ، كانت طريقه في ذلك الاتجاه سالكة دائما بقوة المعنى الذي انطوى عليه وجوده: شاعر قضية. غير أن الشعر باعتباره (أو هكذا صار) وطناً شخصياً بديلاً، هو ما كان يقلقه ويقضّ مضجعه ويتحكم بحالاته ويصنع أبعاد شخصيته. ذلك الشعر الذي كان يبدو ميسرا ومتاحا، سيكون دائما في حاجة إلى أن يُقرأ من جهة قدرته على الإخفاء والمراوغة والصمت. ما لم ننس صوت درويش المنغّم والصافي والحاد، فإن ذلك الشعر سيظل جارحاً وصلباً وستظل لقاه مختبئة في أعماق منجم معتم. لمعان صوت الشاعر كان ولا يزال (على رغم غيابه) يأسر الكلمات، يهبها عاطفة مضافة، يطرّيها ويرويها فيجعلها تبدو أكثر نضارة، كما لو أن حبرها لم ينشف بعد. كلمات كانت موقع ثناء صوت خلقها من أجل أن يتمتع ببريقها. بين ثنيات ذلك الصوت لا يزال هناك شيء كثير من الشعر الفذّ كامناً، وسيظل كذلك إلى أن ننسى ذلك الصوت الساحر. أحياناً كان درويش يفكر في الطريقة المضادة عينها، غير أنه لم يكتب إلا من طريق صوته الذي وهبه شعورا مختلفا بالكلمة. حتى يومياته التي جمعها في كتابه الأخير «أثر الفراشة» كانت منغّمة ومشبعة بالموسيقى الداخلية والقوافي. يده التي كانت تكتب لم تكن تتلقى الإلهام مباشرة. دائماً كان هناك وسيط بينها وبين الإلهام هو الصوت. وهي الأغنية التي ظل درويش يرددها إلى آخر يوم في حياته. على الرغم من أنه كان ناثراً مجيداً، غير أن نثره غالباً ما كان يحتوي على شذرات من الشعر المقيّد، الذي يمكن ترجمته من طريق الغناء. رمزية وجوده مقاوماً متمرداً في كل الاتجاهات وضد كل التسويات، جعلته يقف قريبا من التوتر الذي يحث على الغناء المباشر. الكلام الذي يسبق الكتابة كان مصدر ولع درويش بالحكاية المتأنية. ما من قصيدة لدرويش إلا وقد صيغت على شكل حكاية. قد تحضر تلك الحكاية ناقصة ولكنها تظل توحي بما يصل بها إلى اكتمالها وذروتها. درويش هو شاعر الحكاية التي يمكن اختزالها بجملة واحدة، هي تلك الجملة التي تقفز مباشرة من الكلام إلى الكتابة مكتملة لتكون لازمة تتكرر بين حين وآخر، من مثل «أطل كشرفة بيت على ما أريد» و«على الأرض ما يستحق الحياة». كان تكرار تلك اللازمة هو ما يجعل الشاعر قادرا على الإمساك بخيط الحكاية من غير أن يفلت شيء منها، وهو أيضا ما يشدّ الجمهور إلى إيقاع جملة يمكن حفظها وترديدها لكثرة ما تتكرر. جملة يفقدها المعنى الواعي الكثير من جمالياتها. وهي ابنة تقنية في الكتابة استعارها درويش من الشعر العربي القديم. وهو ما يجعلني على يقين من أن درويش كان يكتب بصوت عال، بل إنه كان يكتب لجمهور افتراضي يقيم في المرآة، غير أن ذلك الجمهور كان يتحقق بعد حين. لا بدّ أن يتحقق. فدرويش هو آخر الشعراء العرب القادرين على أن يملأوا مدرّجات ملعب لكرة القدم بالجمهور الذي يحضر من أجل الشعر، بكل الالتباس الذي يحيط بمفهوم الشعر والمعاني العديدة التي تصدر عن ذلك المفهوم. وهذا ما حدث غير مرة. قال يوماً لجمهوره: «هي صفقة، أقرأ لكم ما تريدون من قديمي لتتيحوا لي الفرصة بعد ذلك لقراءة ما أريد من جديدي». وكما أعتقد فإن درويش الذي شكا غير مرة من قسوة الحب الذي يحوطه ومن ذائقة الجمهور الرجعية، كان في الوقت نفسه يجد ذاته على المسرح أكثر مما كان يعثر عليها في كتاب. لقد صنعت مباشرة القول المقاوم شهرته في لحظة عصف تاريخي ضاع أثناءها وطنه، لذلك فإنه لم يتخل عن تلك المباشرة حتى في أكثر قصائده حنوا على الذات («الجدارية» على سبيل المثال). جماليات قصيدته لم تخن شعوره بحاجة الناس إلى الشعر وحاجة الشعر إلى الناس. وهي حاجة نبيلة ارتقى بها درويش إلى مصاف الخلق الصافي. حيث اللغة تثأر من الواقع لتدينه وتهجوه وتعرّي تدنيه الأخلاقي. كان درويش، في حالة الشعر، مزيجاً من المؤرخ والحكّاء والواصف والمعالج والنرجسي والعاشق والخطيب والساحر والمحارب والمبشّر والباحث والمعلّق، ولكنه لم يكن سياسياً البتة. تمرده على بعض الفصول التي انتهت إليها الحكاية الفلسطينية التي كان واحدا من أهم صنّاعها في التاريخ، يكشف عن معدنه الأخلاقي النفيس. ذلك المعدن الذي لا يعرفه السياسيون ولا يعترفون بضرورته، بل إنهم يسعون إلى محوه دائما: «للملحميين النسور ولي أنا طوق الحمامة». ومن أجل الشعر، تمرد درويش على الأسطورة التي صنعته، من خلال الذهاب بتلك الأسطورة إلى المكان الذي ينأى بها عن المحاكاة الواقعية. صارت تلك الأسطورة برّيته التي تقيم في الموقع الشفاف الذي يجعلها ترى بعيني الخيال من غير أن تطيع. وهي أناه التي تقول كل شيء من طريق الإنشاد: «واسمي وإن أخطأت لفظ اسمي على التابوت لي». كان الشعر معجزته التي اكتشف أنه من خلالها يستطيع أن يكون فلسطينيا بعمق وكثافة، وأن يعدي بفلسطينيته الآخر المجاور، ليجرؤ الاثنان من بعدها على القول في كل مكان من العالم أن هناك أرضاً موجودة تسمّى فلسطين: «كانت تسمّى فلسطين/ صارت تسمّى فلسطين». هكذا لم تهزمه الأسطورة التي صنعته ولم يهزمها حين تمرد عليها وهذّبها وتخلّص من عشبها الضال، بل ومزجها بأناه. صارت تمشي مثله على الأرض من غير أن تتلوث قدماها بالوحل. بعد درويش لم تعد فلسطين مكانا في إمكان الناس المحليين احتكار معرفته، بل تحولت إلى أيقونة نخبوية ليس من اليسر استخراج أسرارها. لقد صنع درويش لأبناء وطنه المشردين وطنا لا يمحى. وطنا يقيم في مكان عليّ تحفّ به الملائكة من كل جانب. مكان تسمّيه اللغة شعرا فيما يختبره الحدس في صفته فردوسا أخيرا: «لم أغيّر غير إيقاعي لأسمع صوت قلبي واضحا». وهذا ما دأب على القيام به في كل تجاربه الشعرية المتأخرة. كان يريد لذلك الفردوس أن يكتمل، أن ينسى البدايات وأن لا تكون النهايات في متناول عينيه. وهو في ذلك إنما كان يراهن على الشعر، مخلّصا وخلاصا: «أنا الرسالة والرسول».

* * *

وقت مستقطع بين الحجارة والرمل
• بلال خبيز

قلت لنفسي لو أني جرحت يدي أو ساقي، جرحاً كتلك الجروح التي يهواها المنتحرون، ليس عميقاً بالقدر الكافي لكنه حاد وغزير، إلى حد أن الألم الذي ينتج منه يتحول مع الوقت أكثر قسوة من الموت نفسه، لو أني جرحت يدي، فهل تتفاقم الغربة؟
من عسير المصادفات أن الأطباء في هيوستن كانوا في اللحظة التي يجرحون صدر محمود درويش أملاً في إنقاذ حياته، كان الشاعر، بصدر مجروح أو جرح ملتئم، يخاطب ألمه في انتظام الجندي. الألم، هو رفيق الغريب. أكان في هيوستن أم في باريس، أم حتى في بيروت. رفيق الغريب لأن الغريب يحسن التحدث أكثر ما يحسن إلى ألمه. في لحظة مثل هذه، يصبح الألم ذاكرة للجسد.
«لم تكن البروة (كفرشوبا) قرية ذات شأن في تاريخ فلسطين (لبنان)، لكن ذلك الغروب (الصباح) الدامي جعل من كفرشوبا (البروة) المنسية ملحمة شعب صابر. وحين جلسنا على حجارتها ذات صباح، عرفنا الجريمة التي ننال عليها كل هذا العقاب، وأدركنا أن الحجارة هي الوقت، فجلسنا عليها نغني للوطن».
الوقت لم يكن كله حجاراً فحسب. كان ثمة أيضاً بحور من تعب ورحيل، وأكياس عواصف مهملة عند الزوايا، وأعداء يحسدون ضحاياهم. وكان على المرء أن يربح الوقت. لأن الشعراء مثل الجنود لا يربحون الحروب. هل غلب الوقت محمود درويش؟ ومتى رفع الشاعر راياته البيض؟ تباً للأسئلة الخطأ. فمتى لم تكن بيضاً رايات محمود درويش؟ هكذا يكون الشاعر وهو يعيش في زمن ما بعد الكارثة. رافعاً راياته البيض، ليس لأنه مستسلم، بل لأن ثمة زمناً ولد قبل أن يولد وأورثه الكارثة. هذه المناديل التي تلوّح للوداع هي رايات بيض، وهذه العيون أيضاً. إذ كيف يطيق وداع الأحبة والأمكنة من لم يرفع راياته البيض عالياً؟ كيف يمكن المرء من دون مثل هذه الرايات أن يرحل من زمن إلى زمن، كل مرة راكباً أيلولاً جديداً؟ وليكن الأمر استسلاماً. لا بأس. استسلمنا لوهن الجسد في الغربة، واستسلمنا للمرض في مستشفيات غريبة وبيضاء. بيضاء، بيضاء، بيضاء، حتى لتكاد تشفّ عن شرايين قاطنيها، عن الدم الذي يعبر بطيئاً وشبه بارد في الشرايين. بيضاء، لأنها لم تكن تملك قلباً أصلاً.
وها نحن هنا، نرفع راياتنا البيض، لكلٍّ منا أندلسه أيها الراحل. لكل منا بيروته أيضاً. ولك وحدك أن تقف على تلة في رام الله، وتصيح: يا ليتني.. يا ليتني.. يا ليتني كنت حجراً هناك! أبيض ومرقوماً، ومرفوعاً كما لو أنه لا يهزم ولا ينحني. من الذي قال إن السرو لا يحسن الانحناء. وحدها الأحجار تحسن أن تبقى منتصبة أمام العواصف.
ها نحن هنا، لكلٍّ منا راياته، وألمه، وحين يفكر المرء في نفسه قليلاً، لا يستطيع أن ينسى هول الوقت. الوقت الذي يطيح وعودنا كلها. الوقت (الموت) الذي ننتظره منذ الولادة، لكنه يفاجئنا دائماً لأنه لا يحسن التكرار. فج وعميق ووعر، كمثل رعاة جبليين، ونحن نقع تحت عصاه. ونحاول جهدنا أن نؤخر حلولها.
ها نحن هنا. كثيرون ماتوا قبلنا. كثيرون لا يحصون، بعضهم أعزاء وأحبة، وبعضهم لم نكن نكنّ لهم الود. لكنها المرة الأولى، لا نجد كلاماً مناسباً. هل في وسع أيٍّ كان أن يقول في محمود درويش كلاماً أقلّ من الشعر العالي؟ نظرة سريعة إلى ما كُتب في وداعه، تثبت أنه كان مستحيلاً على العقل، ومستحيلاً على المنطق. لكنه كان أيضاً الوحيد الذي يحسن أن يصنع للكوارث منطقاً ويصنع من الفجيعة تاريخاً.
تلك هي محنة أن تكون فلسطينياً، لأنك منذ ولادتك ستعيش في الوقت لا في المكان. الوقت الذي عبر، وأصبح حجارة، والوقت الذي سيأتي ولا يزال رملاً. وبين الحجارة والرمل ثمة بحور كثيرة ينبغي أن تقطعها، وأن تجوع وتعطش ثم تنجو. تنجو ليس كما ينجو الناجون فتنتهي الحكاية بخاتمة سعيدة. تنجو لتدخل من جديد في هول الوقت الذي ينتظرك بعد كل نجاة. تلك صعوبة أن تكون فلسطينياً.
بالتأكيد. لكنك أيضاً ستحسد الفلسطيني على الحزن الذي يرافقه كظله. كم واحداً منا لوّحت له مناديل الأمهات والشقيقات وهو يغادر؟ كم واحداً منا اختبر حجم الحنين؟ لا أحد قطعاً. ثمة في لافلسطينيتنا ما يجعلنا دوماً أبناء أمكنة. نغادرها غاضبين، نغادرها خائبين، لكننا لا نغادرها ونحن نبكيها. فلسطين، بين كل البلاد تلك التي لا تستطيع مغادرتها، لأنها تقع في الوقت. والوقت ليس حجارة وحسب، إنه القلب. القلب الذي يرمي لنافذة تحيته الأخيرة، والقلب الذي يعوي ويعد البراري بالبكاء الحر.
أن تكون فلسطينياً. هذا ما لم نكنه يوماً. وهذا ما نحسد محمود درويش عليه. كان فلسطينياً ولم نكن نستطيع الارتفاع إلى شجنه العالي. شجنه الذي ينمو مثل أشجار الكرز، عالياً وهشاً وشهياً.
رحل محمود درويش. وابتداء من الساعة التي رحل فيها، لم يعد في إمكاننا أن نوازيه. له 175 سنتيمتراً من التراب في تلة تشرف على رام الله. يقولون إنه أحبّ المدينة. أحبها؟ ربما، محمود درويش أحب مدناً كثيرة، لكن جلّها كان خؤوناً. رام الله المحبوبة هناك في ذلك البلد البعيد جداً. بعيد ولا نريد أن نصدّق أننا نستطيع أن نرمي حجارتنا إليه. أن نحمّل تلك الحجارة رسائل نكتب فيها: هذا حجر من لبنان، ونود أن نضيفه إلى أحجار فلسطين. هكذا نعاون أهلها على مهمة قتل الوقت المستحيلة. وهي مستحيلة فقط هناك. رام الله المحبوبة بعيدة كثيراً، ربما لأن ترابها يحتضنه. فنحن لا نستطيع أن نوازيه أو نلتحق به.
بين الفلسطينيين الكثر الذين نعرفهم ويعرفهم العالم، لم يكن درويش يدبّر الوقت بالضحك. كان طافحاً بالحنين إلى حد أنه لم يعد يملك مساحة فائضة. الضحك عدو المنطق، لأنه يولد من الرحم ذاتها. لكن الضحك أيضاً هو وسيلتنا لاختراع المكان. حين نضحك، تصبح البلاد بلاداً. بلاد ناقصة، لكنها تبقى بلاداً. هذا ما رأيناه في أعمال فنانين فلسطينيين كثيرين. لكن محمود درويش لم يكن ضاحكاً، كان يريد أن يثبت أن الحنين مستقبل، وليس مجرد حزن عابر تمحوه الضحكات.
أيضاً لم يكن يتقن الغضب. الغضب الذي يملأ المرء إلى حد الانفجار. لم يكن يتقن الغضب، لأن الغضب إقرار بموت المستقبل. هكذا تعلّمنا من بعض ما كتب، وهكذا كان يحسن أن يحيي الموتى ويبعث الروح في الرماد مستخدماً طاقته الهائلة على الحنين: كانت بيروت خيمتنا ونجمتنا.
لو أني جرحت يدي أو ساقي، جرحاً كتلك الجروح التي يجيدها المنتحرون، فهل كان في وسعي أن أقترب أكثر من تلك الأرض؟ كثيرة هي الجروح التي تصيبنا. لكن أحداً لا يختبر الجرح الذي يجعله أقرب من تلك الأرض سوى المنتحرين. هل طعن محمود درويش قلبه؟ ومتى كانت الطعنة الأولى؟

* * *

«أريستوقراطية» النثر الدرويشي
• شوقي نجم

ليس من باب الثناء أو من باب الرثاء، عليَّ القول إني قرأت كتاب «ذاكرة للنسيان» لمحمود درويش متأخراً، في طبعته الثانية بعد «حرب تموز» 2006. لم أكن أعرف من الكتاب إلا اسمه وهو لطالما وظِّف في كتابة المقالات والتعليقات. ربما الايديولوجيا أبعدت عنا ما هو جميل. ما لفتني أن دوريش يكتب النثر بأريستوقراطية أكثر عمقا من الشعر. كتب «ذاكرة للنسيان» عن المدينة التي أحبها (بيروت) والتي عاش في ظل حصارها وهو غادرها في أيلول 1982 ولم يزرها حتى 1999. كان يظن أنه شفي من حبها من خلال كتابه المذكور الذي يتضمن نصوصا عن علاقته الملتبسة بهذه المدينة.
سجل محمود درويش بنثره الشعري ومن بين الأنقاض والخراب، ما يجب ألاّ يمحوه النسيان من أشكال المواجهة في بيروت عام 1982، في خضم الاجتياح الإسرائيلي. قال: «أريد رائحة القهوة. أريد خمس دقائق. أريد هدنة لمدة خمس دقائق من أجل القهوة. لم يعد لي من مطلب شخصي غير إعداد فنجان القهوة. بهذا الهوس حدّدت مهمتي وهدفي. توثبت حواسي كلها في نداء واحد واشرأبت عطشى نحو غاية واحدة: القهوة». كتب محمود درويش هذا النص الساخن بلغة متوترة، وبأسلوب يجمع بين السردي والشعري والقصصي والإخباري. وفيه تتقاطع شظايا سيرة شخصية مع حوادث الحرب، حين يقف الفرد عارياً أمام مصيره وربما وجد طريقا للنسيان من خلال النثر. لكن أي نسيان. إنه الذاكرة المتقدة.
يرفض درويش المفاضلة بين النثر والشعر لأن لكل منهما جماليته: «أليس النثر هو حقل الشعر المفتوح. أليس الشعر هو نثر الورد على الليل ليضيء الليل». منذ بواكيره، نافس فيه الناثر الشاعر، وكان توأمه. انبثق الشعر من فائض النثر: «في ظنّك أنك تخطّيت العتبة الفاصلة بين الأفق والهاوية، وتدرّبت على فتح الاستعارة لغياب يحضر وحضور يغيب بتلقائية تبدو مطيعة وتعرف أن المعنى في الشعر يتكون من حركة المعنى، في إيقاع يتطلع فيه النثر إلى رعوية الشعر، ويتطلع فيه الشعر إلى أريستوقراطية النثر». إنه القصد من المعنى، غموض سخي بحسب الكاتب المصري خيري منصور، غموض يأخذنا إلى أريستوقراطية النثر.. مقابل رعوية الشعر. إنه فهم جمالي يذكّرنا بتعريف جورج لوكاش للرواية باعتبارها ملحمة البورجوازية، لكن في أوروبة وحدها. هل أجمل من معنى أريستوقراطية النثر وإدهاشه، النثر في ظله العالي؟! هكذا يكون إيقاع المعنى، وهكذا يشفط الشاعر القارئ إلى كلماته أو عباراته أو نصه أو عزلته أو برج أحلامه.
محمود درويش الشاعر يحب الرواية والنثر، يقرأ الرواية أكثر من الشعر، بل إنه «يحب النثر، ويرى فيه جمالية أكثر من الشعر أحياناً». قال في حوار صحافي: «لديّ حنين نحو النثر، وأتمنى أن أفشل شعرياً لأتجه إلى النثر، لأنني أحبه وأنحاز إليه، وأعتبر أن فيه أحياناً شعرية متحققة أكثر من الشعر نفسه». من أجل إبراز التواشج الحار الذي يربط الشعر بالنثر في إطار المشروع الإبداعي الدرويشي، تستشهد الباحثة الأردنية تهاني شاكر في كتابها «محمود درويش ناثرا» بمقطع شعري من ديوان «حالة حصار» يقول فيه درويش: «إلى الشعر: حاصر حصارك/ إلى النثر: جرّ البراهين من معجم الفقهاء إلى واقع دمرته/ البراهين. واشرح غبارك/ إلى الشعر والنثر: طيرا معاً/ كجناحيْ سنونوة تحملان الربيع المبارك».
عنى النقاد بشعر محمود درويش وأجروا حوله دراسات كثيرة لكنهم لم يلتفتوا إلى نثره، فالحديث عن هذا النثر يكاد يكون مغيبا في النقد (باستثناء المقالات عن كتابه «في حضرة الغياب»)، مع أنه بدأ ينشر إنتاجه النثري منذ عام 1971 حيث صدر له في ذلك العام «شيء عن الوطن»، ثم توالت كتبه النثرية، «يوميات الحزن العادي» و«وداعا أيتها الحرب وداعا أيها السلام» و«ذاكرة للنسيان» و«في وصف حالتنا» و«عابرون في كلام عابر»، فضلا عن الرسائل المتبادلة بينه وبين سميح القاسم. وثمة من يقول إن أبرز المشكلات التي تواجه الدارس في بعض كتبه النثرية اختلاط الفنون فيها أو عدم تحديد الفن النثري الذي ينتمي إليه الكتاب.
يتمرد نثر محمود درويش على التصنيفات. إنه بحث عن الجمالية سواء في الإيقاع أو في العبارات أو المعاني، يخرج على دائرة التعليب المسبقة. نقرأ من كتابه «في حضرة الغياب»: «ضع قمرا على كل صفصافة، وفتاة على كل نافذة، وغزالا على كل نبع، ودع القصيدة تبني الجهة الجنوبية من العدم.. إن أوجعك المنفى ولم يقتلك». بل هو يلجأ إلى ما يمكن تسميته الشذرات أو العبارات التعريفية:
- التفاحة عض الشكل بلا عقوبة المعرفة.
- الأجاصة نهد مثالي التكوين لا يزيد عن راحة اليد ولا ينقص.
- العنب نداء الشكر أن اعتصرني في فمك أو في الجرار.
- التين انفراج الشفتين بإصبعين لتلقي المعني الايروسي دفعة واحدة.
- التين الشوكي. دفاع العذراء عن كنزها.
- الكرز اختصار المسافة بين شهوة العينين وصورة الشفتين.
- السفرجل مشاكسة الأنثى للذكر تترك غصة في حلق الخائب.
- الرمان اختباء الياقوت في التورية.
أليس في هذه العبارات ذروة النثر وذروة الشعر وذروة قصيدة النثر؟! في هذا الكتاب يصالح درويش النثر مع الشعر، مطبّقاً مقولاتٍ كان قالها في دواوين سابقة: «ستعثر الأنثى على الذكر الملائم/ في جنوح الشعر نحو النثر»، «أحبّ من الشعر عفويّة النثر»، «لعلّ السهل نثرٌ/ لعلّ القمح شعرٌ».
لم يكن تفصيلاً هامشياً أن تشدّد معظم المراجعات التي تناولت «في حضرة الغياب»، على شعرية النثر ونثر الشعر، فضلاً عن صيغة النصّ الشعري المفتوح. وليس مردّ هذا أنّ درويش يمزج بين قول شعري تفعيلي وقول شعري نثري، فحسب، بل أيضاً، لأنّ هذه الكتابة قد تكون ذروة جديدة في ما ينهمك به درويش منذ سنوات طويلة: جَسْر الهوّة بين وزن الشعر ونثر الشعر.
يقول درويش: «وإن سألوك عن قوة الشعر قل ليس العشب هشاً كما نرى، ولا ينكسر منذ أخفي ظلّه المتواضع في سر الأرض، وفي العشب على الصخر إعجاز الكلام النازل من غيب، بلا ضجيج وأجراس، العشب نبوءة عفوية لا نبي لها إلا لونها المضاد لليباب، والعشب نجاة المسافر من بشاعة المنظر، ومن جيش يطوّق الطريق إلى الممكن، والعشب شعر البديهة السلس الممتنع السهل والسهل الممتنع، ودنوّ اللغة من المعنى واقتران المعنى بضيافة الأمل».
الشعر بالنسبة إلى محمود درويش يصعب تعريفه. لكن هناك ثوابت في تعريفه مثل الإيقاع. الإيقاع ليس الوزن، بل هو طريقة تنفس الشاعر وموسيقاه الداخلية. يعتبر أن الإيقاع ليس حكراً على الوزن. وقد يتأتى من العلاقات بين الحروف والكلمات والدلالات حتى في نص نثري. لذلك لا نستطيع كتابة قصيدة نثر موزونة. خلافه ليس مع قصيدة النثر التي أحبها كثيراً، خلافه هو مع الادعاءات النظرية التي تقول إنه لا شعر ولا حداثة خارج قصيدة النثر. يُقال إن قصيدة النثر مشغولة بالتفصيلي والهامشي واليومي. هذا لا يكفي لتعريف قصيدة النثر، لأن هذا قد يُكتب إيقاعياً وبالوزن التقليدي أيضاً. هذا ما قصده حين قال «إني أستطيع أن أستوعب خطاب قصيدة النثر في قصيدتي الموزونة».
أفاد درويش كثيراً من قصيدة النثر، علاوة على انفتاحه على ما يُسمّى «نثر الحياة»، وهو أكد أكثر من مرة أنه ليست لديه مشكلة مع قصيدة النثر، ولا مع النثر.
يبدو درويش عندما تقرأ أعماله النثرية ناثراً أكثر منه شاعراً وعندما تقرأه كشاعر يبدو أكثر من ناثر، ويعترف درويش أن قصيدة النثر كسبت معركتها من أجل الشرعية، ولكنه أثار الانتباه إلى أن تيار هذه القصيدة أو بعض ممثليها يريدون جعلها الشكل السائد. درويش يدعو إلى ديموقراطية في الشعر، إلى شعر تختفي فيه التصنيفات ويدمج الأجناس الأدبية في ما بينها، وهو في هذا السياق يقول إنه يكتب نثراً لكنه يرفض أن يسمّيه قصيدة نثر لأنه ضد التصنيفات التي تقيّد الشاعر في شكل من الأشكال، وهو يدعو إلى الانفتاح في الحكم على أعمال الآخرين، ويعتقد أن أي قائمة لأهم ما كُتب في العقود الأخيرة من شعر عربي ربما تكون من نصيب قصيدة النثر ولكن هذا لا يعطيها أو يعطي ممثليها إلغاء الأشكال الأخرى. فكما كانت مجلة «شعر» رائدة في دفع قصيدة النثر وتقديمها، كانت مجلة «الآداب» رائدة في دعم الشعر الجديد أو قصيدة التفعيلة. ولا ينكر الشاعر هنا أن قصيدة النثر تتوافر على الإيقاع مثل قصيدة التفعيلة. أياً يكن الإيقاع بقول داخلي أو عالي النبرة، فالمشكلة في كيفية ضبطه أو دوزنته كما يُضبط العود أو الوتر الموسيقي لإنتاج أجمل الألحان.
بحسب أحد النقاد لم يكتب درويش قصيدة نثر واحدة فحسب، بل ستّ قصائد! ولست أقصد المزج بين تفعيلة ونثر في المقطع الواحد ذاته، بل أقصد هذا بالضبط: قصيدة نثر متكاملة، مستقلة، خالصة، قائمة على النثر وحده. ففي مجموعته «أحبك أو لا أحبك» 1972، تتألف قصيدة «مزامير» الطويلة (أكثر من 350 سطراً) من 12 قصيدة، نصفها قصائد نثر، بل إنّ هذه القصائد أطول من شقيقاتها الموزونة، وثمة الكثير من العناصر الفنية التي تغري الدارس المعنيّ بالرصد والمقارنة بين مادّتَي كتابة شعرية، من الشاعر ذاته وفي القصيدة الطويلة ذاتها. أراد الناقد تحدي كتّاب قصيدة النثر الذي يعتبرون أنفسهم من المكرسين في كتابة النثر وكل من عداهم هو دخيل عليها، بل أراد الناقد القول أن الكتابة ليست في التصنيفات بل في جوهر المعنى.
ينبغي قراءة محمود درويش بعيداً عن زمن الرثاء وبعيداً عن زمن الايديولوجيا، حينذاك نعرف أين يكمن صفاء الشعر وأين ظله العالي!

* * *


مفتاح للقراءة العارية
• شادي علاء الدين

كان محمود درويش طوال حياته في حالة تناص مع الموت. استدخل نصوصه الكثيرة في نص واحد هو نص الغياب المفتوح على صمت كبير. لم يتركه يكتب نفسه بل كان يسبقه إلى كتابة ذاته. كان يموهها بالاستعارات ويزيّنها بالكنايات ويفتح لها أبواب الفكاهة ويطلقها في سموات الأناشيد المتواضعة فيشتهي الموت ذاتَه المسرودة في شعر درويش فيحاول أن يمتلكها ويسيطر على أوصافها وأسمائها. هكذا نشأت مراودة مغرية يقدم فيها الموت والشاعر كل ما يملكان من إغراءات.
يقول الموت للشاعر: سأصفك كما أشاء وستكون لي دوما. يردّ الشاعر: سأجعلك دوما تشتهي أن تكون ما أكتبه عنك. هذه المراودة الطويلة والشاقة أنهكت الموت وأنهكت الشاعر فقررا عقد هدنة طويلة داخل الأبد. نعلم أن الشاعر استطاع أن يربح لعبة الإغواء هذه، فقد دخل الموت في الصورة التي رسمها له الشاعر ولم يعد يستطيع أن يكون «الموت» بل مجرد موت أليف ومجمّل وعادي ومألوف ومأهول بالمجازات والاستعارات. صار موتا صغيرا يمكن أن نلتقيه في البسيط والمألوف ولم يعد يملك من مكان سوى الذاكرة تحل فيها كتابته على يد محمود درويش في قلب التلقي. الآن صار الموت في تناص مع الشاعر.
نعلم الآن أن محمود درويش قد مات، لذا فإن كلمات متحررة من أسر الرجل ومن أسر القضية التي لطالما حوصر بإلزامية أن يكون مدّاحها، ستنزل إلى مساحة القراءة. هذه الكلمات عارية وتستدعي الورود التي اعتبر الكثيرون أن مجرد ظهورها في قصيدة لدرويش يعني خيانة القضية. لقد مات الرجل فصارت القراءة ممكنة. جثمان الشاعر مفتاح القراءة العارية التي كان يشتهيها دوماً ولم يحصل عليها، وكان يعلم دوما وبدقة شعرية عالية أن حضوره هو العائق الكبير الذي يمنع مشروع التأويل من الحراك. حضور الشاعر ثرثار وعامر بالفائض من العواطف والنياشين.
ستنزل الكلمات العارية من جسد الشاعر ومن صوته إلى جحيم القراءة. سترقص بفرح وحشي حول الجثمان، فلا أحد يشدّ أذنها ويؤنّبها ويراودها عن صمتها بجمال السرد وإغواء التركيب. ليست مجبرة على الخيانة. لقد مات محمود درويش فانفتحت جحيم القراءة العارية.
في أثر الفراشة
نختار قراءة كتابه الأخير، «أثر الفراشة»، وقصيدة «على محطة قطار سقط عن الخريطة» التي كتبها قبل أسابيع قليلة من رحيله في محاولة للكشف عن كتابة درويش في مراحلها النهائية.
تبدو كتابة اليوميات التي تضم الشعر والنثر بالنسبة إلى شاعر مثل محمود درويش نوعاً من مناقشة شعرية لسلطة المفاهيم المتعاظمة للحرب التي هي فعلا اليوميات الحقيقية المكتوبة بفظاظة تحوّل الكلام إلى ضعف دائم. تتوسل يوميات درويش المكتوبة بين صيف 2006 وصيف 2007 بصيغة الرغبة في إعادة التعريف لتبرر نفسها. تعمل هذه الإعادة على طرح سيرة الأشياء والناس والمكان بوصفها غير قابلة للحرب ولا تستطيعها أصلاً ليس بسبب الهشاشة والضعف وإنما بسبب طبيعتها التي لا تستطيع الحرب المثول في أصولها. تحتاج الحرب إلى طرفين وإذا انتفى هذا الشرط فلا تكون الحرب حربا بل مجزرة.
ينطلق الشاعر من جدل التعريف وكشف المفاهيم فيقيم دوما في العرض الواضح لسير مخفية تحت ركام تصورات الأهل والأعداء على حد سواء. فهو يعلم أن السيرة التي يكتبها الإخوة تبقى ناقصة أما الأعداء فيعملون دوماً على صناعة الاختلاف وتطويره ليصبح تناقضاً مطلقاً لا يمكن دفعه إلا بالقتل. يعمل الشاعر على الشبه ويعلن في كتابه هذا الصادر عن «دار رياض الريس للكتب والنشر»، كما في كتبه السابقة، أن هدفه هو إظهار الشبه وإبرازه حتى يصبح القتل ليس مجرد اعتداء من طرف على طرف آخر يسميه العدو بل يصبح خنقاً للذات بحرمانها أسباب تماسكها. هكذا تصبح القسوة اللامبالية التي تجتهد إسرائيل المعسكرة يوميا في تبريرها خطراً جماعياً يهدد كيانياً الفلسطينيين والإسرائيليين. يصبح البحث في الطفولة وأسماء الأشجار وعناوين الورود والنفس الذي تتركه الأمكنة ليشربه أبناؤها بعد خرابها، حياة إنسانية يمكن تقاسمها إذا كانت الجغرافيا لا تسمح بذلك. يبدو الشتات الإلزامي الذي تفرضه الحرب الإسرائيلية نوعا من محاولة لدفع الخطاب ليكون متشتتا بدوره بحيث يمكن إدانته بوصفه بلا جذور وبلا حدود ولا يستطيع الدفاع عن نفسه. تبدو هذه الكتابة التي يصر درويش على تسميتها بـ«اليوميات»، محاولة لفتح مسارات الكتابة على حدود واضحة تطمح دوما إلى الاكتمال والتماسك.
هوس التعريف
يندفع الشاعر إلى صب مشاهد تتبنى صيغة البطاقات الشخصية كوسيلة لشعرنة الكتابة وشحنها بواقع آيل إلى التلاشي تحت وطأة محو ثقافي وعسكري. تظهر الكتابة كأنها تاريخ الوقائع الذي لا يسبقها بالتنبؤ أو يليها بالتحليل أو يواكبها بالسرد بل يحضر فيها بقوة من التماثل يجعلها حياة شخصية. ينفصل عنها الشاعر لضرورات المراقبة لكنه يعلم أنه لا يستطيع اللعب كثيرا في هذا المجال. فهو ليس متفرجا إنما ضحية، لذلك لا يسمح لهذا الانفصال بأن يكون إلا داخل حدود الوحدة. المشهد دوما أنا تناقش مصائرها الممتدة في مصادر من شمس وسماء وتراب وناس ومجازر تحاول الدخول إلى الشرعية من بوابة كنايات ممتنعة.
يعمد درويش إلى تأسيس وجود كتابي من خلال نسف كناية الحرب وجرها إلى معناها الباطن الذي يعرّيه. يعلن دوماً أنها المجزرة وهذه براهيني. يعلم أن المهمة شاقة وأن المشكلة لا تكمن في القاموس فقط وأنه لا بد من إعادة تعريف شاملة. يقول في قصيدة «البنت الصرخة»: «على شاطئ البحر بنت. وللبنت أهل/ وللأهل بيتٌ. وللبيت نافذتان وباب../ وفي البحر بارجة تتسلى/ بصيد المشاة على شاطئ البحر:/ أربعة، خمسة، سبعة،/ يسقطون على الرمل، والبنت تنجو قليلاً/ لأن يداً من ضباب/ يدا ما إلهيةًً أسعفتها، فنادت: أبي/ يا أبي! قم لنرجع، فالبحر ليس لأمثالنا!/ لم يجبها أبوها المسجى على ظله/ في مهب الغياب/ دم في النخيل، دم في السحاب». يحرص الشاعر على تحديد الإطار المكاني الذي يحضن التعريف. فشاطئ البحر هو مكان النزهات الوادعة الآمنة، ما يعني أن المتنزه هو ابن المكان وصاحبه. هذا الوضع يجعل البنت كائناً من وداعة وسلام. يتتابع المشهد التعريفي في خطوات نشيدية تستخدم صيغة تقديم الأبطال في الحكايات والأساطير لتتخفف منها وتستبدلها بالمألوف المرفوع باستحالته إلى مرتبة الأسطورة. لذلك حين يقول إن للبنت أهلاً وللأهل بيتاً، فهو يضع صراع التعريفات في أوجّه. فدائرة التعريف التي يرسمها الشاعر هي دائرة مكتملة العناصر تقيم فيها حياة واضحة أليفة مكتفية بنفسها. البارجة تقتل لكن البنت تنجو قليلا. ليس هناك من نجاة قليلة من موت ما، فالموت فعل محكم وتام ولا يحتمل أي نقص. الفسحة التي تسمح للبنت بتقليل موتها هي الفسحة التي أعطاها لها التعريف. وهذه الفسحة تتصعد لتصبح يداً من ضباب ثم يداً إلهية. لا ينسب الشاعر القوة التي تغيّر واقع الأشياء إلى الغيب ولكن إلى واقع التعريف الذي كان منشده وليس صاحبه. وهو واقع يسمح عرضه بخلق استحالة مضادة، لاستحالة التقليل من نهائية الموت. تصبح المعادلة مفتوحة على بنية أخرى تحتمي بالأصول الثابتة والمعرّفة ضد سلطة المحو بجعله غريباً، وتالياً يصبح فعل القتل الواقعي الذي يمارسه فعلاً قابلاً للتقليل منه. البنت القتيلة هي بنت مكان وزمان واضحين. قتلها لا يستطيع تغيير هذه الحقيقة التي تمنع المحو من أن يتم وتجعله دوما أسير نقص يتنامى إلى درجة أن من الممكن أن يذوب ويتلاشى. فالقتل لا يترك أيّ علامات، فليس هناك جثة لكن الأب مسجّى على ظله، أي ذاهب إلى حضور أوسع وأكثر ديمومة ليقيم فيه. أما الدم فهو دم شاهق ومستعل ومتصعد، وتاليا هو ليس مهدوراً ومهرقاً بل دم متحول إلى سيرورة لمعنى يتماسك دوماً من خلال تكرار القتل. كلما ارتفعت وتيرة القتل استطاع هذا الدم إيجاد صيغة يحمي بها التعريف الواضح للبنت وأهلها: مكانهم هو ها هنا في الآن وفي الماضي وفي كل مستقبل ممكن. عند ذاك ينحلّ فعل القتل أجزاء لا يمكنها تكوين أيّ تمام أو صناعة أيّ خطاب. فهذه ليست حرباً. إنها صيد وتسلية، أي مجزرة. وليس القتل إلا بعض حيلها. هدفها الأساسي منع التعريف البسيط والواضح من أن يكون سلطة لا يمكن اختراقها. تهدف المجزرة إلى السيطرة على العناوين والأسماء والصفات، من هنا عرف الشاعر كيف يقود حروبه المضادة. لذا يعلن في «العدو»: «يرانا ولا نراه، لا لأنه شبح، بل لأنه قناع فولاذي لفكرة.. لا ملامح له ولا عينان ولا عمر ولا اسم. هو.. هو الذي اختار أن يكون له اسم وحيد :العدوّ!».
مجاز يتقشر
يسعى الشاعر إلى توضيح حقيقة مفادها أنه كان هنا دوماً، ولكنه لم يكن وحده قط. يستعين بما تتيحه اللغة من ضم الأكوان الشعرية التاريخية في لحظات عابرة للتاريخ. هكذا يستعير لغة عباسية في سياقها وقوتها ليجر اللغة إلى ساحة المعركة لتدافع عن بلاد يراد لها أن تكون مجازاً غامضاً ولكنه يريد دوما أن يفكك المجاز. تقول قصيدة «على قلبي مشيت»: «على قلبي مشيت، كأن قلبي/ طريق أو رصيف أو هواء/ فقال القلب أتعبني التماهي/ مع الأشياء، وانكسر الفضاء/ وأتعبني سؤالك أين نمضي/ ولا أرض هناك.. ولا سماء/ وأنت تطيعني.. مرني بشيء/ وصوّبني لأفعل ما تشاء/ فقلت له: نسيتك مذ مشينا/ وأنت تعلتي وأنا النداء/ تمرد ما استطعت عليّ، واركض/ فليس وراءنا إلا الوراء!». تتكثف اللغة في هذه القصيدة وتصلب لتصير أرضاً يمشي عليها الشاعر. هذه اللغة كانت متماهية مع الأشياء، متفقة معها، وكان الشاعر يطيعها دوما. لذلك كانت عاجزة عن صنع المصائر وبقيت تقيم في حيز مجازاتها القاتلة عنه وعن نفسها وعن أبنائها. مثل هذا التصور يقود إلى القبول والاستكانة. هكذا تصبح اللغة سجنا ومقصلة بدل أن تكون وردة. يحتال الشاعر على هذه المعادلة بتفخيخ الأسلوب فيعمد إلى صب قرار تقشير مجاز اللغة التي تصف فيه نفسها بأن العلاقة معها علاقة طاعة مزدوجة في قالب شديد الإحكام وينتمي في بنائه إلى عصر آخر. هكذا يحارب الشاعر بزمانه كله ضد سطوة مجاز الحاضر الذي يصرّ على أن البلاد هي مجاز قد أغلق، وتاليا فليس المكان والناس حاضرين إلا بوصفهم نوعا من أدوات داخلية له. يقشر الشاعر المجاز بأدوات أسلوب يشحنه بأفكار الحاضر. فهذا الوراء يهب أسلوبا وذاكرة ولكنه لن يكون حصارا. هكذا يهجم الشاعر على الأمام بمجاز قد شفّ وتوضّح. مجاز بسيط يعلن أنه كان هنا في هذه الذاكرة وهو يعرفها ويجيد استعمال أدواتها ولكنه ليس فيها الآن. هذا الخطاب ليس موجها إلى العدو فقط ولكن إلى الإخوة أيضا، ما يجعله شاملاً مستقوياً بمجاز قد تعرّى وصار اسمه بلاداً واضحة، ولغة تعرفنا، نطيعها فتهبنا أوصافنا وأسماءنا وملامحنا وحدودنا وكل ما يستحق العيش من أجله.
«على محطة قطار سقط عن الخريطة»
كان درويش قد قال في «مديح الظل العالي» بوضوح: «لا ليس شعراً أن ترى قمراً ينقط خارطة»، لأنه يعلم أن الخرائط حين تستبدل بالصور الشعرية عنها فسوف تموت. الخرائط أجمل من القصائد، ولعل القصائد، في حالة ضياع الخرائط، تجتهد في محاولة استحضار الخرائط وإعادة رسمها. أخذنا إغواء الحنين إلى الأشياء المفقودة حتى بات هذا الحنين يتفوق على موضوعه فلا يسمح له بالحضور إلا مكللاً بتمويه قاس. مثل هذا التمويه حين ينتمي إلى المجال الشعري يصبح مجالا لتغييب تسعى ثقافة الاحتلال إلى نشره وتعميمه. فالبلاد التي تنقط خرائطها بالأقمار هي بلاد جميلة بقدر ما هي وهمية وبلا حدود ولا مرجعيات، وتاليا لا مجال للدفاع عنها أو للعيش فيها. بلاد تستقبل الزوار في حيز المنفى فقط، وليست وظيفة الشعر تزيين فلسطين كمنفى إنما الدفاع عن حدودها بالصور الواضحة من دون أن يصبح هذا الدفاع تسجيليا.
ما يطمح إليه محمود درويش وما دافع عنه في مراحله الكتابية هو توكيد الفكرة التي تعلن أن عيش الفلسطيني هو الأسطورة الكبرى التي يجب كتابتها، وأن كل استحضار لأساطير أخرى ممكن طالما ظل مقيما في الاستخدام الثقافي العام الذي يعمق الأسطورة الأصل وهي الفلسطيني في عيشه اليومي والبسيط المرفوع دوما إلى رتبة مستحيل ينجز بوتيرة يومية شاقة وصبورة.
في قصيدته «على محطة قطار سقط من الخريطة»، يفتح فكرة الجغرافيا على العبث. فما يرشح من الخرائط هو السفر، أي أن ما تستطيع الخريطة أن تهبه هو طردك منها. تسمح لك بأن تتذكرها وبأن تهواها، ولكن في اللحظة التي تحاول ضمها، تحيلك كائن منفى غير مسلح بأدوات السفر وعدّته ولا حتى بأهدافه، فتصبح ليس المسافر إنما كائن السفر أو الكائن/ السفر. المشكلة مع الخرائط أنها لا تستقبل الكلام ولا يؤثر فيه. الشاعر كائن كلام فكيف يراوده ويستعطفه، وكيف يقنعه بفتح حوار معه؟! الوسيلة الوحيدة الممكنة تحويله إلى خرائط من كلام تتأسس عليه وتدخل فيه فتحضنه ولو في العدم والغياب. هذه خلاصة حيلة الشاعر في واحدة من قصائده الأخيرة. يقول المقطع الأول من القصيدة: «عشب، هواء يابس، شوك، وصبار/ على سلك الحديد. هناك شكل الشيء/ في عبثية اللاشكل يمضغ ظله../ عدم هناك موثق.. ومطوّق بنقيضه/ ويمامتان تحلقان/ على سقيفة غرفة مهجورة عند المحطة/ والمحطة مثل وشم ذاب في جسد المكان/ هناك أيضاً سروتان نحيلتان كإبرتين طويلتين/ تطرزان سحابة صفراء ليمونية/ وهناك سائحة تصور مشهدين:/ الأول، الشمس التي افترشت سرير البحر/ والثاني، خلوّ المقعد الخشبي من كيس المسافر». العناصر التصويرية التي يستخدمها درويش في هذا المقطع تدل على أن السفر قد مات، وهذه التفاصيل البصرية التي يوزعها ما هي إلا شواهد قبره القديم. العشب والهواء اليابس والصبار تقول الكثير عن طبيعة هذا السفر، فهو كان منذورا للفقر والمرارة. كانت أهدافه هي تركيب الشكل ومحاولة العثور على علامات وإشارات تتيح البدء برسم الخرائط بالكلام، ولكن بدا كل شيء منذورا لعبث العدم العارم الظهور لأنه محاط بنقيضه الوجود.
لا نقطة انطلاق ممكنة. هناك الوقفة التي تستعيد تلك الوقفة الأصلية المحفورة في التركيب الشعري العربي وهي الوقوف على الأطلال. يتماهى الشاعر مع زمنه العابر ويحيا خراب المكان وحرائق الخرائط في كتلة واحدة فيرصد تحولات المكان إلى طلل دائم ويدافع عن وقفته أمامه وعن حقه في رصد التفاصيل بنفسه ولو في حالة الخراب هذه. يسعى إلى الاحتفاظ بالمكان لتكون خريطة ممكنة يوما. هذا الرصد المحموم لتفاصيل المكان لا يخفي الألم بقدر ما يفصح عن الرغبة في البناء ولو انطلاقا من ترسيم حدود الخراب وتفاصيله. السروتان النحيلتان تطرزان فضاء أصفر عابقاً بالمرض ولكن ما الذي ستنقشه السروتان؟ لن يكون صورة الغريب أبداً بل صورة ما مأخوذة من قلب حكايات البلاد. هذه البلاد تقدم صوراً متناقضة وغير قابلة للتفسير إلا بالشعر. تتداخل صورة أفول البلاد وغياب الشمس عنها مع صورة البقاء التي يؤكدها خلو المقعد الخشبي من كيس المسافر. للبلاد إذاً عشاقها، والشاعر لم يجهز نفسه للسفر. إنه مقيم في قلب البلاد باحثاً عن النقطة التي منها ستنبثق الخرائط الواضحة.
يقول في مقطع آخر من القصيدة نفسها: «كان القطار سفينة برية ترسو.. وتحملنا/ إلى مدن الخيال الواقعية كلما احتجنا إلى اللعب البريء مع المصائر». هذا القطار هو في حالة رسو وحركته هي ارتداد إلى الداخل، إلى حيز واقع مبني بمادة الخيال، لأن العيش العادي صار هو المستحيل الأكبر في ظل التشتت والاحتلال.
هذا السفر المقصود ما هو إلا نوع داجن من منادمة المصائر.
يعلن الشاعر في مقطع آخر «للحقيقة ههنا وجه وحيد واحد ولذا.. سأنشد»: «أنت أنت ولو خسرت. أنا وأنت اثنان/ في الماضي، وفي الغد واحد. مرّ القطار ولم نكن يقظين، فانهض كاملا متفائلا،/ لا تنتظر أحدا سواك هنا. هنا سقط القطار/ عن الخريطة عند منتصف الطريق الساحلي./ وشبّت النيران في قلب الخريطة، ثم أطفأها/ الشتاء وقد تأخر. كم كبرنا كم كبرنا/ قبل عودتنا إلى أسمائنا الأولى».
الوجه الوحيد للحقيقة الذي ينشده الشاعر مفاده أن الخسارة لا تعني ضياع الذات بل هي سبب تماسكها العابر لإكراهات التحقيب الزمني. هنا العودة هي استعادة القدرة على النظر إلى النفس والإيمان بها والتخلص من كل ما يشوبها من وهن ونقص. يكون القطار منفيا والخرائط المحترقة ستجد ما يطفئها وستجد العودة براهينها وأسبابها في الأسماء الأولى التي تعني أن المكان ممتلك بالكامل لأصحاب هذه الأسماء الأصلية.
يعلن الشاعر في المقطع الأخير من القصيدة :«كل ما في الأمر أني لا أصدق غير حدسي».
لمَ كل هذا الرثاء. لقد صدَّق الشاعر حدسه وعاد إلى الأرض. عاد إلى منفاه المفضل. دخل في صمته الكبير حيث كل الأصوات تتجاوب.

* * *


    رد مع اقتباس
قديم 2010-07-31, 01:29 PM   مصطف عبدي غير متواجد حالياً   رقم المشاركة : [3]
مصطف عبدي
The Godfather
الصورة الرمزية مصطف عبدي
 

مصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاً
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى مصطف عبدي إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى مصطف عبدي إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطف عبدي

الأصدقاء: (62)

(من البروة إلى الذروة).. وداعاً محمود درويش
من كان سيعرف البروة شرق ساحل عكا المحتلة لولا أنها شهدت ذات ليلة من عام 1941 مولد عبقرية شعرية فذة أتيح لها أن تملأ الدنيا وتشغل الناس على مدى خمسين عاماً ونيف، كان عاشقاً من فلسطين تجتاز أشعاره الحدود القسرية قادمة إلى سورية أواسط الستينيات من القرن الماضي، يومها تعرفت إلى محمود درويش للمرة الأولى وأنا على دراجة عادية أنطلق بها صباح كل يوم من مدينتي إدلب باتجاه قرية صغيرة إلى جوارها عينت فيها معلماً ابتدائياً إثر تخرجي في دار المعلمين بحلب، وكان المذياع (الترانزستور) رفيق رحلتي الصباحية استمتع معه بصوت المذيع المجيد لإلقاء الشعر لأنه سلسل عبقرية شعر، أقصد الأستاذ المرحوم منير الأحمد وهو ابن الشاعر السوري الكبير بدوي الجبل، كان منير، وقد نعمت بصداقته فيما بعد، يقدم برنامجه اليومي مرحباً يا صباح، وينشد فيه كل صباح قصيدة من قصائد الوطن المحتل ليعرف الجيل الجديد بالشعراء الشباب الذين يبدعون في المعتقل، كما سمَّاهم يومذاك شاعر فلسطيني يوسف الخطيب حين قدمهم في (ديوان الوطن المحتل)، وكان ذهني الشاب يومذاك صافياً مستعداً لالتقاط الشعر مشافهة حتى حفظت العديد من قصائد محمود درويش وتوفيق زياد وسميح القاسم وسواهم مشافهة من منير الأحمد، وكان أعذب ما حفظت في ذاك العام الحزين 1967 قصيدة محمود درويش (عاشق من فلسطين): عيونك شوكة في القلب توجعني، وأعبدها وأحميها من الريح وأغمدها وراء الليل والأوجاع، أغمدها فيشعل جرحها ضوء المصابيح إلخ)، ثم جاءت قصيدته الشهيرة (سجّل أنا عربي) لتصير أغنية شعبية تؤكد ارتباط الفلسطينيين بأرضهم وعروبتهم، وباتت أمنيتي أن أتعرف إلى محمود درويش شخصياً وقد امتلأت حباً له وإعجاباً بشعره، وقد تحققت رغبتي بعد بضع سنين حين بدأت العمل في التلفزيون السوري وزارنا محمود في دمشق في مؤتمر للكتّاب العرب، وسعيت إليه وجلسنا معاً في ردهة فندق الشيراتون، ورويت له أنني حفظت الكثير من أشعاره وأنا راكب على دراجة قبل سنين، فضحك وقال: لقد كنت أنا كذلك أصوغ أشعاري وأنا راكب على دراجتي، وبدت علاقتنا قديمة قدم العشق الذي يجمعنا لفلسطين، التي عاشت في دمنا نحن السوريين وباتت خبزنا بل الدم الذي يسري في عروقنا، وبات حبنا لمحمود درويش معادلاً لحبنا لأرضنا العربية المحتلة، وقد دهش محمود حين غرق في بحر المحبة التي غمره بها الناس يوم زار دمشق للمرة الأولى، وأذكر أنه كتب يقول (أنقذونا من هذا الحب القاسي)، لأن الناس بدؤوا يطالبونه بما يفوق طاقته الإنسانية، ويحسبون عليه حركاته وإيماءاته، ولم يقبل كثير من عشاقه تحوله إلى الحداثة التي نزع إليها بعد غنائياته الرقيقة العذبة في أوراق الزيتون وعاشق من فلسطين، فوجدوا شاعراً مختلفاً في دواوينه الحداثية التي سرعان ما تفاعل معها القراء وعشاق الشعر ليجدوا عبقرية شعرية غنائية تتجدد، وقد أتيح لي أن ألتقي شاعرنا الكبير مرات، كان آخرها في هذا العام، حين زارني في مكتبي في وزارة الثقافة وكنَّا على موعد معه لتكريمه ضمن برنامج احتفاليتنا بدمشق عاصمة الثقافة، وقد بحثت معه رؤيتنا لبرامج احتفاليتنا بالقدس عاصمة للثقافة العربية مطلع العام المقبل، وقد اعتذر محمود عن الحضور الذي كنَّا نترقبه في هذا الصيف، بسبب مرضه، وكنت أنتظر نبأ عودته، فإذا النبأ المفجع يأتيني وأنا على منبر في صالة مكتبة الأسد في احتفال نقيمه بالتعاون مع المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم لإطلاق موسوعة (أعلام العرب والمسلمين)، حيث همس في أذني مدير المكتبة قائلاً بصوت حزين: (توفي الشاعر محمود درويش)، كان لابد من أن يتحول الحفل عن مساره إلى نوع من التأبين الحزين نستذكر فيه ونحن نحتفل بدمشق قصيدته العذبة (دمشق الندى والماء، دمشق العرب، كوني دمشق التي يحلمون بها، فيكون العرب، الشام تبدأ مني، أموت وفي الشام يبدأ أسبوع خلقي، ما أقرب الشام مني، وفي الشام يبتدئ الزمان العربي)، رحم الله شاعرنا العربي الكبير الذي سيبقى إبداعه أنشودة ترددها الأجيال ما شاء الله من الزمان.

* * *
سَجِّلْ!
أنا عربـي
د.علي القيّم
معاون وزير الثقافة

شكّل رحيل الشاعر العربي الكبير محمود درويش، صدمة كبيرة لعشاق الشعر والأدب والحياة في الوطن العربي، وبغيابه اكتشفنا كم كان كبيراً هذا الرجل المناضل الذي أثرى الوجدان العربي بشعره وحضوره ونضاله المستمر خلال ما يزيد عن خمسين عاماً.. مع وفاته، انهالت التعازي إلى وطنه من زعماء عرب وأجانب، ومثقفين وأدباء وسياسيين، أجمعوا على أن رحيل عاشق فلسطين سيخلف خواء، لن تتمكن من سدّه سوى أشعاره ومواقفه التي ستبقى خالدة في مسيرة الشعر والأدب العربي.
محمود درويش عايش الموت قبل سنوات عديدة من رحيله.. كتب «جداريته» بعد أزمة قلبية رهيبة.. بعدها دخل في حضرة الغياب، وصادق أسراره، وبواطنه، وكلماته، فرأى الموت من الداخل، وعاشه، وتعايش معه، بل تقمّصه، ثم خرج من حضرة الغياب إلى حضرة الشعر، كان يولد ثانية وثالثة ورابعة، ويحيا ثانية وثالثة ورابعة، ويواصل العيش، قريباً من الموت، هاجساً به، لكن منتصراً عليه.. إلا أن الموت هذه المرّة كان هو الموت الحقيقي، الموت الخائن، الذي أدخل الشاعر الكبير في متاهته، من غير رجوع.. لقد ترك فلسطين الحبيبة وحيدة، لكنه أوصاها أن تحتفظ بشعره في ذاكرتها، وهو الذي حفظ ذكرياتها في شعره وفي قلبه المتعب منذ سنوات طويلة.. لقد أصبحت فلسطين في مسيرته مجازاً عاماً لفقد عدن، وللولادة والعبث لكرب الانخلاع والمنفى والوجود.. لقد كان شاعرها القومي، وأفضل شعراء العربية مبيعاً وحضوراً. فقد ترجمت أعماله إلى أكثر من عشرين لغة، وكان الغرب يراه شاعراً بقامة عالمية..
كانت أمة «حورية» لا تحسن القراءة والكتابة، غير أن جدّه علّمه القراءة، وعلمه الحلم والأمل وكيف يكون شاعراً، وحين بلغ السابعة من عمره، كان درويش يكتب الشعر، الذي منحه لقب «شاعر المقاومة» من خلال «أوراق الزيتون» و«عاشق من فلسطين»، وعندما بلغ الثانية والعشرين من عمره، أصبحت قصيدته «بطاقة هوية» التي خاطب بها شرطياً إسرائيلياً «سجّلْ أنا عربي، ورقم بطاقتي خمسون ألف» صرخة تحد جماعية، أدت إلى اعتقاله في مكان إقامته سنة 1967، وأصبحت أغنية احتجاج، وهكذا فعلت قصيدة «أمي» التي تتحدث عن حنين ابن سجين، إلى خبز أمه، وقهوة أمه..
* * *
يقول الأديب الكبير «إدوارد سعيد» في دراسة له عن محمود درويش: «عرّفت قصائد درويش الكفاحية المبكرة بالوجود الفلسطيني، معيدة التأكيد على الهوية بعد شتات 1948، وكان الأول في موجة من الشعراء الذين كتبوا من داخل إسرائيل، عندما كانت (غولد مائير) تصر قائلة: لايوجد فلسطينيون» وتزامن ظهور شعر درويش الغنائي مع ولادة الحركة الفلسطينية بعد الهزيمة العربية في حرب الأيام الستة سنة 1967م.
ويقول درويش هذه تجربته: «في الخمسينيات من القرن العشرين، آمنا نحن العرب بإمكانية أن يكون الشعر سلاحاً، وأن على القصيدة أن تكون واضحة مباشرة.. على الشعر الاهتمام بالاجتماعي، ولكن عليه الاعتناء بنفسه أيضاً، بالجماليات آمنت أن أفضل شيء في الحياة أن أكون شاعراً.. في كل مرة أنهي فيها ديواناً، أشعر أنه الأول والأخير».
كانت فلسطين بالنسبة إليه ليست جغرافيا فحسب، بقدر ما هي أيضاً تراجيديا وبطولة، ولاهي فلسطينية فقط، بقدر ما هي إخصاب لفكرة العربي عن نفسه، ومعنى إضافي لمعنى وجوده، في صراعه مع خارجه ومع داخله، ليكون جزءاً من تاريخه الخاص، ومن تاريخه العام..
يقول الصديق الشاعر إلياس خوري: الشعر ماء اللغة، به تغتسل من ذاكرتها، وتصنع ذاكرتها في آن معاً.. كأن الكلمات التي يكتبها الشعراء تأتي من مكان سري في أعماقنا، من تجربة تبحث عن لغتها، ومن كلمات تتجدد من ماء الشعر.. تجربة محمود درويش هي ابنة هذا الماء، به غسلت لغتها وجددتها، أقامت من المأساة الفلسطينية جدارية شعرية كبرى تختزن في أعماقها هذا الغوص في ماء الشعر وماء الحياة.. نستطيع أن نقرأ التجربة الدرويشية في مستويات متعددة ننسبها إلى أرضها، ونكتشف ملحمة مقاومة الشعب الفلسطيني للاندثار والموت فتصبح القصائد شكلاً لتاريخ المأساة»..
محمود درويش، كان في كل ما كتب يلتزم الغنائية في شعره، وهروبه منها أحياناً، أو وقوفه بين الإيقاع والنثر ليس وقوف المحايد، فهو لا يخرج من الإيقاع، ولا يدخل في النثر، وإنما يقف في المنطقة التي تؤهله لاستخراج كل ما فيهما من مثيرات تغري الشعر بالمغامرة وبالبحث الدائم عن الجديد.
على مدى رحلته الشعرية، كان درويش يوظف كل طاقاته في بناء النص الجديد، ثم يوظف كل الطاقات بعد إنجازه لهدمه وتجاوزه، وبناء النص الذي يليه بأدوات مختلفة، فهو يدخل إلى الشعر من بوابات مختلفة، ولايعيد طرق الباب مرتين، حول ذلك يقول في حوار معه: «لقد دخلت إلى ديوان «لماذا تركت الحصان وحيداً» من بوابة السيرة الذاتية للمكان والذات، وذهبت إلى «سرير الغريبة» من بوابة الحب، لأستقر في «الجدارية» في ظلال الإحساس بتجربة الموت».
* * *
محمود درويش هو المؤرخ الغريب الذي أرهقته الأوجاع العربية، لذلك فهو يكتب التاريخ بلغة لا يتداولها المؤرخون، وفي مهنته الغريبة- كما يقول الناقد فيصل دراج: «يكون الشاعر مقيداً وطليقاً في آن، مقيداً وهو مشدود إلى صرخته الفلسطينية، وطليقاً وهو يشتق الحزن الفلسطيني من تاريخ الشعر كله، ولعلَّ المرض، الذي أبعد الصخرة قليلاً، هو الذي أتاح لمحمود أن يلتقي بالشعر الخالص، وهو يتأمل قوة الحياة وهشاشتها في آن.. بدا الشعر في «الجدارية» تتويجاً لمسارٍ توزع على الاجتهاد والإبداع، ومرآة تكشف عن معرفة رفيعة وثقافة شعرية واسعة، احتضنت الشعر العربي القديم والحديث، وموروثاً شعرياً كونياً متعدد الألوان»..
في جوابه عن سؤال الحلم وسؤال الشعر، يقول درويش:
«الحلم لا ينتهي، ولكن هناك حالات نمرّ بها، يكون فيها الشعر مهدداً، إذاً كيف نحتفظ بقدرتنا على الحلم، صحيح أن الشعر حلم، وأنا يعجبني تعبير لأحد الشعراء الإيطاليين يقول فيه: (الشعر حلم يحلم في حضور العقل) فالشعر ملازم طبعاً للهمّ الإنساني، ومدى قياس حرّية الشخص يرتبط بمدى قدرته على أن يحلم دون أن يكون هو نفسه رقيباً على أحلامه، نحن نعيش في مناطق متوترة ومتأزمة، أصبحنا فيها رقباء على أنفسنا، فكثرة التعامل مع الرقابة، والإدمان عليها قد تحوّل الشخص إلى رقيب على نفسه، لكن في الشعر يبدو أن الإحساس بوجود الرقيب قد يطور جماليات الشعر».
حلم درويش في الشعر، جعله يدغدغ النفوس اليائسة المحرومة ويغدق عليها كثيراً من الآمال.. لقد رجّع في صدره كل الآهات، وغنّى على أوتاره كلّ الأصوات، جامعاً أحاديث القرية إلى أحاديث المدينة، وهمسات الشجر إلى أغاني العصافير، إلى نداءات الأبطال في القيود والسلاسل..
كثيراً ما يمزج درويش في حبّه بين المرأة والوطن، فتخرج صور الأرض والنخيل والبيارات وحقول السنابل.. رموزاً أو انعكاسا لوجه الحبيبة الهاجعة في باله ومخيلته، فتأتي الصور في هذا الصدد منقطعة كما لو قطرات ندى سارحة في أضواء الفجر، فالوطن هنا لا يأخذ هوية جامدة كما يقول الناقد ياسين الأيوبي، بل يسمو مع الشاعر إلى إغفاءة في مطاوي الأغصان، وإشراقة الشمس على حقول السنابل، وإلى أغنيات الأطفال في رسومهم المتحركة على الرمال، وفوق أديم الماء..
وما أكثر ما تغنّى محمود بالطفولة، فهي عنده حجر انطلاق ومحطة انتهاء، لا يرتاح إلا عندها، كأنها الحضن الأكبر الذي يدغدغ رأس الإنسان كبيراً كان أم صغيراً.
* * *
لقد أحبت الجماهير العربية، من المحيط إلى الخليج..شعر محمود درويش، ورفعت الكثير من مقاطعه كشعارات ورايات، وحسبه أنه كان شاعر قضية قبل أي شيء آخر. ودرويش كان يعي هذه القضية بكل آفاقها وأبعادها، وكان دائم الاندماج بحركة الجماهير في كل المراحل التي مرّت بها القضية الفلسطينية والأمة العربية، وكان يرى أن الشعر يؤدي دوره الثوري داخل الجماهير لا خارجها..
الوطن هو الشيء الأساسي، في شعر محمود ونثره وحياته يقول: «نحن لم نبحث عنه.. عن هذا الوطن، في حلم أسطوري، وخيال بعيد، ولافي صفحة جميلة من كتاب قديم، نحن لم نصنع هذا الوطن كما تصنع المؤسسات والمنشآت، هو الذي صنعنا، هو أبونا وأمنا، ونحن لم نقف أمام الاختيار، لم نشتر هذا الوطن من حانوت أو وكالة، فنحن لا نتبنّاه، ولم يقنعنا أحد بحبه، لقد وجدنا أنفسنا نبضاً في دمه ولحمه، ونخاعاً في عظمه، وهو لهذا، لنا، ونحن له».
كان محمود درويش، صرخة شعب يدافع عن حقّه في الوجود، ويكافح لانتزاع هذا الحق من الغاصبين- لقد وضع نفسه أمام التحدي والبقاء، والكفاح والصمود في وجه الغاصب، رافعاً باستمرار راية فلسطين واسمها، بالعمل والدم والشعر والكلام الذي صار رصاصاً وقنبلة..
لأنه عاش في الأرض المحتلة ظل درويش يحس أنه مصلوب هو وشعبه، مثل جميع القيم التي يمثلها السيد المسيح (ع) وغيره من الأنبياء والثوار والمصلحين، ولكن الأمل لا يفارق الشاعر في النصر وفي الخلاص من هذا الصليب، يقول:
«من غابة الزيتون جاء الصدى
وكنت مصلوباً على النار
أقول للغربان! لاتنهشي
فربما تشتي السما.. ربما
أنزل يوماً عن صليبي.. ترى
كيف أعود حافياً عاري»..
وكانت نظرته في مجمل شعره ونثره، نظرة إنسانية، نبيلة، شاملة.. نظرة تدعو إلى العدل، ولا تدعو إلى الانتقام والثأر والحقد على العدو الإسرائيلي.. نظرة تدعو إلى إعادة الحقوق المسلوبة، دون أن تنزلق إلى مهاوى العنصرية والإرهاب..
محمود درويش، كان شاعر الأرض بامتياز.. لقد تمسّك بها، بأعشابها.. بصخورها وتراثها وترابها إلى أبعد الحدود.. قضية ارتباطه بالأرض قضية مقدسة لا جدال حولها، فهو يلح دائماً –في شعره ونثره- على التمسك بالأرض والدفاع عنها، ومن هنا استحق بجدارة لقب «شاعر الأرض المحتلة» و«شاعر فلسطين» و«عاشق فلسطين» و«شاعر الحب والحنان» نحو شعبه وأرضه المسلوبة.
* * *
في الشام كان محمود درويش يعرف من هو في وسط الزحام، وكان دائم التواصل معها:
«دمشق.. يا دمشق
تدخلين الحرب كما تدخل الفتيات ليالي الزفاف..
وتخرجين من الحرب كما يخرج الأطفال من البحيرات.
وحين تقفين، يا دمشق، تتحول الجداول إلى قامات.
وحين تمشين، يا دمشق، يتجمّد الغروب عل حافة الأفق.
وإلى أين يا دمشق؟
كأن الأغاني أصيبت بحنجرة لا تغني،
والشعراء يتعلمون الأبجدية من حجارتك الصغيرة.
كوني أي شيء يا دمشق، فلن تكوني إلا دمشق،
كوني سكيناً وقشرينا، يتدفق منا بردى الذي يبقى كما
كان: مواطناً عادياً يدفع الضرائب ويقصف بالقنابل،
ولا يرحل عن البيت.
كوني أي شيء يا دمشق،
فلن تكوني إلا دمشق التي لا تنزل عن الأشجار،
ولا تنحني.
إلى أين.. إلى أين؟
ليس في المدى مكان، لأن زمانك يرتدي ملابس
الميدان، فيتدلى المدى خيطاً من ثيابك.
دمشق.. يا دمشق!
ساعي البريد ينتظر،
والفراشة تحارب،
ولا تنتهي رسالتي إليك يا دمشق..»


* * *
* * *
مَا مِن حوارٍ مَعَك بعدَ الآن.. إنَّهُ مُجرَّدُ انفجارٍ آخر!
• سميح القاسم


(إلى محمود درويش)
تَخلَّيتَ عن وِزرِ حُزني
ووزرِ حياتي
وحَمَّلتَني وزرَ مَوتِكَ،
أنتَ تركْتَ الحصانَ وَحيداً.. لماذا؟
وآثَرْتَ صَهوةَ مَوتِكَ أُفقاً،
وآثَرتَ حُزني مَلاذا
أجبني. أجبني.. لماذا؟
* * *
عَصَافيرُنا يا صَديقي تطيرُ بِلا أَجنحهْ
وأَحلامُنا يا رَفيقي تَطيرُ بِلا مِرْوَحَهْ
تَطيرُ على شَرَكِ الماءِ والنَّار. والنَّارِ والماءِ.
مَا مِن مكانٍ تحطُّ عليهِ.. سوى المذبَحَهْ
وتَنسى مناقيرَها في تُرابِ القُبورِ الجماعيَّةِ.. الحَبُّ والحُبُّ
أَرضٌ مُحرَّمَةٌ يا صَديقي
وتَنفَرِطُ المسْبَحَهْ
هو الخوفُ والموتُ في الخوفِ. والأمنُ في الموتِ
لا أمْنَ في مجلِسِ الأَمنِ يا صاحبي. مجلسُ الأمنِ
أرضٌ مُحايدَةٌ يا رفيقي
ونحنُ عذابُ الدروبِ
وسخطُ الجِهاتِ
ونحنُ غُبارُ الشُّعوبِ
وعَجْزُ اللُّغاتِ
وبَعضُ الصَّلاةِ
على مَا يُتاحُ مِنَ الأَضرِحَهْ
وفي الموتِ تكبُرُ أرتالُ إخوتنا الطارئينْ
وأعدائِنا الطارئينْ
ويزدَحمُ الطقسُ بالمترَفين الذينْ
يحبونَنا ميِّتين
ولكنْ يُحبُّونَنَا يا صديقي
بِكُلِّ الشُّكُوكِ وكُلِّ اليَقينْ
وهاجَرْتَ حُزناً. إلى باطلِ الحقِّ هاجَرْتَ
مِن باطلِ الباطِلِ
ومن بابلٍ بابلِ
ومِن تافِهٍ قاتلٍ
إلى تافِهٍ جاهِلِ
ومِن مُجرمٍ غاصِبٍ
إلى مُتخَمٍ قاتلِ
ومِن مفترٍ سافلٍ
إلى مُدَّعٍ فاشِلِ
ومِن زائِلٍ زائِلٍ
إلى زائِلٍ زائِلِ
وماذا وَجَدْتَ هُناكْ
سِوى مَا سِوايَ
وماذا وَجّدْتَ
سِوى مَا سِواكْ؟
أَخي دَعْكَ مِن هذه المسألَهْ
تُحِبُّ أخي.. وأُحِبُّ أَخاكْ
وأَنتَ رَحَلْتَ. رَحَلْتَ.
ولم أبْقَ كالسَّيفِ فرداً. وما أنا سَيفٌ ولا سُنبُلَهْ
وَلا وَردةٌ في يَميني.. وَلا قُنبُلَهْ
لأنّي قَدِمْتُ إلى الأرضِ قبلكَ،
صِرْتُ بما قَدَّرَ اللهُ. صِرْتُ
أنا أوَّلَ الأسئلَهْ
إذنْ.. فَلْتَكُنْ خَاتَمَ الأسئِلَهْ
لَعّلَّ الإجاباتِ تَستَصْغِرُ المشكلَهْ
وَتَستَدْرِجُ البدءَ بالبَسمَلَهْ
إلى أوَّلِ النّورِ في نَفَقِ المعضِلَهْ..
* * *
تَخَفَّيْتَ بِالموتِ،
تَكتيكُنا لم يُطِعْ استراتيجيا انتظارِ العَجَائِبْ
ومَا مِن جيوشٍ. ومَا مِن زُحوفٍ. ومَا مِن حُشودٍ.
وما من صفوفٍ. وما من سرايا. ومَا مِن كتائِبْ
ومَا مِن جِوارٍ. ومَا مِن حِوارٍ. ومَا مِن دِيارٍ.
ومَا مِن أقارِبْ
تَخَفَّيْتَ بِالموْتِ. لكنْ تَجَلَّى لِكُلِّ الخلائِقِ
زَحْفُ العَقَارِبْ
يُحاصِرُ أكْفانَنا يا رفيقي ويَغْزو المضَارِبَ تِلْوَ المضارِبْ
ونحنُ مِنَ البَدْوِ. كُنّا بثوبٍ مِنَ الخيشِ. صِرنا
بربطَةِ عُنْقٍ. مِنَ البَدْوِ كُنّا وصِرنا.
وذُبيانُ تَغزو. وعَبْسٌ تُحارِبْ.
* * *
وهَا هُنَّ يا صاحبي دُونَ بابِكْ
عجائِزُ زوربا تَزَاحَمْنَ فَوقَ عَذابِكْ
تَدَافعْنَ فَحماً وشمعاً
تَشَمَّمْنَ مَوتَكَ قَبل مُعايشَةِ الموتِ فيكَ
وفَتَّشْنَ بينَ ثيابي وبينَ ثيابِكْ
عنِ الثَّروةِ الممكنهْ
عنِ السرِّ. سِرِّ القصيدَهْ
وسِرِّ العَقيدَهْ
وأوجاعِها المزمِنَهْ
وسِرِّ حُضورِكَ مِلءَ غِيابِكْ
وفَتَّشْنَ عمَّا تقولُ الوصيَّهْ
فَهَلْ مِن وَصيَّهْ؟
جُموعُ دُخانٍ وقَشٍّ تُجَلجِلُ في ساحَةِ الموتِ:
أين الوصيَّهْ
نُريدُ الوصيَّهْ!
ومَا أنتَ كسرى. ولا أنتَ قيصَرْ
لأنَّكَ أعلى وأغلى وأكبَرْ
وأنتَ الوصيَّهْ
وسِرُّ القضيَّهْ
ولكنَّها الجاهليَّهْ
أجلْ يا أخي في عَذابي
وفي مِحْنَتي واغترابي
أتسمَعُني؟ إنَّها الجاهليَّهْ
وَلا شيءَ فيها أَقَلُّ كَثيراً سِوى الوَرْدِ،
والشَّوكُ أَقسى كَثيراً. وأَعتى كَثيراً. وَأكثَرْ
ألا إنَّها يا أخي الجاهليَّهْ
وَلا جلفَ مِنَّا يُطيقُ سَماعَ الوَصيَّهْ
وَأنتَ الوَصيَّةُ. أنتَ الوَصيَّةُ
واللهُ أكبَرْ..
* * *
سَتذكُرُ. لَو قَدَّرَ الله أنْ تَذكُرا
وتَذكُرُ لَو شِئْتَ أنْ تَذكُرا
قرأْنا امرأَ القَيسِ في هاجِسِ الموتِ،
نحنُ قرأْنا مَعاً حُزنَ لوركا
وَلاميّةَ الشّنفرى
وسُخطَ نيرودا وسِحرَ أراغون
ومُعجزَةَ المتنبّي،
أَلَمْ يصهَر الدَّهرَ قافيةً.. والرَّدَى منبرا
قرأْنا مَعاً خَوفَ ناظم حِكمَت
وشوقَ «أتاتورك». هذا الحقيقيّ
شَوقَ أخينا الشّقيّ المشَرَّدْ
لأُمِّ محمَّدْ
وطفلِ العَذابِ «محمَّد»
وسِجنِ البلادِ المؤبَّدْ
قرأْنا مَعاً مَا كَتَبنا مَعاً وكَتَبنا
لبِروَتنا السَّالِفَهْ
وَرامَتِنا الخائِفَهْ
وَعكّا وحيفا وعمّان والنّاصرَهْ
لبيروتَ والشّام والقاهِرَهْ
وللأمَّةِ الصابرهْ
وللثورةِ الزَّاحفَهْ
وَلا شَيءَ. لا شَيءَ إلاّ تَعاويذ أحلامِنا النَّازِفَهْ
وساعاتِنا الواقِفَهْ
وأشلاءَ أوجاعِنا الثَّائِرَهْ
* * *
وَمِن كُلِّ قلبِكَ أنتَ كَتبتُ
وَأنتَ كَتبتَ.. ومِن كُلِّ قلبي
كَتَبْنا لشعْبٍ بأرضٍ.. وأرضٍ بشعبِ
كَتَبْنا بحُبٍّ.. لِحُبّ
وتعلَمُ أنَّا كَرِهْنا الكراهيّةَ الشَّاحبَهْ
كَرِهْنا الغُزاةَ الطُّغاةَ،
وَلا.. ما كَرِهْنا اليهودَ ولا الإنجليزَ،
وَلا أيَّ شَعبٍ عَدُوٍ.. ولا أيَّ شَعبٍ صديقٍ،
كَرِهْنا زبانيةَ الدولِ الكاذِبَهْ
وَقُطعانَ أوْباشِها السَّائِبَهْ
كَرِهْنا جنازيرَ دبَّابَةٍ غاصِبَهْ
وأجنحَةَ الطائِراتِ المغيرَةِ والقُوَّةَ الضَّارِبَهْ
كَرِهْنا سَوَاطيرَ جُدرانِهِم في عِظامِ الرّقابِ
وأوتادَهُم في الترابِ وَرَاءَ الترابِ وَرَاءَ الترابِ
يقولونَ للجوِّ والبَرِّ إنّا نُحاولُ للبحْرِ إلقاءَهُم،
يكذبُونْ
وهُم يضحكُونَ بُكاءً مَريراً وَيستعطفونْ
ويلقونَنا للسَّرابِ
ويلقونَنَا للأفاعِي
ويلقونَنَا للذّئابِ
ويلقونَنَا في الخرابِ
ويلقونَنا في ضَياعِ الضَّياعِ
وتَعلَمُ يا صاحبي. أنتَ تَعلَمْ
بأنَّ جَهَنَّم مَلَّتْ جَهّنَّمْ
وعَافَتْ جَهَنَّمْ
لماذا تموتُ إذاً. ولماذا أعيشُ إذاً.
ولماذا
نموتُ. نعيشُ. نموتُ. نموتُ
على هيئَةِ الأُممِ السَّاخِرهْ
وَعُهْرِ ملفَّاتِها الفاجِرَهْ
لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟..
ومَا كُلُّ هذا الدَّمار وهذا السقوط وهذا العذاب
ومَا كلُّ هذا؟ وهذا؟ وهذا؟
* * *
تذكَّرْ
وقدْ يُسعِفُ اللهُ مَيْتاً بأنْ يتذكَّرَ. لله نحنُ.
فحاول إذن.. وتذكَّرْ
تذكَّرْ رضا الوالِدَهْ
لأُمَّينِ في واحِدَهْ
ونعمةَ كُبَّتِها.. زينة المائِدَهْ
وطُهرَ الرَّغيفِ المقمَّرْ
تذكَّرْ
أباً لا يُجيدُ الصّياحْ
ولا يتذمَّرْ
تذكَّرْ
أباً لا يضيقُ ولا يتأفَّفُ مِن سَهَرٍ صاخِبٍ للصَّباحْ
تذكَّرْ كَثيراً. ولا تتذكَّرْ
كَثيراً. فبعضُ الحِكاياتِ سُكَّرْ
وكُلُّ الخرافاتِ سُمٌّ مُقَطَّرْ
ونحنُ ضَحايا الخرافاتِ. نحنُ ضَحايا نبوخذ نصّرْ
وأيتام هتلَرْ
ومِن دَمِنا للطُّغاةِ نبيذٌ
ومِن لَحمِنا للغُزاةِ أكاليلُ غارٍ ووردٍ
ومِسْكٌ. وَعَنبَرْ
فَلا تتذكّرْ
قيوداً وسجناً وعسكَرْ
وبيتاً مُدَمَّرْ
وَليلاً طَويلاً. وَقَهراً ثقيلاً وسَطواً تكرَّرْ
وَلا تتذكَّرْ
لا تتذكَّرْ
لا تتذكَّرْ..
* * *
لأنّا صديقانِ في الأرضِ والشّعبِ والعُمرِ والشِّعرِ،
نحنُ صريحانِ في الحبِّ والموتِ..
يوماً غَضِبْتُ عليكَ..
ويوماً غَضِبْتَ عَلَيّ
وَمَا كانَ شَيءٌ لدَيكَ. وَمَا كانَ شَيءٌ لَدَيّ
سِوَى أنّنا مِن تُرابٍ عَصِيّ
وَدَمْعٍ سَخيّ
نَهاراً كَتبْتُ إليكَ. وَليلاً كَتَبْتَ إليّ
وأعيادُ ميلادِنا طالما أنذَرَتْنا بسِرٍّ خَفِيّ
وَموتٍ قريبٍ.. وَحُلمٍ قَصِيّ
ويومَ احتَفَلْتَ بخمسينَ عاماً مِنَ العُمرِ،
عُمرِ الشَّريدِ الشَّقيّ البَقيّ
ضَحِكنا مَعاً وَبَكَيْنا مَعاً حينَ غنَّى وصلّى
يُعايدُكَ الصَّاحبُ الرَّبَذيّ:
على وَرَقِ السنديانْ
وُلِدْنا صباحاً
لأُمِّ الندى وأبِ الزّعفرانْ
ومتنا مساءً بِلا أبوَينِ.. على بَحرِ غُربتِنا
في زَوارِقَ مِن وَرَقِ السيلوفانْ
على وَرَقِ البَحرِ. لَيلاً.
كَتَبْنا نشيدَ الغَرَقْ
وَعُدْنا احتَرَقْنا بِنارِ مَطالِعِنا
والنّشيدُ احتَرَقْ
بنارِ مَدَامِعِنا
والوَرَقْ
يطيرُ بأجْنِحَةٍ مِن دُخانْ
وهَا نحنُ يا صاحبي. صَفحَتانْ
وَوَجهٌ قديمٌ يُقَلِّبُنا مِن جديدٍ
على صَفَحاتِ كتابِ القَلَقْ
وهَا نحنُ. لا نحنُ. مَيْتٌ وَحَيٌّ. وَحَيٌّ وَمَيْتْ
«بَكَى صاحبي»،
على سَطحِ غُربَتِهِ مُستَغيثاً
«بَكَى صاحبي..»
َبَكَى.. وَبَكَيْتْ
على سَطحِ بَيْتْ
وألا ليتَ لَيتْ
ويا ليتَ لَيتْ

وُلِدنا ومتنا على وَرَقِ السنديانْ..
* * *
ويوماً كَتَبْتُ إليكَ. ويوماً كَتَبْتَ إليّ
«أُسميكَ نرجسةً حَولَ قلبي..»
وقلبُكَ أرضي وأهلي وشعبي
وقلبك.. قلبي..
* * *
يقولونَ موتُكَ كانَ غريباً.. ووجهُ الغَرابَةِ أنّكَ عِشْتَ
وأنّي أعيشُ. وأنّا نَعيشُ. وتعلَمُ. تَعلَمُ أنّا
حُكِمْنا بموتٍ سريعٍ يمُرُّ ببُطءٍ
وتَعلَمُ تَعْلَمُ أنّا اجترَحْنا الحياةَ
على خطأ مَطْبَعِيّ
وتَعلَمُ أنّا تأجَّلَ إعدامُنا ألف مَرَّهْ
لِسَكْرَةِ جَلاّدِنا تِلْوَ سَكْرهْ
وللهِ مَجْدُ الأعالي. ونصلُ السَّلام الكلام على الأرضِ..
والناسُ فيهم –سِوانا- المسَرَّهْ
أنحنُ مِن الناسِ؟ هل نحنُ حقاً مِن الناسِ؟
مَن نحنُ حقاً؟ ومَن نحنُ حَقاً؟ سألْنا
لأوّلِ مَرَّهْ
وَآخرِ مَرَّهْ
وَلا يَستَقيمُ السّؤالُ لكي يستَقيمَ الجوابُ. وها نحنُ
نَمكُثُ في حَسْرَةٍ بعدَ حَسْرَهْ
وكُلُّ غَريبٍ يعيشُ على ألفِ حَيْرَهْ
ويحملُ كُلُّ قَتيلٍ على الظَّهرِ قَبرَهْ
ويَسبُرُ غَوْرَ المجَرَّةِ.. يَسبُرُ غَوْرَ المجَرَّهْ..
* * *
تُعانقُني أُمُّنا. أُمُّ أحمد. في جَزَعٍ مُرهَقٍ بعذابِ
السِّنينْ
وعِبءِ الحنينْ
وَتَفْتَحُ كَفَّينِ واهِنَتَينِ موبّخََينِ. وَتَسأَلُ صارخةً
دُونَ صَوتٍ. وتسألُ أينَ أَخوكَ؟ أَجِبْ. لا تُخبِّئ عَلَيَّ.
أجِبْ أينَ محمود؟ أينَ أخوكَ؟
نُُزلزِلُني أُمُّنا بالسّؤالِ؟ فماذا أقولُ لَهَا؟
هَلْ أقولُ مَضَى في الصَّباحِ ليأْخُذَ قَهوَتَهُ بالحليبِ
على سِحرِ أرصِفَةِ الشانزيليزيه. أمْ أدَّعي
أنَّكَ الآن في جَلسَةٍ طارِئَهْ
وَهَلْ أدَّعي أنَّكَ الآن في سَهرَةٍ هادِئهْ
وَهَلْ أُتْقِنُ الزَّعْمَ أنّكَ في موعِدٍ للغَرَامِ،
تُقابِلُ كاتبةً لاجئَهْ
وَهَلْ ستُصَدِّقُ أنّكَ تُلقي قصائِدَكَ الآنَ
في صالَةٍ دافِئَهْ
بأنْفاسِ ألفَينِ مِن مُعجَبيكَ.. وكيفَ أقولُ
أخي راحَ يا أُمَّنا وليَرَى بارِئَه..
أخي راحَ يا أُمَّنا والتقى بارِئَه..
* * *
إذنْ. أنتَ مُرتَحِلٌ عن دِيارِ الأحبَّةِ. لا بأسَ.
هَا أنتَ مُرتَحِلٌ لدِيارِ الأحبَّةِ. سَلِّمْ عَلَيهِم:
راشد حسين
فدوى طوقان
توفيق زيّاد
إميل توما
مُعين بسيسو
عصام العباسي
ياسر عرفات
إميل حبيبي
الشيخ إمام
أحمد ياسين
سعد الله ونُّوس
كاتب ياسين
جورج حبش
نجيب محفوظ
أبو علي مصطفى
يوسف حنا
ممدوح عدوان
خليل الوزير
نزيه خير
رفائيل ألبرتي
ناجي العلي
إسماعيل شمُّوط
بلند الحيدري
محمد مهدي الجواهري
يانيس ريتسوس
ألكسندر بن
يوسف شاهين
يوسف إدريس
سهيل إدريس
رجاء النقاش
عبد الوهاب البياتي
غسَّان كنفاني
نزار قباني
كَفاني. كَفاني. وكُثرٌ سِواهم. وكُثرٌ
فسلِّم عليهم. وسَوفَ
تُقابِلُ في جَنَّةِ الخُلدِ «سامي». أخانا الجميلَ الأصيلَ.
وَهلْ يعزِفونَ على العُودِ في جَنَّةِ الخُلْدِ؟ أَحبَبْتَ
سامي مَع العودِ في قَعدَةِ «العَينِ»..
سامي مَضَى
وَهْوَ في مِثلِ عُمرِكَ.. (67).. لا. لا أُطيقُ العَدَدْ
وأنتُمْ أبَدْ
يضُمُّ الأبَدْ
ويَمْحُو الأبَدْ
وَأَعلَمُ. سوفَ تَعودونَ. ذاتَ صباحٍ جديدٍ تعودُونَ
للدَّار والجار والقدس والشمس. سَوفَ تَعودونَ.
حَياً تَعودُ. وَمَيْتاً تَعودُ. وسَوفَ تَعودون. مَا مِن كَفَنْ
يَليقُ بِنا غيرَ دَمعَةِ أُمٍّ تبلُّ تُرابَ الوَطَنْ
ومَا مِن بِلادٍ تَليقُ بِنا ونَليقُ بِها غير هذي البلادْ
ويوم المعادِ قريبٌ كيومِ الميعادْ
وحُلم المغنّي كِفاحٌ
وموتُ المغنّي جهادُ الجِهادْ..
* * *
إذاً أنتَ مُرتحلٌ عَن دِيارِ الأحِبَّةِ
في زّوْرَقٍ للنجاةِ. على سَطْحِ بحرٍ
أُسمّيهِ يا صاحبي أَدْمُعَكْ
وَلولا اعتصامي بحبلٍ مِن الله يدنو سريعاً. ولكنْ ببطءٍ..
لكُنتُ زَجَرْتُكَ: خُذني مَعَكْ
وخُذني مَعَكْ
خُذني مَعَكْ..
* * *
ذكريات شخصية عن الزمن الأول
• طلال سلمان

التقيت محمود درويش، لأول مرة، على هامش اجتماع استثنائي للمجلس الوطني الفلسطيني عقد في مبنى جامعة الدول العربية في القاهرة، في صيف 1972.
كان قد وصل لتوه من الأرض المحتلة، كما كنا نسمي إسرائيل حينذاك، وقد حسم أمره: لن يعود ليعيش محاصراً ومراقباً، نصف أوقاته في السجن ونصفها الآخر في الطريق بين مكاتب جريدة «الاتحاد» وبين مركز الشرطة الإسرائيلية للإبلاغ عن «وجوده» حاضراً.
كان «النجم» بلا منازع. لقد تدافع الكل إليه يحيونه بالقبلات والدموع، يرمونه بألف سؤال في الدقيقة، يقفون إلى جانبه لصورة تذكارية، يشكون إليه هموم واقعهم «العربي» بمرارة تكاد تفوق مرارته من واقع أهله تحت الاحتلال من الإسرائيلي، وهي كانت السبب في اتخاذه قراره الصعب بالخروج من السجن.. يحاولون أن يعرفوا موقفه من ياسر عرفات ومن التنظيمات الفلسطينية «المعارضة»، من أنور السادات ونظامه وهل هو «ناصري» فعلاً أم «خرج» لأنه تغير..
لكنه، في تلك اللحظات تحديداً، لم يكن مستعداً لمثل هذه المقارنات التي كانت ستنتهي، حكماً، بإدانة قراره بالخروج.. إلى الحرية، التي اكتشف أن كل عربي تقريباً يبحث عنها في الأقطار الأخرى، وخارج وطنه في أي حال..
وقفت أرقب، عن بعد، مع صديقين، مصري وفلسطيني، تلك التظاهرة المختلفة بموضوعها وأسئلتها والتداعيات عن كل ما شهدناه قبلها..
في لحظة ما، انتبه لوقوفنا بعيداً، فمشى إلينا يتقدمه سؤاله الضاحك: صرت فرجة! أليس ذلك!
تعارفنا. وضع أسماءنا التي يعرفها على الوجوه التي لم يكن يعرفها، وتواعدنا على لقاء خارج دائرة المتفرجين أو الآتين لاستعراض المواقف.
بعد أيام التقينا. كان قد أنهى الجولة الأولى من التعرف على «الكبار»، فلسطينياً ومصرياً وبعض الضيوف العرب المدعوين كشهود. وسمعنا منه انطباعاته الأولية عن كبار المثقفين والصحافيين الذين التقاهم، خصوصاً في «الأهرام» وفي دار الهلال. وشكا من أن معظمهم قد رحب به، وإن شفع الترحيب بشيء من اللوم لخروجه: كنت أملاً في الداخل، ليس لأهل الداخل فحسب، بل لنا أيضا..
وكان يرد مستغرباً: ولكنني خرجت لأكسر الدائرة المقفلة التي يسجنني فيها الإسرائيلي. جئت طلباً للأمل لي، وللذين في الداخل..
لويس عوض كان الأكثر تحديداً، قال: لقد جئنا في أيام الشقاء، يا محمود..
كانت مصر تموج بالغضب بسبب الإرجاء المتكرر وغير المبرر لقرار الخروج إلى الحرب. كانت حرب الاستنزاف قد أعادت إلى المصريين الثقة بقدرتهم على مواجهة إسرائيل، بل وعلى إلحاق الهزيمة بها. وكانوا يرون أن السادات قدم معركته الشخصية لترسيخ سلطته ضد «الناصريين» أو قل ضد «وطنيي النظام» على المعركة ضد العدو الإسرائيلي.. تاركاً زهرة شباب مصر، من المهندسين والأطباء والمرشحين ليكونوا علماء، فضلاً عن الكتاب والشعراء والصحافيين، يغرقون مع علمهم في رمال «الدشم» والمتاريس المحصنة.. ولا قتال!
وقرر محمود درويش أن يسمع فلا يعلق، وأن يتكلم إذا ما تكلم عن إسرائيل، مجتمعاً وأحزاباً وقادة سياسيين وتنظيمات، وعن جيشها بحدود ما يعرف عنه.. وبطبيعة الحال عن «الفلسطينيين» فيها التي أنكرت عليهم «فلسطينيتهم» وجعلتهم «عرب إسرائيل»!
عرف محمود درويش الكثير عن مصر: من محمد حسنين هيكل ومجموعة «الخالدين» في الطابق السادس من «الأهرام»، توفيق الحكيم والحسين فوزي، وصلاح عبد الصبور ولويس عوض.. واستمع إلى تحليل دقيق من أحمد بهاء الدين ومن مراد غالب ومن فتحي غانم ويوسف إدريس ومن أحمد عبد المعطي حجازي وكثير غيرهم..
كان مبهوراً بالقاهرة التي أحب، والتي يحفظ الكثير من أغاني مطربيها ومطرباتها الكبار، محمد عبد الوهاب، أم كلثوم، محمد عبد المطلب، عبد الحليم حافظ.. لكن النيل، ليلاً، كان معبده!
جال مع الأصدقاء الجدد على المقاهي التي كان يحفظ أسماءها وأسماء زبائنها من الشعراء والكتاب غيباً: مقهى ريش، بار الانجلو، سيسيل بار.. لكنه كان شديد الحساسية تجاه الغبار و«الشعبوية»، لذا فقد قرر أن تكون لقاءاته في بعض مقاهي الفنادق الكبرى «حيث تضمن، على الأقل، نظافة المكان»!
بعد القاهرة مباشرة كان لا بد من بيروت.. وقد جاءها بغير إعلان، «لأنها مدينة مخيفة»، ولأنه يحتاج الوقت لكي يختار أين يقيم كإنسان، فلا يعامله الناس كنجم، يبادرونه في ربع الساعة الأولى طالبين منه أن يسمعهم قصيدته التي انتفى موضوعها: «سجّل أنا عربي»!
كان يحاول إقناعهم: أهمية هذه القصيدة أن تقال في وجه العدو الذي ينكر عليك عروبتك! أما أن تقولها للعرب المتباهين بعروبتهم فإنها تبدو مبتذلة وفي غير موقعها! بوسع كل منكم أن يقول: سجل أنا عربي.. فلا يكون لكلامه أي معنى. أما المعنى هناك، وفي وجه جندي الاحتلال.
بعد سنوات قليلة، يزورني محمود درويش في «السفير» ليبلغني أنه ذاهب إلى الجزائر بدعوة رسمية. قلت بغير قصد الإحراج: ستجد نفسك تنشد أول ما تنشد القصيدة التي بت الآن تكرهها.. سجّل أنا عربي! ورد مستنكراً: فشرت! لن أقولها خارج فلسطين أبداً!. لكنه جاءني مسرعاً بعد عودته من الجزائر ليقول: معك حق!. وجدت نفسي أبدأ بقصيدتي التي لم تعد تعجبني، سجّل أنا عربي، وأختم بها!. هناك اكتشفت لها المعنى! لقد قُهر الجزائريون في لغتهم باعتبارها بعض قوميتهم! ان لها هناك معنى التحدي للاستعمار الذي حرم أهل البلاد من لغتهم ليلغي هويتهم، وكانت تلك خطوة تمهيدية لمسح عروبتهم وجعلهم.. فرنسيين»!
لبيروت حديثها الاستثنائي مع محمود درويش، فهو قد وجد فيها ما كان يبحث عنه: العرب جميعاً والعالم كله، بشرقه وغربه وجنوبه وشماله.. والأهم، أنه وجد فيها فلسطين بوجوهها الكثيرة، المأساة والثورة، اللجوء وخطر الذوبان، الإيمان والتشوه، المال والسلاح وبينهما الدول، ثم المنظمات والرجال والدول.. كل الدول بمساوماتها ومناوراتها التي تطل من خلالها ملامح إسرائيل والمشروع الذي يوحدها مع «الغرب» من دون أن يفقدها الشرق السوفياتي، آنذاك..
لم يجد محمود درويش لنفسه موقعاً في صفوف «الثورة»، ففضل أن يبقى على مسافة: يعطي المنظمة ما يقدر عليه، من دون أن يدخل إطارها السياسي والتنظيمي. ومع أنه أحب شخص ياسر عرفات وقدر فيه مزايا كثيرة، أهمها الصمود وسط أمواج الأنظمة المتلاطمة على جدران سفينية المنظمة. كان يرى فيه «الرمز الفلسطيني»، من دون أن يتجاهل أخطاءه بل وخطاياه أحياناً..
وعندما نجحت منظمة التحرير في انتزاع الاعتراف الدولي بها وتقرر أن يذهب ياسر عرفات ليخطب أمام الهيئة العامة للأمم المتحدة كان من الطبيعي أن يكتب محمود درويش بالذات هذا الخطاب التاريخي، مع وعيه بأن عرفات سيدخل بعض التعديلات لأسباب يقدرها، وأنه سيتعثر باللغة خلال إلقائه.. وإنه سيرفق الكلمات بحركات وإشارات قد تذهب بمعناها: جئتكم أحمل البندقية بيد وغصن الزيتون باليد الأخرى، فقرروا، أما قراري ففلسطين مع السلام.
أما دمشق فعلاقة محمود درويش بها استثنائية، كما علاقتها به.. إنها قصة عشق حقيقي، بعيداً عن السياسة، قريباً من فلسطين، والتاريخ ومجد الصعود، شعراً وأدباً، ونجاحاً سياسياً..
أذكر أنه طلب مني ذات ليل من أواخر أيلول أن آخذه إلى دمشق، وألح كعادته أن ننطلق فوراً، والوقت منتصف الليل.. وصدعت لأمره، طبعاً، فقصدنا دمشق التي لم تكن قد قامت فيها الفنادق الحديثة، وكان مدخلها هو النهر الذي عشقه محمود من قبل أن يراه! بردى.
عند الحدود مررنا بما كان يسمى «الضابطة الفدائية» -وكانت خاصة بالفلسطينيين بعد اعتراف لبنان بحق الفدائيين في استخدام أرضه للعبور إلى فلسطين المحتلة، وهي، الجار والمدخل وحاملة هموم التهجير.
استقبلنا شاب في أوائل العشرين، أسمر بعينين كحيلتين، وملامح تقربه من الصورة المتخيلة للمقاوم، مقتحم الحدود، مواجه العدو بشجاعته الفائقة الخفيف. ولقد أخضع هذا الشاب النحيل محمود درويش لاستجواب قاس يمكن تلخيصه بسؤال كرره عليه مراراً: كيف تكون في الداخل وتخرج في حين أننا نموت من أجل أن ندخل إلى فلسطين؟!
لأول مرة، رأيت محمود درويش يخضع لاستجواب حاد، فيدافع عن نفسه بمعاذير متعددة، ويروي عبثية استمراره في مواجهة يومية مفتوحة وعبثية مع الشرطة الإسرائيلية: تعتقله ثم تطلقه لتعود فتعتقله، ثم تجبره على المرور بها مرتين في اليوم لإثبات «وجوده».. وكان أن اتخذ قراره بالخروج!
- بلغنا دمشق حوالي الثالثة فجراً (عن طريقها القديم إلى بيروت). كان معرض دمشق الدولي على وشك أن يقفل أبوابه، ومجرى نهر بردى الذي أقيم عند ضفته الجنوبية شحيح المياه، وقد رميت فيه الصناديق وفضلات البضائع والمعروضات.
كان محمود متلهفاً لرؤية «بردى» الذي جرى في قصائد كبار الشعراء.. مفترضاً أن نهر دمشق قريب من نيل القاهرة. ولقد فجع مع الصباح فقرر أن نعود فوراً إلى بيروت، بينما كان بعض الأصدقاء قد جاؤوا للسلام عليه فأخذوه في جولة «سياحية» زادته إصراراً على العودة إلى بيروت فوراً: أعدني إلى الأمكنة النظيفة! هنا الغبار يغطي العيون فلا نرى!
على أن مفاجأة عظيمة كانت تنتظرنا حين عدنا إلى الفندق: وجدنا حشداً يتجاوز عديده الألفين، قد تجمع للسلام على محمود درويش، بعدما شاع خبر وجوده في عاصمة الأمويين وكان بين الجمع وزير الثقافة آنذاك، فوزي الكيالي، وكبار أدباء سورية، الشعراء منهم وأهل المسرح والأدباء. وأبناء مخيم اليرموك.. والكثير من الوزراء والأعيان، وكثير كثير من الشبان والشابات عشاق درويش.
ظل محمود على عناده.. برغم أن كثيرين ممن تجمعوا قد صافحوه والدموع تغطي وجوههم!. بالكاد قبل دعوة الوزير إلى الغداء بصحبة نخبة من أدباء سورية ثم عدنا إلى بيروت فعلاً..
لكنه بعد ذلك صار يغتنم كل مناسبة ليجيء إلى دمشق حيث اكتشف أن جمهوره يكاد يكون الأعظم اهتماماً بالشعر ولعله متميز في ذائقته الفنية، فكانت كل أمسية لمحمود درويش تقتضي ترتيبات أمنية استثنائية لحفظ النظام، بينما عشرات الآلاف يحتشدون في المكان أو من حوله لسماع فلسطين تتحدث عن ذاتها بلسانه.. وقد اضطر المنظمون في غير حالة أن ينقلوا الأمسية إلى المدينة الرياضية، لإرضاء الجمهور العاشق شاعره.. النرجسي!
على امتداد ستة وثلاثين عاماً، من الصداقة مع محمود درويش، التي امتدت إلى أسرتي برغم «عدائيته» المحببة، ومن المتابعة بالإعجاب والتقدير لنتاجه الغزير بمستواه الاستثنائي الرفيع، كنا كثيراً ما نختلف في الرؤية وفي التقدير السياسي للأحوال، وبالتحديد لأطوار الصراع العربي (الذي صار من بعد فلسطينياً) الإسرائيلي.
كان محمود درويش يتميز بمعرفة دقيقة بهذا العدو: مجتمعاً وسياسة، أحزاباً ومطامح.. ولأنه كان يعرفه إلى هذا الحد، ثم أنه تعرف مباشرة إلى أحوال العرب، فضلاً عن الأحوال الخاصة للفلسطينيين، قيادة وجماهير، منظمة ومعارضين، فقد دفعته المعرفة إلى الذهاب بعيداً في تصوره لمستقبل لا يمكن أن يقوم على استمرار العداء إلى الأبد. ولقد أدرك أن العرب لا يعرفون عدوهم، في حين أن عدوهم يعرفهم تماماً: يعرف عن قيادتهم وعن أحوال مجتمعاتهم، عن صراعات الأنظمة وحروب القبائل (قبل أن تنحدر نزولاً إلى الطوائف والمذاهب والملل والنحل). ومن هنا فقد داخله الشك في إمكان انتصار عربي حاسم على إسرائيل.. ثم رأى الانفصال بين الفلسطينيين وسائر العرب يصبح أمراً واقعاً، مما يترك الشعب الفلسطيني برمته وحيداً أمام مصيره.. بل لعله قد رأى ولمس وعرف كيف أن الفلسطينيين باتوا يخافون على قضيتهم من «العرب»، أي الأنظمة المقتتلة على فلسطين وباسمها، أكثر من خوفهم عليها من إسرائيل.
وكان يرى ببصيرته قبل بصره الانقسام الفلسطيني ويخاف منه على ما تبقى من فلسطين.
ولقد مد محمود درويش بصره إلى المستقبل البعيد.. فأخذ يمهد لعلاقة بين هذين الشعبين المحكومين بأن يعيشا على الأرض الواحدة، وبمعزل عن ادعاءات الحق التاريخي، أو الحقوق الطبيعية لأهل الأرض فيها، لا تقوم على السلاح والقتل والموت والعداء الأبدي..
كان دقيقاً كل الدقة. لكنه كان مقتحماً. وكان اقتحامه من موقعه المميز مباغتاً. وكانت ردود الفعل عليه عصبية، من الطرفين: بعض العرب رآه يتجاوز الحدود إلى المحرمات، وبعض الإسرائيليين رأوا في دعوته خطراً جدياً لم يكن وارداً، أقله على مستوى الوجدان وهذه الرؤية المستقبلية التي لا يقدر عليها إلا.. الشعراء.
لكن ذلك حديث يطول، فنرجئه إلى ما بعد وداع يليق بمحمود درويش، أحد أعظم الشعراء الذين أنجبتهم فلسطين، بل الأرض العربية جميعاً.
لنقف الآن إجلالاً لهذا المبدع الذي ذهب إلى الموت يقاتله مفتوح العينين، واثقاً من النتيجة الحتمية. لكأنه أراد أن يقول للموت: أنا لا أخافك، لقد قلت كل ما عندي، وانتصرت عليك فصمدت لسنين طوال وقد آن لي أن ارتاح، وحرمتك من أن تأخذني إلا في الموعد الذي حددته.. وبعدما قلت فيك تحديداً كل ما أردت أن أقوله:
وداعاً، أيها العاشق من فلسطين الذي جعلها أغنية تسكن وجدان أطفالنا، وأعطاها بعدها الإنساني العظيم كواحدة من معارك الحرية والحق في امتلاك الشعوب زمنها بإرادتها.
ولن ينتهي الحديث عن محمود درويش المبدع، المجدد، الذي رفع الشعر إلى مرتبة لعلها الأعلى بين سائر وجوه الإبداع.. فإلى اللقاء.

* * *

الانتصار الأخير
• جابر عصفور


محمود درويش واحد من أكبر شعراء العربية على امتداد عصور الشعر العربي، بل من أكبر شعراء العالم المعاصر كله استوعب ميراث الشعر وانطلق به إلى آفاق لم يصل إليها سواه، فكان شاعر القضية الفلسطينية، كما تعودنا أن نصفه، نحن النقاد الذين عرفنا قدر شعره والذُّروة التي وصل إليها، وظل يحاول مجاوزتها إلى ما هو أرقى منها، كأنه لا يتوقف عن الصعود إلا ليصل إلى النقطة المستحيلة التي تنطوي على كل أسرار الشعر والحياة والوجود وظل شعره، منذ قصائده الأولى، شعر قضية لم تفارق إبداعاته المأساة الفلسطينية، فظل منتمياً إلى الفلسطيني المقموع، صاحب الأرض المغتصبة، المغروس في ترابها، النابت من أعماقها، الناطق بحق الفلسطينيين العادل في العودة إلى أرضهم وترابهم، واقفاً بصلابة ضد سارقيهم وقامعيهم، وخائنيهم والمنقلبين عليهم، ورافضاً ومديناً كل من أعان، ولا يزال يعين على بقاء وضعهم الإنساني على ما هو عليه ولأنه وهب حياته الإبداعية كلها للقضية الفلسطينية حالماً بالعودة، قابضاً على فكرة الحل العادل للمأساة الفلسطينية كالقابض على الجمر، في وطن هو الجمر بعينه، ولأنه كان ثابتاً على المبدأ، عميق الالتزام بقضيته التي نفذ إلى قرارة القرار من أعماقها الإنسانية، فإنه لم يعرف التبدل والتحول، والتراجع والتنازل، ولا الرجوع عن المبادئ التي حلت منه محل الروح في الجسد، فظل يغوص في أعماق الحزن الفلسطيني البعيد الأغوار، إلى أن وصل إلى جذره الإنساني في قرارة القرار من أعماق المأساة الفلسطينية التي رآها مأساة إنسانية، غاص فيها إلى أن رأى الكل في الجزء، والمأساة الكونية في المأساة الوطنية، حيث الموت الغادر الذي يهدد الحياة بأسرها، والعدم الذي يتربص بالوجود كله، فإذا به، مع عمق الرؤية واتساعها، مقابل ضيق العبارة ومحدوديتها، يتوغل وراء تجليات الرموز، باحثاً عن العام في الخاص، الإنساني في المحلي.
وقابله الجدار المستحيل لمدار الوجود المغلق المنكفئ على أسراره، فلم يقف عاجزاً أمامه، بل ظل يقرعه بالأسئلة، ساعياً لأن يحفر بشعره كوة في جدار الصمت الكوني، كي يدخل منها الضوء، ويغدو واحداً من الذين رأوا ما لم يره غيرهم، ويسمع ما لم يسمعوه، أداته في ذلك المجازات والاستعارات والتمثيلات والكنايات التي صاغها الحدس الثاقب والبصيرة المرهفة التي تشف حتى تتكشف أمامها الأستار والحجب عن كل الأسرار هكذا، أصبح شاعر قضية إنسانية، قضيته الوطنية والقومية هي المركز، المبدأ والمعاد، منها تنطلق كل هموم الإنسانية وتعود إليها كما يعود النهر إلى مصبه، والحضور في الوجود إلى منبعه وعلة وجوده الأولى، فأصبح يوصف بأن شعره تحول من محدودية القضية الفلسطينية إلى الأفق اللانهائي لمعضلات الحضور الإنساني، وقيل إنه انتقل من أسئلة الحق العادل في الأرض الفلسطينية وحلم العودة إلى شجرة الزيتون ورائحة زهر الليمون إلى أسئلة المصير الإنساني، وأهمها سؤال الموت وتحديات الضرورة في الوجود ولم يكن الأمر أمر تحول أو انتقال من حال إلى حال، بل حال واحد ممتد، متعدد التجليات، يتحرك في ما يشبه حركة الدائرة التي، مهما تباعدت عن نقطة البداية، تعود إليها، مدركة مأساة الوجود كله في مأساة الشتات الفلسطيني، وصراع الشر والخير في صراع الأخوة الأعداء الذي يعميهم عن الحضور الفاعل في الوجود العام والخاص، وكان لا بد من أن يواجه قضية المصير الإنساني في النهاية، لكن من زاوية المصير الفلسطيني، والمصير هوة تروع الظنون، ليس في أعماقها سوى الموت الذي لا بد من أن يراه، ويواجهه من يطيل التحديق، ولا يكف عن السؤال، ويظل يتلظى برغبة المعرفة المحرقة وكان محمود درويش واحداً من هؤلاء أعني أصحاب الرؤى الوجودية الكبرى من شعراء الإنسانية كلها.
ولم يكن يخاف الموت بسبب قلبه العليل الذي أنهكه الهم الفلسطيني الذي يتزايد تعقيداً ومأسوية، فقد رأى الموت من قبل، كلما فتح الأطباء قلبه ليعالجوا ضعفه، وكان يتحدث عنه، في «جدارية محمود درويش» البديعة، كما لو كان يتحدث عن كائن رأى منه ما لا يرى، أو كما لو كان يحدِّق في أرض هاديس التي لا يعود منها أحد، ولكنه عاد، متشبثاً بحياة الإبداع التي كان يراها أقوى من الموت، وظل يؤمن بأنها تقهر الموت، ولذلك صوّر، على نحو لا ينسى، صراع الموت والإبداع، في تاريخ البشرية التي لا تكف عن مقاومة الموت المحيط بها، ولا يكف هو عن التربص بها، حتى في كل هزيمة له منها، وذلك في الجدارية التي أراد بها تخليد انتصار الإبداع، دائماً، وفي كل تجلياته وأنواعه، على الموت وحين أثقلت قلبَه علتُه، هذه المرة، ذهب لصراع الموت، وأسلم قلبه الذي تكاثرت عليه الأحزان الفلسطينية، مع تصاعد صراع دامٍ عبثي للإخوة الأعداء الذين نسوا قضيتهم الكبرى، ومع تصاعد قمع إمبراطور العالم الجديد، في العالم المملوء أخطاء، في التابوت الممدد من المحيط إلى الخليج، لم يستطع القلب المثقل أن يحتمل مباضع الجراحين، فتوقف عن النبض لكن محمود، في فعله ذلك، كان يحقق انتصاره الأخير على الموت، بعد أن تأكد أنه قهره بالإبداع الذي يظل خالداً، والدواوين التي يغدو كل واحد منها جدارية لن تفارق أعين الأجيال القادمة وقلوبهم وعقولهم في آن، وكان موت جسد محمود درويش، هذه المرة، تتويجاً لكل مواجهاته للموت الذي ظل يراه منذ دواوينه الأولى في الأرض التي انتسب إليها، إلى دواوينه الأخيرة التي رأى، خلالها، الموت في داخله، فصارعه ليقهره، ومضى محاصراً بالموت في الداخل والخارج، لا يكف عن الصراع، إلى أن انتصر أخيراً على الموت، وخادعه وخدعه، عندما أسلمه الجسد الفاني واستبقى الروح الخالد الذي حلق بعيداً عن الموت، عائداً إلى جوهره الأنقى وحياته الأبدية، محققاً نبوءته الشخصية التي همس بها إلينا، عندما قال في الجدارية:
«سأصير يوما طائرا، وأسُلُّ من عدمي
وجودي، كلما احترق الجناحان
اقتربتُ من الحقيقة، وانبعثتُ من الرمادْ».

* * *

أن تكون في فلسطين
• إبراهيم العريس

قبل أكثر من عشر سنوات من الآن، وفي رد على سؤال طرحته صحيفة تونسية على كاتب هذه السطور يتعلق بما إذا كان مستعداً للذهاب إلى أرض فلسطين المحتلة، «في ركاب مثقفين عرب كانوا بدأوا يهرولون إلى هناك اثر توقيع أوسلو»، بحسب طارح السؤال، كانت الإجابة: «أنا لن أذهب إلى فلسطين إلا في صحبة محمود درويش». كان من الواضح أن الجواب دبلوماسي، طالما أن محمود درويش كان ممنوعاً من السفر إلى هناك. لكن المفاجأة كانت بعد نشر الحديث بأيام، حين اتصل محمود درويش بكاتب هذه السطور ضاحكاً وهو يقول له: «لقد أوقعت نفسك في ورطة يا عمّ!» لماذا؟ «لأنني سأسافر إلى فلسطين بعد أيام. فهل تأتي؟». وقهقه الشاعر الكبير من جديد، وهو يعرف أنني ما كنت أستطيع أن أفعل، لا قانونياً ولا وجدانياً.
في تلك المكالمة نفسها، تحدث محمود عما هو أهم: إنه ذاهب إلى مسقط رأسه وسيجول في أنحاء فلسطين مع فريق عمل تابع للتلفزة الفرنسية، تحت إدارة السينمائية المعروفة سيمون بيتون، كي يصوّر عنه برنامج تلفزيوني، ضمن السلسلة الرائعة التي أنتجتها القناة الثانية حول «أدباء القرن العشرين». طبعاً لم يكن الاهتمام منصبّاً في تلك اللحظة على السبل القانونية والقضائية التي ستمكّن صاحب «آخر الليل» من التجول في بلاد تحتلها سلطة اتخذت ضده أحكاماً قضائية عدة، بل على العمل التلفزيوني نفسه. ذلك أن سيمون بيتون، المنشقة بقوة عن إسرائيل والتي تعيش بجواز سفر فرنسي، هي اليهودية من أصل مغربي، كانت معروفة بأفلام رائعة حققتها عن الثقافة العربية لتلفزات متعددة (منها فيلم عن محمد عبد الوهاب وآخر عن أم كلثوم وثالث عن ليلى مراد..)، كما كانت معروفة بالصور «الوقحة» -في نظر اليمين والسلطة الإسرائيليين-التي التقطتها خلال الانتفاضة الأولى لجنود إسرائيليين يكسرون ذراع شاب فلسطيني من دون رحمة أو شفقة. قال درويش: «لا شك في أن سيمون ستعاملني مثل ليلى مراد.. على الأقل أرجو ذلك!»، قلت له: «أفضل من أن تلتقط كاميراتها صورة لك شبيهة بتلك التي التقطتها للشاب الذي كسرت ذراعه». ضحك من جديد وقال: «الله يستر».
صور الفيلم يومها، وحين عرض على الشاشة الفرنسية كتب كثر انه واحد من أفضل أفلام السلسلة. وزمجر صهيونيون –وعرب- كثر، غاضبين على سيمون بيتون، التي ستواصل مسيرتها حتى قدمت قبل سنوات قليلة فيلم «الجدار» الذي اعتبر أكبر إدانة، بالصورة المتحركة، لجدار الفصل العنصري. ودرويش نفسه كان كثيراً ما يشيد بالفيلم، الذي كان، ليس فقط وسيلة فنية لمتابعة حياته وشعره، بل أيضاً، وسيلة مكنته من أن يتجول في فلسطين. من أن يتصور في فلسطين. ومن أن يدنو منه أهله وأحباؤه هناك بعد غياب طويل. وخصوصاً من أن يلتقي أمه التي كانت سنوات كثيرة قد مرت منذ التقاها للمرة الأخيرة. ومحمود كان في كل مرة يؤتى فيها على ذكر الفيلم يقول مبتسماً: كنت أعتقد أنني بعد عرض الفيلم سأتلقى مئات العروض للتمثيل في أفلام أخرى!
أما كاتب هذه السطور، فإنه، في كل مرة شاهد فيها هذا الفيلم، كان-في زاوية ما من وجدانه- يتمنى لو أنه، وفى بما تعهد به في الحديث الصحافي، وكان مع درويش في تلك الجولة الفلسطينية، خارقاً القوانين والمحظورات، ولو اضطر إلى دفع الثمن.

* * *

في موت كل شاعر تموت نجمة في السماء
• ياسين رفاعية

هذا القلب المليء بالحنين, ولكنه على المقلب الآخر يغدر بالشعراء, وهو آخر العمالقة محمود درويش يغدر به قلبه، الذي لم يخفق منذ شبابه إلا بالشعر, والذين غدر بهم قلبهم تباعاً, بلند الحيدري في لندن, عبد الوهاب البياتي في دمشق, ونزار قباني في لندن, وأمل جراح في بيروت, أمل جراح ومحمود درويش عمليتان في نفس المستشفى في هيوستون بولاية تكساس, وهل أتحدث هنا عن محمد الماغوط, أو شريف الربيعي الذي على شاهدة قبره في (غرين فورد) في لندن عبارة واحدة: هنا يرقد الشاعر الغريب شريف الربيعي.‏
أذكر أن أمل جراح ومحمود درويش كانا يتضاحكان في بيتي عن قلبيهما المتعبين, وخوف درويش من أن يجعلوا جسده ساحة خرائط متقاطعة, كما قالت أمل جراح ذات مرة إن مشارط المستشفيات جعلت من جسدها خرائط مدن لم تولد بعد.
إذاً. قال هذا الكلام محمود درويش عندما عرضوا عليه أن يجري عملية القلب في القاهرة, فمركز مايكل دبغي في هيوستون هو الأشهر وذهب إلى هناك, ولكن, كما يقول المثل: (الموت ما معه لعبة) سواء في القاهرة أو هيوستون أو أي مكان آخر (يأتيكم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة).
تعود علاقتي بمحمود درويش منذ جاء بيروت وهو شاب في الثامنة والعشرين من عمره, وكان في ذلك الوقت قد خرج من فلسطين المحتلة مسافراً إلى موسكو بـ(فيزا إسرائيلية) وكان الذهاب إلى موسكو الوسيلة الوحيدة كي يحقق الغاية التي صمم عليها وهي الرحيل إلى بيروت، بيروت الحلم والشعر والفن والأدب. كانت قصيدته التي مطلعها (سجل أنا عربي) قد سبقته شهرتها إلى العالم العربي, وأصبحت تتردد على كل لسان. كان ذلك أوائل السبعينيات، وقد سبقه إلى بيروت شاعر آخر لا يقل شهرة عنه هو معين بسيسو, هذا الشاعر الذي كان يتنقل من منفى إلى منفى, إلى أن غدر به قلبه في لندن عام 1986.‏
استقبلت بيروت الشاعر محمود درويش استقبالاً عظيماً لم يقل عن استقبالها لبقية الشعراء الذين جعلوا من هذه المدينة العظيمة موطناً لهم أمثال نزار قباني, يوسف الخال, فؤاد رفقة، أدونيس, عبد الوهاب البياتي, محمد الفيتوري, وحتى الشاعر الكبير عمر أبو ريشة (مسكنه قرب فندق بريستول) إلى جانب شعراء أقاموا وعبروا وغادروا.‏
اتخذ محمود درويش شقة للسكن في منطقة الحمراء, كما فعل كذلك معين بسيسو, وكان بيتي يتوسط بينهما, مما وفرّ لنا اللقاءات المستمرة في زيارات وسهرات وأمسيات وحفلات عشاء منزلية.. وقد أتاحت لي هذه اللقاءات أن أسأل وأحاور الشاعرين في كثير من الآراء، بعضها نشرته وبعضها الآخر ما زال في مفكرتي. وكانت أفكار درويش بعد خروجه من (إسرائيل) كأن الحلم قد انقطع فيها, وكأن لم يعد له من أمل - وقتذاك- من العودة أو تحرير كامل التراب الفلسطيني, فقرر الخروج من عنق الزجاجة إلى العالم العربي الأرحب وهكذا كان.‏
قلتُ له ذات يوم, لا أدري كيف أطرح عليك الأسئلة, فأنت في المطلق جوَّاب شعري جميل, إن فيك بساطة مذهلة تجعل طرح الأسئلة عبثياً, ومع ذلك لا بد من استدراجك إلى الكلام: من أين يأتي الشاعر بهذا المحيط الهائل من الزخم. من أي بستان تختار كلماتك? يجيب: ليتني أصدق أن هذا السؤال موجه لين فكلما ذهب الشاعر في التجربة ازداد إدراكاً لمصادر جفافه. ويبدو أن الشاعر هو آخر من يرى قوة الكلمات, ولكن إذا قشرنا هذا السؤال من صيغة التمجيد ومن العنوان الذاهب إليه, بقي أمامنا شكل الحيرة الدائمة: من أين يأتي الشعر إلى إنسان ما? ليتنا نعرف! وفي الوقت ذاته ليتنا نبقى عاجزين عن أن نعرف، فعندئذ نمتلك السر ونرتاح, ويفر الشعر منا, هل يجوز لنا القول: إن سر الشعر هو السر.‏
في الحقيقة من كل شيء يأتي الشعر ولا يأتي من شيء, لعله هدية جاءت في وقتها النادر مثل عبور نهر لم يتمكن من العبور فيه مرة ثانية. لعله أصوات الأرض وقد وجدت نفسها هكذا جميلة ومظلومة, أو لعله هذا الضوء الذي يخترق الصورة مرة واحدة ليجعلك تبحث عنه إلى الأبد. هناك لحظات تُصاب فيها بالبرق أو بطعنة وردة تترك فيك نزيفاً لا ينتهي، وتكون الكلمات مجرى.. ولكن لماذا حفرك هذا المجرى دون سؤال.. لا أحد يعرف. ولكن كثيرين يعرفون أنك لم تعد (أنت) ففيك يجد الناس أصواتهم أو أوجاعهم.. كيف تحقق هذه الوحدة فيك? لا أحد يعرف.‏
لكل شاعر حادث جعله يجري في هذا المجرى: حب فاشل.. وطن ضائع, جوع طفل, اختفاء قمر خلف ورقة شجر. الاشتعال الأول لركبة امرأة في دماغ صبي.. ولكن هذه الحوادث والأحداث تجري لملايين الناس في كل يوم فلماذا تنصّب كلها في التكوين النفسي لفرد يصبح شاعراً أو مفوضاً بجدارة للتعبير عنها? لا أحد يعرف. مع ذلك, فإن الذين سافروا في السفن الفضائية قد رأوا فعلاً المصدر الحقيقي المكثف للشعر في كرتنا الأرضية المعلقة على أجمل أحلامنا. في المطلق, سلامها هو مصدر الشعر. ولكن كيف نصل إليه? عبر مليون قضية صغيرة ولغة وصوت وجرح وحرب, وحتى تواصل جنسي مع امرأة جميلة.‏
كيف أدل على الشعر? أنا لا أستطيع. الشعر يدل على نفسه, فهو كل شيء ولا يشبه شيئاً, كل الأصوات والألوان والأسرار والمعارك..والصحافة والآداب, كل ذلك..كل ذلك, ولكن لا يشبه صوتاً ولا لوناً ولا معركة ولا امرأة حسناء..الشعر هو الشعر, وسر الشعر هو سره, إن الحجر للناس حجر, لكنه في يد الشاعر يأخذ شكل التفاحة ومذاق القبلة وفاعلية القتال والحرب, والفنون كلها..كيف لا أعرف ولكن أختار الكلمات من شرايين القلب.‏
كان أمامنا على الطاولة مجلة (الكفاح العربي) وفيها حوار أجريته مع الفنان الراحل قبل وفاته بول غيراغوسيان.. وفيما يقلّب محمود المجلة..شده تعبير ورد على لسان غيراغوسيان: (عندما يولد فنان أو شاعر معنى ذلك أن نجمة ولدت, وقد يستمر نور هذه النجمة الزمان كله ليصل إلى الآخرين وقد لا يصل أحياناً» وتساءل محمود هنا: بعد إتمام عملية الخلق.. لا أثناءها, هل يصل هذا الصوت? هذا التساؤل يقع في دائرة العلاقة بين الشاعر والآخرين ولكن غرفة النوم تشهد حواراً أصعب في دائرة العلاقة بين الشاعر وذاته.. هل كان هذا البناء بناء? إن أبنية كثيرة تتهدم في الشاعر ليبني علاقة جديدة بين حجرين المسافات بين ماضيه وحاضره ومستقبله.. المسافات بين اللغة والإحساس بين الرؤية والرؤيا، غالباً ما تكون خلاصة الحوار مائلة إلى الشك, وغالباً ما تكون عملية الانسجام بين القصيدة في الجسد وبينها على الورق ضد القصيدة.‏
غداً أكتب أفضل‏
هكذا يقول الشاعر ليكتشف أن غده الأفضل هو غده الأصعب, ليصل إلى المصير المدمر! أين لحظة الفاعلية? إن انتظارها استمرار غيابها.. ويدخل الشاعر في هاجس الخوف من العجز.. ماذا سيحدث? هل أستطيع الكتابة مرة أخرى, هذا ما يصيبني عندما أحاول بناء القصيدة, وهذا الهاجس يعني أن مخلوقي يهددني أو أني أخاف بنائي..أخاف أن يطويني.‏


وأسأله معترضاً: كيف تحل المعادلة إذاً?‏
أجاب: بيني وبين نفسي لم أجد حلاً, علمتني التجربة أن اضطهد بعض الأسئلة, وإن كان بعضها مستعصياً على القمع. اسمع أخي ياسين.. دعنا نعرّ الطريقة الخاصة لكل شاعر في عمله, لقد جابهتني أسئلة كثيرة.. وجابهني سؤال الشكل الشعري واللغة, وعذبني إلى درجة أني فكرت بالانتحار كحل, ولكن مكالمة تلفونية في صباح باكر, تأمرني بالسفر إلى بلاد بعيدة، أخرجتني من المأزق, إن المكوث ساعات طويلة في الهواء بلا مواعيد ولا مطالب, يعيد المرء إلى توازنه النفسي.. نجد الاكتشاف لا يتم على الورق وفي غرفة مغلقة, إن الانخراط في الحياة والتفكير بغير الشعر هو بعض وجوه الحل النسبي.‏
كيف?‏
إني أناهض هذا الاحتراف.. سافر اذهب إلى الشارع.. ارتكب حماقات, تصرف عشوائياً.. لاتفكر بالشكل الشعري.. اطرد الشعر من البيت امتلئ بعلاقات جديدة, حتى تعثر على اللحظة الشعرية وتبني شكلها بشكل تلقائي, كل قصيدة تحدد شكلها, كن واثقاً بالأحداث التي تأتي من المفاجآت, عش كثيراً, واكتب قليلاً, هذا هو الحل.‏
أما زلت تفكر بالانتحار?‏
الآن لا.. الحياة تعجبني هذه اللحظات, فقد جرى وفاق جديد بيننا, هذا الوفاق هو أنني استطعت كتابة قصيدة جديدة.. هل ترى هذا الجنون? يتورط الشاعر في عملية الشعر, إلى درجة أن لحظة القدرة على الكتابة, تتحول إلى رهان على الحياة, لا.. هذا سأنتحر حين أعجز عن كتابة الشعر.‏
هذا جنون?‏
ليس جنوناً، هذه مأساوية.. ولكن هل يرحمنا أحد, إنهم يعددون خصالنا, هل كنت لطيفاً هذا الصباح؟ هل شربت نبيذاً يوم أمس? لماذا ترتدي هذا القميص الأنيق? ولا يرون الكارثة التي تسكن أعماق الشاعر, هل قال أحد من قبل إن راقصات هز البطن أكثر حظاً من الشعراء؟ وهل قال أحد من قبل أن كثيرين من الناس يطالبون الشاعر بأكثر مما يطالبون القادة?‏
هل أنت تعس?‏
نعم.. إن مصدر تعاستي هو الأسلوب الصارم الذي أعامل به نفسي, فيَّ عيوب كثيرة, لكنني لا أتواضع في القول: إنني حقيقي.. حقيقي إلى درجة الإيذاء, قلبي على لساني, ولا أخفي مشاعري, أصل إلى نفسي في تعذيبها, شعري لا يعجبني ولهذا أواصل الكتابة, على كل حال قصيدتي هي هويتي.. أكتبها حين تقرع أجراسها في صدري, وفي عمودي الفقري.. ما كنت بطلاً.. لكنني أفقت ذات يوم, فوجدت نفسي بطلاً والمصادفة الجغرافية ليست كفاءة أو موهبة, وتتذكر أنني صرخت بملء الفم: أنقذونا من هذا الحب.. هل تذكر ياسين تلك الأيام, ثم أخذتُ شهرتي ومحبة الناس لي, وملفاً من التاريخ المنفوخ بالأضاليل وذهبت إلى المطار, وسافرت بحثاً عن لحظة الحقيقة, غامرت بتاريخ كامل من المبالغة لأجد لحظة حقيقية واحدة, شتموني, طالبوا برأسي, اتهموني بكل شيء, فشعرت بالسعادة الحقيقية.. لقد سقط القناع, وأنا الذي أزاح التاج عن رأسه, لأنني أردت أن يعاملوني هكذا, أنا إنسان فلسطيني ولست مواطناً إسرائيلياً. هذا غيض من فيض حوارات كثيرة مع الشاعر, ولابد من الإشارة إلى أن هذه الأفكار التي قالها محمود حصلت بين أعوام 70 و71 و72 و73 من القرن المنصرم, صحيح أن في كل ولادة شاعر, تولد نجمة في السماء والصحيح أيضاً أن في كل موت شاعر تموت نجمة في السماء.

* * *

اللقاء الأخير مع محمود درويش
• فيصل درّاج

في العام الأخير، كان بين الشاعر والمقرّبين منه تواطؤ نزيه، يطمئنون عن صحته باقتضاب، ويطمئنهم باختصار تخالطه السخرية. لم يلتفت الكثيرون إلى السخرية في قصائدي، كان يقول. كنا نتكلم عن الصحة ولا نكثر الحديث عن المرض، وكان يتحدث عن مكر الحياة ولا يتطرق إلى الموت. «خدعتني الحياة فانخدعت». وظلّت مشاريع كثيرة مؤجلة التحقق. كان محمود، في ساعات الصفاء الحزين، يذكر أشياء عن جمال الهدف ومحدودية الحياة، ويرى إلى جزيرة بعيدة لا يراها غيره.
فتح الباب مرحّباً كعادته. كانت السادسة مساء في الخامس والعشرين من تموز، الجو حار والشاعر يتأهب لرحلة صعبة غامضة. «صاحبنا شاهين لم يحضر بعد». وأخذني، على غير عادته، إلى مكتبه، فهو أكثر إلفة. قال: كيف أحول الدنيا؟، قلت مع الخبرة نتكيّف مع وجوه الحياة المختلفة قال: إن الحكمة تعالج الإخفاق. بعد عبثٍ بالكلمات قلتُ: الحكمة هي استئناس الخيبة. قال: الأدق أن نقول: إن الحكمة هي استقبال مصاعب الحياة ببشاشة، ثم: لو كان الصديق شاهين معنا لمنع عن العبارة إمكان الهرب. كان د. شاهين يسجّل، أحياناً، في دفتر صغير ما يسمعه من محمود درويش أثناء اللقاء- الحوار.
لم يكن «اقتصاد اللغة الحكيمة» أمراً طارئاً أثناء اللقاء مع درويش، منذ أن كتب «في حضرة الغياب». سألني وشاهين مرة: ما هي السلالة الكتابية التي ينتمي إليها كتابي هذا؟ قلت لا أرى له مرجعاً عربياً، فلا هو قريب من بلاغة طه حسين الأزهرية – الحديثة في كتاب «الأيام»، وليس له مع نثر جبران خليل جبران علاقة، ولم يكن يحب جبران كثيراً. فيه شيء من نثر أندره مالرو، قال: ليس بالضبط. واقع الأمر أن الشاعر كان مفتوناً، في سنواته الأخيرة، بشخصين هما والتر بنيامين ونيتشه، ويردّد بإعجاب تمازجه الغبطة بعض أقوالهما مثل: الحقيقة تضيق بالبراهين، كل حقبة تحلم بحقبة لاحقة، وكل كلمة نجيبة تنظر إلى غيرها، والتاريخ كائن هائل أعمى لا يضبط خطواته. كان حوارنا عن «الحكمة البشوشة» استئنافاً لحوار سبق. ولهذا قطع محمود الكلام وقال: هل انتبهت إلى تعريفي للقصيدة في أمسية بيت لحم؟: القصيدة رمية نرد على بقعة من ظلام، الحظ نصيب الموهبة إذ تجتهد. ولعل من يرجع إلى كتاب «في حضرة الغياب» يعثر، بلا مشقة، على هذا اللون من الكتابة، الذي دعوته بـ«الكلمة الجامعة» وعاد محمود، لاحقاً، وقال من الأفضل أن نقول «جوامع الكلم».
«تأخر شاهين»، تواطأ مع شروده وانزلق إلى شارع آخر. قال محمود ضاحكاً. كان الشرود صفة ملازمة للصديق الذي تأخر. حين نظرت إلى يميني وقعت عيني على «لسان العرب» لابن منظور، قال الشاعر: لا أستغني عنه البتة، إنه مرجع عظيم الشأن، أو أنه «كتاب نفيس فخيم»، كما كان يقول صديقنا الراحل سعيد مراد، الذي تعرّفت إليه مع سعيد حورانية في موسكو. ثم أكمل: سعيد مراد أنيس كريم بشوش اختصاصه حل مشكلات الآخرين. في المناسبة أودّ مرة أن أذهب إلى دمشق لأزور زوجات الأربعة الراحلين: عبد الرحمن منيف وسعد الله ونوس وسعيد حورانية وسعيد مراد، في الخريف المقبل، ربما. استعاد مرة أخرى «استراتيجيا جوامع الكلم» وقال: الخريف فصل الحكمة الأنيقة، والشتاء فصل الحكمة المتداعية، والربيع فصل عابر مجازه الفراشة.
وتابع فرحاً: المجاز طريق مظلم إلى حكمة مضيئة. وقُرع الباب: صحا محمد شاهين من شروده. كان محمود يحب شاهين على رغم شروده، أو بسبب شروده ويرى فيه مغترباً، تصرّفت به الحياة ومنعته عن التصرّف بحياته كما يشتهي. أحضر شاهين بعض الفاكهة من مزرعته، حمل محمود حبة كمثرى وأعادها إلى الكيس، ثم حملها من جديد وقال: ماذا تشبه الكمثرى؟ في شبابي كنت أرى فيها صورة عن ثدي الأنثى الشابة. والآن؟ لا تزال الثمرة كما كانت، ولا تزال في أكثر من مكان أنثى تحمل الكمثرى، لم أعد شاباً، وأطلق ضحكة: كلنا لم نعد شباباً، فنحن على مستوى العمر جيران. سأله شاهين بحرص ومحبة: ما هي الأخبار وماذا ستفعل؟ الأخبار كما هي، سأسافر بعد غد إلى باريس ومنها إلى بوسطن. الرحلة مرهقة والعملية كالقصيدة: رمية نرد فوق بقعة مظلمة، ولي مع العمليات تاريخ طويل. وما هي أخبار الفيزا؟ حصلت عليها بعد أكثر من شهرين من السؤال، يبدو أنني إرهابي من دون أن أدري، وأن «الآخر» يعامل العرب باسترخاص كبير. غداً راحة، وبعد غد سفر يتلوه سفر، وبعد ذلك سنرى ما تأتي به الأيام.
كانت من عادة الشاعر، ذاك المبدع القلق المتطلّب النزيه الصادق المتواضع، أن يتصل بأصدقائه بعد كل أمسية شعرية متلفزة، يسألهم رأيهم في القصائد التي ألقاها وعن شكل الإلقاء ومدى تفاعل الجمهور معه. ومع أنه كان قد تحدث معنا، وتحدثنا معه، بعد أمسيته الأخيرة في بيت لحم، عاد وسأل: كيف كانت الأمسية؟ قلنا له : أمّا عن القصائد فقد مثّلت السهل الممتنع والمعقد البسيط والواضح الغامض.. قال: وأنا كيف كنت؟ قلت له: جرت العادة أن تبدأ بإلقاء القصيدة مفرداً ثم تتكاثر، يخرج منك أكثر من شاعر، أحدهم يلقي والآخر يمثّل الإلقاء وثالث يبرهن عن المهارة ورابع يستثير الإعجاب وخامس يختصر محمود جميع الأزمنة. في هذه المرة بقيت مفرداً، شاعراً مطمئناً يلقي بإلفة قصائد أليفة، أمام نفسه وأصدقائه وأمه وأهل قريته وجمهور قصيدته، كما لو كنت تقول: أنا محمود درويش عمري سبعة وستون عاماً أقرأ القصائد التي أريد بالشكل الذي أريد أمام الجمهور الذي أريد، لا ضرورة للإضافة وتبيان المهارة، ولا ضرورة لما لا يدع الروح طليقة متحررة من الصنعة وطقوس الشطارة. قال بعد شرود: أخيراً أصبحت أنا، كما أرادتني الخبرة أن أكون، وكما أرادني الجمهور أن أكون أيضاً. إنها الحياة وتعرفان رأيي في الحياة: ورقة نصيب تربح بعد موت صاحبها.
إنه وقت القهوة، أظنك يا شاهين لم تعد تحب «القهوة الدرويشية»، كما تقول، وإلاّ لما تأخرت. سأله الأخير عن أمسيته الشعرية الأخيرة في جنوب فرنسا (نانت)، قال: فاقت ما توقعته: غروب وهدوء وموسيقى وجمهور أنيق ومدرّج روماني وشخصيات ثقافية غير عربية وعربية. تقدم مني في النهاية الناقد الشهير تودوروف وقال بالإنكليزية: «هذا سحريٌ»، لم أتوقع هذا. كان هناك الناقدان صبري حافظ ومحمد برّادة، وكانت الأمسية لمناسبة مرور ثلاثين عاماً على إنشاء دار النشر «أكت سود». وبدا محمود راضياً فرحاً، وكان من عادته أن يوزّع الفرح على أصدقائه، كما لو كان قد ظفر بجائزة نيابة عنهم جميعاً. لم يكن في ذاك الفرح ما يشي بالفخار والإعجاب الذاتي أو بالرضا الممتلئ الذي يأخذ شكل البداهة ولا بتوقعات «الشاعر الكبير»، بل كان فرحاً عفوياً تكسوه البراءة. وكثيراً ما بدا محمود، وهو يتحدّث عن أمسياته صبياً، حصل على جائزة غير متوقعة وابتهج، أو جاء بنتيجة مزهرة ولم يخذل أصحابه. ومع أنه كان في حياته اليومية متعدد الوجه والطور، فقد كان «نجاحه غير المتوقع» يجعل منه، كل مرة، إنساناً شفافاً، فيذكر فرِحاً التفاصيل ويشدّه الرضا البريء إلى الوقوف على تفاصيل التفاصيل. كان يعبّر عن موقفه من «النجاح اللامتوقّع» بصيغ كثيرة: أحلم بأن أصبح الشاعر الذي أريد، هناك كثيراً ما يجب قوله بشكل آخر، إنني لست راضياً عن نفسي ولا أعرف إن كنت سأرضى عنها ذات يوم، الرضا هو البلادة الباحثة عن منفعة، الإبداع قلق متجدد ومضيُّ الرضا، وأكثر ما أعجب من هؤلاء الذين ينشرون الرضا لمناسبة ولغير مناسبة. كان يشير دائماً إلى ت. س. إليوت الذي أصبح مرجعاً شعرياً في القرن العشرين وكتب من الشعر حوالي مئتي صفحة لا أكثر. ولتعبير «غير المتوقع» عند محمود أكثر من قصة: حين زار كوريا، في العام الماضي، لمناسبة مؤتمر ثقافي وبدا الشخصية الأكثر أهمية وجاذبية قال: لم أتوقع هذا، لم أتوقع أن أكون معروفاً في كوريا وأن يقدّمني كبير شعرائها، هذه مسألة حظ وليست مسألة موهبة. وحين زار إيطاليا، حديثاً، والجو ممطر تواطأت معه «مباريات كرة القدم»، قال: لم أتوقع هذا الحضور وحين ظفر باستقبال مهيب في مسرح الأوديون في باريس قبل عام قال: فاق عدد الحضور ما توقعت. لم يكن محمود يتوقع إلا ما تقضي به روح رحبة عفيفة زاهدة أو أقرب إلى الزهد، روح شفافة تأمر بالتواضع، ترى إلى كرم الآخرين قبل أن تنصف موهبة متجدّدة دؤوبة مقاتلة جعلت من صاحبها أسطورة على قيد الحياة. قال مرة بعدما استمع إلى قصائده في دمشق جمهور «غير متوقع»: هل أنا شاعر جدير بجمهور كبير أم أن الجمهور يظنني شاعراً كبيراً؟ ولهذا كان يكره الدعاية ويحتقر الإعلان، فالمبدع بما هو من دون زيادة أو نقصان، والمبدع هو الذي يتواصل مع أجداده من المبدعين، والمبدع هو الذي يحاور الإبداع في كل مكان. وهذا ما جعله قارئاً مواظباً: معجب هو بأوكتافيو باث، ومفتون بما قاله بول فاليري عن الشعر، وقارئ أكثر من مرة لبعض دراسات الألماني أدورنو، وعارف بالشعر الإسرائيلي ورموز الكبار، ومتابع لما يكتبه الفلسطينيون والعرب، كأن يثني على شعر السوري الكردي سليم بركات وقصائد نزيه أبو عفش، وأن يعبّر عن تقديره لأعمال الفلسطيني عز الدين المناصرة ومريد البرغوثي في طوره الأخير..
سألناه: لماذا أكثرت من نشر قصائدك الأخيرة ولم تنتظر إصدارها في كتاب كما تفعل عادة؟ قال: هذا أمر لم يأتِ بتخطيط، جاء هكذا لأنه جاء، لا يمكنك أن تضبط كل شيء على المسطرة، لا القصيدة ولا النشر ولا الحياة. وقال كعادته: هل هناك من كتب عربية جديدة جديرة بالقراءة؟ وكان محمود ناقداً ثقافياً وأدبياً بامتياز، يعطي أحكامه وتأتي صائبة: طه حسين أهم مثقف عربي في القرن العشرين، وعبد الله العروي يمثل استئنافاً وتجاوزاً له في آن واحد، الأول أكثر جرأة والثاني أعمق وأعقد ثقافة. ونجيب محفوظ بصير جلود أقرب إلى الندرة، أجمل أعماله «الحرافيش» ولا أحب كثيراً «أولاد حارتنا»، وأحب رواية هدى بركات «أهل الهوى»، ومن المؤسف أن لا تأتي رواية «دنيا» لعلوية صبح في مقدمة روايات جائزة «البوكر» بعد رواية بهاء طاهر، وجمانة حداد موهبة كبيرة ومبدعة حقيقية لو تحررت من بعض القيود، ورواية الغيطاني «آثار المحو» عمل فاتن وهو خليفة محفوظ، والياس خوري موهوب وأنيق الموهبة، وعباس بيضون شاعر عالي الثقافة، وإبراهيم الكوني ساحر في لغته العربية، وأمل دنقل شاعر خصب، وأحمد شوقي كلاسيكي عظيم، وإبراهيم طوقان أفضل شاعر فلسطيني قبل النكبة، وحسين البرغوثي لم يكتشف موهبته النثرية المدوّية إلا متأخراً، وأعمال صنع الله إبراهيم الأخيرة أفضل مما سبقها.. والجملة الأخيرة دائماً: كل مبدع على صورة أستاذه، وكل أستاذ أستاذٌ إلى حين..
بعد القهوة وأحاديث متناثرة عن الكمثرى والمدرّج الروماني ولغة الكوني وسليم بركات وجمالية الرمان في الكروم الفلسطينية المطاردة، جاء طبيب صديق مشهود له بالكفاءة والمعرفة قال: العملية خطرة لكنها مضمونة النجاح، هناك كل ما يلزم لتكون ناجحة، لا لزوم للقلق أو ما يشبه القلق. ما كنا نقوله بكلمات تشجيعية سرية ملتوية القوام، قاله الطبيب بلغة علمية -أخلاقية صارمة. لم نقل شيئاً ومسح محمود وجهه بمنديل ورقي وقال: «إنشاء الله». انصرف الطبيب مخلّفاً وراءه القليل من الطمأنينة والكثير من الصمت. هذا موقف لا يختلف عن الطائفية، قال، طائفية في المدن وطائفية في البلدات الصغيرة، وطائفية في العراق ومصر ولبنان، وطائفية خاصة بالمثقفين.. لا شيء يدعو إلى الأمل، وأحوال فلسطين لا ترضي العقل ولا تسرّ القلب، وأنا متشائم وأرفض تصدير الآمال الزائفة.
نظرنا إلى بعضنا، كانت الساعة تقترب من التاسعة، ونطقنا بكلمات أشبه بالغمغمات، وبدا محمود في حال حسنة، ووعد شاهين بحفلة عامرة مقبلة، وتابع التواطؤ الكلامي اجتهاده، وغلبت النظرات الكلمات، وبقي قاموس «لسان العرب» في مكانه، ولم يلق أي منا نظرة على المكتب أو الصالون أو المطبخ الذي جثمت فيه حبات كمثرى ذكّرت الشاعر بشبابه البعيد. بدا اللقاء شبيهاً باللقاءات السابقة، وكان غير ذلك. أوصلنا محمود إلى المصعد، تواعدنا على لقاء قريب أكيد، رفع يده مودعاً، وغطّت وجهه ابتسامة أقرب إلى السؤال.


* * *

الاتحاد بالمعنى
• خالدة سعيد

أردناه معنى وها هو بالمعنى يتحد.
المعنى هو بناء ملكوت مجرّد ذهني فكري قيمي غير قابل للموت بموت الأشخاص ما دام قابلاً للتوالد أو للتجدد والامتداد. المعنى هو ما يُشهره الإنسان في وجه الكوارث، فردية أو جمعية، وفي وجه العدم.
والشعر في الثقافة العربية هو واحد من العمد الكبرى لهذا المعنى. هذا ما مثّله درويش بشكل مدهش، ومثّله أيضاً شعراء فلسطينيون وعرب كبار.
لا يصح، في كلمة سريعة يمليها الهلع، الكلام على الثقافة وأعمدة المعنى. لكن يمكن القول بإيجاز إن محمود درويش ذهب في اتجاه ترميم المنظومة الرمزية القيمية والجمالية التي هددها الشتات الفلسطيني، بل التي كانت هدفاً أول بين أهداف العدوان على البنى والذاكرات والمعاني الإنسانية الفلسطينية.
درويش أعطى الرموز حضوراً حياً. لكن العلاقة مع الجمهور الذي استقبل هذه الأنسام والإشارات الباعثة للحياة ظلت ملتبسة، وتتوجب دراسة علاقات التجاذب بين درويش وجمهوره. ذلك أن درويش لم يذعن ولم يأخذه الطرب إزاء تلك العلاقات. وكان قادراً أن يستدرج جمهوره إلى مواقع متقدمة في البحث عن المعنى.
ما لا بد من الإشارة إليه أنه لم تكن لبعض النقاد والقراء المتعمقين في شعر درويش (وأنا منهم) متطلبات الجمهور عينها. غير أن الحالة الدرويشية لم يعد يحدها الشعر ومعاييره. هي حالة تفيض عن المعايير. وكان هو أول من يقاومها. لكنني شاهدة على أنه متى حضر الجمهور في أمسية، دخل الجميع -وبينهم نقاد كبار عرفتهم- دخلوا الحالة الدرويشية.
علاقة جمهوره به كانت علاقة ببشارة، بسرّ متعالٍ، بمعنى قدير مستعاد. جمهور درويش حقيقة اختبرتها بنفسي في إحدى أمسياته في المغرب. لم يقرأ يومها قصائد مفضلة لديّ أو لدى نخبة القراء. لكنني كنت أبكي، وعديد بين الجمهور يبكون. كان هناك جمال سري، علاقة باطنية سرية مع الجمهور المتعطّش. فهمت يومها لماذا يتصرف قراؤه كأن ما يتصل بتطور شعره يخصّهم قبل غيرهم وقبل درويش نفسه، ولماذا يعترضون على محاولاته لإقامة مسافة معهم. لذلك حين أصف بعض شعره بالملحمية فإنني لا أغفل عن تلك العلاقة المميزة بالجمهور.
وربما ساعدت هذه العلاقة السرية بالجمهور على التقاط درويش للإيقاع الملحمي، إيقاع الكوارث الجمعية ورؤى الانبعاث.
هكذا، منذ وقت مبكّر، اتّجه نشيده نحو الملحمية. بدأت تباشير هذه الملحمية مع بعض القصائد الطوال، لتتكامل وتتوهّج في «مأساة النرجس وملهاة الفضة». هنا يكتب محمود درويش مأساة الاقتلاع والرحيل، متكلماً على ماض في المستقبل، على ماض في زمان معلّق، زمان بلا اتجاه. «عادوا». ولم تكن عودة. «عادوا»: نشيد يستقصي امتحان الهجرات وأسفار العذاب واختراق بحار الموت؛ يستحضر أصوات المنفيين، حتى ليغدو كل شعب منفيّ حاضراً في نشيده؛ يغدو كل شعب مشرّد وكل حق مغتصب حاضراً في أوار التجربة الدرويشية ومدار المحن الفلسطينية.
كان شديد الوعي لمأسوية دوره. لرهان الجمهور الهائل على هذا الشعر. كان يصرخ، لا ليتحرر من الرسالة، بل ليكشف عري عالم لا شعر فيه. ليكشف الجنون الذي لا يداويه الشعر ولا يشفع به.
تجاوز أساطيره كلها منذ السبعينيات حتى أيامه الأخيرة. تمرد على الألقاب والعناوين. مضى فوق حد السراط ضد الأطر والشعارات. حياته بذاتها كانت تداخلاً بين الفاجع والملحمي، قبل أن يتجه نشيده نحو الملحمي الفاجع.
جاء نشيده ملحمياً على مستوى البناء والسياق والأفق؛ أما على مستوى العبارة والصورة والإيقاع، فهو يحتفظ بكامل غنائيته. وفيما كان يتحرك في أفق جماعي، ويستحضر رؤى تاريخية مأسوية لشعوب تتنافى وتنتج حضارات يفني بعضها بعضاً، كان ينظم مفردات الحياة الفلسطينية وملامحها الأليفة. كان يرسم الأفق الملحمي بلغة الخصوصيات، بلغة تؤسطر اليومي وتهمس بالشخصي الحميم.
في هذا النشيد اشتعل غناؤه بأشواق آتية من الأزمنة كلها، من الجهات كلها؛ في هذا النشيد ارتفع هيكل الجوهري من الحي اليومي، ورُسم الفاجع بلألأة الينابيع وارتعاش الفراشات. صارت الأشياء صفات، صارت الكلمات دروباً وبراري.
مع ذلك فإن التصدّع لم يغب. ففي داخل الصورة حضر التوتر؛ ذلك أن التصدّع انكشف في أساس العالم وأساس منطقه، مهما كان الشعر تأسيساً للوعد، للحركة القادرة على تحقيق اللقاء وتجاوز الصدوع.
وفي السنوات الأخيرة صار الشعر عنده احتفالاً بالغامض الملتحف بالأفق، القادم من الذاكرات كلها، من طبقات الوعي الملتبس. صار الشعر عنده عيداً مقدساً، فيه تُستعاد الوحدة البدئية، ويُستعاد الجوهري من الدمار. ودائماً كان الشعر عنده منارة بعيدة في جنون العواصف، كان وعد قارة الحب الآتية. ومع أنه أخذ يتجه نحو المرهف اليومي، نحو الأليف الحميم؛ فإن أفق اللوحة بقي مفتوحاً تتلامح فيه ظلال الكوارث وقوافل الغياب.
في قصائده الباقية لنا، دائماً سترفّ أضواء، أضواء أمل، أحلام بإنسان آخر ربما، إنسان ينسى تاريخ التذابح حول لون البشرة وأسماء الأجداد؛ ينسى تاريخ التذابح لاقتسام السماء، ويبحث عن وجه أبهى للإنسان.
للشعر أعطى محمود درويش هذا الشرف كله، ولنا كقراء، أعطى نعمة الدخول في خبايا هذا السر المتجدد.

* * *

ستحيا فينا كما تشتهي لغتك
• محمد برادة

يقولون: علينا أن ننتظر موت الشخص لنستطيع أن نتبيّن قيمة حياته بعدما توقف المسار. لكنك، بشعرك ورمزيتك، تجعل مستقبلك مفتوحا بعد موتك، لأنك ستحيا فينا وفي أجيال آتية كما تشتهي لغتك. تحديتَ الموت وراهنت على زمن آتٍ يضاعف حضورك عبر قرّائك، عبر صوغك لأحلام شعبك ونفاذك إلى مسالك النفس، ومحاورتك للآخر، ومواجهاتك مع الموت..
رحلتَ منذ الصبا على جناح الكلمة وفضاءات الشعر اللاتنتهي. استحضرتَ الطفولة وبكارة الأصباح في وطن يحلم بالحرية والعيش الهنيّ. عانقتَ البطولات اليومية لأبناء فلسطين وبناتها وتغنّيتَ بالأرض السيدة، وغصت في بلّور الأساطير وساءلتَ لغزيّتها وخضتَ غمار التراجيديا لتستكشف أصل المأساة ولعنتها القدرية.
ابن فلسطين أنت، فلسطين المشدودة إلى صخرة سيزيف في عالم يُغمض العين على من يستعمرون بالقوة شعبا يتشبث بأرضه وحقه في الوجود. يغمضون العين عن متاهة المأساة التي تبدأ من ظلم يحميه تواطؤ الماسكين بزمام السلطة في عالم يبشر بمبادئ إنسانية ويقترف عكسها.
وأنت، الشاعر المصبوب من شغف وضوء، كان عليك أن تعيش مغامرة الكتابة لحسابك الخاص، أن تنوّع البدايات، أن تستدرج اللغة في تلاوينها وموسيقاها لتقترب من شفافية تسرق الوجدان قبل السمع، وتحرك الفكر فيما هي تناغي مشاعر الذات العميقة.. الصورة ونقيضها، الكلمة ومقاماتها المتداخلة. وأنت بإحساسك الذكيّ تناغم الأوتار: تقطف الغيم، تسرج الخيل، تمتطي فرس الماء و«تؤثّث النهار بدخان من لازورد» وتعتلي شجر السنديان «لتطلّ على شقوق المكان»..
تسرج مخيلتك وتتوغل في الأعالي ونحن وراءك نستدل بأثر خطاك مشدودين إلى مغناطيس الصور والاستعارات التي تشقّ هجير اليوم العربي وتبدد بعضا من عتمة لياليه المستدامة.
تكتب وترتّل، قرار صوتك الشجي يهدهدنا، قصائدك تتتالى، وأنت تكبر في أعيننا وعيون العالم..
وفي لحظات التعب والفسولة وفقدان اليقين، تتباطأ خطواتنا وتتحرك دودة اليأس في دواخلنا فيأتي صوتك ليقول بلساننا: «ونحن نواصل ما يشبه الموت نحيا. وهذا الذي يشبه الموتَ نصْرُ».
لكنك حين عايشت الموت عن قرب وبدأ صراعكما يراوح بين مدّ وجزْر، عناق وتحدّ، مناجاة وسخرية، أحسسنا أنك تتوغل في سموات لا تقوى عليها أجنحتنا الطينية. وحدك كنت: مفتح العينين والقلب، متوحداً، متحفزاً، واجهتَ تجربة الموت، بارزتَ «ملك الملوك المعظم عاهل الموتى القوي» و«قائد الجيش الأشوري العنيد»، بارزتَهُ فارغ اليدين، سلاحك الشعر الشغوف بالاستمرار على هذه الأرض، صائحا في وجهه: «وأنا أريد، أريد أن أحيا وأن أنساك/ أن أنسى علاقتنا الطويلة».
منذ ذاك، تباعدتَ عنا، انطلقت وراء مصيرك المتفرد. تآخيتَ مع جدلية الوجود والعدم، الحضور والغياب، وأصبحت طائر الفينيق بامتياز: من رماد آلامك ومراوغتك للموت تستولد قصائد تذكّرنا بالوجه المأسوي الآخر القابع في أجسادنا الهشة العليلة.
اكتملت الرؤيا: مأساة تعانق أخرى، شعب يُقتّل وجسم يصارع الموت، الموت القاتل المتسلل عبر الردهات.. عانقَ شعرُك الأوج: عين على الأرض وأخرى مصوّبة نحو السماء. تكتب شعراً ونثراً كأنك تكتب من وراء القبر، فتطلّ علينا من عالم أُخرويّ، ثاقبَ النظرة نافذ البصيرة.
لا أحد، كما قلتَ، يستطيع أن يمنع شاعراً ينتمي إلى شعب مقهور، مهمش، من أن يحلق عاليا في سماء الإبداع معانقاً قضايا الإنسان وأسئلته الكونية. تهمس في أُذن العالم: «إني أصالح نفسي فتدخل كل الشعوب مدائحَ خمري».
وهويتك، كما قلتَ، هي في صيرورتك. وأضيفُ: هي سرُّ الوردة اليتيمة في البراري المتوحشة وقطرةُ ماء في قاع رمل متيبّس. هي ما يحفزنا على أن نعيش في زمن سديمي بلا أفق أو نوافذ، متحدّين العماء، مصرّين على أن نبتدع لحنا أو نصا أو لوحة لنقاوم العقم وأعداء الحياة..
ولِمَ لا أقول إن الهوية هي «عسل الشهوات» الذي يجعلنا نرفض الرجوع إلى أجسادنا الثابتة كما كتبتَ ذات يوم؟
من صلب جداريتك خرجتَ موقنا بتعدّد «الأنا» واستظلال أكثر من ذات بالذات الواحدة، لأن الهوية مترحلة بطبيعتها لا تكاد تعرف مستقرا. وعبر دفق شعري يزاوج الملحمي بالغنائي والمنطقي بالعبثيّ، انطلقتَ تذرع أركان جداريتك لتمسك بالعناصر المضمرة التي تراكمت في أعماقك، بعدما نبش الموتُ مكمنها، فاستطعتَ أن تتخطى شرَكه لتقترب من الذات الجديدة فيك، الذات التي تخايلتْ لك من خلالها أصقاع مجهولة هي العتبة المفضية إلى برزخ مخيلة تشيّد التعدد وتعانق الإنسان المدفون تحت ركام الظلم والعنف والتسلط..
رحلتك إلى المجهول عبر مصارعة الموت، بلورتْ أفقا ممكنا لـ«أنسنة» ما تبقّى من العائشين في عالم من دون بوصلة.
قرأتُ بين سطور جداريتك، تعلقك بانبعاث الفرد الواعي، الجسور على طرح أسئلة جذرية شمولية. الفرد الواعي لقيمته الذي لم يعد يرضى أن يُستعمل حطبا في معارك لا تتكشف إلا عن سراب، ونكون فيها نحن طعاما لوليمة هزائمهم. غدونا نردد معك في «الجدارية»: «كأني عندما أتذكر النسيان تنقذ حاضري لغتي./ كأني حاضر أبداً/ كأني طائر أبداً/ كأني مذ عرفتك/ أدمنتْ لغتي هشاشتها على عرباتك/ البيضاء، أعلى من غيوم النوم/ أعلى عندما يتحرر الإحساس من عبء العناصر كلها».
منذ ذاك، تأكد لدينا مرة أخرى أن اللغة المبدعة، المنعتقة من عقابيل الماضوية وتأويلات المتفيقهين، سدنة المعابد، هي السبيل إلى تشييد وطن الفرد الواعي المتطلع إلى تغيير علائق الاستبداد والاحتقار. يغدو وعي الكينونة عبر مواجهة الموت، جسرا لوصل ما انقطع، لترميم الهوية وضخّها بدم المستقبل وجسارة التحدي. أليست اللغة الشاعرة الهشة التي تتهجّى الخرائب المحيطة بنا، هي الطريق إلى تحرير «الإحساس من عبء العناصر كلها»؟
أيها المحمود تمهّل إذاً، لا تُمعن في الغياب. غرباء نحن في أول النهار وعند الأصيل، على السرير وأمام الشاشة الصغيرة، أمام سيل الخطب المتخشبة وعبر مشاهد التقتيل وتدمير البيوت واحتراب الإخوة..
أيها المحمود تمهّل وتذكّر أن هناك من جعلوا شعرك جزءاً من قوتهم اليوميّ، يسترجعون من خلال نسائمه «شهوة لغتك» التي تسعفهم على رفع التحدّي ليعيشوا لأن «على هذه الأرض ما يستحق الحياة».
لا تمعن في الغياب أيها المحمود، وابعثْ قصائدك من وراء القبر، كلما استطعتَ إلى ذلك سبيلا.

* * *

مقالة في تمهيد وفصلين وما يشبه الخاتمة
• محمد دكروب

لقائي الأول مع محمود درويش له، في ذهني، دلالات عديدة، تذهب في مداها إلى ما قبل هذا اللقاء/ المفصل، وتتواصل مفاعيلها إلى مدى سنوات العمر. كان هذا قبل أربعين عاماً من هذه الأيام. وكنّا في عنفوان الشباب وزهوه، فالتقينا بمصادفة واقعية في مهرجان عالمي للشباب أقيم في العاصمة البلغارية صوفيا، عام 1968. على أنني كنتُ قد التقيت محمود درويش قبل أن ألتقيه وذلك عبر أخباره وأشعاره التي ينشرها هناك في فلسطين التي احتلها الصهاينة وأطلقوا عليها اسم «إسرائيل».
كانت أشعاره تتسلّل إلينا في شكل قصاصات مقتطعة من صفحات جريدة «الاتحاد» ومجلة «الجديد» اللتين كان يصدرهما الحزب الشيوعي في فلسطين، وكان محمود محرراً بارزاً في «الاتحاد» ومسؤولاً عن تحرير مجلة «الجديد» الثقافية. لكن أشعار محمود درويش وسميح القاسم، وعدد من رفاقهما انطلقت في انتشار واسع في أنحاء العالم العربي بعد هزيمة حزيران 1967، فرأى فيها الناس العرب شعلة أمل وإصرار وتمرّد وسط اليأس الشعري العربي في تلك الفترة، فأطلق عليه الناس العرب والصحافة العربية صفة «شعر المقاومة العربية في فلسطين».
وكان الشاعران الفلسطينيان الموهّجان بصفة «شعراء المقاومة» هذه، ضمن الوفد الذي أرسله الحزب الشيوعي في فلسطين للمشاركة في المهرجان، فقوبل الشاعران العربيان من بعض «المتحمسين» النزقين في الوفود العربية بنوع من العداء التعصبي، الأعمى فعلاً، والضيّق الأفق، الذي تبيّن لاحقاً مدى إساءته ليس فقط إلى الشاعرين المقاومين، بل للقضية العربية عموماً وللشعب الفلسطيني نفسه في الأساس!
تجاوز الشاعران الحادث المؤسي، والتقيا بالعديد من القيادات الشبابية العربية، في لقاءات تضامنية. على أننا معاً، الكاتب الصديق الياس شاكر، وزوجته العزيزة حياة، وكاتب هذه السطور، تقصّدنا أن نذهب إلى المبنى حيث محمود درويش وسميح القاسم، وتبيّن أنهما يعرفان عنّا، كما نعرف نحن عنهما، الشيء الكثير.
قال محمود إن أعداداً من مجلتنا «الثقافة الوطنية» وجريدتنا اليومية «الأخبار»، كانت تتسرّب إليهم عبر الأسلاك الشائكة، وعلى رغمها، وان صحافتنا هذه كانت نافذتهما إلى العالم العربي، والشريان الذي ينقل إليهم حركة الأدب والفكر والكفاح.
أذكر أنني قلت له: «يا محمود، أنت أسطورة عندنا»، وأذكر انه ابتسم بحياء مغلّف بسخرية ناعمة، قال: «أنا إنسان عادي جدّاً، ما أقوم به يقوم به الكثيرون، ولكن صوتي كشاعر يصل إلى مسافات أوسع».
هكذا قال، بلهجة صدق قال. ولكن، ألم يكن درويش يهجس، يومها، بما كان يعتمل ويمور ويختزن في داخله بأنه لم يكن مجرّد إنسان عادي، وبأنه ينطوي على شاعر غير عادي، وبأن صوته، كشاعر وكانسان سيصل إلى الأوسع والأعمق مما كان هو وكنا نحن نتصوّر؟
تواصلت لقاءاتنا ونشاطاتنا الثقافية المشتركة: في صوفيا، في موسكو، في بيروت خصوصاً، وفي عواصم عربية ومؤتمرات ثقافية عديدة.
محمود يعلن انتماءه:
ماركسي فلسطيني عربي
محمود كادح فكر وشعر وثقافة، وشعلة حب لا تنوس إلا لتزداد توهّجاً وتأجّجاً. حياته سلسلة من الإنجازات والتغيرات والتحولات التي يعيشها، ويعانيها، يغوص في عناصرها وتلاوينها، يصنعها وتصنعه. ويظل، دائماً، في نار الإبداع وأنواره. ومنذ ذلك الزمان الأول، تساءل الكثيرون، هنا، إما بفضول معرفي، وإما لأسباب لا تتصل بالفضول ولا بالمعرفة ولا بشرعية السؤال: هل كان محمود درويش شيوعياً وينتسب إلى الحزب الشيوعي، هناك، قبل أن يغادر فلسطين؟! لكن السؤال الأكثر تعقيداً هو: هل ظل محمود شيوعياً، أو حتى ماركسياً، أو منتمياً إلى تيار فكري سياسي ما، بعدما غادر فلسطين؟ وأين محمود درويش، الشاعر أساساً، من هذا كله؟
طبعاً، الأجوبة التقريبية تتطلب دراسة متأنية في التحولات وعواملها، على الصعد السياسية والفكرية والثقافية والإنسانية والشخصية، وعلى صعيد التحولات في شعره، وفكره الشعري، أولاً وأخيراً وفي الأساس.
على أن مجال قولنا، هنا والآن، أكثر بساطة ووضوحاً وتحديداً من كل هذه التساؤلات الإشكالية.
* * *
في موسكو، قبل أربعين عاماً بالتحديد (عام 1968) كان محمود درويش يتلقّى دورة دراسية في معهد الماركسية اللينينية الحزبي المعروف، علنياً، باسم «معهد العلوم الاجتماعية». وكنتُ هناك، فرأيت أن أجري معه حديثاً ثقافياً أردت منه أن يكون وثيقة أدبية وإنسانية عن حياة محمود وشعره وكفاحه ورؤاه المستقبلية. وأزعم أن هذا الحديث هو أول حديث ثقافي أجراه كاتب عربي مع محمود درويش خارج فلسطين، وقبل أن ينوي ربما مغادرة فلسطين إلى القاهرة، فالبلدان العربية؟
وكان هذا الحديث المتميّز والرائي يحدس ربما بما سيصيره محمود درويش وشعره في السنوات اللاحقة المشحونة بعصف تحولاته وتطويراته الشعرية (أنصح بقراءة هذا الحديث المنشور في مجلة «الطريق» اللبنانية، ضمن عدد خاص صدر تحت عنوان «أدب المقاومة في فلسطين»، بتاريخ تشرين الثاني- كانون الأول 1968. والحديث بعنوان «محمود درويش: حياتي وقضيتي وشعري». هذا إذا أتيح للقارئ الباحث أن يعثر على هذا العدد الخاص الذي صدرت منه طبعة ثانية في الشهر التالي لصدوره.
في تضاعيف سؤال عن التيارات الأدبية الفكرية والسياسية التي تأثّر بها درويش في تلك الفترة، قال كلاماً واضحاً: «وصرنا نقرأ مبادئ الماركسية التي أشعلتنا حماسة وأملاً، وتعمّق شعورنا بضرورة الانتماء إلى الحزب الشيوعي الذي كان يخوض المعارك دفاعاً عن الحقوق القومية ودفاعاً عن حقوق العمال. وحين شعرت أني أملك القدرة على أن أكون عضواً في الحزب دخلت إليه في العام 1961، فتحدّدت معالم طريقي وازدادت رؤيتي وضوحاً وصرت أنظر إلى المستقبل بثقة وإيمان، وترك هذا الانتماء آثاراً حاسمة على سلوكي وشعري». هذا هو كلامه نفسه، بوضوح وحسم، وبدون حذر أو غمغمة أو التباس. لكنه قال هذا قبل أربعين عاماً. فهل ظل عند قوله أم أن تحولاته الفكرية والشعرية غادرت زمان هذا القول، أم أنها غيّرت في فهمه الحديث لهذا القول في سياق التحولات الزلزالية الهائلة التي هزت العالم كله؟ هذا موضوع جدال مؤجّل.
فلأواصل الحديث، الآن، في ذلك السياق نفسه: فذات عام من تلك الستينات تولّى محمود درويش مسؤولية تحرير مجلة «الجديد» الثقافية الأسبوعية التي يصدرها الحزب الشيوعي في حيفا. وفي واحدة من افتتاحياته للمجلة يتحدث عن أصداء شعرهم المقاوم في الداخل الفلسطيني كما تتجلّى في الصحافة العربية. وختم حديثه بهذا القول: «كل هذا يدفعنا إلى تأكيد أهمية مجلة «الجديد» وهي المنبر الوحيد للكلمة الحرة الذي يجتمع عليه أدباء القضية العادلة. «الجديد» هي العنوان الصحيح لمؤرخ الأدب العربي في هذه البلاد (فلسطين). فلنسعَ جميعاً لمساندة هذا المنبر لكي تعلو كلمتنا أكثر، فأكثر».
نعود، هنا، إلى السؤال نفسه: هل غادر محمود انتماءه بعدما غادر فلسطين؟ طبعاً لم يبادر محمود، لاحقاً، إلى الانتماء إلى أي حزب شيوعي في أي بلد عربي، ولكنه ظلّ على علاقات ودّ وعلاقات محاورة ومجادلة مع سائر قيادات هذه الأحزاب. حتى انه، على حدّ علمي، لم ينتمِ إلى أي فصيل فلسطيني، ولكن قضيته الكفاحية - في أساس الأساس- ظلّت قضية فلسطين، حريتها وتحررها، وظل على شغفه العارم بالقراءة والاطلاع والهوس المعرفي، مطوراً فكره السياسي الفلسفي على السواء، يتفاعل مع كل توجّه تقدمي مستقبلي حداثي وعقلاني في مختلف تيارات الفكر في العالم، وفي الأخص - أقول في الأخص - مع ما يراه متقدماً في التيارات المتعددة للماركسية التي تتوالد مجدداً، تقرأ دروس التجربة والانهيار، وتعمل على تجديد نفسها.
* * *
ليس في مقدوري التكهّن بالزمان الذي بدأت فيه فكرة الخروج من فلسطين – المأسورة داخل السجن الإسرائيلي الكبير- تراود ذهن محمود درويش، لكني متأكد أن محمود صار يرى بوضوح، وهو داخل السور الإسرائيلي، أن قدراته الإبداعية، كشاعر أساساً، يستحيل أن تخرج إلى فضائها وتبني عماراتها الفنية الإنسانية داخل السور، ورأى أن خروجه ليس يعني خروجاً من المعركة، بل سيكون مواصلة المعركة في المدى الأوسع والأعمق، وانطلاقة نحو الشاعر الآتي، الشاعر الفاعل، الشاعر الإنساني الذي في إمكان درويش أن يصيره، والذي هجس به في حديثه ذاك معي، في ذلك العام البعيد (1968) قبل انتقالته الحاسمة إلى خارج السور، قال: «وطموحي عبر الشعر؛ أن أنقل قضية شعبي إلى الصفحات التي تستحقها من ديوان الشعر الإنساني، شاعراً إنسانياً بملامح فلسطينية».
لعل الذين انتقدوا خروجه وهاجموه وتهجّموا عليه، في ذلك الحين، ونعتوه بشتى التهم، تأكد لهم -بما أعطاه محمود درويش من عمارات شعرية صارت جزءاً جميلاً مكوّناً في كنز الشعر الإنساني- إن قرار محمود ذاك كان هو الصحيح والضروري له، ولفلسطين، ولنا، وللشعر، أي: لكينونة محمود درويش الحقيقية.
نعود إلى بداية الحكاية: كيف استطاع محمود المغادرة؟
كان في موسكو، وعلى حدّ علمي سافر إلى الهند للمشاركة في مؤتمر تضامني إنساني ما. هناك اتفق مع من اتفق، وغادر الهند، ليس رجوعاً إلى موسكو، بل ذهاباً إلى القاهرة، حيث الاستقبال الهائل والضجيج الأكثر تعدداً والأكثر هولاً: أناس معه، أناس ضده، وآخرون يحيّرهم هذا الالتباس، شاعر القضية صار هو القضية!!
على أن هذه الاختلافات والتناقضات كلها كانت على هامش جماهيرية الشاعر الهائلة في العالم العربي، والجماهير (الجماهير، بدون مبالغة) كانت توّاقة وشغوفة، بل جائعة، في زمان الهزيمة، إلى الاستماع إلى شاعرها.
عن قصيدة «سجّل، أنا عربي»
ولكن، هناك قضية صار لها حكاياتها ودلالاتها وطرائفها أيضاً: «سجّل.. أنا عربي!». مطلع قصيدة لمحمود بعنوان «بطاقة هوية»، وقد اكتسبت كلمات هذا المطلع معاني وتفاسير خارج قيمتها من حيث هي شعر! وتحوّل هذا السطر نفسه إلى شعار، وفعل تحدّ، ومجابهة للحاكم الإسرائيلي، هناك، في الداخل الفلسطيني، ولكن جماهيرنا، خارج فلسطين، أضفت على القصيدة هذه المعاني نفسها التي تفاعلت معها طبيعياً الجماهير داخل فلسطين. وانتشرت القصيدة في عالمنا العربي بشكل عاصف، ونشرتها أكثر الجرائد في مختلف البلدان العربية.
لكن الطريف في أمر هذه القصيدة، المضحك المبكي والدافع إلى التفكّر الساخر والغاضب معاً، أن أكثر الجرائد العربية التي نشرت القصيدة حرصت بوعي وليس بدون وعي، أن تحذف سطراً واحداً محدّداً من هذه القصيدة، ثم الزعم العام بأن هذا السطر بالذات كان «يسقط سهواً» من القصيدة في أكثر الجرائد التي نشرتها على رغم أن الإسقاط «السهو» لهذا السطر كان يخلّ بالوزن والقافية والسياق والمعنى.
القصيدة هذه أوردها درويش بلسان فلاح فلسطيني فقير، متجذّر في الأرض، وله «أطفال ثمانية، وتاسعهم سيأتي بعد صيف!». فهي إذاً ليست بلسان محمود درويش نفسه، الشخص والشاعر، وإن يكن في إهاب هذا الفلاح المكحكح المعتّق، الصخري الموقف والملامح، معالم من نفسية محمود درويش ومن موقفه، في الأساس.
لنقرأ معاً هذا المقطع من القصيدة كما هو في الأصل، وقبل أن يُسقَط ذاك السطر «سهواً»:
«سجّل
أنا عربي
ولون الشعر.. فحميُّ
ولون العين.. بنّيُّ
وميزاتي:
على رأسي عقالُ فوق كوفّية
وكفّي صلبة كالصخر..
تخمش من يلامسها
وأطيب ما أحب من الطعام
الزيت والزعتر
وعنواني:
أنا من قرية عزلاء.. منسيّة
شوارعها بلا أسماء
وكل رجالها.. في الحقل والمحجرْ
يحبّون الشيوعية
فهل تغضب؟».
وأنتم –أيها القراء الكرام– هل «حزرتم» الآن أي سطر بالذات كانت أكثر الجرائد العربية تحرص، بانتظام، أن تحذفه، أي: أن تُسقطه سهواً؟
هو سطر من كلمتين فقط، خطيرتين جداً: «يحبّون الشيوعية»!!
فهل هو حرصٌ على حماية الجماهير العربية من هاتين الكلمتين المخيفتين، أم هو حرص «أخوي» على الحاكم الإسرائيلي من خطرهما عليه، والعياذ بالله؟! بعض الظرفاء يفسّر المسألة بأن هذا السطر بالذات غير شعري (وهذا صحيح) ولكن: هل هذا فعلا هو السبب؟! على أن الأكثر طرافة، وغرابة، يتجلّى في حكاية أخرى من بطولة هاتين الكلمتين، ومن إخراج صديقنا العريق صاحب «دار العودة»: فعندما جمع هذا الصديق دواوين محمود درويش، الصادرة حتى العام 1971، وقرّر إصدارها في مجلد واحد بعنوان «ديوان محمود درويش» طلب مني أن أكتب مقدمة للمجموعة، فكتبتها بحبّ لمحمود وحماسة لشعره. وكانت قصيدة «بطاقة هوية» أو «سجّل، أنا عربي» هي ضمن هذا المجلّد بالذات، ولكن هذا الصديق العريق حرص – أيضاً وأيضاً - على حذف هذا السطر بالذات، حرصاً على سلامة الذات أو على «السلامة العامة»!
- فلماذا هذا، أيها الصديق؟
- والله، سقط السطر سهواً، أيها الصديق!
وتابعت القصيدة رحلتها وحكاياتها وإشكالاتها حتى وصلت الموسى إلى ذقن شاعرها وشاعرنا محمود درويش نفسه!
فخلال شهر تموز من العام 1972، نظّم «اتحاد الكتاب اللبنانيين» وكان يرئسه في ذلك الحين الصديق الحبيب الراحل سهيل إدريس، موسماً للشعر العربي الحديث تحت اسم «الشهر الشعري» قدّم خلاله خمس أمسيات لخمسة شعراء عرب هم: محمود درويش، نزار قباني، خليل حاوي، بلند الحيدري ومحمد الفيتوري. ما يعني حديثنا هذا هو أمسية محمود درويش وصراعه الحميم مع جمهوره، بسبب هذه القصيدة بالذات، وبداية معارك درويش الحميمة لتطويع هذا الجمهور لما يريده الشاعر، والشعر، وليس لما يطلبه المستمعون! فهذه هي المرة الأولى يواجه بها محمود درويش جمهوراً عربياً واسعاً، بعد خروجه من فلسطين ولجوئه إلى القاهرة. ولا شك أن الجمهور العربي الذي سبق أن تفاعل مع شعر درويش من خلف الأسلاك الشائكة الإسرائيلية، ووجد في هذا الشعر إضاءة فنية كفاحية في ليل الهزيمة بعد حرب حزيران، هذا الجمهور جاء يستمع إلى محمود درويش الذي سبق أن عرف شعره، وسبق أن جعل منه أسطورة، جاء ليستمع إلى تلك القصائد التي عرفها، والتي رأى فيها أضواء أمل يبحث عنه. على أن الشاعر نفسه أراد غير هذا: أراد أن يقدّم إلى الجمهور محموداً آخر، جديداً، ومختلفاً، وأراد أن يؤكد نفسه شاعراً في الدرجة الأولى من دون أن يجعل من «القضية» التي حملها، ولا يزال يحملها، عكازاً لجماهيريته وشعره. بمعنى أنه لم يرد جمهوراً للشعر من خلال «القضية» بل أراد وعي الناس للقضية عبر الشعر الشعر، وليس من خلال الشعارات! لهذا، قرأ محمود شعراً من مرحلته الجديدة الأخيرة، بعد خروجه من إسرائيل، ورفض أن يلقي أي شيء من مرحلته السابقة. من هنا كانت الملابسة، وبرز التصارع الحميم بين الشاعر وجمهوره. برز هذا منذ البداية: فقد استقبل الجمهور شاعره بدوّي هائل من التصفيق الحماسي، وأحسّ الشاعر انه مطالب بأشياء تنسجم مع هذه الحماسة الحماسية وتتجاوب معها. ولكنه قال، بهدوء: «أشكركم جداً وأرجو التخفيف من هذه الحماسة العاصفة.. ولنحاول أن ندخل عالم الشعر». وبدأ محمود درويش، الجديد، يلقي شعره الجديد. شعره صعب هذه المرة، وبنائيته جديدة، فيه مقاطع موزونة، وفيه مقاطع بدون وزن وبدون قواف، فيه حوار، وفيه ما يشبه المسرح الحديث، فيه تركيب فنيّ ولغوي معقّد، وفيه مرارة مأسوية لم يعهدها الجمهور عند محمود درويش سابقاً. أما «القضية» فهي هنا، منظوراً إليها بشكل آخر، ومن زوايا أخرى. وأخذ الجمهور يدخل مع محمود في هذا الجو الآخر، المأسوي، والمثير للقلق، وللتفكير، والذي يحمل الدهشة خلف الدهشة، والذي يبدو كأنه مشحون باليأس، وهو في العمق مشحون بالاحتجاج على كل ظروف التيئيس، وبإدانة أسباب الهزائم، في الواقع الخارجي وفي أعماق كل فرد عربي.
وكانت قصيدته الجديدة «سرحان يشرب القهوة في الكافيتيريا» هي ذروة في الحداثة عنده، في تلك المرحلة، وذروة في التعقيد، بالنسبة إلى شعره. وكانت طويلة، وكانت تحمل رؤية محمود الجديدة إلى القضية من خلال تجربته الجديدة، والأليمة، بعد خروجه من إسرائيل. هذه القصيدة الصعبة بالذات، هي التي أثارت أعمق التفاعل والتجاوب بين الشاعر وجمهوره، وهي التي حازت أكبر الإعجاب، من الجمهور، أو من المعلقين في الصحف، ومن الكتاب والشعراء الذين حضروا الأمسية. لعل هذا الواقع يثير الدهشة، لكنه يدلّ على أن الجمهور قادر على التجاوب مع الشعر الحديث، وقادر على استيعاب النماذج الصعبة والمعقدة منه «شرط أن لا تكون تجربة هذا الشعر مستمدة من الذهن فقط»، كما قال محمود درويش نفسه في حديث مع مجلة «الأسبوع العربي» في ذلك الأسبوع.
على أن الملابسة الأساسية، أو التصارع الحميم بين الشاعر وجمهوره، برز عندما أخذ بعض الحضور يصرخ، مطالباً الشاعر بأن يلقي قصيدته القديمة الشهيرة «سجل، أنا عربي». رفض درويش استجابة هذا الطلب، وتابع إلقاء قصائده الجديدة فقط، وعاد هذا البعض إلى المطالبة بالقصيدة نفسها، فرفض الشاعر، وكان بادي الانفعال، فهو مصرّ على أن يقدّم إلى الناس ما لم يعرفوه منه سابقاً، وان يقدم نفسه في مجابهته الجديدة.
الواقع إن محمود درويش لا يفهم الشعر تطريباً، يُلقى بحسب الطلب، بل يفهم الشعر موقفا ومجابهة تحددها الظروف الجديدة، وروح المرحلة، بالإضافة إلى أن قديم الشاعر فنياً صار قديماً. فالشاعر الآن أمام جمهور مختلف، وظروف مختلفة، لهذا فقد اختلف مسار شعره باختلاف موضوع المجابهة، وباختلاف الجهة الموجه إليها التحدي. فهو هنا، في البلدان العربية لم يكن في جو التحدي المباشر للعدو، المحتل، بل هو في جو من الأوضاع المختلفة، وفي مجابهة كل الظروف والضغوط التي تمنع الجماهير من المجابهة الحاسمة للمحتل. وهنا مأساة الشاعر، وهنا بعض سرّ الاختلاف في شعره بين مرحلتين. من هنا رفضه لهذا الطلب، لأنه يرفض أن يصرخ في وجه الناس العرب: «سجل، أنا عربي». وقد قدّم درويش نفسه تفسيره هو لرفضه هذا، خلال حديثه مع مجلة «الأسبوع العربي»، قال: «أفسّر لك لماذا لم استجب طلب بعض الجمهور في قاعة الأونيسكو لإلقاء قصيدة «سجل، أنا عربي»: أن أقول «أنا عربي» في إسرائيل، هو عصر التحدي للسلطة الإسرائيلية لأنها تضطهدني بسبب انتمائي القومي، وإصراري على التمسك بأسباب اضطهادي يُعتبر تحدياً ثورياً إلى حد ما. أنا لا أقول «إنني عربي» لكي أعبّر عن اعتزاز وتفاخر، أقولها لأعبّر عن رفض عدوّي. لأعبّر عن مقاومتي للعدمية القومية.
سأكون مضحكاً لو وقفت أمام مئة مليون عربي وأقول لهم: أنا عربي! ماذا يعني لهم ذلك؟ يعني أنني متعصّب ولست ثوريا. أن تكون ثورياً في العالم العربي هو أن تتمرّد على عيوبه وتخلّفه».
بدا لي، منذ تلك الأمسية الصاخبة ثم الهادئة أن محمود درويش حسم قراره، بأن يقول للجمهور جديده الذي أنجزه من القصائد، الحديثة، التي تنسجم مع المناخ الذي أراده هو للقاء الشعر بالجمهور. اعتزم منذ تلك الأمسية، أن يسير بهدوء –وبحكمة فنية محكمة– في اتجاه جذب الجمهور ليس فقط إلى الاستماع إلى الشعر الحديث الذي لم يعرفه هذا الجمهور قبلا، بل إن يعوّده على التلقي الصعب.
محمود يشتغل على فنّه بدأب واستمرار، ويعطي فنه أكثر الوقت. هو يقابل الأصدقاء بحساب دقيق، يقابل حتى الصديقات بحساب متسامح. لا يهدر الوقت في المقاهي إلا في أوقات الضرورة. يقرأ كثيراً، في كل شيء وكل فن، ويتابع بعمق واتساع مدى التحولات في حركة الشعر في العالم. يغوص في قديم الشعر كما يغوص ويجول في جديده. يتأمل في الراهن الفني والحياتي، ويجهد دائماً في استشراف الآتي.
فإذا كل عمل جديد ينجزه يكون جديداً بالفعل، لا يشبه غيره ولا يشبه العمل الذي سبقه. كل عمل جديد له يحمل تحولا جديداً في فنه.
هذا التنوّع الخصب ليس مجال حديثنا هنا. ولكن يحق لي أن أسائل النقد العربي الحديث: إلى أي مدى قارب بعض الأسرار والبنى في هذا التنوّع الخصب، وقرأ في تحوّلاته الشعرية والفكرية والفلسفية والإنسانية؟ في يقيني أن النقد العربي الجديد سيشتغل طويلاً على شعر محمود درويش، في انتمائه وتحوّلاته، ليس فقط بين ديوان أو كتاب وآخر، بل بين عمل وآخر من انجازاته الفنية.
ما يشبه الخاتمة
كتابة الأخير «في حضرة الغياب» هو من إنتاج موته الأول أو الثاني. ففي العمليتين اللتين أجريتا لقلبه، قبل هذا الكتاب، دخل محمود درويش في عالم الموت، كأنه رأى ما رأى، وكأنه مات لكنه عاد.
كتب واحداً من أجمل كتب النثر العربي، أو الشعر العربي، لا أدري. كتاب تحار في تحديد نوعه وموقعه بين النثر الفنيّ العالي المستوى، الذاهب في العمق إلى أقاليم بعيدة بعيدة. أو بين الشعر الذي يتجلّى في أهاب جديد، حداثي، مختلف، حديث ومعتّق في لغته، متنوّع الرؤى متعدد المستويات. ثم تحار في تحديد القول الذي يحمله، أو الرؤية.
هنا شاعر لا يكفّ عن التساؤل، الإنساني الفني المعرفي، ولا عن مساءلة ما هو غيب في هذا الكون. شاعر لا يسير بك إلى الاستقرار اليقيني، بل يحرّضك على التفكّر والتجادل مع الذات، واستيلاد التساؤل من التساؤل، كأنه على التخوم بين كون في تحوّلات دائمة، وغيب ملتبس هو عنصر مكوّن من عناصر هذا الكون وجدلياته وأسراره التي تجدّد أسرارها.
فهل غادر محمود درويش ماركسيته التي أشعلت حماسته في بداية بداياته، أم هو يتوغّل بعيداً في تشعباتها وفي أعماق هذه التشعبات، ويدخل إلى كونها الفلسفي؟
إذا عدت إلى صفحات كتبها ماركس في مناخاته الفلسفية وتفكّره في جدليات الكون والإنسان والحركة والتحولات، فقد تجد نفسك حائراً بين يقين يدفع بك إلى ما يشبه الركون، وحركة فكر شمولي تدفع بك دائماً إلى مساءلة الكون كيف يصار إلى تجديد حياة الناس وتحريرهم من القيود، وأن تردّد مع محمود درويش، الرائي:
«على هذه الأرض ما يستحق الحياة. على هذه الأرض ما يستحق الحياة».
فقد تجد تلاوين وتنوعات لهذا القول، مع كل إعادة قراءة في كتاب محمود درويش الأخير.

* * *

محمود درويش بشعره
• هنادي سلمان

لم أكن بعد أعرف عادات أمي، ولا أهلها عندما جاءت الشاحنات من البحر. لكنني كنت أعرف رائحة التبغ حول عباءة جدي ورائحة القهوة الأبدية منذ ولدت كما يولد الحيوان الأليف هنا، دفعة واحدة.. نحن أيضاً لنا صرخة في الهبوط إلى حافة الأرض.
لكننا لا نخزن أصواتنا في الجرار العتيقة.. أحلامنا لا تطل على عنب الآخرين.. نحن أيضاً لنا سرنا عندما تقع الشمس عن شجر الحور: تخطفنا رغبة في البكاء على أحد مات من أجل لا شيء مات، وتجرفنا صبوة لزيارة بابل أو جامع في دمشق، وتذرفنا دمعة من هديل اليمامات في سيرة الوجع الخالدة.
- ..إلى أين تأخذني يا أبي؟
- إلى جهة الريح يا ولدي..
- ومن يسكن البيت من بعدنا يا أبي؟
- سيبقى على حاله مثلما كان يا ولدي!
..تحسس مفتاحه مثلما يتحسس أعضاءه، واطمأن.. «يا ابني تذكر، هنا صلب الإنجليز أباك على شوك صبارة ليلتين، ولم يعترف أبداً. سوف تكبر يا ابني، وتروي لمن يرثون بنادقهم سيرة الدم فوق الحديد..».
- ..لماذا تركت الحصان وحيداً؟
- كي يؤنس البيت، يا ولدي، فالبيوت تموت إذا غاب سكانها..
..ويقول أب لابنه: كن قوياً كجدك! واصعد معي تلة السنديانة الأخيرة، ياابني تذكر: هنا وقع الإنكشاري عن بغلة الحرب فاصمد معي لنعود.
- متى يا أبي؟
- غداً، ربما بعد يومين يا ابني!
* * *
..هل تعبت من المشي يا ولدي، هل تعبت ؟
- نعم يا أبي.
- ..نعود إلى البيت، هل تعرف الدرب يا ابني؟ نعم يا أبي..
- هل تعرف البيت، يا ولدي؟
مثلما أعرف الدرب أعرفه: ياسمين يطوق بوابة من حديد ودعسات ضوء على الدرج الحجري وعباد شمس يحدق في ما وراء المكان.. وفي باحة البيت بئر وصفصافة وحصان وخلف السياج غد يتصفح أوراقنا.
- يا أبي هل تعبت؟ أرى عرقاً في عيونك؟
- يا ابني تعبت.. أتحملني ؟
- مثلما كنت تحملني يا أبي، وسأحمل هذا الحنين إلى أولي وإلى أوله وسأقطع هذه الطريق إلى آخري وإلى أخره. (لماذا تركت الحصان وحيداً 1995).
* * *
هناك، عرفت من آثار النكبة المدمرة ما سيدفعك إلى كراهية النصف الثاني من الطفولة. فإن كنزة صوف واحدة، منتهية الصلاحية، لا تكفي لعقد صداقة مع الشتاء. ستبحث عن الدفء في الرواية، وستهرب مما أنت فيه إلى عالم متخيل مكتوب بحبر على ورق. أما الأغاني فلن تسمعها إلا من راديو الجيران. أما الأحلام فلن تجد متسعاً لها في بيت طيني، مبني على عجل كقن دجاج، يحشر فيها سبعة حالمين، لا أحد منهم ينادي الآخر باسمه منذ صار الاسم رقماً. الكلام إشارات يابسة تتبادلونها في الضرورات القصوى، كأن يغمى عليك من سوء التغذية..
تتذكر مذاق العسل الجارح الذي كان جدك يرغمك على تناوله فتأبى، وتهرب من مشهد جدتك التي تضع المنخل على وجهها لتتقي عقصات النحل وتقطف الشهد بيد جريئة. كل شيء هنا برهان على الخسارة والنقصان. كل شيء هنا مقارنة موجعة مع ما كان هناك. وما يجرحك أكثر هو أن «هناك» قريبة من «هنا». جارة ممنوعة من الزيارة. ترى إلى حياتك التي يتابعها مهاجرون من اليمن دون أن تتدخل في ما يفعلونه بها، فهم أصحاب الحق الإلهي وأنت الطارئ اللاجئ. (لماذا تركت الحصان وحيداً).
* * *
وعشت لأن يداً إلهية حملتك من عين العاصفة إلى واد غير ذي زرع. وعشت في منزلة الصفر، أو أقل أو أكثر.
..وعشت لأن يداً إلهية أنقذتك من حادثة. عشت في كل مكان كمسافر في قاعة انتظار في مطار يرسلك، كبريد جوي، إلى مطار.. عابراً عابراً بين اختلاط الهنا بالهناك، وزائراً متحرراً من واجبات التأكد من أي شيء.
وعشت لأن كثيراً من الرصاص الطائش مرّ من بين ذراعيك ورجليك ولم يصبك في قلبك، كما لم يشج حجر طائر في رأسك. (في حضرة الغياب 2006).
* * *
على هذه الأرض ما يستحق الحياة: على هذه الأرض سيدة الأرض، أم البدايات أم النهايات. كانت تسمى فلسطين. صارت تسمى فلسطين. سيدتي: أستحق لأنك سيدتي، أستحق الحياة. (ورد أقل).
* * *
أحبك خضراء. يا أرضُ خضراءَ. تفاحة تتموج في الضوء والماء. خضراء. ليلك أخضر. فجرك أخضر. فلتزرعيني برفق.. برفق يد الأم، في حفنة من هواء. أنا بذرة من بذورك الخضراء. (لاعب النرد).
وحين أعود للبيت وحيداً فارغاً، إلا من الوحدة/ يداي بغير أمتعة، وقلبي دونما ورده/ فقد وزعت ورداتي على البؤساء منذ الصبح.. وحين أعود للبيت أحس بوحشة البيت وأخسر من حياتي كل ورداتي وسرّ النبع.. نبع الضوء في أعماق مأساتي وأختزن العذاب لأنني وحدي بدون حنان كفيك / بدون ربيع عينيك!.. (قصيدة «أغنية»).
* * *
إن لم تكن حجراً يا حبيبي فكن قمراً في منام الحبيبة.. كن قمراً. هكذا قالت امرأة لابنها في جنازته. (حالة حصار).
* * *
مات ما فات فمن يكتب قصيدة في زمان الريح والذرة يخلق أنبياء.
..قصائدنا بلا لون بلا طعم بلا صوت إذا لم تحمل المصباح من بيت إلى بيت وإن لم يفهم البسطاء معانيها فأولى أن نذريها ونخلد نحن للصمت (عن الشعر)
* * *
تفاحةٌ للبحر، نرجسة الرخام، فراشةٌ حجريةٌ بيروت
شكل الروح في المرآة
وصف المرأة الأولى ورائحة الغمام
بيروت من تعب ومن ذهب، وأندلس وشام.
فضّة، زبد، وصايا الأرض في ريش الحمام.
وفاة سنبلة، تشرّد نجمة بيني وبين حبيبتي بيروت.
لم أسمع دمي من قبل ينطق باسم عاشقة تنام على دمي.. وتنام..
من مطر على البحر اكتشفنا الاسم، من طعم الخريف وبرتقال
القادمين من الجنوب، كأنّنا أسلافنا نأتي إلى بيروت كي نأتي إلى
بيروت.. (بيروت)
* * *
يسألني المتعبون، أو المارة الحائرون عن اسمي فأجهله.. اسألوا عشبة في طريق دمشق! وأمشي غريباً وتسألني الفتيات الصغيرات عن بلدي.
فأقول: أفتش فوق طريق دمشق وأمشي غريباً ويسألني الحكماء المملون عن زمني فأشير /حجر أخضر في طريق دمشق/ وأمشي غريباً.
ويسألني الخارجون من الدير عن لغتي فأعد ضلوعي وأخطئ / إني تهجيت هذي الحروف فكيف أركبها؟
دال. ميم. شين. قاف فقالوا: عرفنا - دمشق! ابتسمت. شكوت دمشق إلى الشام كيف محوت ألوف الوجوه وما زال وجهك واحد! (طريق دمشق)
* * *
(إلى جمال عبد الناصر)
متى يا رفيقي؟ متى يا عزيزي؟ متى نشتري صيدلية بجرح الحسين.. ومجد أميّة ونبعث في سدّ أسوان خبزاً وماء ومليون كيلواط من الكهرباء؟
أتذكر؟ كانت حضارتنا بدوياً جميلاً يحاول أن يدرس الكيمياء ويحلم تحت ظلال النخيل بطائرة.. وبعشر نساء ولست نبياً ولكن ظلك أخضر.. نعيش معك نسير معك نجوع معك وحين تموت نحاول ألا نموت معك ففوق ضريحك ينبت قمح جديد وينزل ماء جديد وأنت ترانا.
نسير
نسير
نسير. (الرجل ذو الظل الأخضر)
أغلقوا المشهد/ انتصروا/ عبروا أمسنا كله، غفروا/ للضحية أخطاءها عندما اعتذرت/ عن كلام سيخطر في بالها، غيروا جرس الوقت/ وانتصروا..
..التفتنا إلى دورنا في الشريط الملوّن، لكننا لم نجد نجمةً للشمال ولا خيمةً للجنوب. ولم نتعرّف على صوتنا أبداً. لم يكن دمنا يتكلّم في الميكروفونات في ذلك اليوم، يوم اتّكأنا على لغةٍ بعثرت قلبها عندما غيّرت دربها. لم يقل أحدُ لامرئ القيس: ماذا صنعت بنا وبنفسك؟، فاذهب على درب قيصر، خلف دخان يطلّ من الوقت أسود. واذهب على درب قيصر، وحدك، وحدك، وحدك، واترك لنا، ههنا، لغتك! (خلاف، غير لغوي، مع امرئ القيس)
* * *
خسرت حلماً جميلاً، خسرت لسع الزنابق، وكان ليلي طويلاً، على سياج الحدائق، وما خسرت السبيلا. (موال)
* * *
وسآتي إلى ظل عينيك.. آت/ وردة أزهرت في شفاه الصواعق، قبلة أينعت في دخان الحرائق فاذكريني.. إذا ما رسمت القمر فوق وجهي، وفوق جذوع الشجر مثلما تذكرين المطر وكما تذكرين الحصى والحديقة واذكريني، كما تذكرين العناوين في فهرس الشهداء. أنا صادقت أحذية الصبية الضعفاء أنا قاومت كل عروش القياصرة الأقوياء لم أبع مهرتي في مزاد الشعار المساوم لم أذق خبز نائم لم أساوم لم أدق الطبول لعرس الجماجم وأنا ضائع فيك بين المراثي وبين الملاحم بين شمسي وبين الدم المستباح جئت عينيك حين تجمد ظلي والأغاني اشتهت قائليها أريد مزيداً من العمر كي يعرف القلب أهله، وكي أستطيع الرجوع إلى.. ساعة من تراب. (ورد أقل)
* * *
من أنا؟ أنشيد الأناشيد أم حكمة الجامعة؟ وكلانا أنا وأنا شاعر وملك وحكيم على حافة البئر، لا غيمة في يدي ولا أحد عشر كوكباً على معبدي. ضاق بي جسدي ضاق بي أبدي وغدي..
وكلما صادقت أو آخيت سنبلة تعلمت البقاء من الفناء وضده: أنا حبة القمح التي ماتت لكي تحضر ثانية. وفي موتي حياة ما..
فنم هادئاً إذا ما استطعت إلى ذلك سبيلا/ ونم هادئاً في كلامك واحلم بأنك تحلم، نم هادئاً ما استطعت، سأطرد عنك البعوض ودمع التماسيح، والأصدقاء الذين أحبوا جروحك وانصرفوا عنك حين جعلت صليبك طاولة للكتابة.
نم هادئاً قرب نفسك/ نم هادئاً، سوف أحرس حلمك، وحدي ووحدك في هذه الساعة/ الأرض عالية كالخواطر عالية والسماء مجازية كالقصيدة زرقاء، خضراء، بيضاء، بيضاء، بيضاء، بيضاء. (في حضرة الغياب).

* * *
عاشق من فلسـطين
د. رياض عصمت

يشكل «محمود درويش» اسماً على مسمى. إنه شاعرٌ «محمودٌ» في جميع الأوساط الأدبية والشعبية، على اختلاف مستوياتها وانتماءاتها ومشاربها. وهو «درويش» في تصوفه الشعري، لا فارق في صفاته من انتقاله من فقر إلى ثراء، فقد استطاع التأقلم مع نمطي الحياة.. مع شظف العيش كما مع البذخ والإسراف. لكنه كمبدع كره فكرة السجن، سواء كان السجن وراء القضبان، أو في وطن تحكمه عنصرية الاحتلال. لذلك، لم يعد قادراً على استمرار تغريده في القفص، فاختار الحرية.. حرية التحليق نحو أفق بلا حدود في منافي الغربة، وأصبح شاعر الحلم العربي.
أهي محض مصادفة أن يتوقف قلب محمود درويش عن الخفقان في سن السابعة والستين، وهو الذي انطلق صوته مدوياً ليعيد الأمل ويبث مشاعر الصمود في الأمة العربية عقب هزيمة 1967؟ شخصياً، أوافق المفكر صادق جلال العظم في رفضه لمصطلح «النكسة»، وأعتقد أن صوت محمود درويش ورفاقه الشعري كان خير دليل على أن «نكسة» لم تحصل، وأن «مقاومة» أدبية كانت الرد السليم على هزيمة عسكرية، وأملاً في انتصارات تدريجية تعيد الكرامة، بدأت بقهر أسطورة التفوق الإسرائيلي في حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973، لتصل إلى حرب تموز 2006 في لبنان.
في أواخر حياته المعطاء، بدا محمود درويش متصالحاً مع الموت، مدركاً أن شبحه يطرق الباب بإلحاح، وأنه لا مفر من مواجهته والتحضر للغياب. الموت حق، ومحمود درويش الذي طالما عانى من قلبه العليل، رفض أن يطيل الطب عمره بالتنفس والتغذية الصناعيين، فمثله يعرف أحد حدين: حياةً طبيعيةً أو موتاً كريماً. لم يكن من الجراحة بد، فطبيبه في باريس خشي من إجراء العملية الجراحية الخطرة، ولكنه صارحه بأن عدم إجرائها يعني أيضاً حتمية موته الوشيك. لذلك، سافر إلى هيوستن في تكساس، حيث يوجد جراح أمريكي من أصل عراقي، ربما فرصته معه أفضل. لكن القدر كان بالمرصاد، ولم تفلح المهارة ولا العلم في إنقاذ قلب الشاعر الكبير، فتوقف عن الخفقان، لينقل جثمانه الطاهر ليدفن في رام الله، وليرثى من قبل رؤساء الدول كواحد من عظماء عصره. لا شك أنه سيقال ويكتب الكثير في محمود درويش، الذي فجع الوطن الكبير برحيله وهو في أوج العطاء، ولكن أقل ما يقال: إن طعم الحياة الأدبية سيختلف تماماً برحيله، وأن عالمنا لن يكون نفسه في غيابه. كان درويش علامة فارقة، بل نقطة علام، يصعب أن يتجاهلها، بل أن يجهلها أحد، مهما كانت درجة ثقافته وطبقته الاجتماعية، الأمر الذي لا يحدث إلا نادراً جداً في عالمنا العربي.
محمود درويش أحد ندرة نادرة من الشعراء الذين استطاعوا أن يجعلوا للشعر نجومية تضارع نجومية ممثلي السينما والتلفزيون والطرب، بل لعله والراحل الآخر نزار قباني أهم اثنين وصلا إلى الجماهير العريضة من المحيط إلى الخليج. لكن مسيرة كل من الشاعرين مختلفة، فبينما ظل نزار قباني حتى آخر حياته يتحرى البساطة والجماهيرية في الحب والسياسة، جهد محمود درويش ليطوِّر فن الشعر باتجاه مزيد من الحداثة والغموض، متنازلاً عن الجماهيرية، ليترك قراءه يحاولون الارتفاع إلى عمق شعره، رافضاً أن ينزل بشعره إليهم. ذات يومٍ، بعد هجرة محمود درويش عن فلسطين، أبى أن يقرأ في إحدى الأمسيات الشعرية الدمشقية «بطاقة هوية» و«أحن إلى قهوة أمي» يومها، فسِّر موقفه خطأ، وكان الجمهور مندهشاً لموقفه، وأقل تقبلاً لقصائده الحديثة، ثم تبين لهم أنه كان مخلصاً لقضية الشعر بقدر إخلاصه لقضية الوطن، وأنه كتب تلك القصائد الأولى التي دخلت القلوب بمجرد أن عرَّف الناقد المصري الراحل رجاء النقاش العرب عليها، مع الشاعر يوسف الخطيب، مقدماً محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد وسواهم من «شعراء المقاومة»، فأزكوا المشاعر الوطنية، وألهبوا الحماسة والحنين والفخر، وخاصة درويش عبر دواوينه الأولى «عصافير بلا أجنحة» (1960)، ثم «أوراق الزيتون» و«عاشق من فلسطين». شرح محمود درويش وجهة نظره بعدئذٍ موضحاً أن تلك القصائد الأولى التي ألهبت الحماسة كان لها معنى عندما كان يعيش في ربوع فلسطين المحتلة، إلا أن ترداده لها وتوقفه عندها بعد أن غادر إلى المنفى يفرغها من معناها، ويبعث على الاطمئنان والتصفيق السلبيين، بدل التحريض على الفعل. لذلك، آثر محمود درويش في غربته أن يتجه بتجربته الشعرية إلى آفاق أخرى عبر «أحبك، أو لا أحبك» و«محاولة رقم 7»، و«تلك صورتها، وهذا انتحار العاشق»، و«أحد عشر كوكباً»، وربما وصلت تجربته إلى ذروتها الثانية في قصيدته «سرحان يشرب القهوة في الكافيتريا»، وبالأخص في قصيدته الرائعة «أحمد الزعتر»، التي قرأها بنفسه، مع ترجمتها الإنكليزية الممتازة التي قامت بها رنا قباني، في جامعة «بيركلي» العريقة في كاليفورنيا، فاستقبلت بكثير من الحماسة هناك كما في جميع محافل الشعر العربية. ورغم أن الفنانة ماجدة الرومي غنت له عن الصمود «حاصر حصارك لا مفر»، وغنى له مارسيل خليفة بعض أجمل قصائده الوطنية، إلا أن محمود درويش لم يستسلم إلى إغراء جماهيرية الفن عبر الأغنيات الرائجة، ولا عبر الخطابة الحماسية، بل سعى شعرياً -وهو المتميز بغنائيته- ليصبح أقرب في الطموح والحداثة إلى أدونيس وصلاح عبد الصبور وخليل حاوي وفايز خضور وسعدي يوسف وسليم بركات، وأبعد في الغنائية والحماسة عن نزار قباني وعبد الوهاب البياتي ومحمد الفيتوري وأمل دنقل وممدوح عدوان وأحمد دحبور وسميح القاسم من مبدعي الشعر الحديث الثوري في مضمون خطابه. كان محمود درويش مؤمناً أن الثورة يجب أن تسري إلى اللغة الشعرية، أي إلى الشكل، كما كان الناقد الفلسطيني الكبير جبرا إبراهيم جبرا يدعو ويتصور. ولكن، لا أحد من شعراء الحداثة العرب، مهما كان التيار الذي ينتمي إليه، ينكر تكامل المضمون مع الشكل في شعر محمود درويش، أو ينقص من قيمة انتمائه الوطني. بداياته تشبه شعراء الثورة العرب مضموناً، ونهاياته تشبه شعراء الحداثة العرب شكلاً. لكنه في المرحلتين مجيد، يتمتع شعره بموسيقا وصور قلما وجدت عند سواه، لفظةً ونغماً. حتى في نثره أجاد وأبدع، بحيث صار هناك أسلوب مألوف منه في مقاربة القضايا غير الشعرية.
هنا، جدير أن ننوه إلى تجربة محمود درويش في الصحافة، وبالأخص دوره المهم في تطوير الصحافة الفلسطينية. بدأ في صحيفة «الاتحاد» الصادرة عن حزب راكاح الشيوعي في الأرض المحتلة حتى 1982، ثم انتقل بعد هجرته إلى المنفى للعمل في مجلة «شؤون فلسطينية»، ثم استلم رئيساً لتحرير مجلة «الكرمل» في قبرص. في الواقع، أثار رحيل محمود درويش عن الأرض المحتلة موجة من ردود الفعل آنذاك، فبعضهم لامه على هجرته عن أرض فلسطين، ونضاله الأدبي فيها ضد الاحتلال، بينما برر له بعضهم الآخر انتقاله للنضال في المنافي، حيث يمكن لصوته أن يكون أكثر تأثيراً على المستويين العربي والعالمي. في البداية، اختار محمود درويش القاهرة مقراً حتى عام 1971، ثم انتقل إلى بيروت، حتى 1982، ثم إلى تونس، ثم إلى باريس، وبعدها إلى قبرص، وأخيراً إلى لندن. اختاره الرئيس ياسر عرفات ليكون مستشاره، وانتخب عضواً في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير عام 1988، ثم استقال منها رفضاً لاتفاقية «أوسلو» عام 1996. كما اختير رئيساً لاتحاد الكتاب والصحافيين الفلسطينيين حتى عام 1987. كتب محمود درويش في بداياته كتاباً مهماً ورائداً عن الأدب الإسرائيلي، لعله وكتاب زميله الروائي غسان كنفاني من أفضل ما نجده حتى الآن في المكتبة العربية، إذ إنه عايش عن كثب، وخبر بعمق، وكتب بحساسية عن العنصرية في ذلك الأدب كما في الواقع المعاش في الأراضي المحتلة، وفي الوقت نفسه ألقى الضوء على نقد الذات من قبل بعض دعاة السلام. لكن إيمانه بقضية فلسطين، وحق شعبه، لم يتزعزع، ولم يخضع لتنازل أو مهادنة.
المثير للدهشة والإعجاب أن تجربة محمود درويش الغنية والمتطورة لم تأت من خلال التأثر بمصادر أجنبية، بل نمت عبر موهبة فريدة ونقية. كان محمود الثاني بين أربعة أخوة وأخوات. خرجت عائلته من قرية «البروة» شمالي عكا عام 1948، ولجأت إلى جنوب لبنان، حيث أقامت في رميش قرب جزين. وبعد عام، عاد متخفياً مع عائلته ليكتشف أن قريتهم دمرت، وبني على أنقاضها كيبوتس «أحيهود»، فأقاموا في «دير الأسد» في الجليل. درس محمود درويش سوى الابتدائية في مدرسة /أونروا/ في مخيم الدامور في لبنان، وتابع في مدينة الناصرة، ثم في مدينة حيفا. لكن ثقافته كانت رفيعة جداً، واطلاعه كان واسعاً على الآداب التقدمية خاصة، سواء شعراء روسيا العظام، أم التشيلي بابلو نيرودا، دون أن يتأثر بأي منهم. فإذا كان جاك بريفيير مصدر إلهام لنزار، وسان جون بيرس مصدر إلهام لأدونيس، فمن الصعب جداً أن نجد مثاقفة أجنبية محددة لمحمود درويش، ذلك لأنه لم يتوقف عن التطور والاجتهاد والتجريب والاطلاع على ما يتيسر له من قراءات. لكنه، في الوقت الذي اعتمد فيه بثقة على قاعدة حب الجماهير له، لم يأخذ بعين الاعتبار أبداً إرضاء ذلك الجمهور بما يفهمه ويستسيغه، بل بقي يتحدى نفسه بمزيد من الغوص في عمق التجربة الشعرية، ويتحدى جمهوره ليسمو معه إلى رحاب الفن الصعب. رغم ذلك، ظل محمود درويش في طليعة شعراء الحداثة العرب جماهيرية، وأيضاً ترجمة إلى اللغات الأجنبية، كالألمانية والفرنسية والإنكليزية، وذلك لسببين رئيسين: أولاً لأن صوته الفريد حمل نبضاً عربياً أصيلاً وقوياً، وثانياً لأنه تمتع بصور جمالية وتعبيرات لغوية تنم عن موهبة استثنائية نادرة. ولا أتردد عن القول إن محمود درويش ونزار قباني أجادا النثر السلس الجميل بقدر ما أجادا الشعر، فترك كل منهما في المكتبة العربية عدة كتب رائعة. أشهر كتب درويش هو «يوميات الحزن العادي»، فضلاً عن «شيء عن الوطن»، «وداعاً أيتها الحرب.. وداعاً أيها السلام»، «ذاكرة النسيان»، «في وصف حالتنا»، «عابرون في كلمات عابرة»، «في حضرة الغياب» و«حيرة العائد»، وكذلك «الرسائل» مع صديق الشباب والنضال والإبداع سميح القاسم. بالتأكيد، لا بد أن نضيف إلى الشاعرين الكبيرين درويش وقباني اسم أدونيس، الذي تشكل مقالاته النثرية نقاط علام نقدية هامة على صعيد الأدب والفكر، وإن كانت تتوجه للنخبة المثقفة، كما لا ننسى جمال وصدق مذكرات كل من صلاح عبد الصبور وعبد الوهاب البياتي، وأيضاً كتابات أحمد عبد المعطي حجازي النثرية.
لم ألتقِ الشاعر الكبير الراحل محمود درويش سوى ثلاث مرات في حياتي فقط، وإن كنت استمعت مرات إلى أمسياته الشعرية. كان اللقاء الأول قديماً وعابراً خلال أول زياراته إلى دمشق لمشاركتنا، نحن أعضاء «اتحاد الكتاب العرب»، مؤتمرنا، فزار آنذاك مدير عام الإذاعة والتلفزيون الصديق فؤاد بلاط، الذي استدعى ثلة الأدباء القلائل في الهيئة لتحية الشاعر الكبير. وقد استقبلت أمسيته الشعرية بكثير من الحماسة، واحتشد لها جمع غفير. أما اللقاء الثاني والأهم، فجرى بعد ذلك بزمن طويل جداً، إذ جاء في «معرض فرانكفورت الدولي للكتاب» إبان عام الأدب العربي، الذي كنت المكلف بالإشراف على المشاركة السورية فيه من قبل وزير الثقافة د. محمود السيد. وقد سبق هذا اللقاء تعارف من نوع الاستشعار عن بعد، إذ هتف لي الصديق ممدوح عدوان إبان شهر رمضان السابق للقائنا، وهو ذروة المشاهدة للمسلسلات التلفزيونية، ليقول: «تلفن لي محمود درويش من باريس مهنئاً، وأخبرني إنه لا يتابع سوى مسلسلينا /المتنبي/ و/هولاكو/، وله ملاحظات تشبه ملاحظاتي أنا نفسي على مسلسلي /المتنبي/، لكنه قال لي إنه يتابع باستمتاع واهتمام مسلسلك». أسعدني ذلك الثناء من قامة أدبية مثل محمود درويش، وكان إعجابه وساماً على صدري من شاعرٍ أثير إلى قلبي. لذلك، في أول لقاء جمعني بمحمود درويش خلال معرض الكتاب في فرانكفورت، حين حاول وزير الثقافة الفلسطيني آنذاك الصديق الأديب يحيى يخلف أن يقوم بواجب التعارف بيننا، اكتفيت بأن همست لمحمود درويش: «أنا مؤلف /هولاكو/.» فابتسم، وشدَّ على يدي بحرارة شديدة. ولم نتحدث فيما إذا كان اطلع على مسرحياتي وقصصي القصيرة، إذ كان /هولاكو/ خلاصة لائقة لتجربتي الطويلة في الجنسين الأدبيين. وأذكر بامتنان أنه في كل مرة أعقبت ذلك التعارف خلال معرض الكتاب الدولي ذاك، كان محمود درويش يخصني بين حشد الأدباء المتجمهرين في بهو الفندق بمصافحة ودودة وحميمة، وكنت أزداد تقديراً له على دماثته ودبلوماسيته المتوقدة. أما اللقاء الثالث والأخير، فكان حزيناً وعابراً، إذ صادف إلقاءه كلمة في تأبين الراحل العزيز ممدوح عدوان، إلى جانب صادق جلال العظم وطلال سلمان وسواهم، وكانت كلمته أجمل ما قيل يومها على مسرح «دار الأسد للثقافة والفنون» في رثاء صديقنا المشترك، حيث جللتنا معاً مشاعر الحزن والأسى، ولم تسمح المناسبة بهوامش من الكلام الاجتماعي.
لا شك أن هناك فارقاً شاسعاً بين مرحلتين من شعر محمود درويش - نجد بينهما بعض دواوين، مثل «العصافير تموت في الجليل»، «حبيبتي تنهض من نومها» و«حصار لمدائح البحر» تشكل مرحلة انتقالية، أو جسراً بين المرحلتين – وتتضمن دواوينه الأخيرة «لماذا تركت الحصان وحيداً»، «جدارية»، «حالة حصار»، «سرير الغريبة»، «لا تعتذر عما فعلت»، «كزهر اللوز أو أبعد» و«أثر الفراشة». يشعر كل من يقرأ المرحلة الأولى من شعر محمود درويش، ثم يقرأ المرحلة الأخيرة، بوجود هوة عميقة بين المرحلتين، لا تفسرها إلا دواوين المرحلة الوسطى. لذلك، نقترح أن بعض دواوين المرحلة الوسطى هي بمثابة الجسور التي تصل بينهما. وبشكل عام، يبدو محمود درويش متمرداً على القوالب طيلة حياته، قلقاً وغير مستقر، سواء في تنقله في بلاد الغربة أم في عواطفه أم في إبداعه الشعري. وصفه معارفه بأنك تجده ساخراً تارة بقسوة، وتجده عاطفياً تارة برقة شديدة. مرةً، تتأجج فيه نزعته الاشتراكية الناجمة عن معاناة وبؤس، ومرةً يحب أن يعوِّض عن حرمان طفولته وشبابه بعزٍ وفخامة يصلان إلى درجة البذخ والإسراف. مرةً تجده متواضعاً يحب السمر والمزاح، ومرةً تجده رجلاً فائق الحساسية والترفع لدرجة التكبر. مرةً، تجده هادئاً رزيناً، ومرةً تجده شعلة نارٍ من العصبية والتوتر. لو لخِّص الشاعر في إنسان، لكان أقرب ما يكون إلى هذه الصورة. لكن المؤكد من خلال قراءتي لشعره أن محمود درويش كان دائماً مخلصاً لشعره أشد الإخلاص، وحريصاً على كل شطر من قصيدة.. بل على موقع كل كلمة في البيت، كأنه نحات يستخلص من الحجر كياناً جمالياً يمكن لهفوة صغيرة أن تشوهه. لذلك، فإن إبداع درويش الشعري يتضمن طقوساً، تنتقل منه هو نفسه لتصبح موحية للآخرين. ورغم صعوبة قصائد المرحلة الأخيرة، فإن موسيقاها الخفية تخاطب الوجدان لتخلق متعة غامضة، كما لو كان المرء يتأمل لوحة سوريالية، أو يستمع إلى قطعة موسيقية تجريبية. لم أشعر بشيء مشابه لهذا في الشعر العربي إلا نادراً جداً، لكنه يذكرني بالتحديد بقراءاتي الأولى لأشعار ت. س. إليوت، التي كان يسربلها غموض فني شديد، ولكن موسيقاها تتغلغل إلى القلب، وتجعل الأذن تعشقها قبل العقل أحياناً. لا شك أن أدونيس وخليل حاوي وصلاح عبد الصبور ينتمون إلى هذه المدرسة من التجديد الشعري على نحو أو آخر، مستلهمين شعراء أجانب كبريتون وآراغون وإليوت وإزرا باوند وييتس وأودن، ولكن محمود درويش تفرد بين الشعراء العرب بصورٍ لطالما خاطبت الروح مباشرة قبل الفكر، وحافظت على غنائية شفافة خفية حتى في أكثر قصائده حداثة وتجديداً، الأمر الذي يذكرنا بتجربة بدر شاكر السياب الرائدة. يا لها من خسارة أن يفارقنا محمود درويش عن عمر يناهز 67 عاماً في قمة عطائه، وهو الذي كان أحد أكثر مستحقي جائزة «نوبل» للآداب جدارة بين الأدباء العرب. لكن حب الجماهير العربية لشعره، وتقديرهم لنثره، وتقدير الأوساط الأدبية العالمية لإبداعه كافة، سيبقى الجائزة الخالدة إلى الأبد.

* * *

محمود درويش رمى نرده ومضى
• بيار أبي صعب

في السنوات الأخيرة كانت أعماله مسكونة بهاجس الموت. بعد عمر من التيه على طريق وطن مستحيل، سكت قلب الشاعر الفلسطيني في الولايات المتحدة بعد جراحة لم يكتب لها النجاح. بغياب محمود درويش يخسر الشعر العربي أحد أعذب أصواته، والقضيّة الفلسطينيّة رمزاً كبيراً لم يفلت من تناقضات المرحلة.
في هيوستن انتهت رحلة المنفى الطويلة. رصدتها شاشات التلفزيون، كما يليق برئيس دولة أو نجم كبير. على «العربيّة» أطلّ الدكتور عبد العزيز الشيباني، طبيب محمود درويش (1941 - 2008)، ليحسم الأمر. ثم أطل أبو مازن لينعي «رائد المشروع الثقافي الحديث» وكاتب «إعلان استقلال فلسطين». وكانت «الجزيرة» سبقت الجميع إلى نشر النبأ الحزين، وملأت الشاشة بصورته الأليفة وصوته الأجش، يقرأ لنا الشعر كأن شيئاً لم يكن. عند الساعة السادسة والدقيقة الثالثة والثلاثين من مساء السبت، بتوقيت غرينتش، فصلت أجهزة الإنعاش التي كانت تدعم المؤشرات الحيويّة، وأفلت الشاعر من جسده. افترق عن نفسه عند ذلك البرزخ بين الليل والفجر: «ولنذهبنّ معاً أنا وأنت في مسارين: أنت إلى حياة ثانية، وعدتك بها اللغة (..)، وأنا إلى موعد أرجأته أكثر من مرّة، مع موت وعدته بكأس نبيذ أحمر في إحدى القصائد..». في غرفة مستشفى في ولاية تكساس، تحققت النبوءة وفقاً للسيناريو الذي وضعه بنفسه «في حضرة الغياب» (2006).
تلك النهاية التي كان يستشعرها محمود، وينتظرها برهبة تتنكّر في ثياب الحياد واللامبالاة، تضع حدّاً لرحلة بين المنافي على طريق وطن مستحيل. «كلما طال منفى الشاعر توطدت إقامته في اللغة» كان يقول.. عبوره في المدن، كان تنقّلاً بين محطات على درب الجلجلة. وها هو يترك للأجيال المقبلة، تراثاً شعرياً غنياً بالتحولات، يختصر عصراً كاملاً -عصرنا- بجراحه ومشاغله وأسئلته الجماليّة، ويختصر فلسطين التي صار الناطق المطلق باسمها، ضميرها ووجدانها، هو الذي طالما دافع عن فرديّته كشاعر، وعرف كيف يهتدي إلى المعادلة السحريّة التي تجمع في القصيدة نفسها بين المفرد والجمع، بين «أنا» الشاعر و«نحن» الجماعة.
محمود درويش هو المنفيّ بامتياز: «لا ينتمي إلى أي مكان خارج ذاكرته الأولى.. يضخّم المنفيُّ جماليات بلاده ويُضفي عليها صفات الفردوس المفقود.. ويتساءل: هل أنا ابنُ التاريخ، أم ضحيّته فقط؟». كان يعدّ العدّة لرحيله منذ أشهر. ودّع حيفا في تموز/ يوليو الماضي، في «الأوديتوريوم»، ودّع باريس في الخريف بأمسية نادرة احتضنها «بيت الشعر»، ودّع رام الله قبل أسبوعين في الاحتفال الشهير الذي أقامته بلديّة المدينة، ونقله التلفزيون إلى ملايين المشاهدين في العالم. نبّه الجمهور يومذاك إلى كونه موعداً وداعياً، واعتذر عن وجوده المستغرب في حفلة تأبينه.
هل نواصل؟ القاهرة منحته جائزة «مؤتمر الشعر».. وكان قد عاد إلى قرطاج بحثاً عن بعض سنواته الضائعة.. وبيروت التي تنشر أعماله كان يواعدها سرّاً، كما عشيقة سريّة. أطلق اسمه على ساحة في رام الله. وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات الفلسطينية، وضعت صورته على طابع بريدي. ماذا بقي إذاً؟ قصائده الأخيرة («على محطّة قطار سقط عن الخريطة»، «لعبة نرد»..) لا تترك مجالاً للشكّ. لقد رتّب الرجل الأنيق الذي نادراً ما رأيناه من دون بذلة، والشاعر المتوحّد وسط هذا الصخب، موعداً مع الطفل الذي بقي هناك بعيداً في البروة. أعدّ كلّ شيء، وكتب وصيّته الشعريّة. رثى محمد الماغوط وبعده ممدوح عدوان، ثم رثى نفسه على طريقة مالك بن الريب «في حضرة الغياب» ومضى. إنّها نهاية مرحلة أساسيّة واستثنائيّة في تاريخنا الشعري والثقافي.
اجتاز درويش على طريق الشعر دروباً متعرّجة تختزل مسار الذائقة الشعريّة العربيّة منذ ستينيات القرن الماضي وحتّى يومنا الراهن. بين «بطاقة هويّة» و«لعبة نرد»، بين «سرحان يشرب القهوة في الكافيتيريا» و«قافية من أجلِ المعلقات» مرّ عصر كامل، تخفّف خلاله الشعر من أعباء كثيرة. قام الشاعر، حسب تعبيره، بـ «تخفيف ضغط اللحظة التاريخية على جمالية الشعر، من دون التخلّي عن الشرط التاريخي». في الستينيات عاش وناضل في حيفا، كان شيوعيّاً وشاعراً وصحافيّاً. فقدم القصائد الأولى التي ما يزال يرددها كثيرون. في السبعينيات عبر من موسكو إلى القاهرة فبيروت، استقرّ فيها لتبدأ في شعره مرحلة جديدة. بعد «العصافير تموت في الجليل» (1969) و«حبيبتي تنهض من نومها» (1970)، كتب «تلك صورتها وهذا انتحار العاشق» (1975). ثم جاء الخروج الجديد من بيروت إلى تونس في الثمانينيات، وكان «حصار لمدائح البحر» (1984). السنوات الباريسيّة برأي النقاد هي سنوات التحوّل الحاسمة، والعودة إلى رام الله ترافقت مع سنوات النضج.
ويمكن اعتبار «ورد أقل» (1986) بداية الانعطافة في تجربة محمود درويش. أخذت قصيدته تتخفّف من غنائيتها العالية ودراميتها المتوترة، تاركةً مسافة نقديّة بينها وبين ثقافة النضال والمقاومة، لتعدّل نهائيّاً صورة الشاعر كناطق رسمي باسم القضية. وتواصلت الانعطافة منتصف تسعينيّات القرن الماضي، مع صدور «لماذا تركت الحصان وحيداً؟». واقترنت تلك المرحلة الجديدة بناشر لبناني هو رياض نجيب الريّس الذي أطلق تباعاً كل أعماله اللاحقة: «سرير الغريبة» (1995)، «جدارية» (2000)، «حالة حصار» (2002)، «لا تعتذر عمّا فعلت» (2004)، «كزهر اللوز أو أبعد» (2005). وقد أعيد جمع تلك العناوين في مجلّد خاص طوّب «الأعمال الجديدة» (2004)، كنوع من التكريس لتلك المرحلة في مسار الشاعر الفلسطيني. ولم يلبث الريّس أن أدخل إلى كاتالوغه مجموعات درويش السابقة، إذ نشرها العام الماضي في ثلاثة أجزاء تحت عنوان «الأعمال الأولى».
بينه وبين النثر كانت هناك علاقة تجاذب دائمة. كان يكتب عيناً على المتنبّي وأخرى على رينيه شار، فإذا بنصّه الشعري تأليفاً بين أزمنة ومدارس وأجيال وحقب شتّى. دعا الشاعر لإعادة الاعتبار إلى النصّ الشعري، وتحريره من كلّ العوامل الدخيلة المسقطة عليه، و«تنظيف القصيدة مما ليس شعراً». القصيدة باتت الوجع السري الحميم أوّلاً، بالنسبة إلى أبرز روّاد الغنائيّة في القصيدة الحديثة، ولها بعد ذلك أن تعكس -تبعاً لميكانيسمات سحريّة، ومعادلات معقّدة- وعي الجماعة وجراحها وهمومها.
المنافي والمذابح والهزائم والهجرات بقيت تتلاحق على إيقاع النصّ الشعري. واللغة المتجذّرة في الأرض البعيدة تبني في كلّ مدينة جديدة امتدّ إليها المنفى، شكلاً للوطن. كان يطلّ علينا محمود درويش، مشرقاً وأليفاً، ليذكّرنا بأن طريق فلسطين تمرّ في القصيدة، وأن القصيدة رمز لكلّ الأحلام المجهضة. فالشاعر تماهى مع القضيّة، ولم نعد نستطيع أن نتبيّن أيّهما يعطي زخماً للآخر. استحال صاحب «جواز السفر» ضميراً لشعبه، لأنّه عرف كيف يبقى شاعراً قبل كلّ شيء، بكلّ ما تختزنه الكلمة من عري وتقشّف، في قلب العاصفة، عند ذروة المأساة.
هكذا شهد شعره تحولات مفاجئة، مدهشة، فاكتسب ديناميّة جديدة، وشفّ وتصفّى. ولعلّ علاقة درويش بحوادث الزمن الفلسطيني وانهياراته، وراء تلك الإشراقة، وذلك التصفّي. فهو من أبرز وأوّل الأصوات العربيّة التي ارتفعت تجاهر بموقع الخاسر. طالب بالحقّ في إعلان اليأس، بصفته «فسحة لتأمّل المصير»، ودعا إلى وعي الهزيمة والتحرّر من «ميثولوجيا المنتصر».
ولا شكّ في أن المأزق السياسي والوطني الذي تعيشه القضيّة الفلسطينيّة منذ سنوات، وضيق الأفق بين خيار «متشنّج» يحمل في طيّاته بذور مقاومة، وخيار «منفتح» ارتمى في أحضان الجلاد.. من العناصر التي زادت من مأزق الشاعر ويأسه. اليوم، ونحن نودّع محمود درويش، نستعيد كلماته ترياقاً وعزاءً: «اليأس هو الأرض الشعريّة والنفسيّة واللغوية.. التي تردّنا إلى وحدة شبه مطلقة على أرض الغربة، تردّنا إلى بداية الشعر..».

* * *
الشاعر الهارب من قبيلة تعشقه
• وائل عبد الفتاح

انتسب طوال عمره إلى «فلسطيني 48».. إلى الحياة بنصف حق. سيرته الشخصية تقاطعت مع مأساة شعبه. لكنّه صار صوت القضيّة المتفرّد لأنّه.. لم يستسلم لها.
الصور وحدها تفضح الشعراء. محمود درويش لم يكن غاضباً قبل جولته الأخيرة مع الموت. بدا مرتبكاً. لم يقرّر، هل يكمل المفاوضات حتى النهاية أم يستسلم لألعاب الموت معه؟ في المرة الأولى، توقّف قلبه دقيقتين، رأى فيهما نفسه على غمامة بيضاء يستعيد طفولته. عاد من السفر قبل أن تكتمل الرحلة. هذه المرة، لم يخدع أحداً، ترك قبل الرحيل «لاعب النرد» قصيدة وداع للملاعب. حُزنها شفاف، ترى فيها ترتيبات الرحلة الأخيرة. يفصح عن محاولاته سرقةً فردية خطرة في جماعة مهزومة. ويستعيد جغرافيا حروبه الخاسرة والمنتصرة معاً. الخسارة لا تعيب الشاعر. تمنحه صوتاً أصفى وقلباً موجوعاً لا يتحمل المزيد من اللعنات. اللعنة والحب امتزجا دائماً في العلاقة بدرويش. صوته وصل قبل صورته على شريط كاسيت تناقلت «مديح الظل العالي» بأداء يشبه المطربين الكبار. ما زلت أسمع صوت درويش رغم مرور 20 سنة، مثل الحب الأول أو الاكتشاف الأول لمناطق سرية. كانت هذه روعة الشعر وصوته يقتحم الحصون الأولى لفردية خجولة تلهث وراء الالتحاق بجماعة تعرفت إلى نشيدها في قصائد درويش.
درويش كان مطرب العواطف السياسية، لكنّه طرب خاص. اختلط مع أصوات أخرى في الكورس الفلسطيني. وسرعان ما انفصل بصوت نقل العواطف إلى منطقة أعمق سرق فيها فرديته خطوة خطوة وسرّب إلى مغرميه فرديةً لم يكتشفوا سرّها إلا بعد سنوات.. حين أفشى درويش أسرار السرقة سراً سراً.
هرب من إغراء الحبس في قوالب «مغني الثورة»، «شاعر القضية». قبور مصنوعة بفتنة مبهرة وصور على جدران أنيقة، لكنّه هرب منها كما هرب من عاشقاته وبيوته المستقرّة في إطارات اجتماعية جذابة. كان يستجيب في البداية، يتلذّذ بمتعة عمومية لكنّه يتسلّل كما فعل أوّل مرة مع عائلته ليعود إلى أرضه التي أصبح غريباً فيها. الألفة الاجتماعية مغرية، لكنّها تقوده إلى غربة تلو غربة. يهرب من صورة المناضل السجين في زنزانة إلى القاهرة، موطن الشهرة في الستينيات والسبعينيات، لكنّه يخون الصورتين مع صورة أخرى ويهرب خلف عشق آخر. جرّب درويش ألعاب الخيانة كلّها. خان فرديّته وأصبح شاعر القبيلة. ثم خان انتظارات الجنود حين نزل من على صهوة جواد النبوة وكتب عن الحب والفرد الغريب الهارب من قبيلته.
ألعابه في السياسة كانت خشنة لجمهور يصنع للشاعر صورةً ناعمة، يخفيها تحت الوسادة في الجبهة ويختطف مقولات مأثورة يزين بها محبته للقضية. درويش كان خشناً وهو يقبَل عضوية اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير وهو يتحرّك كأمراء النضال. خشونة درويش، خشونة التجربة والاقتراب من خط النار. كان المنصب يريد التزيّن بدرويش فأعطاه درويش زينته. لم يبرّر خيبات الزعماء. خاف عليهم من جنونه وانسحب محتجّاً على «أوسلو». لكنّ لعنة المنصب ظلّت تلاحق درويش ربما في محاولة لاسترداده إلى الجماعة أو أملاً في صفقة جديدة بين السياسة وجنون الشاعر.
الجنون انتصر حتى على رغبة درويش في المصالحة بين نار الشعر ونار السياسة. مصالحة تخاف من العزلة في برج بابل. هرب من الأبراج إلى ميادين واسعة، تجمّع فيها عشاق من مراحله المختلفة. ميادين تقبل الشعراء لأنهم شعراء أولاً يلعبون، ولعبهم يمنح للحياة لذتها الكبرى. انتسب طوال عمره إلى «فلسطينيي 48» أي إلى الحياة بنصف حق ومرتبطاً بنكبة لم تمّحِ آلامها حتى الآن. تتقاطع مع سيرته الشخصية مأساة شعبه. لم يكن صوت أحد رغم أنّ الفلسطينيين اعتبروه صوتهم. عشرات الشعراء تنافسوا ليكونوا صوت القضية، لكنّ درويش ظلّ صوتها المتفرد لأنّه لم يستسلم لها. قادها إلى مساحة أرحب غير شكل الخطاب السياسي الفلسطيني. وكانت في كل قصيدة خيانة لمَن ينتظر منه أن يكون على هوى الآخرين. رأى درويش أنّهم يحبّونه ميتاً ليقولوا: كان منّا وكان لنا. لم يدخل العلب المحفوظة. وكما نال محبة وشهرة وعشاقاً، لم ينجُ من اللعنات والاتهامات. قال عاشق آخر نحبّه هو ناجي العلي «محمود خيبتنا الأخيرة». وقتها، كان درويش في كادر واحد مع أبو عمّار وكانت كلمة ناجي العلي موتاً أكيداً لدرويش. وكالمعتاد، لم تكن هذه النهاية. تسلّل صوته ليعلن أنّه ما زال حيّاً في مكان آخر على أرض أخرى. وعندما كتب عن الحب فقط في ديوانه «سرير الغريبة»، قالوا: باع القضية تماماً ودفنها ونسي المقاومة. لكنّ القصائد كانت درساً في مقاومة أخرى: إعلان بأنّ الفلسطيني إنسان، يحبّ، يخاف، يهرب إلى المتع كما يهرب العشاق. تحررت المقاومة من التخصّص في مشروع واحد لتحرير فلسطين. درويش رأى تحرير الفلسطينيين أولاً من مصير الضحية المستسلمة. لم يستسلم هو. ترك جسده يستسلم وركب غمامته البيضاء ليطلّ على جنة عدن التي طرد منها آدم وأصبح أول لاجئ في الدنيا.
قبلها تسلّل صوته إلى أصدقاء يحدّثهم عن مفاوضات الموت. أخبره الأطباء بأنه يعيش وفي صدره قنبلة قد تنفجر الآن وربما تؤجل انفجارها عشر سنوات. اختار مواجهتها رغم أن احتمال النجاح 10 في المئة. درويش انسحب قبل أن تظهر النتيجة. ترك سريره في المستشفى الأميركي وتابع جسده وهو يعمل بالأسلاك والأجهزة وسافر قبل إعلان موته بساعات أو دقائق كي لا يودّع أحداً أو يسمع صوت بكاء أو يرتبط عاطفياً بمن سيتسلّمون جسده. لم يتحمل الانتظار، تسلّل وحيداً كي لا يرى طقوس القبيلة وهي تستعيد جسده.

* * *


وصف الرحيل قبل أن يرحل وهزم الموت مسبقاً
• محمد خير

في معرض القاهرة للكتاب، كان الزحام مفهوماً كل عام أمام جناح دار «رياض الريّس». الديوان الجديد لمحمود درويش لم يكن مطراً نادراً، كان موعداً لا يخلفه صاحبه، ونهراً لا يتوقّف عن الجريان محمّلاً بملايين الاستعارات والصور، لكنّ صخوراً اعترضته من حين إلى آخر. وفي سنواته الأخيرة، دخل بهدوء في قوائم الرقابة المصرية التي احتجزت ديوانه «أحد عشر كوكباً» بعد صدوره بسنوات، في وقت بدت فيه السلطتان السياسية والدينية في مصر شيئاً واحداً. قبل ذلك، في زمن المواجهة بين الأصوليين والسلطة منتصف التسعينيات، وقف درويش في معرض الكتاب وسط حضور كثيف بشكل لا يصدق، ليقول «عساني أصير ملاكاً» بدلاً من «عساني أصير إلهاً». كان يلقي «إلى أمي»، ففاجأ مَن يحفظون القصيدة وأغضب معظمهم لكنه -مع ذلك- لم ينج من كراهية الآخرين. بعض أولئك الآخرين لم ينتظر حتى يكمل درويش ليلته الأولى على الضفة الأخرى، فبادر بملء صفحة الشاعر الكبير على موسوعة ويكيبيديا بالتحذير من «انحرافاته» ولا غرابة. هو الأمر نفسه الذي واجه نجيب محفوظ ويوسف شاهين، وكل مَن شاء لهم قدرهم أن يرحلوا في زمن الرجعية الجديدة، ذات الطابع الشعبي التي ارتدت رداء تكنولوجيا التعليقات على الأخبار، تلك الخدمة التي فتحت البطن العربية وأظهرت ما بها من قيح مؤكد، وأمل عابر وشاحب.
لكنّ محمود درويش -تماماً كبقية كبارنا الراحلين- أقوى من التراجعات الموقتة، وأكثر ثباتاً من الأفكار التي أنجبها اليأس، شاعر الثورة ظلمته الثورة، إذ ربطته بها. هنا بحر من الشعر لا تحدّه شواطئ طبريا، أمواجه لمست كل البلاد، وأبناؤه في كل بيت ينطق بالضاد، مع أنّه لغة مستقلة، قامت بذاتها ثم رحلت بنفسها فجأة من دون أن تتكئ على كتف أحد، لماذا ذهب درويش إلى جراحته وحيداً؟ لأنه هزم الموت مسبقاً، بكلمات لن يطمسها عشب الضريح.
في مناسبات أخرى للقاء الجمهور، كان درويش يتأخر في الصعود إلى المنصة، تعطّله الصحافة والتلفزيونات والمسؤولون الرسميون، فكان جمهور القاعات يبدأ التصفيق ولا يتوقف حتى يصعد شاعره الذي بدا شاباً أبدياًَ انتقى لأشعاره أرضاً خاصة، بعيدة عن خلافات الشعراء والنقاد، يلعب بين الشعر والنثر، الحر والتفعيلة، لا يحاسبه أحد «كم أنت منسيّ وحر في خيالك» يقول ويستعين في مقدمة ديوانه «كزهر اللوز أو أبعد» بعبارة أبو حيان التوحيدي (أحسن الكلام ما قامت صورته بين نظم كأنّه نثر، ونثر كأنه نظم). لكنّ خلافات الشكل لم تزعج الرجل الذي استطاع أن «يرث أرض الكلام ويملك المعنى». استطاع أن يطوّر قصيدته الخاصة بمعايير لا يمكن القياس على غيره بها، أو قياس شعره بغيرها، واحتفظ بطزاجة القصيدة وتدفّق المعاني والتراكيب والجماليات التي تضرب جذورها في أرض التراث العربي، لكنّها تمتد حتى الضفاف الأجنبية، كموسيقى فلامنغو تعزفها غجرية تتمشى بين قصور أندلسية.
هو ابن العالم وشعره كذلك. رغم ارتباطه بالتراب الفلسطيني، كانت أحزانه من كل مكان، وكان شعره إنسانياً لا بل كونياً أدرك في حالة نادرة عربياً أنّ الاعتداء على الحق اعتداء على الطبيعة أيضاً (أتعلم أن الغزالة لا تأكل العشب إن مسّه دمنا؟ أتعلم أنّ الجواميس إخوتنا والنباتات إخوتنا يا غريب؟ لا تحفر الأرض أكثر! لا تجرح السلحفاة التي تنام على ظهرها الأرض! جدتنا الأرض أشجارنا شعرها وزينتنا زهرها «هذه الأرض لا موت فيها يا غريب»)، هكذا قال في «خطبة الهندي الأحمر»، فما أصعب أن يستخدم الشاعر «كليشيه» فيحيله إلى قطعة فنية، الربط بين الفلسطيني والهندي الأحمر في شعر درويش جاء ربطاً أشمل من هذا وذاك، وعلاقة بين الماضي والآتي لا تلتقط آثارها الأقمار الصناعية. إذ إنّ «هنالك موتى يمرون فوق الجسور التي تبنونها، هنالك موتى يضيئون ليل الفراشات، موتى يجيئون فجراً لكي يشربوا شايهم معكم، هادئين كما تركتهم بنادقكم».
انتهى إذاً الكتاب الدرويشي، واستراح صاحبه -بعد الرحيل المفجع والسهل- في مكانه داخل خلايا العقل العربي، ولئن لم تنجح –بعد- الثورة، فإن درويش هو شاعر «فكرة» الثورة. الثائرون فقط يتذكرون أنّ «قلاعاً صليبية قضمتها حشائش نيسان بعد رحيل الجنود» والشعراء هم مَن يعرفون أنّ المكان «عثور الحواس على موطئ للبديهة». ويدركون أنّ لا مسافة بين البداية والنهاية، فهناك لا مكان ولا زمان، حيث ذهب الشاعر الذي وصف الرحيل قبل أن يرحل «أرى السماء هُناك في متناولِ الأيدي/ ويحملني جناح حمامة بيضاء صوب طفولة أخرى».

* * *

غناء الخسارة
• عباس بيضون

هذه المرة لن يكتب محمود درويش جدارية أخرى. هذه المرة لن يخدع الموت الذي خرج منه ناجياً من قبل. من عاش مثله في الوقت الضائع وما بعد الحياة يدرك أن الموت خصه كما خصته الحياة. لم يخطفه وحده. عرف ساعته وصار إليها بقدمه.
لم يكن محمود درويش يعتبر الموت عرساً كما اعتبره جلال الدين الرومي لكنه لم يكن بالنسبة له مجرد فراغ. لقد حمله في قلبه وأحشائه وتحول إلى طرف في معادلته الشعرية والحياتية. أضيف إلى الكلام وإلى السلوك كملح للحقيقة وعمق غير منظور. كان النزوح والموت شراعا محمود درويش والحق إنه استدخلهما وجعل منهما واقعاً خاصاً. صنع منهما تلك الأوديسة الفلسطينية التي راحت مع الزمن إلى أسطورة خاصة وعقدة انطولوجية. هنا المكان وهنا الزمان ومحمود درويش يبحر بين الاثنين ولا يرسو هنا أو هناك.
لا بد أها عملية ترميز وتأويل استقطبت كل حياة درويش وكل مشروعه، التوسط بين الجسد والمكان، بين الرحيل والمقام وبين المملكة المفقودة والزمن الحاضر. هذه العملية هي جدل شعر محمود درويش ومدار حياته، جعل درويش من الرمز الفلسطيني ميتافيزياءه الخاصة وكما هي غالباً مهمة الشاعر، عقد الحوار بين السماء والأرض، غدت السماء أرضاً شخصية، انعقد الحوار بين الجسم والمكان وتم للمكان أن يغدو جسماً. لنقل أن الموت الذي خرج منه الشاعر خرج منه بجسد تلتقي عنده السماء بالأرض. ربما من مخاض الموت الذي لم يكن سوى صورة موهلة مجسمة للنزوح والفقدان خرج جزء كبير من «حقيقة الشعر الدرويشي». إذا كان درويش ضرب للموت موعداً فلأنه كان يعلم انه كان دائما قريبا ولأن ما بينهما لم يعد سرقة وغصباً.
ضرب للموت موعداً لأنه مذ حل في كلامه ووجد عبارة وصورة صار في الخارطة الشخصية للشاعر. إذا كان شعر محمود درويش غالباً شعر الخيار الوحيد الذي يغدو مع الوقت ميزة وأفقاً. إذا كانت مرثية الهزيمة التي تتحول إلى قيمة أخلاقية، إذا كان تعريفه الضمني للشعر هو الرثاء وهو غناء المغلوبين فإن البقاء على سن الهزيمة والخيار الإجباري هو أيضاً المقياس التراجيدي للحرية والنبل. والأرجح أن تجربة درويش مع الموت هي الصورة البؤرية لهذا الصراع. حين حانت الساعة كان الموت على سن الرمح ولم يكن هناك خيار آخر ولا أقل فداحة وكعادته لم يعتذر محمود درويش. سار إلى موعده أنيقاً ومستوياً. ودع أصدقاءه بوجه مرفوع ومضى إلى حيث يقيس أيضاً نفسه.
كان محمود درويش في عز مجده حينما تأكد أن هذا المجد بحجم الالتباس الذي يولده، شاعر فلسطيني وشاعر الثورة وشاعر القضية. لم يكن الشاعر غير دار بأن فلسطين هي موضوعه الغالب.ولم يكن ليتنصل من التزام واع بقضيته، لكن ما فهمه درويش هو أن الليل يمكن أن لا يكون أسود والموضوع والمناسبة ليسا واحداً لدى جميع الشعراء أو الكتّاب فهم يتمايزون فيهما ويختلفون.
لم يكن غناء درويش فيما بعد غناء حربياً بطولياً انتصارياً كما وسم الغناء الوطني، ولم يحب درويش أن يحشر في هذا الغناء العربي الحماسي، في سبيل ذلك كان الشاعر العربي الأول الذي يصارع جمهوره ويصارع موضوعه ويصارع اسمه وشهرته. يذكر الجميع عقدة «سجّل أنا عربي». لم يخسر محمود درويش جمهوره.
كان قادراً على أن يضع في الشعر أكبر نسبة ممكنة من ذاته، أن يرد الشاعر إلى طراوة وبساطة فاتنتين، على أن يقول الشخصي بلغة العام، على أن يكون نفاذاً وقريباً في آن معاً، على أن يبدأ من بداهة ليغربها ويخصصها ويستدخلها فيما بعد، على أن يزوّج الغناء للفكرة. على أن يقول النثر بصيغة الشعر، كل هذه ملكات تصدر عن قوة الموهبة. وحدها تقدر على أن تستدخل كل الحافظة الشعرية وحدها قادرة على لم عناصر متفارقة أساساً وإدماجها في تركيبة واحدة.
قوة الموهبة جعلت من درويش يتحرر من القصيدة الوطنية داخل القصيدة الوطنية، ومن الجمهور داخل الجمهور. بل هي التي جعلت من محمود درويش في الآن نفسه شاعراً شعبياً ومجدداً، وأن يكون نجماً ونخبوياً وأن يكتب بحرية من دون أن يخشى العزلة، وأن يورط عامة أدبية بأعمال شخصية وتأملية، وأن يحول قصيدة عن تجربة موت إلى أثر رائج، الأرجح أن محمود درويش امتلك من سلطته على الجمهور قدرة أن يكون حراً وأن يطمح إلى تركيبة الجمهور وتأهيله، مع ذلك فإن المسألة ليست في سلطة درويش وحدها، إنها في عملية أن يتحرر ويحرر في آن معاً.
لقد تخلص في العلن وفي تجربة مكشوفة من رواسب لم تكن لتفسده فحسب بل وتفسد جمهوره معه. ليس النفس الحربي الانتصاري البطولي مطابقاً بالضرورة لجمهور مغلوب ومرضوض ومغدور بحسب رأيه، والأرجح أن ماعافه محمود درويش هو بالضبط هذا النفس الانتصاري الذي يحول الأدب تقريبا إلى تزوير، لم تكن هذه مسألة شكل فحسب كانت أكثر من ذلك مسألة رؤيا.
محمود درويش ليس شاعر حماسة. أنه باختصار شاعر مرارة ويمكننا بسهولة أن ندرج شعره تحت عنوان الرثاء. الأرجح أن موضوع درويش الأساسي كان الخسارة والفقدان وبكلمة واحدة فإن موضوعه الأساس هو الهزيمة. إنها رؤيا تولدت لدى محمود درويش بالتدريج. لم ينكر درويش الصراع بالطبع لكنه قرر غالباً أنه أيضاً في الاسم والذاكرة والبقاء وليست الخسائر فيه سوى تراث إضافي ومخاض للمستقبل. غنى محمود درويش من سماهم وولت ويتمان شهداء القضية الخاسرة وغنى الخاسرين والمغلوبين بنبل الخسارة وتحليق التراجيديا.
لم يكن حظ درويش من الحياة واحداً. لقد وصل بسرعة وسهولة إلى نجاح مطلق، وبات نجماً في بلاد العرب ونجماً في غير بلاد العرب, وكرس حياته كلها للشعر دون أي تطلب أخر. لعل درويش من «النجوم» القليلة التي ليست زائفة.
صارع محمود حظه وما جاءه بسهولة أعاد ابتكاره بنفسه. لكن محمود درويش كان يملك «حضوراً» يوازي شعره بذكاء لماح وعقل تحليلي وفكاهة وفتنة. لم لا محمود درويش فاتن والأرجح أن طلته وصوته وأداءه فتنت جمهوره أيضاً، بالتأكيد كان درويش النجم يملك ذلك الوعي الشفاف الذي يجعله يفرز الثقافة من المواصفات الاجتماعية، لم يكن الشعر غايته فحسب بل وجه الشاعر وصورته وشخصيته. في ذكائه لم يكن يكره شيئاً كالبلادة والسخف وهما في الغالب مصير النجوم. لقد أعاد ابتكار نفسه وسط الجمهور.
لم يطور شعره فحسب ولكن بنى استقلاله وفرديته ورؤيته الخاصة. ومع الوقت كان محمود درويش يزداد وعياً لشخصه ولشعره. مع الوقت كان يزداد نضجاً ونقديه.. وإصغاء وتواضعاً. زالت عناصر استفزاز في شخصيته. تخلص من حدة وصعوبة وظهرت فيه ليونة وسلاسة ما كانتا أساساً في طبعه، كان يغدو أكثر فأكثر فرداً ومستقلاً وشاعراً، إنها اللحظة المناسبة ليمكر الحظ وليسترد هداياه. لا أعرف كم ترك وراءه من قصائد أعرف أن الشاعر الذي فيه كان لا يزال عامراً. لقد انقصف في ربيعه. دعك من العمر.
انقصف محمود درويش في ربيعه. هو حينها أفتى منه في شبابه. لقد تصالح مع الخسارة، خسارته الخاصة وخسارته شعبه. لم يعد متشنجا ولكن هادئاً وحكيماً. لقد وجد شعبه يوم وجد نفسه أيضاً. كان قادراً على أن يكون مع الأضعف وأن يدين، ولو بهدوء، الذين يحولون الضعف إلى حماقة وإهدار. جازف بأن لا يكون لكل الفلسطينيين ولكل العرب. لم يعد للإجماع حين وجد «جمهوره» يقتتل في الساحات. إنها المرارة حين لا تكون الخسارة نبيلة وحين تتحول إلى ضغينة عائلية مرثيه غدت أكثر تركيباً وتعدداً. إنها مرثية من يخسرون خسارتهم أو يبيعونها بخسارة إضافية. محمود درويش الذي كان قادراً على أن يقول أكثر نفسه شعراً وربما أكثر واقعية، قال كثيراً وكثيراً جداً لكن الواقع مثقوب وبلا قاع ولا نهاية لنزيفه.

* * *

رحل وفلسطين تحتضر
• كمال أبو ديب

لم يعرف الشعر العربي إيقاعاً مغاوياً كمثل إيقاعه منذ عصوره الغنائية العذبة الأولى في شعر الوليد بن يزيد وأبي نواس خصوصاً. طفل يلعب بآلات موسيقية برزانة وحبور، يشابك بين نغماتها، ويداخل، ويقاطع، ويناسج، ويستخرج، فتنشأ شبكات من النغم تستسلم لها الذاكرة والأذن والأعصاب، وتزيغ المعنى عن محاوره والرؤيا عن مسارها، لكن بلذة لا تكاد تضاهيها لذة، فلا يأبه القلب لما يزيغ أو يتوه. وقد لعب بالقصيدة في بنيتها الكلية كما لعب بالنغم، ولعب بالحياة أيضاً بالوله نفسه، والطفولة ذاتها، والعشق عينه. وكان يهندم الحب والمشاعر والأرض والوطن، وريتا وفلسطين والإنسانية كلها، في بؤرة سلسبيل فيسبك منها جميعاً نسيجاً مائياً رائقاً تتفجّر فيه هنا وهناك أصوات صراخ وقنابل وصور ممزقة وغضب قاهر وسكاكين، قبل أن يعود إلى صفائه الحليبي الشفاف. وبين نهدي امرأة يغرز ياسمينة سرقها من يافا، وزرّ فلّ اختلسه من البروة، ومئذنة خطفها من القدس. وعلى صدر حبيبة يرسم كنسية القيامة ويتعبد في محراب شولميث.
وكان واحداً من شاعرين وصلا بجماليات شعر الحداثة واللغة الشعرية العربية إلى ذروة ما أظن أحداً سيبلغها أو يتجاوزها خلال قرن من الزمان، وساحر كلمات يكرر ويعيد، فتشعر أن للتكرار لذة الجدة، ومتعة البكارة المفاجئة.
يختلسه الموت إلى منابع الوجود الأولى وهو على غضاضة من العمر، لكن صوته الجميل سيبقى متفجّراً، متوهّجاً، كسيراً، عذباً إلى قرار الأزمنة ونهاياتها الفاجعة.
قال لي مرة ونحن نتسامر في بيت أدونيس في باريس، وكنا وحدنا لحظتها: «كمال، أنا أعرف أنك تعتبرني شاعراً تافهاً». وأزعجتني عبارته، وألححت عليه أن يقول لي إن كان أحد قد نقل له، كاذباً، كلاماً عن لساني، فنحن مجتمع يكثر فيه متقنو الدسيسة. فأصرّ أنه لم يسمع شيئاً، ولكنه يشعر بذلك في قرارة نفسه. وصمتنا. وحدست أنه يشعر بذلك لأنني لم أكن قد كتبت عنه حرفاً واحداً في كل ما كتبته عن الشعر. آه ربي: وعدٌ له أنني سأكتب عنه الكثير، كما فعلت بعد أن تجاوز فلسطين في أسفاره الشعرية الأخيرة وبدأ يكتب شعراً على معارج العظمة بعد أن واجهه الموت المرة الأولى.
ومرة في أمسية شعرية أقامها له في لندن اتحاد فلسطيني سألني برعشة في صوته: «كمال، ماذا أقرأ؟ قل لي، فأنا أثق بذوقك». قلت له: «اقرأ من شعرك الأخير». وكان يمر في منعطف كبير في شعره. قال: «لكن هؤلاء لا علاقة لهم بالشعر. إنهم يريدون شعراً للتصفيق». قلت له: «لكن أنت شاعر. اقرأ أحد عشر كوكباً»، وكان قد نشرها قبل ذلك بقليل. واتسعت عيناه دهشة: «صحيح؟ أحد عشر كوكباً؟ أجازف»؟ وقلت: «جازف». واعتلى المنصة وقرأ أحد عشر كوكباً، ومات التصفيق في الأيدي المطرقة حتى نهاية المساء، وهرع إلي من المنصة يقبلني بفرحة طفل كبير، ووجهه تفوح منه الغبطة والإحساس بالانتصار على نفسه وعلى صراخ فلسطين.
كان شاعراً لفلسطين فعكّرت صفاء منابع أغوار ذاته فلسطين ولم ترحمه، وحين تحرّر من فلسطين تدفقت بشائر العظمة من عروقه المحتقنة، وبدأ يعد بالعظمة الحقيقية في الشعر. ليغفر الله لفلسطين من أجل نقاء روحه وبهاء شعره.
قلت في كتاب لي: إن العرب قدموا تضحيات عظيمة من أجل فلسطين، وإن بين أكبر هذه التضحيات موهبة شاعر كان يمكن أن يكون عظيماً، هو محمود درويش. لكن محمود، في زمن متأخر، افتدى شاعريته من فلسطين، ودخل موكب الكبار بفروسية فاتنة.
محمود، لقد كتبت لك مرثية، أيام كان الجميع يهللون لك، وأنت لا تزال في فلسطين في زهو الشباب، وبشّرتك بأننا سنسمي باسمك أطول شارع، لكنني قرأت لك نبوءتي، وهي أنك ستبقى الصوت الضائع في البرية. وها قد تحققت النبوءة، وها أنت تمضي كسير الروح وتترك فلسطين تحتضر، كأنك لم تعد تطيق أن يقتلوك كل يوم في شوارع غزة ورام الله برصاصهم حيناً وبرصاص إسرائيل حينا.
فما لك تمضي هكذا؟
ولماذا تموت وأنت تحمل الحقيبة القديمة التي طالما حملت، وأنت عن صدرها بعيد قصي؟.

* * *

المخضرم المتجدد صنع حداثته الخاصة
• عبده وازن


رحل محمود درويش في أوج «شبابه» الشعري. الأعوام السبعة والستون التي انطفأت ليل السبت الفائت لم تزده إلا ألقاً. وكان كلما اكتشف خريف الحياة أوغل في ربيع القصيدة. لغته العذبة الجارية كماء النهر لم يشبها وهن ولا أصابها خمود، بل ظلّت تتوهج وكأنها تسترجع بداياتها ولكن بنضج النهايات التي لم تنته.
كان في الفترة الأخيرة على حماسة شعرية نادرة وعلى قلق لا يعرفه الرواد المكرسون عادة. «القضية» التي صنعته مثلما صنع أسطورتها تخطته كما تخطاها إلى الأمام الذي لا وجهة سواه. أضحت هي الماضي الملطخ بالدم والأسى، وأمست القصيدة هي المستقبل القادر على احتواء الأرض التي كانت ولم يبق منها سوى ما بقي. كان الشعر كل همه في أيامه الأخيرة وما قبلها. الوجه السياسي فيه كان قد تغّضن وغزته شآبيب اليأس، أما وجهه الشعري فكان أشد نضاره مما من قبل. كان أدرك اليقين أن «البيت أجمل من طريق البيت» كما قال مرة. البيت يظل حلماً ببيت قد يصل إليه، حياً أو محمولاً على الأكف، أما الطريق فهي المحفوفة بالأشواك والأخطار. البيت هو الحلم الذي قد يفتح أمامه أبوابه فيما الطريق شأن واقعي، وما أقبح الواقع عندما يغلبه اليأس أو القنوط. لكنّ محمود درويش وصل أخيراً إلى البيت الذي بلا شرفة ولا عتبة ولا أبواب، وصل مغمض العينين ولكن ببصيرة لا تخبو وحنين لم تخمد ناره.
كان الشعر هو النهاية التي ارتجاها شاعر «جدارية». السياسة أنهكته والقضية أثقلت ظهره وبات يشعر بحاجة ملحة إلى حريته، الحرية التي تجعله فرداً في جماعة بعدما كان جماعة في فرد. كان الوقت حان ليواجه الشاعر نفسه في مرآة نفسه. مرآة الوطن غزاها الصدأ بعدما سقط الوطن في أسر الواقع الأشد مأسوية من التاريخ. اكتشف الشاعر أن «المنفى هو المنفى، هنا وهناك» وأنه شاعر المنفيين اللذين لا نهاية لهما، اللذين أصبحا قدره وقدر الذين هم هو، إخوة في الوطن وأخوة في اللاوطن، في الشعر والتيه والترحال.
في آخر أمسية له أحياها في مدينة «آرل» الفرنسية قبل نحو شهر، أعلن محمود درويش جهاراً انفصاله عن السياسة وانتصار الشعر عليها. إنها هزيمة الواقع أمام سلطة الحلم الذي لم تبق له سلطة في هذا العالم المأسوي. قال كلمته بجرأة وكأنه كان يحدس بأنه سائر إلى موته، موته الذي لم يمهله كي «يعدّ حقيبته» كما يقول. جاهر بتعبه من عالم السياسة والسياسيين هو الذي كان في صميم القضية – على رغم ابتعاده عنها - ولا يزال، حتى بعد رحيله. البعد هنا قرب كما يقول المتصوّفة، والغياب حضور آخر، حضور بلون الغياب. وكم كان يزعجه في الآونة الأخيرة أن يُحصر في هويته السياسية فقط أو أن يسمى فقط شاعر القضية. كان يشعر أنه ارتقى بالقضية إلى مصاف المجاز جاعلاً من النضال السابق معجزة شعرية تخاطب الجميع، جميع المضطهدين والحالمين والمنتظرين. لم يلتفت محمود درويش إلى الوراء بعدما وضع يده على المحراث، نظر إلى الأمام هو ابن المستقبل الذي عرف كيف يصهر ماضيه في روحه. وظلّ يحدّق حتى أصبح في صميم الضوء. انتصر الموت على محمود درويش بالجسد وليس بالروح. الروح الأقوى من الموت يعجز الموت عن اختطافها. شاعر في شفافية محمود درويش ورقته، يصعب على الموت أن يسلب قلبه، شاعر في عنفه المقدس وقوته يصعب على الموت أن يسرق حياته. ليس قلب الشاعر هو الذي توقف عن الخفق، بل الزمن نفسه الذي طالما تصدى له وجهاً لوجه. لم تكن لحظة الموت غريبة عن شاعر الموت في «جدارية» و«في حضرة الغياب». لقد واجهه بعينين مفتوحتين وقلب متوقد. خبره عن كثب وعاشه بل ماته ثم نهض منه وبه جاعلاً منه قصيدة ولغة وصوراً متدفقة. خاطبه ورثاه راثياً نفسه والعالم، حتى بات عاجزاً أمام سطوة كلمته. لكن الموت يأتي دوماً كالسارق، على غفلة يأتي. ومثلما تنبأ في «جدارية»، لم يمهله الموت كي ينهي حديثاً عابراً مع ما تبقى من حياته، لم يمهله حتى يُعدّ حقيبته. أغمض محمود درويش عينيه رغماً عن الحياة التي كانت تصخب في داخله. شاعر الحياة غلبه الموت في ذروة الحياة التي لم تكن وجهاً آخر للموت بل كانت غريمه الأبدي. كان شاعر «سرير الغريبة» يردد: «أريد أن أحيا»، كان فعلاً يريد أن يحيا كشاعر وشاعر فقط، لكن الشاعر الذي لم يحافظ إلا على سلطة «الحلم» كان أرق من رمح الموت الذي اخترق قلبه في أوج شبابه.
في العام 2004 جمع محمود درويش دواوينه الأخيرة حينذاك، وهي لم تكن الأخيرة، في مجلد واحد سماه «الأعمال الجديدة». كان فرحاً جداً بهذه الأعمال ليست لأنها جديدة بل لأنها نشأت في قلب المشهد الشعري الراهن. شاعر مثله كان يكفيه ما حصد من أمجاد وما احتل من مراتب وما عرف من شهرة عربية وعالمية لكن الشاعر الذي فيه، الشاعر المجبول بالقلق والحلم والرغبة لم يستكن يوماً. لم يُغر محمود درويش يوماً أن يبلغ ما بلغ من قمم بل ظل يحدّق إلى الأبعد، إلى ما هو أقصى من الضوضاء والمجد العابر والشهرة الوهمية. كان محمود درويش يعمل بجهد على تجديد نفسه وتحديث لغته وكأنه أحد الشعراء الشباب الذين يتلمسون طريقهم. يقرأ بنهم ويعيش بنهم ويحزن بنهم ويتقدم بنهم كما لو أنه يسابق عدواً لا مرئياً هو الزمن، العدو الذي لا يهادن.
واستطاع أن يكون شاعراً مخضرماً بامتياز، بل لعله الوحيد الذي منح «الخضرمة» معنى يتجاوز البعد الزمني، جامعاً بين ماضٍ مشترك وحاضر خاص هو المستقبل نفسه. وكم عرف أن يفيد من قصيدة النثر من غير أن يتخلى عن قصيدته الحرة وعن الإيقاع الداخلي أو «العروض» الداخلي الذي كان ماهراً في سبكه. كان شاعراً حراً ينتمي إلى جيله من شعراء التفعيلة وشاعراً جديداً ينتمي إلى جيل الشعراء الشباب في آن واحد. هذه الميزة لم يحظ بها إلا قلة قليلة من الشعراء في العالم. ومثلما كان متفرداً بنضاله وشعره النضالي وغنائيته كان أيضاً متفرداً بحداثته التي بدت مختلفة عن «الحداثات» التي عاصرتها أو عاصرها. رحل محمود درويش. الألم سيكون كبيراً بدءاً من الآن. هذا الشاعر الذي ورث الهزيمة والأسى والخيبة لم يورث سوى الجمال والحلم والحب، لم يورّث سوى القصيدة الفريدة التي كان شاعرها. رحل محمود درويش تاركاً اسمه الذي بات يعني منذ اليوم الشاعر المنتصر على الموت بالموت، الشاعر المنتصر على الموت بالشعر.
ليت الذين سيحملون نعشه في الوداع الأخير يضعون عليه «سبع سنابل خضراء» و«بعض شقائق النعمان» كما كتب في ما يشبه الوصية. فهذا الشاعر فعلاً لا يليق به إلا جمال القمح الأخضر وخفر شقائق النعمان.

* * *
وضع الشعر العربي في أفق العالمية
• فخري صالح

كتب محمود درويش في مجموعته الشعرية «لماذا تركت الحصان وحيداً» (1996) أن «.. من يكتب حكايته يرثْ/ أرض الكلام، ويملك المعنى تماماً!». ويمكن أن نلخص تجربة درويش بأنها تطمح إلى كتابة الحكاية الشخصية المعجونة بالحكاية الجماعية الفلسطينية، وإضفاء معنى على هذه الحكاية من خلال تصعيد التجربة الفلسطينية وأسطرتها والكشف عن البعد الملحمي فيها، بالشخوص والحيوات وحشد الاستعارات والصور المركبة التي تزدحم في قصائده بدءاً من «أوراق الزيتون» (1964) وصولاً إلى «أثر الفراشة» (2008).
لقد تبلورت خيارات درويش الشعرية في سياق هذا الطموح، ولكنه ظل مشدوداً، في مراحل تطور تجربته ونضجها، إلى حالة المخاض التي مر بها الشعر العربي منذ نهاية الأربعينيات من القرن الماضي، وإلى الانتهاكات الشكلية التي أوصلت شعرنا المعاصر إلى ما تحقق على يدي درويش وأقرانه من الشعراء العرب الكبار خلال النصف الثاني من القرن العشرين. لكن اللافت في قصائده الأولى هو تلك القدرة على تطويع هذه التأثيرات للتعبير عن التراجيديا الفلسطينية التي طمح شعر درويش إلى إعادة تركيب عناصرها ليبلغ بها مصاف التراجيديات الكبرى في التاريخ. ولعل الرغبة في صنع أسطورة الفلسطينيين المعاصرين.
يكتب درويش شعراً - يزاوج فيه بين الغنائية والدراما التي تتصاعد في قصيدة مثل «سرحان يشرب القهوة في الكافتيريا». وهو، من ثمّ، يفتح عالمه الشعري على الملحمي والحواري ممسرحاً قصيدته التي تغادر صوتها الغنائي لتحتفل بما يدور في أعماق الشخصيات التي تحكي أو يُحكى عنها في القصائد. ففي الوقت الذي كانت قصيدة درويش تصدر، في أعماله الأولى، عن صوت فردي يعيد تسمية العالم والأشياء من حوله، فإنه يتجه في مرحلة «سرحان..»، و«محاولة رقم 7» بعامة، إلى كتابة قصيدة تحتشد فيها الذوات المتكلمة. وعلينا أن ننتبه في هذا السياق إلى أن النقد العربي قد أخطأ عندما صنف قصائد الشاعر بأنها غنائية خالصة، إذ إن درويش يمسرح شعره ويحاول في معظم هذا الشعر صوغ ملاحم عامرة بالشخوص والمتكلمين، وعالمه الشعري يستمد غناه وتعدد معناه من هذه الملحمية المأمولة التي تتحقق في «أحمد الزعتر» و«قصيدة الأرض» (أعراس 1977)، و«مديح الظل العالي» (1983)، وعدد آخر من قصائد درويش التي كتبها خلال العقود الثلاثة الأخيرة.
من الضروري الإشارة لدى الحديث عن هذه المرحلة، من تطور تجربة درويش الشعرية، إلى الصفاء التعبيري الذي بدأ يميز قصائده. ففي هذه المرحلة تصبح قصائد الشاعر أكثر صفاء، وتتخلص، إلى حد كبير، من تراكم الصور الشعرية وفائض اللغة الذي نقع عليه في القصيدة العربية المعاصرة. وهو ما يهيئ الشاعر لانعطافة حاسمة في شكل قصيدته وصوره الشعرية وطبيعة بناء قصيدته بعامة. وتتحقق هذه الانعطافة في مجموعتيه: «هي أغنية، هي أغنية» (1986)، و«ورد أقل» (1987) حيث تصبح القصيدة أكثر كثافة واختزالاً، وأكثر التفاتاً إلى ما هو كوني في التجربة. ثمة في قصائد هاتين المجموعتين اشتغال على ثيمات صغيرة كانت مهملة ومقصاة في شعر درويش السابق، ومحاولة لأنسنة الهزيمة والخسارات التي يحولها الشاعر إلى أغانٍ للعادي والبسيط والمشترك الإنساني في لحظات الهزائم الشخصية والجماعية.
لقد سعى درويش بدءاً من «أرى ما أريد» (1990)، وصولاً إلى كتابه الأخير «أثر الفراشة» (2008)، إلى تطعيم عالمه بمشاغل شعرية ذات طموح كوني. بهذا المعنى لم تعد عناصر التجربة الفلسطينية تحتل بؤرة شعر درويش، بل إن عناصر هذه التجربة أصبحت تتخايل عبر الأساطير التي ينسجها الشاعر أو يعيد موضعة عناصرها التي يقوم باستعارتها من حكايات الآخرين، ومن ثمّ يجدلها بحكاية شعبه وحكايته الشخصية كذلك.
أصبح درويش في هذه المرحلة صانع أساطير، يولّد حكايات من حكايات ويبني عالماً أسطورياً تتمازج فيه حكايات الشعوب وأحلامها في أرض القصيدة التي تسعى إلى وضع حكاية الفلسطينيين في أفقها الكوني وتخليصها من محليتها ومباشريتها. وقد انعكس ذلك غموضاً فاتناً على صوره وعالمه الشعري الذي ظل يحاول، لفترة زمنية طويلة، التخلص من حمولته السياسية المباشرة لمصلحة إنجاز قصائد كبيرة قادرة على أن تجدل الراهن بالعابر للتاريخ والمتجدد عبر الزمن.
المستوى الآخر في عملية التخليق الأسطوري حققه درويش في قصائد «هدنة مع المغول أمام غابة السنديان»، و«مأساة النرجس ملهاة الفضة»، و«الهدهد»، وهي تمثل في مجموعها تأوّج تجربة درويش وبلوغها مرحلة مدهشة من النضج الشعري وخصوبة الدلالة والقدرة على جدل الحكاية الفلسطينية بحكايات التاريخ المستعادة. في هذه القصائد تتداخل الحكايات، ويصبح من الصعب على القارئ أن يفصل عناصر حكايتنا عن عناصر حكايتهم؛ وهو ما يرقى بشعر درويش، في هذه المرحلة، ليصبح شعراً إنسانياً خالداً قادراً على التعبير عن حكاية البشر، لا حكاية بعض البشر. وهذا ما تقوم به، خير قيام، الأسطورة التي تعمل على تمثيل الأنماط الكونية من خلال شخوصها الرمزيين ولغتها الرمزية الشاملة.
ينتقل درويش في مجموعته «أحد عشر كوكباً» (1992)، التي لا يزايلها هاجس الأسطرة والتخليق الأسطوري، إلى رواية الحكاية الفلسطينية من خلال رواية حكايات الآخرين مبدداً بذلك شبهة المباشرة، والعاطفية المفرطة، وموفراً كذلك محوراً كونياً للتجربة الفلسطينية ببعديها الرمزي والواقعي. في هذا السياق تحضر الأندلس وحكايات الهنود الحمر وحكاية الشاعر وريتا وسوفوكليس والكنعانيين، ليشكل الشاعر من هذه المادة التاريخية - الشخصية صيغة للتعبير غير المباشر عن حكاية الفلسطينيين الخارجين «من الأندلس». إن شعر درويش يعبر عن الروح الفلسطينية اللائبة المعذبة الباحثة عن خلاص فردي - جماعي من ضغط التاريخ وانسحاب الجغرافيا، لكنه في «أحد عشر كوكباً» يقدم أمثولات تاريخية صالحة للتعبير عن التجربة الفلسطينية، من بين تجارب أخرى. إن صورة العرب الخارجين من الأندلس في قصيدة «أحد عشر كوكباً على آخر المشهد الأندلسي»، وصورة الهنود الحمر في «خطبة «الهندي الأحمر» - ما قبل الأخيرة - أمام الرجل الأبيض»، تمثل كل منهما استعارة بدْئية (نمطية) Archetype تتطابق مع صورة الفلسطيني المشرد المقتلع المرتحل بعيداً من أرضه؛ ومحمود درويش يكشف عن سر استعارته حين يضع عبارة «الهندي الأحمر» بين مزدوجين مومئاً إلى هندي أحمر معاصر، هندي أحمر فلسطيني يعرض في «خطبته» مفارقة انتصار الآخر وهزيمته هو.
لكن درويش تحول خلال العقد الماضي بدءاً من «لماذا تركت الحصان وحيداً» (1995) و«سرير الغريبة» (1999)، إلى كتابة شبه سيرة ذاتية، إلى توليف عناصر من عيشه الشخصي مع عناصر من التاريخ الفلسطيني الجماعي، والحكايات والأساطير والاقتباسات القرآنية والتوراتية، للتعبير عن الإحساس العميق بالمنفى الجماعي والشخصي. لكن الانشغال هنا بحكاية السيرة، بتفتح الوعي على هذا العالم، لا تخفف من الشعور الملازم بالغربة والمنفى. كما أن انتصار الحاضر على مشهد الولادة، بتأزم أفق الصراع وثقل الواقع الضاغط، يدفع القصيدة إلى التلون برؤيا الغريب المنفي، ويصبح اليأس والإحباط، من التجربة الجماعية التاريخية، مهيمنين في معظم قصائده في المرحلة الأخيرة.
وهو بهذا المعنى لم يبتعد من جوهر شعره الأول بل نقله إلى عتبة جديدة كان لا بد لتجربة شاعر مبدع مثله من أن يصلها شعره، عندما يتخفف من ثقل الواقعة التاريخية، ويعيد إدراج هذه الواقعة التاريخية في سياق التجربة البشرية الكبرى، كاتباً ذاته، بكل تلويناتها: الوطنية والقومية والإنسانية، وملتفتاً في الوقت نفسه إلى سيرته الشخصية وذاته الجوانية التي لا يمكن الشعر أن يكون من دون التفتيش عنها والكشف عنها في القصيدة.
لكننا خسرنا بموته مشروعاً طموحاً لتحويل مسار الشعرية العربية، كان محمود قد خطط للقيام به من خلال فتح قصيدته على مسارات وآفاق شعرية، وتأثيرات مجتلبة من شعريات عالمية وأشكال تعبيرية أخرى.

* * *
رحل صاحب القصائد الشاملة
• عفراء مهيوب

محمود درويش شهد موتنا قبل أن نشهد موته فغسل أرواحنا بالقصيدة وأشار أن نتمسك بجذورنا «سجل أنا عربي».
لكي نظل أوفياء للأرض والشعر ونجح في إنعاش أجيال عديدة لتحمل روح القبيلة التي تحتفي بشاعرها المبدع الذي يعبر عن حالها بكل ما يملك من كفاءة شعرية وموهبة فذة أهلته ليكون الناطور الأمين لحديقة الشعر العربي فهو من الشعراء الذين يتبعهم الغاوون والمتيمون بعروبتهم وأوطانهم المتمسكون بأرضهم وحقوقهم وخيراتهم، هؤلاء في كل بلد عربي يهيمون ويؤكدون على أهمية التواصل بين الكلمة والفعل. ‏
يزخر شعر درويش بفيض الشاعرية والغنى والتنوع والثقافة التي تمد القارئ بالوعي لفهم ما يدور حوله فقد ساهمت قصائده في نشر القضية والتوعية بأبعادها الإنسانية مادفع بالحركة الشعرية العربية قدماً.. معه عرفنا معنى أن يكون الشاعر حراً بعد أن شغلنا النقاد بالشعر الحر فهو فيض الشاعرية النقي يصعب اتباعه بمدرسة شعرية وإدراجه مع أحد العصبيات أو الجماعات أو الروابط القلمية لأن إمارة الشعر وسيادتها تعنيه من خلال هدفها الأسمى نشدان حياة خضراء ينتشر الأمان في رباها وتزرع المسرة في حماها. ‏
لقد خرج درويش بالشعر العربي من إطار المنافسة المحلية العربية إلى العالم وخاطب الإنسانية في إطار المحبة فكان الباعث للشعر العربي الحديث والمجدد للغة العربية -كتحصيل حاصل-. ‏
هكذا تخطى بشعره مقولات المدارس الإبداعية فجاء شعره من النوع الذي لاينطوي تحت مسمى مرسوم إلا إذا أردنا التوصيف والتصنيف لتسهيل الدراسة فأي تصنيف لقصائده سيكون مجحفاً بحقه وفضاء حريته التي يلوح فيها الحمام الأبيض سيد الأفق، وحيث النصوص كتابة على كتابُهْ ينسجها بروحه وعقله وواقعه ورؤاه.. فكان الشاعر الحاذق الماهر الذي جدد للشعر العربي صبوته وأعاد له كرامته وأخلاقيته وهو الذي حظي بالقراءة والاستماع على نحو لم يحققه شاعر عربي آخر إذ يكفي الإعلان عن وجود درويش في أي بلد من البلدان لندرك أن المستوى الجماهيري للشعر مازال بخير ويشكل قوة دفع للشباب العربي الذي يعاني الويلات للعودة إلى ديوان الشعر والإنصات إليه كفن مقدس. ‏
تفرد الشاعر أينما حل بالقدرة على تحريك العقل والمشاعر سواء من خلال حضوره في المهرجانات العربية والدولية أو من خلال ترجمة أشعاره إلى لغات عديدة فقد استطاع أن يعمل على استمرار تلك المكانة المميزة للشعر في الوجدان العربي وأكد التزامه على مدى عطائه الشعري بفلسطين ورأى فيها قضية تحرر وتحرير للأمة عندما دعا المثقف العربي إلى كسر طوق العزلة عن الشارع العربي لكي يستعيد الشعب ثقته بنفسه وقدراته ويقرأ اللحظة التاريخية جيداً التي يشكل فيها الاحتلال كابوساً ويتلذذ باللحظات الوحشية الساخنة العشوائية حيث يعلو هدير المدافع والدبابات وحركة الجنود المحتلين التي تفصح عن حقيقة التضليل وبُعد السلام المزعوم: ‏
السلام انتصار أمام جمال الطبيعة ‏
حين يفل الحديد الندى ‏
السلام قطار يوحد سكانه ‏
العائدين أو الذاهبين ‏
في ضواحي الأبد ‏
السلام هو الانتباه ‏
لايستطيع الكلام وقف دبابة أو طائرة ولكن العلاقة ستظل مستمرة بين الكلمة والفعل ولو لم يكن للكلمة ذلك الأثر فلماذا ثارت عاصفة في الكنيست وكادت تسقط الحكومة الإسرائيلية بسبب قصيدتين طلب أحدهم إدراجهما في كتاب مدرسي إسرائيلي، فقد رفض الإسرائيليون القصيدتين والمشكلة تكمن في العقلية الإسرائيلية التي لاتريد للشباب الإسرائيلي أن يكسر الصورة التي يتم لها الترويج بشأن الأرض الموعودة، وأن شعب فلسطين متجذر في علاقته مع هذه الأرض..
يقول درويش في أحد حواراته التلفزيونية: إنهم لايريدون تقاسم الحياة مع مَن يريد الحياة وهذه إحدى عناصر التربية عندهم التي تؤكد خوفهم الدائم وإبقاء أبواب قلعتهم مغلقة بقصد الإبقاء على نقائهم الذاتي، وهذا ماتؤكده علاقتهم مع عرب الـ 48 حيث التوتر الدائم داخل إسرائيل وجميع هذه المظاهر تؤكد عجزهم الدائم عن إقامة السلام أو الحوار لأنهم احتكموا إلى الطائرة والدبابة والاحتلال ولهذا يجد شاعرنا أنه من الخطايا السياسية التي مهدت للظن بأن اتفاقيات السلام ستؤدي إلى إنهاء الاحتلال وحيث لايمكن الحديث عن أي سلام من غير إنهاء الاحتلال. ‏
عاش محمود درويش في حمى المسيح وكنيسة المهد في ظل الاحتلال والحصار وأدرك أن العرب جميعاً في حالة حصار فأنشد حق الحياة وكسر الحصار وهو القائل «كل عربي يحمل قلباً فلسطينياً وهكذا كلما اشتدت الآلام وتكاثرت أو وقعت الكارثة كان يكبر الأمل أكثر ويعلو صوته فالمآسي الكبيرة تتطلب وعياً وبطولة أكبر.. ‏
عانى درويش وعانت قصيدته معه عاش المعاناة في ظل اليأس من الأنظمة العربية ورفض إلقاء درّته القصيدة «سجل أنا عربي» في أكثر من مناسبة إلى أن كان «يوم فلسطين في لبنان» فاستنطقه الحضور بالقصيدة لأنه وجد «على هذه الأرض مايستحق الحياة» ‏
لاءات درويش، لاءات الفلسطيني خاصة والعربي عامة «لا أمن مع الاحتلال -لاسلام مع الاحتلال- لاتفاوض مع الاحتلال» وهذا يتضح في قصائده المعلقة أمانة في عنق الحاضر العربي كما علقت قصائد أسلافه الروائع على جدار الكعبة «أناديكم» «وليمسي وطني حراً، فليرحل محتلي» وغيرها الكثير من القصائد التي تملك القدرة على استحضار فلسطين بكل مايعنيه التاريخ والحاضر والمستقبل، لقد ربط الشاعر الذي رحل أول أمس ربطاً محكماً بين الذات والموضوع فكانت الشهادة دفاعاً عن حق الحياة والمقاومة في وجه الاحتلال فهم المارون والمارقون ونحن المقيمون والمقاومون.. ‏
أيها المارون في الكلمات العابرة ‏
احملوا أسماءكم وانصرفوا ‏
آن أن تنصرفوا ‏
وتموتوا أينما شئتم ولكن لاتموتوا بيننا ‏
فاخرجوا من أرضنا من برنا ‏
من بحرنا من ملحنا من جرحنا ‏
واخرجوا من مفردات الذاكرة ‏
أيها المارون بين الكلمات العابرة ‏
فلسطين جريحة تنزف دماً وإسرائيل تطحن عملية السلام ولاخيار للشعب إلا المقاومة والتمسك بالأمل الذي يحيي قوة الإرادة والروح الفلسطينية التي تؤكد التصاق الشعب بحقوقه وشرعيته وعلاقته بأرضه وسمائها. ‏
يقول /أمام الغروب وفوهة الوقت قرب بساتين مقطوعة الظل/ ‏
نفعل مايفعله السجناء ‏
ومايفعل العاطلون عن الأمل ‏
نربي الأمل ‏
قصائد درويش ثوباً من نسيج عروبي تمت حياكته في الزمن العربي الكارثي بكل دقة وانتباه وحذر ليقي من التضليل ويوازن بين العناصر الجمالية الإنسانية التي تحمل صورة مشرقة للمقاومة وتزدان بالفكر الحر النير بما يذكي العقل العربي ويشير إلى الفجوة بين الرسمي والشعبي وضرورة دفع النظام السياسي وتطويره حتى لايظل الشعب الفلسطيني وحده بجسده العاري ودمه لاسند له إلا امتداده في ضمير الشارع العربي.

* * *

غادرنا بالخبز والقهوة
• إسماعيل مروة

حين يرحل محمود درويش، تسافر معه أعراس الجليل وسرير الغريبة، وتشيعه عشرات الدواوين التي صاغها من روحه ونبضه ودمه، وترافقه كلماته الراعفة في رحلته الأبدية الطويلة، كان محمود درويش قامة شعرية كبيرة، وبيارة فلسطينية لم تتوقف يوماً عن طرح البرتقال والليمون والانتماء إلى الوطن، وكان قامة إنسانية شعبية سامقة، وهو الذي حوّل الأم الفلسطينية وخبزها وقهوتها إلى نشيد على كل شفة ولسان، وما من إنسان سمع النشيد إلا تشهّى أن تكون هذه الأم أمه هو.. عقود مرت والأم الفلسطينية تمسح يديها من بقايا الطحين والعجين، وتفوح منها رائحة الأرض والخبز والطهر..
رحل محمود درويش صاحب الفكر، الذي انتمى إلى تيار فكري، فتحول التيار الفكري إلى راع للقضية الفلسطينية، لم يؤثر فيه انتماؤه بقدر ما أثر هو في الانتماء! محمود درويش لم يكن متأثراً بل كان مؤثراً للغاية في المحيط به..
رحل محمود درويش الواقعي المنطقي، الذي تجاوز بعد أعراسه مرحلة الحلم فكراً وشعراً، وعرف أنه إنسان لخدمة قضية بلاده، على الرغم من تعلّق الناس بأشعاره، وحبهم لدواوينه، وإقبالهم عليها، إلا أنه آمن بأن التأثير يدوم ما دامت الحياة فقط، وهو الذي لم يؤمن بالخلود بعد الموت، ولم يقتنع بحب وتكريم بعد الرحيل، فسواء عنده اهتم الناس بأشعاره أم لم يهتموا بها بعد موته.. ولكن محمود درويش يعلم علم اليقين أن ساعة رحيله ستكون لحظة مفصلية لقراءة شعره وفهمه حق الفهم..
سجّل محمود درويش بحروف كبيرة في دفتر الحياة انتماءه وحبه: سجّل أنا عربي، وتجاوز كل ما ينعت به العربي من بساطة وتقشف وجهل، وحوّل العربي إلى ذلك الأبي الذي يأمر التاريخ فيأتمر، ويحرك التاريخ بحب لا مثيل له، وقدرة فائقة على تحويل غير الممكن إلى ممكن.. قال له نزار قباني ذات يوم:
محمود الدرويش سلاما..
اختار نزاراً، فانتقاه نزار ليكون اسمه في شعر نزار تبشيراً بمارد شعري قادم من كوكب آخر كوكب الأرض المحتلة، كوكب شعر الداخل الفلسطيني، وكان السلام على درويش الذي جاءنا لينقل واقع شعراء الأرض المحتلة، والمتمثل في:
- المقاومة والصبر/ التحدي/استقراء المستقبل /تحليل المجتمع المعادي المحتل.
محمود درويش مع سميح قاسم وتوفيق زياد وغيرهم كانوا رسل التحرير، والمبشرين بفلسطين القادمة من جديد، وكانوا مصابيح فجر التحرر، رحل درويش دون أن يشهد هذا الفجر، ولكن ترك أشعاره لإضاءة المصباح التحرري، ودواوينه لتشهد بميلاد الوطن من جديد، وتحتل أرفف مكتبة الوطن المقاوم..
غادر محمود درويش فلسطين وما غادرها.
غادرها وعاد إليها
غادرها أخيراً وسيعود ليدفن في أرضها.
لم يتخلّ يوماً عن لقب شاعر الأرض المحتلة، يحمله في لندن وأميركا وفي كل العواصم العربية حيثما تنقل، بقي الاحتلال مرضه، والخلاص هو الشفاء، وحين أيقن أن الشفاء لم يتحقق طلب إجازة طويلة ورحل، ولكنه سيبقى متيقظاً ليشهد ميلاد الوطن..
محمود درويش انتمى ايديولوجيا، ولكنه قد يكون من القلائل الذين لم تعزلهم انتماءاتهم عن الآخرين فبقي شريكاً في النضال من أجل فلسطين والقضايا العربية، وأجمع الذين لا ينتمون إلى توجهه أكثر من شركائه في الأيديولوجية على براعته وقوته، وقدروه حق قدره.. وهو من القلائل الذين أجمع العامة والخاصة على حبه والتأثر به والتعاطف معه..
محمود درويش كان متعايشاً ورافضاً، بحث عن سبل عيش الإنسان الفلسطيني والعربي، وكان مرناً في البحث عن هذه السبل، ولكنه كان مثالاً للرفض عندما وجد أن الطرق لا تؤدي إلى النهاية التي يطمح إليها مع كل فلسطيني، استقال، تنازل، ابتعد، رفض، قل ما تشاء ولكن النتيجة أن محمود درويش استلقى في سرير الغريبة، وأبى أن يكون غريباً بين أصدقائه..
عاد محمود درويش وهو لم يخرج.. وها هو يذهب ليعانق إدوار سعيد، ويجوب العالم، ويعود بعد ذلك إلى أرض فلسطين، لينزل درجات بقدميه وإن كان محمولاً، ليرقد إلى جانب شهداء معركة الشجرة الذين ما غادروا فلسطينهم، وإلى جانب شهداء دير ياسين وغيرهم من الذين كانوا وقود جذوته الأدبية والشعرية التي جابت العالم..
هناك سيلتقي بالمعلم عبد الرحيم محمود أول شهداء الكلمة والشعر، وسيتجمع حولهم جمهورهم الفلسطيني الذي سبقهما والذي تبعهما، وستدور الأمهات بأرغفة الخبز وفناجين القهوة العربية المرة.
هناك ستبدأ رحلة جديدة على الرغم من عدم إيمانك بالخلود، والناس فوق الأرض سيشهدون بالعبقرية التي كنتها من تربة وخبز وقهوة..
وداعاً محمود درويش وقد توقف قلبك بعد أن عجزت عن استيعاب كل هذا التشظي المحيط بك، فتحوا قلبك لإجراء جراحة، فهالهم ما رأوه من ثورة وشعر ورفض..
علامة للإنسان العربي المقاوم كنت
نادرة للشعر العربي وتحديثه وتثويره كنت
إنساناً مؤمناً يعمل من أجل مبادئه كنت
لكل هؤلاء عشت، ومن أجلهم رحلت، فطوبى لرحلة كانت كما أرادها صاحبها وشاعرها ومبدعها.

* * *
حدث في صيف 1973
• شربل داغر

موت الأصدقاء، موت الكبار، مفاجئ دوماً، حتى وإن كان متوقعاً. فكيف إن كان بحجم غياب محمود درويش.
موته قد يناسب صورته شاعراً، إذ مات مثلما عاش في ذروة النشيد: «العاشق» صرعه قلبه، ولم يمت أبداً في مقعد الشيخوخة الهزاز. إلا أن موته لا يناسبه إنساناً، طالما أنه بقي -على الرغم من احتراساته الطبية الأخيرة- ذواقة بكل معاني الكلمة، ولأنواع المباهج كلها.
أيام قليلة تفصل موته عن موت ألكسندر سولجنتسين، من دون أن تفصل بين معاني الحياة والكتابة بينهما، على الرغم من كل التباينات الظاهرة. هو مثل الروسي غادر وطنه لكي يعود إليه. وهو مثله عاد إليه، وإن اختلف طعم العودتين.
عاد سولجنتسين لكي يوقف السرعة الجنونية التي دارت بها «العجلة الحمراء» في بلاده، كما لو أنه يريد تصحيح التاريخ بالرواية. فيما عاد درويش في نوع من الوفاء لتاريخه، لكي يكون على مقربة أكثر من العائدين، بل لكي يكون أكثر إنصاتاً لوجيب قلبه الداخلي.
من يرثي درويش، اليوم، هو الذي كان يتكفل بمراثي طيور الياسمين وليمون الآهات وعزلة الذهب؟
حدث هذا في صيف العام،1973 في كبرى ساحات برلين الشرقية، «ألكسندرا بلاس»، بعد الظهر.
كنت قد التقيت بمحمود درويش قبل هذا اليوم بثلاثة أسابيع، في سهرة في بيروت. أخبرته، ليلتها، عن تحفزي للسفر، في أول رحلة في حياتي. ما كنت أعلم، حينها، مقدار الصعوبة في بلوغ السفر. ذلك أنه كان علي، مثل أصدقاء كثيرين فوق السفينة، مثل أمين معلوف وطارق متري وأنور الفطايري وغيرهم، أن نعبر المتوسط فوق باخرة روسية إلى ميناء في رومانيا، ومنه عبر القطار وصولاً إلى مقصد الرحلة، للمشاركة في «مهرجان الشباب العالمي».
كنت متحرقاً للوصول، أشبه بمن يقف أمام بوابة الوصول على مدى أيام وأيام، من دون أن يصل. وهي الصورة التي تبدو -على ما أتحقق الآن- في خلفية كتابي الشعري الجديد: «ترانزيت».
ما إن وضعت حقيبتي الخفيفة في غرفة الفندق، حتى سارعت إلى الوصول إلى الساحة الموعودة، التي أشار لي صديقي، ورفيق الرحلة، فؤاد حماد، بالذهاب إليها، هو الذي احتاط من مفاجآت السفر بأن تدبر القراءة عنها، قبل القيام بها.
كانت الساحة هائلة بحجم حيرتي وتوتري. آلاف من الوجوه بألف لون ولون تعبرها في مسارات يصعب تبينها أو تحديدها. صرت أمشي فيها من دون وجهة، من دون أن أطلب شيئاً منها سوى المشي، سوى أن أكون فيها، مع هذا الجمع المبهم والحيوي. فإذا بي أقع على محمود درويش أمامي، قبالتي، تماماً وجهاً لوجه، ما لا أقوى على تجنبه: «أيعقل هذا، يا محمود؟! ألا يحق لي السفر؟! ألا يحق لي أن أقع على مجهولين ومغمورين؟!»، بادرته مصعوقاً بما يجري لي، ويفقدني دهشة الرحلة، التي كانت مكتنزة ومحفوظة مثل عطر في زهره. كان عليه أن يشارك، في عداد الوفد الفلسطيني، في احتفال اعتراف دولة ألمانيا الشرقية بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني..
كان قبالتي منذ ذلك اليوم، على تقلب الأيام والمدن والمواقف والخيارات.
ذلك أن الجوار معه يوافق بل يتنزل مثل الحوار.
استوقفني شعره منذ قصيدته: «سرحان يشرب القهوة في الكافيتيريا»، وكنت أُقبل على مجموعاته المتتالية في السنوات المتأخرة، على الرغم من مجانبتي لأسلوبها، فيما كانت تتباعد صلتي بقصائد كان لكتابتي أن تتفاعل معها. وهو ما تمثل في عدد من دراساتي عنه، ولا سيما دراسة اشتقاق المتكلم لخطابه في قصيدته.
وإذا كانت بداياته اقتربت من نزار قباني وعبد الوهاب البياتي، فإن هذا الشاعر، الذي تبع «جيل الرواد» زمنياً، ما لبث أن استدركهم شعرياً، حتى إنه بدا أكثر من «خلاصة» لهم، قبل أن يتفرد عنهم بقصيدة باتت عنواناً لنفسها، وعلامة دالة على ما تقيمه بعد قيامه.
وإذا كان درويش من أشد الشعراء العرب ذكاء (بكل معاني الكلمة)، واحترافاً، فإنه كان خصوصاً -بخلاف عديدين من أقرانه الراكنين إلى موروثهم ونتاجهم- شديد التنبه للمشهد الشعري، لمجرياته، ولا سيما للمجددين منهم، وفي نطاق القصيدة بالنثر تحديداً. وهو ما تمثل في أكثر من وجه في القول الشعري: منها وأولها، من دون شك، مقادير الاستبطان الذي باتت تقوم عليه قصيدته، وهو استبطان بات يسائل الذات فلا يغنيها أو يكتفي بحاصلها. وهو ما اتضح في صورة أظهر في إيقاعاته، التي باتت في «الجدارية»، على سبيل المثال، كما لو أنها من معين النثر، فيما لا تفارق «تفعيليتها» أبداً، ما يُظهر تمكنه الشديد من أدواته، ومن قدرته على التطويع والتفنن والتجويد بها. وهذا من دون أن يبتعد عن عبارته المضيئة، ولا عن جمهوره المتعاظم، هنا وهناك وأينما كان. وفي ذلك لم «يصالح» درويش بين جمهورين وأسلوبين، بل سعى إلى إفادة قصيدته من توصلات غيرها، حتى بات شعره الأخير أشبه بذروة اللقاء، وبتجدده. وهو في ذلك كلاسيكي قبل ميعاد امتحان الزمن لشعره.

* * *


    رد مع اقتباس
قديم 2010-07-31, 01:30 PM   مصطف عبدي غير متواجد حالياً   رقم المشاركة : [4]
مصطف عبدي
The Godfather
الصورة الرمزية مصطف عبدي
 

مصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاً
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى مصطف عبدي إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى مصطف عبدي إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطف عبدي

الأصدقاء: (62)

في الشعرية
• عقل العويط

قد لا يكون في وسع الناقد، كل ناقد، أن يقارب الأدب، أو الفن، من منطلقات موضوعية، حيادية صرفة، إلاّ بشقّ النفس، وأحياناً بـ«تكذيبها». إذ لا بدّ أن يكون ثمة منطقة خفية في عقل الناقد ووعيه، تملي عليه «خفةً» ما تجعله ينصرف إلى إخضاع الوسائط النقدية وتوسيطها لتكون في خدمة عقله الأدبي. وإذا بدا على الناقد في عكوفه على بعض الأعمال الأدبية أو الفنية، أنه ينأى كثيراً عن مثل هذه «الخفة» الباطنية، عن مثل هذا التواطؤ الدفين، اللذين لا يفسدان للنقد قضية، فلا بدّ أن يكون عكوفه مصاباً بشيء ما، قد أسمّيه نقصاناً، قد أسمّيه علّة، قد أسمّيه كذباً أبيض، أو شيئاً من هذه كلها، لكنْ من دون كثير إفراط في إطلاق الأوصاف والتسميات. هذا في المطلق، فكيف في التحديد؟! أي، هل يستطيع الناقد أن يكون حيادياً -حتى إذا أراد- في حال عكوفه على أعمال أدبية، من مثل أعمال محمود درويش؟! ثم إذا استطاع، هل يستطيع أن ينجو من «مضمون» هذه الأعمال؟ ثم إذا استطاع، هل يستطيع أن ينجو من الشاعر نفسه، أي من حضوره في أعماله، وفي مضامين أعماله؟ حتى إذا استطاع، هل يستطيع أن ينجو من فلسطين هذه الأعمال، من إرثها، من حاضرها، من رنينها في طيّات روحه وجسمه؟
أمثل الآن في هذه المنطقة بالذات، وأنا أحاول أن ألامس شعرية محمود درويش، كبديل من إفشاء الحب أو كتابة الرثاء. أزعم أن النقد ينجو لكني عارفٌ كم عليه أن يتواطأ ليبدو أنه ينجو. فها أنا منذ البداية، أراني أقع قصداً في بعض التباسات هذه الإشكالية المشار إليها، ومشقاتها، حتى قبل أن أقع، فأقول «شعرية محمود درويش»، وأقصد شعرية أدبه. فهل من نجاة؟!
نعم، ولا. الإيجاب والنفي، قد يكونان شرطين توأمين لكل قراءة محتملة لهذا الأدب، فما أن ينفصلا حتى نراهما يتلاصقان متآخيين كتآخي الشكل والمضمون في كل شعرية مهيبة. بل كانضمام الشكل على مضمونه حتى ليصير هو المضمون. أو العكس. فيصير الواحد هو الاثنين معاً في وحدة حال ومصير، كوحدة الحال بين الجريح وجرحه، بين القلب وحامله، أي بين الأرض وصاحبها الوحيد.
هذا نوعٌ من الحياد الواهي يريد أن ينأى عن التصنيف المسبق. عن المديح والرثاء معاً. لأنه يريد أن يطمح إلى ما هو تحتهما، أبعد منهما، على مسافة مختلفة عنهما، حيث، على ما أزعم، من شأن الشعرية أن تتخذ لنفسها مساحةً محترمة -شبه أولى- في مفهوم الرؤية الشعرية، والصناعة الشعرية، وقيادة دفة القصيدة، أقلّه في المرحلة الثانية من إنتاج درويش (ابتداء من «ورد أقل»)، حين صحّح لنفسه منطلقاته الشعرية مباشراً الشعر من الأنا. أقول الشعرية، قاصداً أنها أَولى في النص من «شعرية» القضية، ومن «شعرية» الإرث والأرض والشعب، ومن «شعرية» الإيقاع والموسيقى، وسواها من شعريات مسبقة، مسقَطة، ليست، على ما أريد وأزعم، في متن الشعر ولا من شروطه المغلقة، وإن تكن من روافده. أقول الشعرية، حيث لا أعطي تحديداً دقيقاً لها، إنما أزعم أنها تؤدي دورها، وأنها تلعب لعبتها، وأنها ترقص رقصتها، بعد أن تكون «سلّمت» الكثير من شعريات القضية والإرث والأرض والشعب والإيقاع والموسيقى، وأنا أضيف الوزن والتفعيلة، إلى شعرية العمل الشعري بالذات. أريدني أن أقول إن محمود درويش هو صاحب عمل، هو هذا الشعر الذي أنأى به عن المديح والرثاء، لأنه ليس فقط شعر القضية والإرث والأرض والشعب، والشكل، إنما أكثر أكثر: شعر الشعرية بالذات.
لكني لا أستطيع أن أنفي ما أنفي. لأني إذا نفيتُ كأني أكون أتعامى، أو أطيش، أو أتحزّب. فأن أقول إن درويش صاحب عمل، فأنا أعني أنه شاعر يعمل لا شاعر يشعر فقط. وإذ يعمل، فإني أزعم أنه يشغّل موهبته الكبيرة وذكاءه الفذّ، ليكونا في حفلة «موضوعه»، حيث ينبري معاً وفي آن واحد، عقله وذهنه وفؤاده ولغته وأدواته وإيقاعاته وموسيقاه وغواياته ورنين خطاباته وإطلالاته، فيأتي بكل عدّته وعديده، وبأحماله الخارجية، وهي أحمال جمة ومرهقة، ويأتي بكل موروثاته، ليجعلها معاً على مائدة عمله، ليصنع منها عملاً شعرياً.
كل تأويل سوى ذلك، أو لا يأخذ في الاعتبار هذه «العملية» الشعرية المعقدة لدى درويش، أخذاً متيناً، كأنه كمن يقع في شطط نقدي ليس إلاّ.
أقول الآن بالكيمياء. وبدون تحديد لها. فلا يستطيع ناقد، أو شاعر آخر، سوى الناقد، وهو الشاعر إياه الذي يكتب، أن يضع تحديداً، أو أن يصادر التحديدات. في التعريفات التعميمية، الكيمياء هي ما يأتي، أو هي شُبِّه بما يأتي: كأنْ يؤخذ جسم فيوضع في إناء مع جسم آخر. وأكادني أقول أيضاً على سبيل التقريب الذهني ليس إلاّ، ما يأتي: كأن يؤخذ جسم فيوضع في إناء مع روح. كلاهما، الجسم والجسم، أو الجسم والروح، يُزعم أنهما مادتا الكيمياء، ومن شأن هاتين المادتين، إذا التقتا، وتآلفتا، وتحابّتا، وتصاهرتا، وتزاوجتا، وامحت الواحدة في الأخرى، والعكس، فمن شأنهما أن تصنعا «حياة» ما بهذه الكيمياء. هذه ليست عملية محض عقلية، أو علمية، أو حتى عشقية. خطأ، كل زعم كهذا. بل هو خطأ ينطوي أيضاً على إجحاف في حق الشعر. فالموهبة ليست علماً. والذكاء الشعري ليس علماً. والعاطفة ليست علماً. وقس على ذلك أموراً وأمزجةً ومناخات ومعطيات شعرية تتدخل في العملية الكيميائية بـ«نسبة» أو بأخرى، لتصنع هذه «الحياة» المشار إليها قبل قليل، والتي أعود فأسمّيها الشعرية.
علامَ تقوم شعرية درويش هذه؟ شعريته الكيميائية هذه، ما هي عناصرها، بل ما هي مقادير عناصرها، والنسب، وعلى أيّ نارٍ توضع، وفي أيّ وقت، وتحت أيّ ضوء، ومتى تُرفَع من على القِدر، وهل توضع في خلاء، أم في عتمة، ووفق أيّ درجة محددة من البرودة والحرارة؟ ومتى يصحّ ختمها وإعلانها وإرسالها لتكون في صفحات الكتب وبين أيدي القراء وتحت عيونهم وفي آذانهم، فتعيش في معزل عن صانعها؟ وهل يمكن أن تعيش على هذه الحال، كشعرية بذاتها، فلا يحتاح أحد إلى أن يومئ بالقول إنها شعر الشاعر الفلسطيني وشعر قضيته، ولهذا هي شعرية عظيمة؟!
أعتقد أنها تعيش، وهي عائشة. لكن هل أسمّي بعض العناصر التي تؤسس لقصيدة درويش؟: الموهبة مثلاً، الموضوع، النشيد، الغنائية، الملحمية، الأسطورة، الحكاية، الاستعارة، الكناية، غواية اللغة، الإيقاع، الرنين، الموسيقى، أسرار الأوزان والتفعيلات والأوزان والتفعيلات الناقصة، وأسرار النثر، وإيقاعاته؟ هل أسمّي عناصر أخرى؟ الذهن مثلاً، وسواه؟ هذا لأقول إن مسألة الشعر معقدة جداً، وهي لدى درويش معقدة أكثر، وهي على ما أزعم، أكثر من كيمياء، لأن الشاعر أكثر من كيميائي في الضرورة. هذه مسألة تقع في صلب «عمل» درويش الشعري، وأعني في صلب تجربته الشعرية. ثم أعود لأكرر: خصوصاً في المرحلة الثانية من هذه التجربة الشعرية، وأحدد: ابتداء من «ورد أقل»، حين راح يباشر درويش الشعر من الأنا، وإن تكن هذه الأنا من بحر الجماعة، وفي بحر الجماعة. ولو أن درويش لم ينصرف إلى ذلك «العمل»، لكان علينا أن نتخفف من تعقيدات كثيرة يُشتبه في أنها في صلب أسرار «الخلطة» الكيميائية الفذة التي كان يتولاها درويش بدأب وموهبة وذكاء وذهن كثير، خلال العشرين عاماً الأخيرة من عمره البشري ومن عمره الشعري. ولكان علينا، في الأساس، أن نرتاح من مزاعم الحياد النقدي والموضوعية في مقاربة قصائده. كنا، ببساطة، لنقول فيه، وعنه، أي في شعره، وعن هذا الشعر، ما نقوله في شعر لوركا النضالي، أو شعر نيرودا، أو شعر ايلوار، أو شعر ناظم حكمت، وسواهم كثر في العالم. وهنا. وكنا لنقول إنه شعر القضايا، ولا تهمّنا كثيراً، على المستوى الشعري، أحوال هذا الشعر، وإن تكن القضايا تهمّنا. وإن تكن هذه القضايا هي قضايانا.
لكن درويش اليقظ جداً، المتنبه الحواس والعقل، والكثير الذكاء، كان يعرف «غواية» ذلك الشعر الأول، بل «مقتله»، وهو شعر القضايا، وإلى أين يفضي، وكيف يُصنَّف، وبأيّ أوصاف يؤخذ، وكيف لا بدّ أن يخبو، شأن كل التجاء في الشعر إلى غير الشعر ليحتمي به، ويُرفَع على الأشهاد. لم يكتف درويش بأن يعرف، بل وظّف معرفته هذه توظيفاً صارماً، لتكون في خدمة الشعر. وأقول: في خدمة الشعرية. فأيّ توظيف، وكيف؟ لأجيب: هذا هو السرّ الدرويشي بامتياز. سر شعريته الخاصة، التي لا تصادر الشعرية لكنها تختطّ لنفسها شعرية من نوع خاص. ثمة بالتأكيد، في العالم وهنا، شعريات ذهنية وعقلية ولغوية، مهما اشتدّ ذكاؤها الكيميائي، تبقى منشدّةً إلى رابطها الأساسي الذي ليس هو الروح. هذه ليست حال الشعرية لدى درويش، ولا أجدني مأخوذاً بها. ثمة في المقابل، شعريات، في العالم وهنا، تُعطى كمواهب كبرى، وتشقّ دروبها في الشعر من كونها مواهب كبرى، وذكاءات حدوسية وغريزية كبرى، وبذاتها، من غير أن تعير كثير اهتمام بأشغال الذهن والتصنيع والتوليف، لأنها غير محتاجة احتياجاً شديداً إلى هذه الأشغال بحيث تصبح شغلها الشاغل أو تصير مطبوعةً بها. هذه شعرية عظمى، وأنا أشعر بالانتماء إلى هذه الشعرية، وعلى مقربة منها تتغاوى شعرية درويش، وهما لديَّ كشقيقتين، أو كبنتي عمّ، لا فرق، وإن تكن شعرية درويش أكثر أخذاً بالصناعة الكيميائية.
سرعان ما أراني أقول في درويش، أعني في شعره، إنه «صاحب شعرية شعرية». أي: شعرية تأخذ مواصفاتها من الشعر وتنتمي إلى الشعر، وإن تكن حادة الذكاء والمعرفة والثقافة والصنعة واللعب بأدوات الشغل والعقل والتوليف، موليةً غنائيتها المرهفة وموسيقيتها الجمة المكانة المستحقة. للتوضيح، هي ليست شعرية متبرئة من «شيء» آخر (القضية، الأرض، الشعب..)، لكن هذه الشعرية هي الأساس وهي البوصلة وهي القائد في هذا «الشيء» الذي لا تتبرأ منه ولا تنفض يديها من حبره، وإنما تأخذه بيدها إلى الشعر، وتضمّه تحت جناحيها، وتترفق به، خفوتاً مضمراً وإعلاء نبرة، مرةً هنا ومرةً هناك، حيث «يطبخ» الكيميائي «الطبخة» التي يعتقد أنها الأنسب والأفضل لهذه الشعرية. وفي هذا الشعر، يحيا هذا «الشيء» الآخر، تحت سلطة الأنا، وتتحقق حياته التي يجب أن تتحقق في الواقع، معاً وفي آن واحد، ولكن بأدوات الواقع ومعطياته: بالمقاومة، وبالكفاح، وبالسياسة، وسواها. فلا يطالَب الشعر بأن يكون «شرطه الشعري» مقاوماً ومكافحاً وسياسياً، بأدوات المقاومة والكفاح والسياسة، ولغتها، ومعطياتها. وهذا ما عرفه درويش معرفة ذكية للغاية، وهذا بالضبط ما مكّنه من أن يصنع لنفسه شعرية معروفة به. وإذا كان يموت الآن فهو يموت تاركاً للشعر هذه الشعرية الفذة، وتاركاً في الآن نفسه لأهله، وشعبه، وأرضه، وقضيته، ولنا، هذه الفلسطين الشعرية التي ليس من فلسطين توازيها على أرض الواقع إلاّ استعادة فلسطين.
* * *
كان في ودّي أن أبكي على الورق مثلما بكيتُ في قلبي عندما عرفتُ. كان في ودّي أن أكتب قصيدة حبّ فيكَ. أن أرثيك يا محمود لأني أحببتكَ. بل لأني أحببتُ شعركَ وشعريتكَ، ولأني أتطلع بإعجاب شعريّ ونقديّ كبيرين إلى «قطبتكَ المخفية» في صناعة هذين الشعر والشعرية. غير أنكَ يا محمود تعرف أني أحبّكَ، وتعرف أني أحبّ شعركَ وشعريتكَ، بما هما وبما فيهما، وإن أحياناً من بعض مسافة. والسلام.

* * *

ذكريات
• أنيس صايغ


كتب الكثير عن محمود درويش. وسيكتب الكثير. وسيظل الشاعر الراحل مادة خصبة لمئات المقالات والدراسات. فالإنسان الخلاق والمبدع لا يغيب عن الذاكرة بمجرد أن يرحل. وخاصة إذا كان في حجم محمود درويش وفي تعدد عطاءاته وتنوع مواهبه وزخم حياته التي يمكن أن نختصرها بأنها كانت حوالي خمسين سنة من إخصاب الحياة العربية المعاصرة، الثقافية والإنسانية والنضالية، ومن إثرائها وتزويقها بوهج لامع قل نظيره. ولعلَّ الناقد يتيه ويفشل إذا أراد أن يصنف محمود درويش: شاعراً أو كاتباً أو فناناً، مناضلاً وطنياً أو إنسانياً، علماً عربياً أو فلسطينياً أو عالمياً.
لذلك، واعترافاً بأن الآخرين سيتفوقون عليّ في تقديم تشريح علمي صحيح وصادق لمحمود درويش وأثره في حياتنا المعاصرة وما سيبقى للأجيال القادمة، سأكتفي بمحاولة رسم صورة للرجل من خلال معرفتي به أكثر من ثلث قرن، تزاملنا خلالها في مهام ومراكز مشتركة في بيروت وتونس أكثر من عشر سنوات.
كان محمود في مطلع السبعينيات قد خرج من فلسطين المحتلة بعد سنوات من النضال والعمل في المجالات الثقافية والأدبية والصحافية بشكل خاص. وأقام لفترة قصيرة في القاهرة - في شقة صغيرة في إحدى طبقات بناية تاجر الضخمة والتي لا يقطنها إلا أبناء الطبقة الميسورة والمعروفة.
كنت يوماً في القاهرة للمشاركة في مؤتمر بصفتي مديراً عاماً لمركز الأبحاث الفلسطيني. ولم أكن قد عرفت محموداً معرفة شخصية. إنما كنت، مثل معظم أهل الثقافة العرب، قد سمعت الكثير عنه كشاعر وكمناضل وكفلسطيني قاوم سلطات العدو في الداخل واضطر إلى الخروج إلى الدنيا العربية الواسعة. وتمنيت على صديق لي يقيم في مصر ليرتب لي موعداً مع درويش لعلي أقنعه بالانتقال إلى لبنان والعمل معي في مركز الأبحاث وفي مجلة شؤون فلسطينية التي صدرت مطلع ١٩٧١ وكانت أول مجلة عربية شهرية متخصصة بالمسألة الفلسطينية.
وقضيت الليلة التي سبقت موعد اللقاء المرتقب في تجميع أفكاري وتنظيم الحجج التي سألجأ إليها لإقناعه بقبول العرض. فقد كان محمود، حتى منذ ذلك الحين، يفضل السمعة الأدبية التي حققها خلال وقت قصير، أكبر من أي «وظيفة» في مركز الأبحاث وفي مجلة حديثة الصدور ولا تعنى بالأدب (ولا الشعر) كثيراً. وبالطبع كانت الرواتب ضئيلة جداً.
اذكر عن هذا اللقاء الأول انه كان يودّع الفنانة المعروفة وردة الجزائرية وأنا أدخل الشقة. وجلسنا وتحادثنا وكأننا نعرف بعضنا منذ زمن. وحينما فتحت موضوع العمل مباشرة، وأنا أتلعثم في ذكر الإمكانات القليلة التي يمكن للمركز أن يقدمها له وخاصة الراتب الشهري المتواضع (أقل من ثمن عدد واحد من جريدة السفير حالياً!)، واترك له خيار اللقب والرتبة والموقع في سلّم العاملين الذين كان عددهم آنذاك يتجاوز السبعين بين باحث ومحرر وتوثيقي وإداري، فاجأني (وصدمني في واقع الأمر!) إذ قال إنه يرحب بأن ينضم إلى أسرة المركز، وانه جاهز للمجيء إلى بيروت فوراً، وانه يترك لي التفاصيل وتحديد الموقع. اكتشفت، منذ تلك اللحظة، حقيقة محمود درويش، الرجل الذي يعطي ولا يسأل عن المردود، لا مالياً ولا معنوياً.
كانت السنوات الخمس التي ترافقنا خلالها في العمل في المركز والمجلة تنطق بثقة محمود بنفسه وعمله، بحيث لا يعطي مجالاً للسؤال ولا للاهتمام بمنصب أو بلقب. اكتفينا بوصفه مشاركاً للتحرير في المجلة ومستشاراً لمدير المركز - وفي وقت لاحق أقنعته بأن يقبل بلقب نائب المدير العام. ولا بد من الاعتراف بما كان لمحمود من جهد في تقديم «شؤون فلسطينية» كواحدة من أرقى المنابر الثقافية المختصة بفلسطين. وكان له، وللزميلين آنذاك إبراهيم العابد والياس سحاب، أثر كبير في نجاح المجلة وانتشارها والحصول على اعتراف النخبة الثقافية العربية بها. وكذلك كان لمحمود دور خاص في معالجة مشاكل المركز وهمومه، السياسية والفصائلية والتنظيمية، وخاصة على صعيد علاقات المركز (ومديره) المتوترة دوماً، مع السيد ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية آنذاك.
ولما انفجر الخلاف بين عرفات وبيني في العام ١٩٧٦، وقدمت استقالتي بالرغم من رفض عرفات لها ورفضه الاعتراف بها، تعبت كثيراً في إقناع محمود أن يتولى المنصب الشاغر في المركز والمجلة. وقبل على مضض - ربما وفاء للمركز والمجلة ولي. لكنه لم يتحمل الضغوط والمداخلات طويلا، واستقال بعد أشهر.
هناك لقاء آخر مع محمود درويش في القاهرة قبل أن يلتحق بالعمل معي في مركز الأبحاث في بيروت. فقد دعاني لحضور حفل افتتاح«أوبرا» وضعها الفنان الفلسطيني ثيودور عرنيطة ملحنا بها قصيدة محمود الشهيرة والرائدة «سجل أنا عربي». وكانت هذه القصيدة قد سبقت محمود في الشهرة والانتشار، حتى إن محمودا عرف بالقصيدة آنذاك (قبل حوالي أربعين سنة) بمثل ما عرفت القصيدة به.
حضرت حفل الافتتاح معه. وكان معنا الفنان المصري متعدد المواهب صلاح جاهين وزوجته الفلسطينية الأصل (من حيفا). ولاحظت أن حفاوة محمود لم تكن تتناسب مع الحفاوة البالغة التي قابل الجمهور بها محموداً وقصيدته المغناة. ولم أدرك السر في تحفظ محمود تجاه هذه القصيدة بالذات إلا فيما بعد، أي حينما برز محمود كشاعر فلسطين الأول، وليس مجرد صاحب قصيدة «ثورية» واحدة بالذات. شعر محمود أنه يكاد يصبح سجين تلك القصيدة، وكأنها أهم منه أو على الأقل علامة مميزة له. وأراد أن يثبت قدرته على استمرار العطاء والتطور في الإبداع. أصبح ينظر إلى تلك القصيدة نظرة حامل شهادة الدكتوراه إلى شهادة تخرجه في المدرسة الابتدائية!
شأن أي شاعر مبدع، كان محمود درويش إنساناً رقيقاً، وبالتالي حساساً جداً ومزاجياً إلى حد بعيد - ربما لا يجاريه في الحساسية والرقة بين شوامخ الأدباء الفلسطينيين إلا غسان كنفاني. وكنت في علاقاتي الشخصية والمهنية مع كل منهما أراعي هذه الحساسية وأفسّر بها بعض المواقف والتصرفات. كان كلاهما يعتز بالسمعة الأدبية التي حصل عليها بحق وجدارة: غسان بأدبه القصصي ومحمود بأدبه الشعري. وكنت وما أزال أعتبر كلاً منهما في قمة الفن الذي أتقنه بامتياز. لكني كنت، في الوقت نفسه، أجد أن غسان الكاتب والمحلل السياسي لا يقل قيمة عن غسان القاص. واجد محمود الكاتب والمحلل السياسي، لا يقل قيمة عن محمود الشاعر. ولا يهمني أبداً إذا كانت الجماهير تقصر عن رؤية الكاتب في غسان أو في محمود بسبب اندفاعها في الإعجاب بكل منهما كأديب فنان من الدرجة الأولى. وفي المقابل كان كل من الأديبين الراحلين يحاول أن يعتبر نفسه أديباً أولاً وكاتباً ثانياً. لذلك كنت إذا طلبت مقالاً تحليلياً من غسان للنشر في شؤون فلسطينية اعتبر ذلك انتقاصاً مني لموهبته كقاص روائي. وإذا طلبت من محمود أن يكتب مقالاً افتتاحياً للمجلة بدلاً عني حاول التهرب بالقول إنه هو الشاعر وأنا الباحث وإنه لا يتجاوز حدوده مثلما أنا لا أتجاوز حدودي! ومع هذا، وبالإلحاح الشديد، ظفرت «الشؤون» في عهدي بأفضل المقالات التي كتبها كل من الأديبين الكبيرين.
وبقدر ما كان محمود يحب الناس والجماهير ويطرب لتلقيها العفوي واحتفائها الشديد لقصائده ولإلقائه، كان يتضايق من الحفلات الاجتماعية الواسعة والتي يفرض عليه بعض أصدقائه حضورها. وما أكثر ما كان يأتي إلى الاحتفال ثم «يختفي» بعد دقائق وسط تساؤلات الحاضرين وإحراجات أصحاب الدعوة.
كان مزاجياً. ولا عيب في ذلك. يرحب بمن يحب أو يرتاح لمجالسته ومصادقته. ويتهرب ممن لا يكون على مزاجه، أذكر أننا كنا نتناول الغداء في مطعم «شي نو» الصغير في تونس حينما ترافقنا معا في العمل في رحاب جامعة الدول العربية، كمستشارين للأمين العام السابق الشاذلي القليبي، وجاء شاب جلس إلى جانبنا وأخذ يحدّق بوجه محمود طول الوقت. وحينما أردنا الانصراف، وقد بلغ محمود ذروة الانزعاج، قال الشاب له: ألست أنت «السي محمود درويش؟» فرد محمود بعفوية ونرفزة: لا «أنا السي درويش محمود». وتركنا الرجل يتمتم: «سبحان الله. إنك تشبه الشاعر كثيراً»! فالتفت محمود وقال له «ويخلق من الشبه أربعين».
أقام محمود خلال سكناه تونس في فيلا في ضاحية سيدي بو سعيد. وكنت أقيم في شقة في فندق في مكان قريب. وحاول إقناعي بأن انتقل من الفندق إلى الفيلا، فيحتل هو طبقة، وأنا طبقة، وتترك الطبقة الأولى لنا معا للاستقبال والطعام. وكانت زوجته تقيم مؤقتاً في لندن وزوجتي في بيروت، حيث كانت كل منهما تعمل وتأتيان إلى تونس في الإجازات. ومع أن عرض محمود كان مغرياً مالياً، إذ يخفف عني بعض العبء المالي بسبب الإقامة في فندق، ومغرياً أيضاً من حيث استمتاع إنسان بالسكن بجوار رجل مثل محمود درويش، إلا أني اعتذرت. كنت لا أجهل مزاجيته، وأخشى أن تتوتر علاقاتنا الحميمة والصادقة والصافية لسبب تافه ما بحكم الإقامة في منزل واحد.
كادت هذه الصداقة تهتز بالرغم من صمودها حتى حينما لم نكن نتفق في الرأي وفي الموقف من سياسات القيادة الفلسطينية. كان في مطلع الثمانينيات يصدر مجلة الكرمل ويترأس تحريرها. وكنت أترأس تحرير شؤون عربية. ودون أن أعلم أن محموداً سبق أن تعاقد مع كاتبة على نشر مقال لها في مجلته قبلت بعرض السيدة عليّ لشراء المقال منها دون أن تخبرني أن محموداً سبق أن اشترى المقال. ولما علم محمود بذلك، صدفة، وقبل أن ينشر المقال في أي من المجلتين، غضب وثار وعتب. ظن أني كنت أعرف أن المقال له. ثم التقينا صدفة في أحد فنادق دمشق. وتعاتبنا وتصارحنا وتصافينا. وتعلمنا درساً بألا «يشتري» أي منا مقالاً إلا بعد التأكد من أن كاتبه لم يبعه لشخص آخر!
آخر جملة قالها لي محمود حينما اتصل بي هاتفياً من عمان قبل أشهر وبعد أن قرأ مذكراتي: أنت روائي تلبس قميص المؤرخ. اخلع هذا القميص واكشف لنا عن أنيس صايغ الروائي. هذا أفضل لك ولنا!.. وأغلق الخط. ولم أجب. ليس لأنه أغلق الخط، بل لأني لم اعرف بماذا أجيب. فقط تذكرت تضايقه من إلحاحي عليه بكتابة المقالات والتحليلات، معتبراً ذلك محاولة لإبعاده عن الشعر. وليعد القارئ اليوم قراءة النثر الذي كتبه محمود في السنين الماضية ليتأكد من صحة زعمي بأن محموداً الكاتب عملاق بحجم محمود الشاعر. وكلاهما تجسيدان لمحمود الإنسان. فالإنسان العملاق يكون عملاقاً في كل عمل خلاق يبدعه.

* * *

انتصار الحياة
• كاظم جهاد

كتبَ الفقيد العزيز بُعيد خروجه من العمليّة الجراحيّة الثانية التي أُجريت لقلبه في ١٩٩٨ قصيدته الكبرى الشهيرة «جداريّة محمود درويش»، التي صدرت في ١٩٩٩. وقُبَيل خضوعه للعملية الجراحيّة الثالثة التي ستودي بحياته نشرت «القدس العربيّ» في الثالث من تموز/يوليو المنصرم قصيدته الكبرى «لاعب النّرد» التي يمكن اعتبارها بمثابة وصيّته الشعريّة. كلتا القصيدتين تشكّلان بياناً بليغاً عن فلسفته في الحياة وفهمه الخاصّ للإبداع الشعريّ. ولئن كانت الأولى تحمل لهجة العائد من الموت والثانية تنطق بهواجس الذّاهب إلى مقابلته، فمع ذلك لا يخفى على القارئ ما فيهما من انتصار للحياة، بالمعنَيين الاثنين للتّعبير. ثمّة في بنية الإضافة اللغويّة، التي يمكن أن تتحقّق في العربيّة عبر الإضافة المباشرة («انتصار الحياة») أو بتوسّل الجارّ والمجرور («انتصار للحياة»)، أقول ثمّة لبس حيويّ بالغ الثّراء طالما كان يحبّذه، عبر صيغتيه الفرنسيّة والإنجليزيّة، عاشق للحياة وراحل مبكّر آخر هو الفيلسوف جاك دريدا. إنّه، أوّلاً، انتصار الفنّان لا على أعداء فعليّين أو افتراضيّين في ما يشبه خطاباً احترابيّاً (وما أكثر الخطابات الاحترابيّة في هذا العالَم، وفي عالَم الشعراء بخاصّة؟)، بل هو انتصار للحياة بمعنى التشيّع لها ضدّ كلّ من يريد أن يلغي في الكائن محبّة الحياة وقوّة الفرح الحيّة. وهو، ثانياً، انتصار للحياة بمعنى انتصارها هي نفسها على كلّ ما يناوئها ويأتي لاستئصالها بعمل مدروس ومنظَّم أو بفعل «خبطة» مفاجئة.
قبل أن أطرح شواهد دالّة على هذا الانتصار للحياة في شعر درويش، حتّى في المنقلبات الخطيرة التي تصوّره عائداً من الموت أو ذاهباً إليه، أودّ الإعراب عن الفكرة التالية: قد تدعونا قراءة متأنيّة لآثار الشّاعر إلى إعادة النّظر في تصوّرات خطيرة وخاطئة، خطيرة بقدر ما هي خاطئة، لشعره. فخلا بعض القصائد المبكّرة من قبيل «بطاقة هويّة» (المعروفة ببيتها الأوّل القائل «سجّلْ أنا عربيّ»)، لا شكّ في أنّ ثمّة مجازفة كبيرة، بل خطلاً كبيراً في اختزال شعر درويش إلى «شعر مقاومة» أو إلى «شعر نضاليّ» بالمعنى الضيّق هو أيضاً والاختزاليّ المعطى لهذا النمط من الشّعر. لا أحد اختزلَ إلى مثْل هذا النّمط عمل باول تسيلان المكرّس في أغلبه لِندْب ضحايا غرف الغاز في ألمانيا الهتلريّة، ولا قصائد إيلوار في «عاصمة الألم» وسواها من الأشعار التي تغنّي الحبّ المحاصَر في باريس المحاصَرة، ولا «صحائف هيبنوس» التي كتبها رنيه شار في الشهور التي قاد هو فيها عدداً من فصائل مقاومة النازيّة في الجنوب الفرنسيّ، لا ولا قصائد نيرودا المكرّسة لمرافقة آلام شعبه العائش يومذاك في ظلّ حكم ديكتاتوريّ. وقد يتوجّب أن توضع في المستقبل دراسات نقديّة لتثبيت مقولة الصّديق الشاعر عبّاس بيضون التي أراها منصفة ودقيقة تماماً: «محمود درويش ليس شاعر حماسة. إنّه باختصار شاعر مرارة ويمكننا بسهولة أن ندرج شعره تحت عنوان الرّثاء» («السفير»، ١١ آب/أغسطس).
سوى أنّ هذه «الرثائيّة» التي يشير إليها عبّاس لا تفتقر إلى الفرح، ولا شكّ في أنّ هذا هو ما يرمي إليه صديقي الشاعر اللّبنانيّ. فرح معهود في كلّ نظرة تراجيديّة إلى الوجود، هذه النظرة التي يمتزج فيها، داخل الإحساس القويّ والمركَّب ذاته، وجع من أجل الحياة وتهليل ظافر للحياة. درس نيتشويّ أساسيّ يرينا الفيلسوف الألمانيّ امتداداته في التراجيديا اليونانيّة، ويمكن أن نلمس له جذوراً في جميع الآداب الإنسانيّة، بما فيها شعرنا الجاهليّ.
من قبل، في «ورد أقلّ»، كتب محمود درويش: «ونحن نحبّ الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلاً»، طارحاً اعتناق الحياة كقرار صارم وفي الأوان ذاته كمشروع أو احتمال. ذروة المأساة هي هنا بلا ريب: أن تحبّ الحياة عندما «يتلطّف» الآخرون (العدوّ الفعليّ والإخوة- الأعداء) ويتركون لك إمكان اعتناقها ولو للحظات. في بيت واحد، في صيغة بسيطة يعجز عنها مَن يتوهّمون في البساطة سهولة نافلة ونفياً للعمق، يضع الشاعر جنباً إلى جنب خطاب الرّغبة وانتصاب العائق الذي يريد وأد كلّ رغبة.
في «لاعب النّرد» نجد تعابير أخرى شديدة الدّلالة على ما دعوتُه «اعتناق الحياة». اعتناقها كمثْل مَن يعتنق مبدأً عزيزاً أو ديانة شخصيّة صارمة، منفتحة مع ذلك ولاعبة، وذلك حتّى في اللحظات التي تبدو فيها الحياة ولا أكثر هروباً وتمنّعاً. بادئ ذي بدء يصوّر الفقيد الكبير الحياةَ كمجازفة ورهان رابح- خاسر لا يملك الوعي الصّاحي أمامه إلاّ أن يحسب الخسارة جزءاً من الغنيمة، والغنيمة نفسها شطراً من الخسران. كتب محمود: «أَنا لاعب النَرْدِ، أَربح حيناً وأَخسر حيناً/ أنا مثلكمْ/ أَو أَقلُّ قليلاً». بعد هذه البداية التي تحفر في الخطاب نبرة تهوينٍ للأنا طالما عمل به الشّاعر الفلسطينيّ، يسرد ولادته نفسها باعتبارها عملاً للصدفة، ويختطّ لنفسه مكاناً في شجرة أنساب تحمل على أحد فروعها المرض الفادح (عطب القلب الموروث الذي عرّضه لعمليّات متوالية وخطّ نهايته المبكّرة على نحو فاجع): «وُلدتُ إلى جانب البئرِ والشّجراتِ الثلاثِ الوحيدات كالرّاهباتْ/ وُلدتُ بلا زَفّةٍ وبلا قابلةْ/ وسُمِّيتُ باسمي مُصَادَفَةً وانتميتُ إلى عائلةْ/ مصادفَةً، ووَرِثْتُ ملامحها والصّفاتْ/ وأَمراضَها..». بعد ذلك يسرد الشاعر سلسلة من فرَص النّجاة غير المأمولة التي وهبتْه أن يبقى في الحياة. فرَص ينبغي أن نسردها في تعدّدها اللاّفت وبنبرة السّخرية المُرّة التي يمنحها إيّاها الشاعر. في أوّلها يصف ضياعه في ليلة النّزوح الرّهيبة يوم كان في سنّ السّابعة وأضاعته والدته ثمّ انتبهت إلى غيابه وعادت تبحث عنه في الظلام: «نجوتُ مصادفةً: كنتُ أَصغرَ من هَدَفٍ عسكريّ/ وأكبرَ من نحلةٍ تتنقل بين زهور السّياجْ/../ ومن حسن حظّيَ أن الذئاب اختفتْ من هناك/ مُصَادفةً، أو هروباً من الجيش». يليه تأخّره عن باص مدرسيّ كان مقدَّراً لركّابه الصّغار أن يحصدهم حادث سيْر: «كانتْ مصادفةً أَن أكون أنا الحيّ في حادث الباصِ حيث تأخَّرْتُ عن رحلتي المدرسيّةْ». تليه حادثة غرق وإنقاذ معجِز: «ولا دَورَ لي في النّجاة من البحرِ، أَنْقَذَني نورسٌ آدميّ/ رأى الموج يصطادني ويشلُّ يديّ». ثمّ تأخّره عن موعد إقلاع طائرة ستلقى مصير باص الصّغار نفسه: «كان يمكن أَن تسقط الطائرةْ/ بي صباحاً، ومن حسن حظّيَ أَنّي نَؤُوم الضحى/ فتأخَّرْتُ عن موعد الطائرةْ/ كان يمكن أَلاَّ أرى الشّام والقاهرةْ/ ولا متحف اللّوفر، والمدن السّاحرةْ». ثمّ نجاته من رصاصات قنّاص في إحدى حارات بيروت: «كان يمكن، لو كنتُ أَبطأَ في المشي، أَن تقطع البندقيّةُ ظلِّي/ عن الأرزة السّاهرةْ». وفي الختام التفاته في اللحظة المناسبة لتعب قلبه قُبيل إجراء عمليّته الجراحيّة الثانية: «ومن حسن حظِّيَ أَنّي أنام وحيداً/ فأصغي إلى جسدي وأُصدِّقُ موهبتي في اكتشاف الألمْ/ فأنادي الطبيب، قُبَيل الوفاة، بعشر دقائقْ/ عشر دقائق تكفي لأحيا مُصَادَفَةً وأُخيِّب ظنّ العدَمْ». أسباب النّجاة هذه يحيلها الشاعر تارةً إلى صدفة مُحسنة، وطوراً إلى عناية الآخر السّاهر عليه دوماً، وطوراً آخر إلى نباهته هو نفسه وحُسن إصغائه إلى إنذارات جسده. والعدَم، نقيض الوجود كما يدلّ عليه اسمه، هو ما يَخيب ظنّه بهذا الإصرار العجيب للحياة على إنقاذ عاشقها ومغنّيها من مآزق عديدة. العدَم، لا هذا العدوّ أو ذاك، ولا أيّة هيئة إنسانيّة مسمّاة. وفي هذا التّعداد الضّاحك لمناسبات الخلاص الذي يخطّه شاعر يعرف أنّه ذاهب إلى مناورة مع الموت قد لا يعود منها تتجلّى أسرار عديدة من فنّ محمود درويش الشعريّ، أسرار بها عرفَ هو أن يموقع قصيدته، كما ذكر صديقي الناقد السّوريّ صبحي حديدي في إحدى دراساته عن شعر الفقيد، أقول يموقعها خارج القسمة الشكليّة إلى «قصيدة حرّة» و«قصيدة نثر»، أو (بقاموسي الشخصيّ) إلى قصيدة حرّة تفعيليّة وقصيدة حرّة غير تفعيليّة (هكذا أدعو الأبيات المنثورة على شاكلة الماغوط). فلئن كان من النوابض الأساسيّة للشعر الحرّ غير التفعيليّ ولقصيدة النثر الإقلال من سطوة الغناء واستدخال لغة الخطاب اليوميّ وحسّ النادرة الموظَّفة بذكاء وفنّ الإضمار أو الحذف الذي به يتميّز السّرد الشعريّ عن سرديّة الحكاية، فإنّك لَواجدٌ هذا وسواه من العناصر التجديديّة في شعر درويش.
هكذا تجد قصيدة «لاعب النّرد» مرتكزها الأساسيّ في تعداد فرِح أكثر منه انتصاريّاً لمناسبات خلاص سابقة عديدة يقدّمها الشاعر باعتبارها إرثه الخاصّ وبها يجابه الموت القادم. يجابهه ويسجّل بادئ ذي بدء إن لم أقل انتصاره عليه فعلى الأقلّ انتصار الحياة. أمّا «جداريّة محمود درويش» فيوجّهها منطق آخر. هي قصيدة النّاجي (النجاة مرّة أخرى) الذي داس على أعتاب الموت البليلة الغامضة وعاد منها بوصف تمنحه صيغة الحاضر (ما يدعوه الفرنسيّون «مُضارع السّرد») طراوة باهرة: «لا شيء يُوجِعُني على باب القيامةِ. لا الزّمانُ ولا العواطفُ. لا أُحِسُّ بخفَّةِ الأشياء أَو ثِقَلِ الهواجسِ. لم أَجد أَحداً لأسألَ: أينَ «أيني» الآنَ، أينَ مدينةُ الموتى؟(..) وكأنّني قد متُّ قبلَ الآن..». وكما عوّدنا عليه محمود في أغلب أشعاره، فإنّ تعداد فرص النّجاة لا يتمخّض لديه، كما لدى كثيرين، عن إحساس بالظّفر، بل هو يملي قراراتٍ من أجل صيرورة قادمة: «سأَصير يوماً ما أُريد» هي اللاّزمة التي يكرّرها بعد وصفه لتخوم الموت؛ يكرّرها مرّتين أو ثلاثاً ثمّ يُغْنيها بضمير الجمع: «سنكون يوماً ما نريد».
ثمّة دعابة مع الموت، حوار وديّ معه ودعوة إلى تعامل صريح يذهب فيها الشاعر بعيداً في استخدام كلمات أليفة غايتها استئلاف الموت أو تحقيق انعدائه بألفة الكلمات: «.. ويا مَوْتُ انتظرْ، يا موتُ، حتى أستعيدَ صفاءَ ذِهْني في الرّبيع وصحّتي، لتكون صيَّاداً شريفاً لا يَصيدُ الظَّبْيَ قرب النّبع. فلتكنِ العلاقةُ بيننا وُدّيَّةً وصريحةً..». نضارة القصيدة وما تستند إليه من ذخر أسطوريّ هما عدّة الشّاعر الوحيدة في تطويع صلافة الموت: «خضراءُ، أَرضُ قصيدتي خضراءُ. نهرٌ واحدٌ يكفي لأهمس للفراشة: آهِ، يا أُختي، ونَهْرٌ واحدٌ يكفي لإغواءِ الأساطير القديمة بالبقاء». وإذا كانت القصيدة خضراء، فامتدادها الأسطوريّ هو كذلك أيضاً: «سائرون على خُطا جلجامشَ الخضراءِ من زَمَنٍ إلى زَمَنٍ..». والحقّ، فطالما وجد محمود في الأسطورة لا مصدراً للأقنعة البطوليّة كما في شعر الرّواد، بل ينبوع معرفة وحكمة: «هَزَمَتْكَ يا موتُ الفنونُ جميعُها./ هزمتْكَ يا موتُ الأغاني في بلاد الرّافدينِ. مِسَلَّةُ المصريِّ، مقبرةُ الفراعنةِ، النقوشُ على حجارة معبدٍ هَزَمَتْكَ وانتصرتْ، وأفْلَتَ من كمائنكَ الخلودُ/ فاصنعْ بنا، واصنعْ بنفسكَ ما تريدُ».
يحضرني هنا خطأ شديد الدّلالة في قراءة هذا المقطع ارتكبته صحف عربيّة عديدة ومن ورائها أكثر من صحيفة أجنبيّة. فلقد ورد في بعض صيَغ نعي الشاعر أنّه هو من قال: «هزمتُكَ يا موت..» (الفرنسيّون صاغوها كما يأتي: «Å! ÅMort, je t?ai vaincueÅ».أنظر، على سبيل المثال، نعي «النوفيل أوبسرفاتور» للشاعر الفقيد على شاشة موقعها الألكترونيّ في يوم رحيله). وكما يلاحظ القارئ، فإنّ «تاء» الفعل «هزمتك» تشير في القصيدة لا إلى ضمير المتكلّم المبنيّ على الضمّ بل إلى ضمير الغائب المؤنّث السّاكن، الذي يحيل إلى فاعل مختلف هو «الفنون» وما يتبعها. خطأ لا أدري هل ينبغي اعتباره إقراراً جماعيّاً بانتصار درويش على الموت أم إساءة فهم لفلسفته الشخصيّة التي تحيل أعجوبة الظّفر من الموت إلى الحياة نفسها لا إلى «أنا» المتكلّم. فالقارئ يلاحظ ببساطة أنّ الشّاعر ينسب إلى الحياة نفسها معجزة بقائه: «وأَنا المُسَافِرُ داخلي/ وأَنا المُحَاصَرُ بالثنائياتِ، لكنَّ الحياة جديرَةٌ بغموضها وبطائرِ الدوريِّ..». وعندما يتعمّد الاحتفاء بحياته، فإنّه معرفته الوثيقة بنحو العبارة تسعفه على الفور وتجعله يضيف «ما» التقليليّة إلى حياته هو: «أنا حَبَّةُ القمح التي ماتت لكي تَخْضَرَّ ثانيةً. وفي موتي حياةٌ ما..». ولئن كان احتفاؤه بالنّجاة يتّخذ هنا نبراً إنجيليّاً وسيّابيّاً (أشير إلى مقولة المسيح المعروفة في حبّة الحنطة وإلى بيت بدر: «صرتُ مستقبلاً، صرتُ بذرة»)، فهو يمنحنا في أبيات أخرى توظيفاً جديداً لأسطورة العنقاء يحميه أيضاً نحوُ العبارة (صيغة المستقبل التي تعني قراراً أو تعبيراً عن رجاء) من كلّ يقينيّة جازمة: «سأصير يوماً طائراً، وأسُلُّ من عدمي وجودي، كلّما احترق الجناحان اقتربتُ من الحقيقة، وانبعثتُ من الرّمادْ».
«هِيَ الحياةُ سُيولَةٌ، وأَنا أكثِّفُها»، كتب محمود في العمل نفسه. وكما كان عاشقاً للحياة متواضعاً أمام الحياة، فقد كان عاشقاً للّغة متواضعاً أمامها. لم يكن ممّن يتخايلون داخل اللّغة على اللّغة ويزعمون انتصارهم عليها واغتناءها بهم، بل لقد كتبَ في «لاعب النّرد»: «لا دَوْرَ لي في القصيدةِ غيرُ امتثالي لإيقاعها:/ حركاتِ الأحاسيس حسّاً يُعدِّل حسّاً/ وحَدْساً يُنَزِّلُ معنى/ وغيبوبة في صدى الكلمات/ وصورة نفسي التي انتقلتْ/ من أَنايَ إلى غيرها/ واعتمادي على نَفَسي وحنيني إلى النّبع..». وفي «جداريّة محمود درويش»: «وآثَرْتُ الزواجَ الحُرَّ بين المُفْرَداتِ. سَتَعْثُرُ الأُنثى على الذّكَر المُلائمِ في جُنُوح الشّعر نحو النّثر».
هوامش شخصيّة:هذه هوامش شخصيّة لا تزعم إضاءة التّاريخ الأدبيّ بقدر ما توضيح طبيعة علاقتي بالفقيد. ١- في الشهور الأولى التي تلت وصول محمود درويش إلى باريس، بُعيد الاجتياح الإسرائيليّ لبيروت، كان دائم التلفّت حوله في المقاهي التي نلتقي فيها. وبإيحاء صامت لا بكلام صريح، علّمني أن أرصد مثله من يحيطون بنا فـ«مَن يعْلم؟». في إحدى المرّات، حدّق محمود بتركيز ونفاذ بأحد الجالسين وراءنا فما كان من هذا الأخير إلاّ أن نهض وغادرَ محمرّ الوجه. الأرجح أنّه كان عميلاً لإسرائيل أو رقيباً لإحدى السّفارات العربيّة جعلته نظرات محمود الثاقبة يغادر المقهى ومَن فيه. كائن يعرف أنّه مراقَب، بل محاصَر إلى هذه الدّرجة كما كان عليه محمود لا يمكن إلاّ أن ينال تضامني النهائيّ. ولقد كان تضامني معه نهائيّاً، مع أنّنا لم نكن متّفقين في كلّ شيء، ومع أنّني كنتُ داخل الثقافة الفلسطينيّة أعيش في فقر مدقع لم يكن هو مَن صنَعه، فقر كنتُ أعبّر عنه تارةً بعتاب صامت وأتعالى عليه طوراً. ٢- طيلة صداقتنا وعملنا المشترك في «الكرمل»، لم أكتب عن شعر محمود سوى مقالة واحدة. كتبتُها ثمّ شعرتُ بالحرج: كيف أكتب عن صديق أعمل في مجلّته؟ قد يُعَدّ هذا منّي تملّقاً! طوال ربع قرن من الصّداقة، بقي هو يهديني مجموعاته الشعريّة وكتُبه النثريّة بانتظام وبدون أدنى تلميح إلى صمتي عن كتاباته. ٣- طوال السنوات العشر الأولى من إقامة محمود في باريس لم يُترجَم من شعره إلى الفرنسيّة إلاّ مختارات متواضعة الحجم، بمبادرة من الشاعر المغربيّ عبد اللطيف اللّعبيّ. كان بعض الفرنسيّين قد وسمَ محموداً بصفة «إرهابيّ» (صيغة لاحظتُها حتّى في بعض التعليقات على رحيله)، وكان بعض الشعراء العرب قد فرضوا في فرنسا على شعر سواهم من العرب حصاراً (أفلحنا أخيراً في كسره) ساعدتْهم في فرضه إمكانات مهرجانيّة وبراعات أُخرى لم نكن نحن من هواتها ولا من القادرين عليها. في واحدة من لحظات الإلهام أوحيتُ لصديقي إلياس صنبر بأن يعمل على كسر جدار الصّمت المفروض حول شعر محمود بترجمة إحدى مجاميعه. بدا إلياس متهيّباً من الفكرة لكونه يعدّ نفسه (يومذاك) مؤرّخاً لا أديباً. لكنّه تشجّع وترجم «أحد عشر كوكباً». كان نجاح الترجمة وانتشارها كافيَين لتتكرّر التجربة وتصير مراساً وفيّاً ودأباً جميلاً. لقد وجد شعر محمود في قريحة إلياس ناقله الأمين، واكتشف إلياس الشّاعرَ والأديبَ الذي كان كامناً فيه. كم أنا سعيدٌ لأنّ اقتراحاً أخويّاً منّي صار أفقاً. إنّ ما فعله إلياس صنبر وفاروق مردم بك لشعر محمود درويش ولمُجمَل الثقافة العربيّة لَيفوق كلّ وصف ويعجز عنه كلّ ثناء.

* * *

اكتمال الشاعر
• المتوكل طه

لم يمت تماما.. كان ذلك مجازاً ، أو مقاربةً لحدث الموت المكرور، الذي فَقَدَ دهشته، وأراد أن يستعيد مهابته، فضربَ أكثرنا مناعةً و حصانةً، ليثبت أن الغياب الناقص لا يكتمل إلا بهذا الحيّ العظيم.
* *
يا وحدنا! يا وردة الكونِ الكبرى، التي سقطت، دونما إنذار، كأنها أختُطفت على حين غرّة! سيفتقد العاشقون وسائدهم المعبأة بالسحاب، ولن يرى بعدك الثائرون الحمامَ يطير على أسلاك الحرير.
* *
بلغنا الجُلجلة، وانطفأت الجذوة على سرير القلب المخذول بأهله، الذين ألقوا أحلامه تحت سواطيرهم العمياء، ولم يحتمل هذا السقوط والاقتتال.. فسَقط، وراح قتيلاً آخر للخيبة، وعلى طريقته الأسطورية، احتجاجاً، غير مباشر، على حياة أَعدمَت ما اجترحه من عوالم، اعتقد أن فيها ما يستحق الحياة، وليس فيها كل هذه الرداءة والنكوص والانهيار.
* *
ومن حقّ الجليل أن يحتضن زيتونته وغزاله المكحّل المزيون، وأن يحنو الكرملُ على مُنْشده الأجمل، وأن يحمله على جناح النوارس إلى البحر، كما حمله إلى الدنيا، بسنديانة وثياب أمهاته، وجدائل بنات المدارس، وطرقاته الوعرة الصغيرة، وبيوت الذئاب التي رحلت خوفاً من الجيش.
ومن حقنا أن نندب، لأوّل مرّة، كما ينبغي، تعبيراً عن هذا الغياب الغولي الهائل. إننا ناقصون إلى حدّ الفراغ! ولم يعد ثمة مَنْ يرمّم صورتنا، ويواجه بأناقة حضارية، تلك الصورة النمطية المكرورة والممجوجة. إن قصيدة منه خير من ألف مدفع ومارش!
* *
محمود مغنّي فلسطين الأمهر، وخالق الأبجدية الجديدة لشعر الأرض والمقاومة والإنسانية، وهو الغابة التي لا حدّ لها، والتي تمور على ترابه الساخن الوثير كل الأشجار الواقفة، المغسولة بالمطر العنيف، ورذاذ الزلازل، وينبع في باطنها صغار البراكين، والخرافات، والأصوات المتداخلة، والصدى الوديع والمخيف. ومهما بلغت نيران الموت في هذه الغابة، فإنها قادرة على هضم ألسنتها وتحويلها إلى ضوء فتيّ باهر، يهزم الموت، ويردّ العدم والخوف على أعقابه.
* *
لم يرتبط درويش بفلسطين القضية، ارتباطاً عشائرياً، بقدر ما أسس لانتماء إنساني أكثر عمقاً ونفاذاً جعل غير الفلسطيني يجد نفسه ملتصقاً بهذه القضية.
* *
يقول أشياءنا كأنه تسلل إلى دواخلنا، والتقط تلك الماسة الزاهرة كالجمرة، وراح ينتظمها في عقد يقلّده صدر الوطن. أما البلاد التي كان يحلم فيها، فإنها ستستيقظ في مقبل الأيام دون ابنها المُعجز، الذي فاض، حتى طفقت الدنيا تلحق بكلام رسولٍ لم يهبط له الوحي، بل خلق هو رسالته وبُراقه وعصاه السحرية وطريق آلامه وتاجه الثمين.
* *
عندما يسقط الشاعر ميْتاً يصيح: لقد اكتملت! فيحيطونه من كل صَوْبٍ وجهة، ويرون ملء أعينهم أن الظلام، ومهما كان مُسلّحاً وشديداً، فإن القصائد تقف له بالمرصاد. مثلما تُذكّر الواقفين المحيطين به، بأن استدراكهم، للاحتفاء به، قد تأخّر كثيراً، وكان ينبغي أن يقفوا تحت شجرته الكونية، وينتبهوا إلى تلك التي نبتت، بعيداً عن مائهم، من بذرة روحه الحمراء.
والآن، ها هم يشربون عصارتها ليعيشوا إلى الأبد. فالشاعر شجرة الحياة التي تُبقي الآخرين خالدين، وإنْ رحل جسده.
* *
محمود الرائي المتعدد الذي يحفر في الأرض الحرام، هو نفسه الناقد الذي وجّه رمحه المتوتر إلى قلب الدريئة، التي تخفي وراءها الفساد والخراب والحروب الأهلية والوجوه الوثنية.
* *
ودرويش هذا الحوت الجبلي، وابن الحورية التي أخرجته من ثياب البحر والسنديان، ظل كائناً غير عادي، قد أدركه مَسّ من السماء، فصارت له هذه القدرة غير المعهودة في خلق الكلام المباغت والماتع والمثير، وربما يكون كلاماً يفوق المتوقَع من بني الإنسان.
* *
ولعل قصيدة درويش تمتلك أن تمنح المتلقي غير مفتاح ومدرج، يولج معه هؤلاء القراء، ليمنح كلاً منهم ما يريد من النص ذاته، فيشرب الفيلسوف تلك الحكمة المختبئة، وينهل البسيط من أقواس قزحها اللونَ والغيوم.
* *
والخسارة تكمن في أننا سنفتقد الجديد المُدهش، الذي يُطالعنا كسيف الملحمة المُعافى والجليل. فالشاعر لا يموت، فهو هنا بكامل سخريته وكهربائه وحدّته وعطْفه وغنائه، وأسراب خيوله البريّة، وذهب لغته النابضة الحيوية البِكْر، إنه هنا بمعجزته البسيطة المذهلة، وستنسينا، بقوتها وسطوعها، رغماً عنّا، رحيل جسده.. لا غير!
جاء درويش من لغته، التي خلقها، وتبادل معها دور الخالق والمخلوق، أو الصياد والطريدة، وراح يعلّمها لنا، بكل ما فيها من أساور ومناديل وشِباك وشبابيك، تطفح بالجمال والمعرفة والغناء المتعدّد الدرجات والمتداخل. وكان يطلّ علينا كالعرّاف المتبصّر، الذي جمع أُمّة الضاد، بسِحر حساسية أداته الفنية، وبمياه الفكرة التي عملت على وضع كل مستمعيه في بحيرة واحدة، يغسلهم فيها، ويرويهم من مائها، فيخرجون، وقد توحّد فيهم نوره الوهّاج، ما خلق حالة جماعية تمتد من الماء إلى الماء.
* *
لقد شهد محمود درويش موته ورآه، وأقام جدارية عنيدة لتصدّ خفافيشه الغامضة، وانتصر درويش على الموت، بأن مكّنه من جسده، لكن الموت لن يبلغ ذرى كلامه البعيد.
* *
كانت القلّة، من المثقفين الحقيقيين تغبطه على رفْعته واختلافه، وكانت الكثرة المخاتلة التي تدّعي الابتكار، وتطحنها عُقد النقص والصَغَار تحسده، وكان ثمة متّسع، في ظلّه، لهؤلاء المساكين، الذين يحسدونه، حتى على موته، وعلى هذا الكرنفال والوفاء البديع من الناس، الذين لا يعرفون آليات التعويض والنمائم الصغيرة وحركات الطواويس.
* *
ربما نسهو ونسير إلى مكتبه، أو نطلب رقم هاتفه، فتجيبنا الآلة أن صاحب هذا الرقم قد مات! فيفور الحزن طازجاً من جديد.
* *
اليوم، أمسى الشِعر يتيماً! رغم أن ربّه أخرجه من التابوت، وسقاه من ريق قلبه، فتعالى! ولم يعرف ناقد أن ثمة نقصاً في بيت هذا الجنيّ الساحر، فهو كالرمّانة المكتملة، وصار ثاني اثنين، المتنبي ودرويش، عبر مفازات القرون والأزمان، فأصبح الزمن القادم يتيماً هو الآخر، وأرجو ألاّ يطول يُتْمه!

وفلسطين، أيضاً، يتيمة جداً، فلم تعد لها أسماء ورموز، بعد أن عرفها العَالم من خلال اسمين كبيرين هما ياسر عرفات ومحمود درويش..
* *
ويظل شعر محمود درويش وثيقتنا الوطنية والسسيولوجية والنضالية والإنسانية أيضاً، ويستطيع أي باحث أن يجد في هذه الوثيقة تاريخنا الذي أصّله الشاعر بحروف تليق بالخلود.
* *
إن هذا العملاق المنذور للأزرق، هو نفسه الذي جعل قصيدته، غير العمودية، والتي لم تسقط في المباشرة والمجانية والخطابية الفجة، قادرة على أن تكون أغنية وشِعاراً ونشيداً يشحذ المواطن، الذي يدفعه ذلك الغناء العالي، إلى أن يهجم على عين البندقية، محمولاً على إيمان عميق، يرنّق مداركه ووجدانه، ويملأ عقله وقلبه، ويظل مصدّقاً ومعتقداً بأن ذلك النشيد الموقّع والمطهم بالأرض والثورة والحرية، هو وثيقة النصر والخلاص، التي يجب أن يمهرها بدمه.
* *
أعطى درويش للمقاومة معنى أكثر اتساعاً من القتال، ليصل المفهوم إلى الانحياز إلى الجمال والحق والخير والعدل، في مواجهة البشاعة والاستغلال والاحتلال..
* *
ومحمود الذي شكّل الذائقة والسقف الجمالي، وصار صاحب أكبر مدرسة في آخر نصف قرن، حتى أكاد أقول: إن الشعر الفلسطيني، خاصة، والعربي بشكل عام، مع استثناءات ونتوءات مضيئة بادية ومختلفة، هو قصيدة واحدة متنوعة تنتمي إلى مدرسة هذا الشاعر، الذي كتب دراما الروح الجماعية، فيما كتب معظم الآخرين دراما الحدث!
* *
عندما كان بيننا كنا نقول: هذا هو الخارج من جلسة قلبه.. المتوحّد بعيداً وسط الحضور! يبدو آدمياً، ويتراءى للناس كأنه متعالياً! تراه خاشعاً على مشهدٍ من أناييسِ المعبدِ وعموده! وتلحظه يحفرُ فقحةَ الزهرة الصغيرة، أو تلمحه تمثالاً راكعاً متأملاً في أُمّهِ التراب.
كأنّه امرأة تلفُّ أيديها حولَ عُشّاقها الفتيان، وتسحب شرايينهم بأيديها الكثيرة، ثم ملّت اللعبة فتجمّدت إلهةً صامتة. وقيلَ هو الذي سرقَ النارَ، وَلاكَ الطيرُ كبدَه. وقيل هو الحلمُ الكبير الذي ندور في فلكه، غيرَ أن رأسَه المُتعبة ستلقينا مثل ندم الخيانة في النسيان. وقيل هو الكوبرا التي ظلّلت النبيَّ الأمير، ولمّا نجا أحبّت أن تُهدي قوامها للنساء.
وقيل هو المتخّلع الأنيق الذي لن يتوب ما دامت الأمطار المسحورة تتكوّر كشحاً يعوي. وقيل هو الواقف تحت الشمس الناغرة شاخصاً في يوم القيامة. وقيل هو اليتيم الذي قدَّ أضلاعَه كَمَنجةً مذبوحةً تحت شبابيك الياسمين. وقيل هو ما وجدوه في قعر الكأس المقدسة في ذلك الكهف المغلق منذ الخليقة، فاختلفوا على ما فيه، فمنهم من رآه سُلافة، ومنه مَن تبيّنه ندى السماء الأول، ومنهم مَن قال: هذا عَرَق الروح، وآخرُهم قال: هذا دمع الشهوة أو الاختلاج أو الحنين إلى كل شيء. وما زالوا يجهلونه، أو يتجاهلون شخصه.
غاب فلم يفطنوه! وعاد فلم يحتفوا به.
واتهموه بكل الهنات والخروج. وحينما صاح قالوا: هذا صوتنا المنهوب. وعندما صمت فَرَدوا له النطع الواسع.
ولمّا سافر جرّدوه من حبق أُمّه البعيد. وحَضَر، فلم يحضروا، كانوا يُعدّون له المشنقة.
طلع من لَحده الضيّق -كان مغشيّاً عليه من ريح حامضهم النافث- فوجودهم يُدبّجون له مديحَ الغياب.
وعندما أيقنوا أنه حيٌّ وله عُمرُ نوح، احتشدت صدورُهم وانفجرت، وماتوا غيظاً. وظلّت المشنقة تتأرجح دون جسدٍ يتدلّى، غيرَ أني أرى مجموعةً جديدةً تهتف لغريبٍ جديد، وكانوا فرحين، فقد تأكدوا أنَّ غايتَهم حاضرة.
* *
ومحمود درويش أسطورة الناس، التي اتفقوا على أن قوامه يحتمل أثقالهم وهواجسهم ورغباتهم، فوضع كل فلسطيني وعربي شيئاً من نفسه في محمود، وأصبح محمود مِلْكاً لكل الناس الطيبين، الذين استجاب لهم، وتماهى معهم، وأصبح وجدانهم وكلام روحهم، وأفتُتِنوا بمخلوقهم، وأصبح نجمهم الذي يسعون إليه، ويتلقفون قصائده، ويحفظونها عن ظهر قلب، ما يفسر تلك الجماهيرية والإقبال، منقطع النظير، على أمسياته وقراءاته وكتبه.
ولهذا، فإن كل عربي وإنساني، يحس أنه خسر حصَّته في هذا العملاق الفذّ، وانهدم جزء من رمزه الذي كان يفتخر به ويباهي.
* *
في السجن، كنّا نصدقه، ونردد بحناجر الفولاذ أشعاره، وأغاني مارسيل التي نشرته أُفقاً نارياً، يهدم الجدران ويُصدّع الزنازين، ويُصيب حراس المعتقل بالذعر والهلع، حتى يقفون وراء مدافع الغاز المسيلة للعار ورشاشاتهم العمياء، ليواجهوا ذلك الصوت الجماعي المزلزل.. وإن قصائده محفورةٌ بالأظافر والدماء، على تلك الجدران، التي لم تكن عائقاً أمام مشاوير الروح، السارحة بعيداً مع اليمام، والعائدة مع الشمس في الليل.
* *
ويبقى محمود وطننا الشعري، الذي جعل فلسطين جرساً في قلوبنا، ترنّ على الشفاه وفي الكفوف، وفي الآفاق، ويظل محمود الاسم الذي نفرح به فرحاً تاريخياً، ونزهو بأننا عرفناه!
* *
ومحمود المتفّرد يكون اليوم قد أكمل زينته ورحل، لكننا ما زلنا في بيوت العزاء، أو نقف أسراباً على حواجز الجنود، أو في السجون، أو في المعازل أو المخيمات .. ولم نمتلك أسباب الزينة لكننا نمتلك قصيدة جاءت من السماء.
درويش مثل المعابد والعواصف والبحار لا يموت، ومثل الموسيقى والصلاة وأبناء الأنبياء الذين يظلّون في فضاء الأيام وساعاتها.

* * *

وريثُ «الريادة» الوحيد
• محمد مظلوم

ربما كنتُ من قليلين كتبوا عن محمود درويش في حياته نقداً بذكر مثلبة فيه لا تمجيداً بترديد منقبة له ظل يستحقها دائماً. كانت تلك الكتابة تنطلق، في عمقها، من مراجعة لوقائع موجعة وجرح مفتوح منذ ثمانينيات القرن الماضي، التي كان محمود درويش خلالها -ومعه شعراء عرب آخرون- نجوماً شعرية تضيء ليل الفنادق الكبرى في بغداد، ومنصَّات الشعر في قاعات المرابد والمآدب، في وقت كانت تنطفئ فيه نجومٌ مبكِّرة وكواكب بأعمار سريعة في ليل الخنادق على جبهات القتال، وعلى منصات الإعدام في مدن البلاد. ذكريات موجعة ترتبط حقًّا بتلك الذكريات، ربما لا يضاهيها الوجع الذي يلفُّ مشهد الشعر العربي اليوم حين يرتجف جانب من بنيانه بسقوط أحد أساطينه الأساسية في هاوية الخلود!
ومع هذا فإنَّ اليوم وقت آخر لكتابة أخرى عن شاعر ألحقَ بالشعر العربي مجداً مضافاً ووسع متنهُ مع كلِّ شروطه الداخلية الصارمة فجعل منه أكثر استجابة لحريَّة الابتكار وأكثر قدرة على تمثل راهنه دون تماثل مع ما سبقه. هو شاعر ليس كأي شاعر آخر، وإن اختلفتَ على الرجل فيه، لكنك لن تجد كثيراً مما تختلف معه حول ما يتركه شعره من أثر ومن سحر.
اليوم غاب الرجل وبقي شعره، أثراً ساحراً. سيكون شعره إذن ميزاناً وحده، وسيكمل رحلة أخرى وزَّاناً لما يأتي، وما كان، وما تتم مراجعته من هذه التجربة الصاخبة في وقت قلَّ فيه الصخب أو اندلع في مكان آخر أو لشأن مختلف.
وبما أن معادلة المناقب/ المثالب انتهت بموت الرجل وخلود الشاعر، فإن لمحمود درويش/ الشاعر مناقب متصلة في الحكاية العراقية. لا تبدأ من اليوم، وإنما منْ بداية أولَى مع «ريادة الشعر الحر» ومع شغف بأساطير الخلق السومرية وأناشيد الفناء في بلد الرحلة الأولى للبحث عن الخلود.. ألم يقل في قصيدته «ليس سوى العراق» التي نشرها في السفير/ ٤ نيسان ٢٠٠٣ كمن حفظ وصية خطيرة، ليعيد توريثها لمن يأتي بعده:
«..الشِّعْرَ يولدُ في العراق،
فكنْ عراقياً لتصبحَ شاعراً»
على أنه لم يرث من «الريادة الأولى» للحداثة الشعرية العربية شاعرٌ عربيٌّ قدر ما ورثه منها محمود درويش، هو أسدُ الْحصص مع كثرة الحاضرين والوارثين، حيث بلغت قصيدته بغياب السياب سياباً آخر، خلجاناً وسواحل وعواصم، وباعتكاف نازك وبلند المبكر وهجاً لعزلة تتأمل الذات في ليل الألوان ونايات الأساطير بعيداً عن اشتباك الخطاب، وبوجود البياتي إرثاً متصلاً وحافزاً على التجاوز ونجومية في كلِّ رهان ومحفل.
ورث «الريادة» حقاً مستحقاً، ورثها مَجداً وعبئاً، شيئاً من جماهيريتها، وشيئاً من منفاها، وطاف بها ملكاً متوَّجاً بين الصفوف، حتى سعدي يوسف الشريك في «الريادة» الأولى أكثر من كونه الابن لها، والأب لحداثة ثانية، ورثه درويش منذ «عبور الوادي الكبير» وذهب أبعد منه في استنقاذ نبرته وهمسات حروفه من الصدى الجارف لترددات الإيقاع وهي تهز البيت الشعري. لتتردد في تموجات ليست متراتبة.
في الإيقاع لا نجد تدويراً واضحاً في مجمل تجربة هذا المغني العربيّ، هو لم يبتعد كثيراً عن محيط الدائرة الإيقاعية وتلخيص المعنى الذي دأب عليه الرواد، قد تمثل قصيدة السبعينيات الأبرز «سرحان يشرب القهوة في الكافتيريا» استثناء. إلا أنه سرعان ما عاد في الثمانينيات إلى براعة التسطير وعمق التعبير عبر «سونيتات» متسقة مع أنها ليست وفيةً تماماً لا لصرامتها الشكسبيرية الإلزابيثية، ولا لأصولها البتراركية الإيطالية، لكنها تقترب في الواقع من رباعيات الشعر العربي التقليدي خاصة بين «حصار لمدائح البحر» و«ورد أقل» لتستقيم بينهما وبعدهما في تسمية خاصة في ديوان «هي أغنية. هي أغنية».
هو ابن «الريادة» البار وأميرها المدلل، يرحل ليضعها خلفه أثراً وسؤالاً في مفترق الطرق، «والريادة» هي سطوة ممتدة ومتمدِّدة، وما يجري منذ نحو نصف القرن ما هو إلا وهم اجتيازها وتركها هناك عند شاهدة قبر السياب، لذلك فإن السياب ومعه البياتي ونازك وبلند يبكون درويش أكثر من غيرهم حتى وهم يستعيدونه، لكأنه الابن الأكثر تمثلاً للجينات الفنية لأشعارهم فعندما يكتب عن العراق تحت الاحتلال لا يقاربه من محنة فلسطين ونكبتها، وإنما يتصل بها من مشهد «هزيمة سيابية» أكثر شاعرية، يتصل بها من خلال لغة السياب وموسيقاه وجمله وخليجه، من عراق السياب الحائر بين الصوت والصدى بشكل أوضح، في قصيدته سالفة الذكر:
«أتذكَّرُ السيَّابَ، يصرخُ في الْخَليْجِ سُدى:
عِرَاقُ، عِرَاقُ، ليْسَ سوى العِرَاق.
ولا يردُّ سوى الصدى.
أتذكَّرُ السيَّاب، حِيْنَ أُصابُ بالْحُمَّى وأهذي:
إخْوَتِي كانوا يعدُّونَ الْعَشَاءَ لِجَيشِ هولاكو،
ولا خَدَمٌ سواهم».
في نهاية السبعينيات حضر درويش إلى بغداد وكانت قد سبقته في الحضور قصيدته البارزة «سرحان يشرب القهوة في الكافيتريا» وحضرت معه أنشودته «أحمد الزعتر» التي قرأها في المربد ١٩٧٨، وراح يعاود الحضور في الثمانينيات في أكثر من زيارة صحبة أبو عمار على الغالب، والذي كانت تربطه علاقات جيدة مع العراق، حاول خلالها أن يجعل من مجلة «الكرمل» جسراً فلسطينياً بين أدب المنفى العراقي وأدب الداخل، لكنها كانت تجربةً محبطة، ومهمةً سرعان ما تعثرت بعد عدد واحد فقط.. لكنه حيا قائد الفيلق «الإعلامي» وزير الثقافة و الإعلام لطيف نصيف جاسم وهو بملابسه العسكرية وكناه بـ«وزير الشعراء.» وانحاز للقمر الذي هنا في «بغداد» ضدَّ الظلام الذي هناك «في طهران» وعاد إلى باريس ليكتب في مجلة اليوم السابع عموده المنفعل.. «إني أعترف».
كان اعترافاً مضاداً أشبه بوشاية! إنه اعتراف بفضيلة الذات وخطأ الآخر! ومع هذا كله لم تتراجع قصيدته ولم تندم «لا تعتذر عما فعلت»، حيث متانة العِبارة وفخامة التركيب بعمقه الدلالي، برغم زهده البلاغي الخارجي، وحيث نبرة عنيفة وحادة يضع فيها ما يكفي من مساحات التأمل وفضاءات الصمت الحيوي، تأخذه حمى الغضب ويرتقي سلَّم الترفع، ليجعله قريناً لابن النجف: الجواهري بجنونه واعتداده، وابن الكوفة المتنبي بخياله وخيله وخيلائه.
وهو ابن «الريادة» حين يتردد صدى السياب: «حبه» و«مزاريبه» في مقاطع سرحان يشرب القهوة في الكافيتريا:
(وما كانَ حباً..
ورائحةُ البنِّ نايٌ تزغردُ فيه مياهُ الْمزاريب)
وهو انتبه إلى «الملجأ» والمخيم كمكان جمالي وفني، رغم مأساويته الواقعية، مجسداً عبره تهكمية ما، غالباً ما نلمحها تنهض مضيئة من بين الخراب، منذ قصيدة(الملجأ العشرون) لعبد الوهاب البياتي في «أباريق مهشمة»:
«كفراغ أيام الجنود العائدين من القتالْ
وكوحشة المصدور في ليل السعالْ
كانت أغانينا، وكنا هائمين بلا ظلالْ
مترقبين، الليل، أنباء البريد:
الملجأ العشرون
ما زلنا بخير، والعيالْ
والقمل والموتى، يخصون الأقاربَ بالسلام».
والواقع أن فلسطين ظلت عصباً أساسياً في تجارب جميع الشعراء الرواد وما بعدهم، جيل التوجه نحو قضايا كبرى وعالم أكثر رحابة لاحتواء زمجرة أصواتهم في فضاء الموقف وفضاء الشكل الشعري. مثلما أضحى العراق اليوم الوجه الآخر لفلسطين بعد أكثر من نصف قرن في حداثة لا تزال قلقة وتبحث عن اسمها الحقيقي في أشكال عدة، حداثة الهزيمة والندب والمراثي، لا الاعتراف ولا الاعتذار، ولا مساءلة الذات، حداثة لا تزال مفتوحة كجراحنا. وكشريان محمود درويش الذي أرداه في أميركا وهزمه في نهاية اللعبة. نعم هي لعبة أو أشبه بمعركة يهزم فيها من يتخلى عن كرهه أولاً، ويتحلى بالمحبة! ألم يهجُ أميركا ذات يوم بلغة شعارية تجسد أقصى خطاب وصلته لغة الشعر في مراحل ثقافة الضد:
«أمريكا هي الطاعون والطاعون أمريكا.
نعسنا.. أيقظتنا الطائرات وصوت أمريكا
لأمريكا.. سنحفر ظلنا ونشخُّ مزِّيكا على تمثال أمريكا
وراء الباب أمريكا
وأمريكا لأمريكا».
و لكن لماذا شاءت قوانين اللعبة أن تنتهي بمعانقة الموت هناك وليس في عمان أو باريس أو بيروت مثلاً؟ حقاً هي أغنية هي أغنية، هي أغنية أخيرة، في نهاية اللعبة.

أرضَنَ الشعر ثم تسامى في التعالي
• عمر كوش

بوفاة محمود درويش، خسرنا، وخسرت الثقافة الإنسانية، وخسرت فلسطين، علماً كبيراً، قدم الكثير للشعر وللقضية. فقد أشاد في أعماله، الشعرية والنثرية، «سماء المطلق البيضاء». سماء كان يقيمها كي يغوص في سديم لا ينفك فيه الميت الغائب عن الالتصاق بالحيّ الحاضر، وحاك فيها حلماً، يتماهى فيه الغائب مع الحاضر، الباطن مع الظاهر، فيلقي بنفسه جانباً، يتركها، ويطير حادثاً، يحلق فوق الأقاليم، كي يستحيل روحاً غادرت كينونتها، وجودها المتعين، جسدها المتروك، ولم تسأل أحداً عن وجودها، وليعبث «العابرون في يوم عابر» فيها إن أرادوا، ولهم ما شاءوا من الموت كذلك، فلا شيء يوجع على باب القيامة.
وفي أشعاره رسم درويش بلاداً وخطوطاً وحروفاً وأسماء، ومركبات أحاسيس ومفاهيم، صوّر فيها قابلية عالم ما، يتلاقى فيه الواحد مقترناً بالآخر، وتصطف الحشود: الاسم، الموت، الحياة، الروح، الجسد، العدم، اللاعدم، الهنا (الكينونة-هنا)، اللاهنا (الكينونة- هناك)، الزمان، اللازمان، الوجود، اللاوجود.. إلخ. وبنى مقاماً لها، تتحايث فيه وتتواجد، ثم يبددها ويهوي بها على الأرض، يزرعها وينثرها ويفرشها ويلتحفها كي ينام أو يموت، ويداوم على حرثها كلما وجدت محايثة، أو كلما نادت الأرض أبناءها. ويكون أن تنمو الأحاسيس والمفاهيم وتترعرع بشراً وأمكنة، وسطاً ومحيطاً وبيئة مكتنفة، ويكون أن تنشال -بقدرة ما- عبر انشيالات أفقية وعمودية، شعراً يحاكي الأرض: أرض السماوات وأرض الكائنات، وشاعراً يهب خطواته للموت في أرض السماوات وأرض الإدراكات والانفعالات والمفاهيم.
ويتوالد في شعره بشر من دخان، يصعدون حتى الدرجة الأخيرة في السلم، يبددون في دخان الحلم الطفولي رواياتهم، وتظهر امرأة، «أنا»ه الأخرى، من ريحها أو رحيقها، ينبثق الشاعر إلهاً أو نبياً من بني عامر، يتوحد بها ومعها ولا يدري أيّ منهما «أنا» ليكون آخرها، فكل نبض فيها يوجعه، ويرجعه إلى زمن خرافي، إلى مرج بني عامر، إلى قانا الجليل، إلى حيفا و يافا، إلى امرأة اسمها فلسطين: أرض الطفولة، وأرض الحلم، وأرض السماوات، وأرض الأرض، وأرض كل أرض.
قد يكون «جيل دولوز» أثقل كاهل الفلسفة حين جعل وظيفتها خلق المفاهيم الجديدة، لكن محمود درويش، كان يؤقلم على الدوام ما استطاع من المفاهيم والصور والانفعالات، يؤرضنها شعراً معمارياً، يتناثر هنا وهناك. لكن أين يجد الشاعر المفاهيم والصور والانفعالات؟ هل في سماء الشعر؟ وهل هنالك سماء للشعر؟ ربما، ولكن الشاعر يخلقها، فالشاعر هو خالق سماء ومشيّد مقامات للأحاسيس التي يلملمها من المؤثرات الإدراكية والانفعالية ثم يركبها جمالياً، فيكون الشعر. وكما الفيلسوف خالق المفاهيم وصانعها كأحداث تحلق فوق الأقاليم، فالشاعر خالق أحاسيس. وإذ يخلق الفيلسوف المفاهيم الجديدة، فإن الفلسفة تحول المفهوم إلى مفهوم إحساس، بينما في الشعر، والفن بشكل عام، يصبح الإحساس فيه إحساساً بمفهوم، والشاعر بذلك خالقا للأحاسيس- المفاهيم، من تربة، من حبة قمح، من صلصال مهين، مما يشتهي ولا يشتهي، مما يكون ولا يكون.
في كل ذلك كان يلجأ محمود درويش إلى اللغة، يغنيها وتغنيه، ويسكن فيها وتسكن فيه، بوصفها عالم الوجود. وينسج بها الشاعر نصه أو تنسجه في عوالمها، يتكلمها أو بالأحرى تتكلمه، ثم يبعثر الشاعر نسيجه النصي، وإذا شاء يمزقه، ولا يبقى منه غير ظلال لا تنمحي: الأثر أو الآثار التي تدوم بعده طويلاً، فالشعر يخلق آثاره في مملكة اللغة وتعددية المعنى واختلافاتهما، أي يصنع شعره من مادتها ويبني فيها عالمه.
كان درويش يتخذ الحوار في أشعاره حقلاً محايثاً، من أولها إلى آخرها، ذلك أن الحوار يتخذ في اللغة موقعاً متميزاً. وإذا كان وجود الإنسان يقوم أساسه في اللغة، كما يقول هيدغر، إلا أن اللغة لا تتخذ واقعها التاريخي الحقيقي إلا في الحوار، فاللغة وسيط للتواصل بين الناس، لكن الحوار، كما يعتبره الفيلسوف، هو البعد التاريخي الجوهري لها، ويجيب صوت الشاعر: «أنا حوار الحالمين». حوار أو شعاع، ينسجه نصه الشعري كي يواجه امرأة ويتوحد معها، يتوحد مع جسده، مع كينونته، مع الزمن، مع الموت، مع الحياة.. إلخ، ويروي فيه حلمه ورؤياه، بوصفه رأى «ما يتذكر الموتى وما ينسون»، حيث تنحل الضمائر كلها: «هو في أنا في أنت»، بعد أن رأى الشاعر ما رآه غيره وما لم يره، وهذا لا يحدث إلا في اللحظة التي يتجلى فيها الشاعر مواجهاً مصيره ومحاوراً إياه، فينكشف وجود العالم أمامه: واحد هو، وهو غير ذاته، يظهر في ضوء توحده مع «الحشود»، هو جمع إذاً ، تعددية إن شئنا، ليس مجرد رقم بسيط، إذاً فهو مفهوم، يجد نفسه حاضراً ملء الغياب، يتفتح الزمان بمختلف أبعاده، وتحضر ذات الشاعر وتستقر: لا تأتي ولا تمضي، في هذه اللحظة تواجه أنيتها، عندها لا ينشطر الزمان إلى ماض وحاضر ومستقبل، بل ماض ومستقبل.
ليس في وسع الشعر أن يغير ماضياً يمضي ولا يمضي، ولا أن يشدّ غداً بعيداً يجيء ولا يجيء، لكنه حلم الشاعر (الفنان) الذي يصارع الموت/السديم، ينسج في ثناياه عدواً من دخان أو رميم، ويحدث ثقوباً في قبته السماوية، أو يمزقها إن استطاع إلى ذلك سبيلا، ليمرر قليلاً من الضوء من خلال ثقوبها كي تتضح الرؤيا، فتضيق العبارة ولا تسعفه الكلمات ولا الحروف الغامضات. وقد يؤسطرها فعلاً أو وهماً، أو يلهو بها، طفلاً على ساحل فلسطين.
لقد أسس محمود درويش مفهوماً شعرياً/ فلسفياً، لنقل مفهوماً فنياً، جمع فيه الأشياء التي تجمع بين فعل الكتابة وفعل الكون، وتلك التي تجمع بين فعل القراءة وفعل الوجود. يحيل فيه إلى أسبقية الكتابة على الكينونة إذا أخذنا بما تقوله الميتافيزيقا، لكن المفهوم الدرويشي الذي يربط بين فعلي الكتابة والكينونة، لا تعنيه الأسبقية أو القبلية، كون الأسبقية لفظية بينهما، ولا تحاول بناء تراتبية ما، كما يحلو للميتافيزيقا أن تفعله، إذ هي تعطي الكلام أسبقية على الكتابة، وفق تمركزها الصوتي، أما في هذا «المفهوم» الشعري، فإن الكتابة فيه هي شرط تحقق للكينونة، شرط وجود (كينونة): الذات، الآخر، العالم، فضلاً عن وجود الإله، ووجود الأرض والإقليم والتاريخ.. إلخ.
ويحيل المفهوم الدرويشي إلى ترابط فعل القراءة وفعل الوجود، فالقراءة تأويل للنص المكتوب، أو قل كتابة ثانية له، بينما الوجود دال على الكينونة، إذ الكينونة هي الوجود في تحققه أو هي الوجود المتعين بالفعل.
وتحيل الحروف الغامضات إلى المفهوم، كما تحيل إلى اللغة التي تقول الأشياء، أشياء العالم، لكن العالم موجود في الزمن، والزمن لا ينتظر أحداً ولا شيئاً، بل ولا يعرف الانتظار. فمن تأخرت ولادته فإن لا أحد ينتظره، ذلك أن الماضي كما هو، لا يُقاد ولا يقود، ولا يتبقى منه غير آثار قد تذوب ولا تذوب وذكريات قد تمحى ولا تمحى.
في الإنشاء الشعري، أو لنقل الخلق الشعري، يستخدم الشاعر الكلمات والحروف، ويركبها جمالياً ليخلق منها صياغات تعجنها الإحساسات، وهذا يجعل اللغة ترتعش وتثغثغ أو حتى تغني وتهتف تصرخ، وهو ما تميز به شعر محمود درويش، إذ نجده يستبدل انفعالاته ومختلف مؤثراته، من مشاهد ووجوه ورؤى وصيرورات، بحقول أو مركبات أحاسيس تحل محل اللغة، فتنشأ بذلك لغة أخرى داخل اللغة، تنادي شعباً للمجيء وأرضاً أو وطناً كي يستريح، ولأجل ذلك كان يطوع لغته، يبعثرها ويجعلها تهتز ويحضنها، وقد يمزقها كي يحصل منها ما يريد من إحساسات تجسد العذاب الإنساني المتجدد.
لذلك لم يجد محمود درويش في نهاية رؤياه سوى تدوين حروف اسمه في قصائده، وكتابة أو رسم أشيائه الصغيرة: جسده وخطاه ومحطة الباص وجدار البيت والهواء الرطب، فقد تعب من الموت وتعب من الحياة، وأراد أن يستريح في التعالي.

* * *

لقاءات أقل، حب أكثر.. مع محمود درويش
• طلال سلمان

لم يترك لنا محمود درويش الكثير لنقوله فيه وعنه. لقد قال ذاته بكل تحولاته، انكساراته، زهوه، مرارته، دواوين عشقه، أشواقه، رغبته في الحياة التي جعلها حياتين، ثلاث حيوات أو أربعاً، بل خمساً، بل ألفاً.. فكلما كان يحس بقرب النهاية ابتدع حياة جديدة وبدأ ينظمها أشعاراً وأقماراً وعاشقات وباقات ورد وسخرية من الموت واستغراقا في تحديه ثم الاعتذار منه، فإذا ما قبل الاعتذار انقلب يصف جنازته بكل ما فيها من مراسم، انتهاءً بالشتائم التي سيكيلها له الشعراء!
قرر محمود درويش أنه «الكل في واحد». هو فلسطين، بالقدس ويافا وحيفا وبيت لحم وجنين ونابلس وطول كرم، بالبيرة أولاً حتى لو مُسحت عن وجه الأرض، فهو الأرض وأهل الأرض، وهو من يسمّي الناس والمدن والقرى. ثم إنه الشام ومصر والقطار الذي لم يتبقّ منه إلا قضبان السكة الحديد وصدى دوي صفارته العابرة المسافات على أجنحة الطيور المهاجرة. هو رام الله السجن والمكتب والديوان والمقبرة. هو المغني والغناء، هو الحادي وصوت البكاء في حنجرة الناعي. وهو دموع الثكلى التي ترفض بعقلها قبل قلبها أن يكون قد رحل وخلاها.
قرر محمود درويش أنه فلسطين التي كانت تسمى فلسطين وستبقى تسمى فلسطين، وأنه بلاد الشام جميعا، حيث يكون الموت حقاً نائماً. وحيث أرض الحلم عالية ولكن السماء تسير عارية وتسكن بين أهل الشام، وأنه مصر التي تجلس خلسة مع نفسها فتكتشف أن لا شيء يشبهها وترفو معطف الأبدية المثقوب من إحدى جهات الريح، وهو تونس «التي أرجعتني سالماً من حبها»، وهو العراق إذ يتذكر السياب «فكن عراقياً لتصبح شاعراً يا صاحبي»، وهو طريق الساحل، طريق المسافر من.. وإلى نفسه، جسدي ريشة والمدى طائر، طريق السنونو ورائحة البرتقال على البحر، طريق طويل بلا أنبياء فقد آثروا الطرق الوعرة.. طريق يؤدي إلى طلل البيت تحت حديقة مستوطنة،
وقرر محمود درويش، أيضاً، أن الموت يعشق، فجأة، مثلي، وأن الموت مثلي لا يحب الانتظار! وأن كل قصيدة أم/ تفتش للسحابة عن أخيها، قرب بئر الماء: يا ولدي سأعطيك البديل، فإنني حبلى، وكل قصيدة حلم: حلمت بأن لي حلماً سيحملني وأحمله إلى أن أكتب السطر الأخير، على رخام القبر: نمتُ لكي أطير..
* * *
لكأنه كان يعرف كل شيء عن الأرض وناسها، عن البلاد من قبل أن يزورها، عن النساء قبل أن يعشقنه، عن الرجال قبل أن يتحطموا على جدران العبث أو الفساد أو اليأس أو الانتحار. ولقد ميز دائماً بين الذين ولدوا شهداء وبين الذين غادروا ليكونوا في الغد.
يختلط فيه المؤرخ والراوية والشاهد والشهيد، الطفل الذي ولد في قلب الشراسة/ كان عليه أن يقاوم محوه، أن يؤكد أنه باق بأرضه وإن مُسحت عن سطحها قريته، وباق بوطنه وإن حاولوا تبديل هويته علمه واسمه بالقهر. كان عليه أن يكون وطنه فكأنه في الصحو والغفلة، في الحلم كما في الكابوس.
قاس مع نفسه ومع الآخرين. يرى نفسه فلسطين، فيحاسبها إن ابتسم أو بكى/ في علاقاته بالآخرين. ولأنه أطل على الأفق الإنساني الأوسع فقد تجاوز «المحلي» فيه وحاول أن يقدم لفلسطينه وللفلسطيني الصورة التي لا تثير في العالم الشفقة لأنه مسكين، أو الذعر لأنه إرهابي، أو السخرية لأنه متخلف.
كان العالم يقبل «الآخر» الذي حوّل الخرافة إلى دولة من حديد ومشانق ونار، ولا يقبله هو الحقيقي بلحمه ودمه وأرضه وتاريخه الذي لا يمكن فصله عنها.
* * *
ولقد عرفت محمود درويش أكثر مما رغب وأقل مما أحببت. تسكعنا قليلاً وتجادلنا كثيراً. تقاسمنا حب البعض من الأصدقاء، وتناكفنا ونحن نتبارى في احتقار الأدعياء وطلاب الزعامة ولو على أطلال الكتابة. تجادلنا في القاهرة على مصر وعبد الناصر. ثم اكتشفت «خيانته» عندما حمل إلي صديق قصيدته التي لم تعرف كثيرا في من قال فيه: «نعيش معك، نسير معك، نجوع معك، وحين تموت نحاول ألا نموت معك. لماذا تموت بعيدا عن الماء والنيل ملء يديك؟ لماذا تموت بعيدا عن البرق والبرق في شفتيك؟ نراك، نراك، نراك، طويلاً كسنبلة في الصعيد، جميلا، كمصنع صهر الحديد، وحراً، كنافذة في قطار بعيد، ولست نبياً، ولكن ظلك أخضر! أتذكر كيف جعلت ملامح وجهي/ وكيف جعلت جبيني وكيف جعلت اغترابي وموتي أخضر، أخضر، أخضر؟!» بداية ثم يختمها بقوله: «ولست نبياً، ولكن ظلك أخضر.. نعيش معك، نسير معك، نجوع معك، وحين تموت نحاول ألا نموت معك.. ففوق ضريحك ينبت قمح جديد، وينزل ماء جديد، وأنت ترانا نسير، نسير، نسير».
.. وبكينا معاً ونحن نودع إبراهيم مرزوق المبدع مثله، والذي عشق الفنون جميعاً وأعطاها عصارة عمره وألوانه ورؤاه. وكان، مثل محمود، يحس أن وجوده قليل فسرّع ريشته وريشة العود وعلّمنا مع الرسم الغناء والموسيقى وعشق الأرض وياسمينها:
«كان إبراهيم رسام المياه، وسياجاً للحروب، وكسولاً عندما يوقظه الفجر.
ولكن لإبراهيم أطفالاً من الليل والشمس، يريدون رغيفاً وحليبْ؟»
«ما الذي أيقظك الآن، تمام الخامسة؟».
«كيف تعرف؟ هي بيروت الفوارق/ هي بيروت الحرائق/ ما الذي أيقظك الآن تمام الخامسة؟ إنهم يغتصبون الخبز والإنسان منذ الخامسة».
«كان إبراهيم رساماً وأبْ/ كان حياً من دجاج وجنوب وغضب/ وبسيطاً كصليب/.. في تمام الخامسة، كان إبراهيم يستوي على اللون النهائي/ ويستولي على سر العناصر/ كان رساماً وثائرْ/ كان يرسم/ وطناً مزدحماً بالناس والصفصاف والحرب/ وموج البحر والعمال والباعة والريف/ ويرسم/ جسداً مزدحماً بالوطن المطحون في معجزة الخبز/ ويرسم/ مهرجان الأرض والإنسان خبزاً ساخناً عند الصباح/ كانت الأرض رغيفاً / كانت الشمس غزالة/ كان إبراهيم شعباً في الرغيف.. وهو الآن نهائي.. نهائي! تمام السادسة. دمه في خبزه. خبزه في دمه. الآن، تمام السادسة».
.. وبكينا معاً حين غادرنا أمل دنقل، الذي جاءنا في بيروت عله يجد فيها القاهرة التي ضُيّعت، وفلسطين التي ضُيّعت، والقصيدة التي ظلت تعرف أهلها، فلما اكتشف أن مصر أوسع من أن يغادرها وأبهى من أن ينساها عاد ليموت فيها ومن أجلها:
«واقفا معه تحت نافذة/ أتأمل وشم الظلال على ضفة الأبدية
قلت له: قد تغيرت يا صاحبي.. وانفطرت!
فها هي دراجة الموت تدنو/ ولكنها لا تحرك صرختك الخاطفة..
«قال لي: عشت قرب حياتي/ كما هي/ لا شيء يثبت أني حي/ لا شيء يثبت أني من الغياب يرف كزوجي حمام على النيل/ ينبئنا باختلاف الخطى فعل المضارع الجنوبي يحفظ طريق الصعاليك عن ظهر قلب.. ويشبههم في سليقتهم وينام على درج الفجر: هذا هو البيت، بيت من الشعر، بيت الجنوبي.. قرآنه عربي، ومزموره عربي، وقربانه عربي.
وفي قلبه زمنان غريبان، يبتعدان ويقتربان: غد لا يكف عن الاعتذار: نسيتك لا تنتظرني، وأمس يجر مراكب فرعون نحو الشمال: انتظرتك، لكن تأخرت».
* * *
ضحكنا حتى حدود البكاء ونحن نستعرض الملوك والرؤساء والأمراء والشيوخ الذين يحكمون شعوب هذه الأمة الممنوعة من أن تكون.
قال يصف من التقى، وقلت أصف من التقيت.. وبعدما هدأت موجة الضحك من الذات سألني: هل تشاركني في كتاب عنهم؟! ذلك السلطان الذي لا يحب الأطفال، وذلك الأمير الذي يعوض عن قصره بطول يده، وذلك الرئيس الذي يتباهى بأن الخصية الواحدة لا تمنع الإنجاب، وذلك القائد الذي يدّعي لنفسه وراثة الرسول العربي، وذلك الأمير الأبله الذي عرف بالسمع أن ثمة خللاً في أجنحة الطائرة.
وصلنا إلى بعض الأسماء المحظورة، التفت إلي فتطلعت إلى الناحية الأخرى، فقام إلى الراديو يبحث عن محمد عبد الوهاب والأغنية التي يحب «كل ده كان ليه»؟! وحين عبرت فيروز أوقف الإبرة ورفع الصوت إلى المدى الذي لا تحبه السيدة وعاد يفرك كفيه: وجدت ما يعوّضني عن سماع ترّهاتك!
قلت: نتحدث عن العواصم، عن البلاد، عن أهلها.. عن العشق!
ونظم محمود ديواناً جديداً.
* * *
دخل عليّ ذات يوم وفي يده قصيدة. استغربت. لم يكن، في العادة، يقبل إلحاحي بالنشر في «السفير» أولاً.. فالشعر عن لبنان الحرب الأهلية مصدر خطر، والشعر عن مصر يجب أن يُنشر في مصر، وعن الشام في الشام، وعن فلسطين في أربع رياح الأرض.
كانت القصيدة عن «عودة الأسير»: جندي مصري وقع في الأسر في سيناء، ثم استطاع أن يهرب فقطع الصحراء مشياً على قدميه في الليل، أما النهار فللطائرات.. وحين أطل على مصر أنشد يقول:
«النيل ينسى.. والعائدون إليك منذ الفجر لم يصلوا
هناك حمامتان بعيدتان، ورحلة أخرى، وموت يشتهي الأسرى
.. وهذي فرصتي، يا مصر، أعطيني الأمان
لأموت ثانية، شهيداً لا أسيرْ،
.. قد طاردوك- وأنت مصر- وعذبوك- وأنت مصر
«هل أنت يا مصر.. هل أنت مصر».
.. وعندما عاد، مرة، من زيارة لعدن تحت حكم الحزب الاشتراكي كتب يقول:
«ذهبنا إلى عدن قبل تاريخنا فوجدنا اليمن
حزيناً على امرئ القيس، يمضغ قاتاً ويمحو الصور
أما كنت تدرك يا صاحبي، أنّا لاحقان بقيصر هذا الزمن»!
أما الشام فكان كلما عاد منها، اشتهى أن يعود إليها. كان يطلبها لذاتها وبذاتها، ويذهب إليها بناسها وحسرته بردى:
بكى الناي، لو أستطيع ذهبت إلى الشام مشياً كأنني الصدى،
ينوح الحرير على ساحل، يتعرج في صرخة ليل لم تصل أبدا،
يا رمح، صمت المدى، حين يصرخ: يا شام، يا امرأة هل أحب وأبقى؟ (وبكى الناي. لو أستطيع البكاء كناي.. عرفت دمشق!)
في اللقاءات الأخيرة، كما في الاتصالات الأخيرة، كان الموت ثالثنا دائماً.
كان واضحاً أنه قد دخل معركته مع الموت مواجهة.. لذا كان يخاف أن ينام حتى لا يأتيه في غفلة. كان يريد أن يواجهه في عينيه! لم يكن دون كيشوت. لم يكن عنترة العبسي. لكنه كان قد سئم لعبة الاحتمالات:
«- يحبونني ميتاً ليقولوا: لقد كان منا، وكان لنا
سمعت الخطى ذاتها منذ عشرين عاماً، تدق على حائط الليل، تأتي ولا تفتح الباب.
لكنها تدخل الآن ويخرج منها الثلاثة: شاعر، قاتل، قارئ..»
وكان يفترض أنه، وقد قرر بنفسه موته فإنه سيختار لونه:
«كيف تطلب موتك؟! أزرق مثل نجوم تسيل من السقف»
ولأنه يكره الرثاء بقدر ما يحترم الشهداء، فقد أعطى لنفسه الحق بحراستهم:
«عندما يذهب الشهداء إلى النوم، أصحو وأحرسهم من هواة الرثاء
أقول لهم: تصبحون على وطن، من سحاب ومن شجر، من سراب وماء».
* * *
اختلفنا، غير مرة، في نقاشنا السياسي حول المسار السياسي للقيادة الفلسطينية. كنت أكثر حرية، وكان أكثر حرجاً. إن له اعتراضاته، لكن ماذا تراه يفعل وقد تداخلت الهوية والأرض والقضية والسلطة؟ لقد بات متعذراً وضع الحدود بينها. كذلك فقد بات العجز فاضحاً.
وليس من السهل الادعاء أن استيلاد بداية جديدة أمر ممكن. تلك مهمة أجيال جديدة. وتلك مهمة تحتاج إلى زمن إضافي لا نملكه. ثم إن صورة العدو تتبدل في ضوء قدراتك: إذا كنت قوياً كفاية صار قبولك بالصلح تسامياً منك وعفواً كريماً عمن أخطأ بحقك! أما إذا كان الضعف يتهدد هويتك في يومك، فكيف يمكنك أن تستنقذ منها ما أنت بحاجة إليه في غدك؟
ثم إن محمود درويش يعرف إسرائيل من داخلها. يعرف أحزابها ومنظماتها. يعرف عن جيشها وعن مخابراتها. يعرف عن «العرب» فيها. ويعرف الفروق بين اليهود الأصليين واليهود الذين استوردوا من بعض أوروبة، ويعرف من هودوا ليصيروا إسرائيليين.
في يقين محمود درويش أن الحق لا يضيع والأرض لأصحابها مهما جرى، وأن مسار التاريخ واضح، بشرط أن يكون أهله حاضرين:
«على هذه الأرض ما يستحق الحياة. على هذه الأرض سيدة الأرض، أمّ البدايات، أمّ النهايات. كانت تسمى فلسطين. صارت تسمى فلسطين. سيدتي، أستحق، لأنك سيدتي، أستحق الحياة».
لفلسطين الحياة، ومحمود درويش منها ولنا ومعها وفيها.

* * *
محمود درويش في الصحافة الغربية
• إسكندر حبش

«على هذه الأرض ما يستحق الحياة»، لكنه الموت البشع الذي يفاجئنا حين لا نتوقعه، حين نظن أن الحياة لا تزال ممكنة بعد، وأن ثمة شيئا ما يربطنا إليها. لكن الأمور تقع فجأة في غيابها، وإن كنّا على اقتناع ضمني بأنّ الرحلة لا بدّ أن تنتهي ذات يوم.
من هنا ثمة سؤال آخر، حقيقي، لا بدّ أن يطرح نفسه علينا، هل أن رحلة محمود درويش قد انتهت فعلا؟ ربما كنا نستطيع أن نتحدث عن الموت الجسدي، إلا أن حياة أخرى تُفتح للشاعر بعد موته، هي رحلة الكلمات التي ستأخذ مساراً آخر بعيداً عن هذا التماس الجسدي مع صاحبها، وكأن تماساً آخر يتشكل ليترك الشعر عارياً، وحيداً، في مهب كل الاختلافات التي قد تقال.
لكنها اختلافات قليلة، فلا أحد يستطيع أن ينكر ما ترك هذا الرجل وراءه من شعر ومن إنسانية ومن محبة نثرها، على الأقل، في نفوس قرائه. بل ثمة شيء أكبر من ذلك، تماما كما قال منذ فترة، في الزميلة «لوريان ليتيرير» حين تحدث عن الروائي المصري الراحل نجيب محفوظ. قال درويش يومها: «البارحة واليوم وغدا، كان نجيب محفوظ وسيبقى أحد أكبر آثار مصر، سيبقى حياً ومهيبا تجاه الزمن. لقد غادر جسده الهزيل، إلا أن روحه المتجسدة في أعماله العملاقة ستبقى حاضرة في ذاكرة الأدب العربي الذي دفع به محفوظ نحو العالمية»..
لا أعرف لماذا أقرأ في هذه الكلمات حالة درويش نفسه، فالبارحة واليوم وغدا، سيبقى درويش أكثر من رمز لفلسطين التي أحببنا، فلسطين التي أصبحت هذا الوطن الذي نريد أكثر من أي زمن آخر. فلسطين الشعر الذي كتبه درويش، والذي أعاد إليه الكثير من هذه الإنسانية المفقودة. لا شك أن رحيل أي شاعر لا بد أن يزيد من حصتنا الحالكة في هذا العالم، فكيف والغائب اليوم، شاعر بحجم هذا الوطن الذي حلم به، الذي تنفسه حتى اللحظات الأخيرة. هذا الوطن الذي تماهى معه لدرجة الاتحاد والتجسد.
ولأن رحيل أي شاعر حقيقي لا بد أن يثير الكثير من كلمات العزاء والتقدير، أفردت غالبية صحف العالم صفحاتها لهذا الرحيل، لذلك، هنا محاولة للإطلالة على ما كتبته بعض صحف العالم عن غياب درويش.
تحت عنوان «محمود درويش: مرتل الأرض المعشوقة» كتب «ليونيل شيوش» في صحيفة «تريبون دو جنيف» (السويسرية) قائلا: «الموت طالما جاوره في مناسبات عدة، لدرجة أنه استخرج منه استعارة مدهشة: «قصيدة جدارية» التي استطاع الجمهور في جنيف أن يكتشفها على خشبة مسرح سان جيرفيه في العام ٢٠٠٥».
الخلاسيات التاريخية
وبعد أن يشير إلى سبب رحيله، يمضي الصحافي السويسري بالقول إنه كان أحد أكبر شعراء اللغة العربية. «وقد ورد اسمه -المبجل في مسقط رأسه فلسطين- في قائمة لجنة نوبل من سنوات. ولكن إن لم يحز الجائزة، فهذا لا يعني أن درويش توقف عن أن يكون منشد هذه العودة إلى الحياة الطبيعية، أن يكون شاعر الخلاسيات التاريخية (..). فهذا الصوت الذي كان يحمل إلى البعيد الأصداء المأساوية لشعب وأرض، وجد فيه البعض بأنه يشكل الشاعر الرسمي للمقاومة. بيد أنه دور غالبا ما يقلل من أهمية شعر درويش الذي كان يرفضه. إذ غالبا ما كان يجيب الذين يسألونه عن التزامه بالقول «أن أكون فلسطينياً ليس مهنة».
ويجد كاتب المقالة أن قوة قصائده كانت إلى درجة دفعت وزير التربية الإسرائيلي إلى المطالبة بوضع بعض قصائده في المنهج التعليمي -(وهو أمر رفضه يومها يهودا باراك)- حتى إن شارون بنفسه قال بعد أن قرأ لماذا تركت الحصان وحيدا «بأنه فهم الآن تعلق الفلسطينيين بأرضهم».
من جهتها كتبت صحيفة «لومانيته» (الفرنسية) تحت عنوان «محمود درويش: شاعر كبير وفلسطيني كبير» التالي: «رحل محمود درويش بعيدا عن زيتون مسقط رأسه الذي لم يتوقف عن إنشاده في قصائده. ولسخرية القدر، توفي بعيدا عن أرض فلسطين التي لم يتوقف عن غنائها في شعره. هذه الأرض التي طالما حرث منها الحب والحنين، بدءا من زمن المنفى وصولا إلى زمن العودة غير المكتمل، الأبتر، الذي ومنذ العام ١٩٩٥ كان يعده بمثابة غياب».. وتمضي كاتبة المقالة فرانسواز جرمان روبان بالقول: «هذه الأرض وهذا الشعب، اللذان كانا بالنسبة إليه عائلته وحبه، من بينها الصخور والزيتون والصعتر والكروم التي صعقته، كل ذلك جعل منه شاعر فلسطين. لدرجة أنه دافع بجسده، في السنوات الأخيرة، عن رغبته في أن يعترف به، وبعيداً عن كل شيء، بأنه شاعر كوني أي أنه يغني أيضا حب النساء والأزهار والحياة».
وتضيف كاتبة المقالة: لقد مات في الولايات المتحدة، تماماً مثل ذلك الكاتب الكبير والموسيقي الفلسطيني الآخر، الذي أصبح صديقه فيما بعد: إدوارد سعيد. في المرة الأخيرة التي رأيت فيها درويش، كانت في باريس خلال مناسبة تحية أقيمت له. قرأ يومها نصا يروي فيه لقاءه بسعيد. هناك. في المنفى. لأن محمود درويش هو شاعر المنفى، شاعر هذا التقليد الأدبي الكبير الذي يضم من سبقوه من فيكتور هوغو إلى ناظم حكمت. ربما يجدر بنا القول إنه شاعر المنافي..
وتختم «الأومانيتيه» بالقول: «حتى التمزق الأخير، كان أسوأ ما رآه في حياته هو ما علق عليه بمرارة، حول الحرب المندلعة بين حماس وفتح. قال لقد انتصرنا. لدينا الآن دولتان، سجنان لا يتكلمان مع بعضهما البعض. نحن ضحايا لبسنا ثياب الجلادين»..
الهنود الحمر
تحت عنوان «محمود درويش المنفى الأخير» كتب كريستوف عياد في صحيفة «ليبراسيون» قائلا: «في مسائه الأخير على هذه الأرض، توفي محمود درويش في هيوستن (تكساس)، أي توفي في لا مكان (..) أي نهاية أحزن بالنسبة إلى هذا الشاعر الذي نجح في جعل فلسطين موجودة عبر قوة الكلمات فقط! أي سخرية أكبر لهذا الشاعر الذي قارن الفلسطينيين بهنود أميركا الذين طردوا من أرضهم ليموتوا مثل أشجار اقتلعت».
الكاتب الفرنسي بيير أسولين، كتب في «مدونته» على الإنترنت مقالة بعنوان «من أجل تحية محمود درويش» حيث يبدأ كلامه بالقول: «في النهاية هذا هو الشعر: محمود درويش، أحد أكبر شعراء اللغة العربية، كان يقرأ قصائده بالعربية في فرنسا أمام جمهور فرنسي حيث إن عدداً كبيراً منهم لا يفهموا أي كلمة من لغته، استمعوا إليه لساعات مندهشين من هذه الموسيقى، مأسورين بما كانت تقوله، بحميمية، كلماته التي كانوا يتلقونها بعمق في حين أنهم كانوا غرباء من حيث المبدأ. هذا السحر هو ما يسمى الشعر.. مع رحيل الشاعر الفلسطيني، ثمة شيء سيختفي بالتأكيد. لكن كتبه ستبقى حاضرة بدون شك. وستتبعه قصائده لفترة طويلة جداً. سيبقى اسمه يلمع كميراث ثقافي للعالم العربي، بيد أن ما سنفتقده إلى الأبد هو صوته، هذه البذرة الفريدة الخارجة من هذه النظرة الحاملة للرؤية».
«صوت فلسطين» عنوان المقالة التي صدرت في صحيفة «لوبوست» حول رحيل الشاعر محمود درويش، وقد جاء في بدايتها: «للشاعر وطن أول: الشعر. إن موت أي شاعر حقيقي لا بد أن يحزن كل عشاق الكلمات.. لقد أنشد ألما يعرفه جيدا: ألم المنفى. كان وسيبقى «الشاعر الوطني الفلسطيني». بالرغم عنه. ومع ذلك فقد اضطلع بدوره. بما أن الشعب الفلسطيني كان يتعرف عليه من كلماته مثلما كان يجد نفسه، لذلك يشعر بأنها تحمله على أجنحتها. كانت صوره، غنائيته، وحيه، أناشيد الحب، دواره أمام الزمن الذي يمر، تساؤلاته حول هويته، تسمح لهم وستسمح لمن يقرأونه دائماً كما لمن استمعوا إليه، بأن يجدوا فيه العزاء والتشجيع.
* * *


    رد مع اقتباس
قديم 2010-07-31, 01:30 PM   مصطف عبدي غير متواجد حالياً   رقم المشاركة : [5]
مصطف عبدي
The Godfather
الصورة الرمزية مصطف عبدي
 

مصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاً
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى مصطف عبدي إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى مصطف عبدي إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطف عبدي

الأصدقاء: (62)


درويش ودراما العودة
• نائل الطوخي

كانت أم محمود درويش تتمنى أن يدفن ابنها في قرية «جديدة»، وهي قريته التي سكن بها منذ طفولته. قالت: «كنت أريد أن يدفن ابني في جديدة، ولكنه منذ زمن طويل لم يعد ابني، إنه ابن العالم العربي كله».
الصراع الملفت حول جثة درويش انتهى بانتصار السلطة. دار الصراع بين عائلة درويش التي ترغب في دفنه بقريته «جديدة»، وبين السلطة الفلسطينية التي تسعى لدفنه في رام الله. أرادت السلطة الفلسطينية احتكار الابن الطيب لها، قمعت الرغبة العائلية البسيطة بأن يدفن ابنها إلى جانبها. هكذا تم تمزيق ما بين درويش وبين أهله بقوة، لأنه من واجبات السلطة أن تحوز لنفسها النياشين، ودرويش هو النيشان الأكبر. ما جاء ليفعله هذا المقال، هو تأمل هذا الصراع، ومقارنته بحدث آخر، تم منذ أكثر من عام، وهو زيارة درويش لحيفا، ومن هذه المقارنة نعرف كيف تخلق القصة الصحفية، وكيف تخلق السلطة أسطورتها، وتسكت الأساطير الأخرى، وتلغي حتى احتمالات تكونها.
* * *
في البداية، ومع تواتر الأخبار عن زيارة مرتقبة يقوم بها محمود درويش إلى حيفا بعد ما يقرب من أربعين عاما من مغادرتها، بدا الجميع مرتبكا، لم يصدق أحد. بالتدريج، وخلال ساعات، بدأوا في التصديق، وفي ملاحظة أن «القصة»، بمعناها الصحافي، على وشك أن تتحقق الآن. أشارت وقتها جميع المانشيتات الصحفية إلى «العودة»، وأي عودة سوى العودة إلى حيفا. الزيارة بشرت بها عناوين صحفية كثيرة وذكية: «محمود درويش عائد إلى حيفا»، «أحمد العربي يصعد كي يرى حيفا ويقفز»، و«محمود درويش على «مشارف» «الكرمل».
كل شيء كان حاضرا في هذه العناوين الثلاثة: غسان كنفاني، وهو الفلسطيني ببيروت، عبر عمله الروائي «عائد إلى حيفا»، سهام داود والتي نظمت الأمسية، هي الفلسطينية بإسرائيل، عبر عملها الصحافي، بدورية «مشارف»، ودرويش يحضر عبره هو ذاته، الفلسطيني برام الله وعمّان، وعبر عمله الشعري، «أحمد الزعتر»، والصحافي، «دورية الكرمل». هكذا، تجتمع المنافي، تعود إلى فلسطين الأصلية، التاريخية، فلسطين التي أصبح اسمها إسرائيل، فلسطين ٤٨. هكذا يمكننا أن نفهم «عودة» وليس «زيارة» محمود درويش لحيفا، الفلسطينيون يجتمعون برمز فلسطين، بالشخص الذي خلق فلسطين الأدبية أكثر من أي شخص آخر، الشتات الفلسطيني يلتم ببعضه.
* * *
ألفا شخص حضروا الأمسية وقتها. أية أمسية أدبية في إسرائيل يمكنها أن تجمع ألفي شخص؟ ولا واحدة. كان هذا مثيرا لغيرة إسرائيليين كثيرين، كما تشهد بذلك تعليقاتهم على تغطيات الأمسية في الصحف العبرية. قال أحدهم إنه أحس كما لو كان في أم الفحم وليس في حيفا. لساعتين تحولت حيفا إلى مدينة فلسطينية، مثلها مثل أم الفحم الضفاوية. بمعنى آخر أدق، ليس فقط أن درويش عاد إلى فلسطينه، وإنما «عادت» حيفا أيضا إلى فلسطينيتها، ليس فقط لأنها تحولت إلى مدينة تشبه أم الفحم، ولكن أيضاً باحتشادها لرؤية خالق فلسطين الأدبية.
يصعب العثور على شخص كتب فلسطين، وارتبطت صورتها بصورته، كما فعل درويش، ربما بخلاف عرفات شخصيا. مع النكبة، فر الطفل محمود من قريته الجليلية مع الفارين، كما تسلل إليها عائداً مع المتسللين، رفض الجنسية الإسرائيلية عند سن معين، غادر فلسطين ٤٨، ثم انصهر في مصهر الشتات الفلسطيني، بيروت، مع المنصهرين. بالتزامن مع كل هذا، كانت الأرض تنمو في قصيدته، مثلما ينمو في قصيدته المخيم الذي حل بديلا مؤقتا عن الوطن، ومثلما ينمو الفلسطيني، اللاجئ المولود في نفس المخيم. خلق درويش فلسطين حديثة تشبه تلك التوراتية، سفرجل وزعتر وسنونو، حبقا وزنزلخت، ولكن أيضا، بندقية وبركانا وهوية. الهوية كانت هي كلمة السر في عدد من قصائده الأكثر انتشارا. في النهاية لم تكن صورة وهوية فلسطين لتتكون بالشكل الذي هي عليه الآن من دونه، في هذا الأمر يبدو إنجازه أكبر بما لا يقارن حتى من إنجاز إدوار سعيد نفسه.
يدرك هذا وقتها عباس بيضون، يدرك التماهي بين درويش وفلسطين إلى حد صار يمكن بمقتضاه اختزال أحدهما في الآخر، يكتب في «السفير» اللبنانية قائلا عن زيارة درويش لحيفا بعد ٣٧ عاماً من مغادرته لها: «إذ حينما تكون وطنية محمود درويش على المحك فإن الأمر مهول وخطر، فأن تكون وطنية شاعر الهوية الفلسطينية ورمزها الأدبي متهمة فهذا يعني أن الثقافة الفلسطينية التي احتل درويش هذا المقام فيها متهمة وموصومة أيضاً.»
* * *
لم تنطلق كلمة بيضون من الفراغ، كانت إسهاما في سجال جوهري حول توصيف زيارة درويش، هل هي «زيارة» أم «عودة»، هل هي «عودة» أما شيء يشبه ما يسمى أحيانا بـ«التطبيع». بدا بيار أبي صعب وقتها، في الأخبار اللبنانية، وهو يطلب من محمود درويش ألا يزور حيفا مستشهدا بمقاطعة الفريق الإنجليزي «الرولينج ستون» لإسرائيل، بدا وكأنه يضرب في العمق. في الواقع كان (أبي صعب) مبلبلا، رمز فلسطين يتمرد على أول المحرمات بخصوصها، مقاطعة إسرائيل. أما الفلسطينية عدنية شبلي فلها إطار آخر تضع فيه الزيارة. ترد على أبي صعب في نفس المكان: «فجأة إذاً كي يصبح محمود درويش الفلسطيني مؤازراً لفلسطين، عليه أن يتحول إلى إنكليزي ذي ضمير سياسي، عليه أن يتعامل مع فلسطين المحتلة في عام ١٩٤٨، بلده، على أنها إسرائيل، عليه أن يعتبر فلسطينيي الداخل على أنهم إسرائيليون، أن يعلن أن حيفا هي أرض العدو!».
محمود درويش غير الرولينج ستون. الرولينج ستون قد «يزورون» حيفا بينما درويش «يعود» إلى حيفا، الرولينج ستون عندما يزورون فلسطين فإن فلسطين تصبح هي إسرائيل، أما لدى درويش، الفلسطيني بألف لام التعريف، فإن الأمر يصبح مختلفا، يصبح التحام الفلسطيني بأرضه. ثمان وأربعون ساعة فقط كان يمكن لها أن تحشد كل العواطف حولها، تصبح الزيارة عودة، أو شبهة عودة. هكذا يضطر درويش للقول في حوار مع هآرتس قبيل سفره: «لا أريد إخافة القراء. فأنا لا أنوي تحقيق حق العودة». كما يضطر للحديث مطولا قبل السفر عن مفهوم العودة مع صحيفة الاتحاد الحيفاوية. ينفي المفهوم، من الناحية الفلسفية، مستشهدا بعوليس وإيثاكا. وللمفارقة فقط، كان درويش قد عمل بصحيفة الاتحاد قبل مغادرته فلسطين 48، والآن «تعود» هي إليه لتحاوره شاعرا كبيرا وتطلب منه استحضار فترة عمله هناك مع إميل حبيبي، أي الرجوع بشكل ما إلى ماضيه. العودة كانت هي العنوان الذي لا مفر منه للحدث.
السؤال الأساسي هنا الآن: لماذا لم يتم إذن طرح مفهوم «العودة»، كعنوان لرغبة عائلة درويش بأن يدفن ابنها بجانبها؟ لماذا تم تغييب المفهوم وإلغاء احتمال تشكل الأسطورة و«القصة الصحفية»؟ ولماذا وصفت رغبة العائلة في حدودها الدنيا: رغبة عائلية فقط وليست رمزية، اشتياق إلى جسد الابن وليس التحاماً، تأجل طويلا، بين الشاعر وأرضه؟ على عكس ما حدث في قصة «العودة إلى حيفا»؟ الإجابة: لأن السلطة كانت هي الخصم هذه المرة، والسلطة هي في رام الله، وليست في «جديدة». والسلطة هي ما كانت تعني هذه المرة «فلسطين».
كان التئام الجرح في حيفا وقتها مؤلما تماما، تم عبر الجيش الإسرائيلي. منع الجيش درويش من البقاء في حيفا لأكثر من يومين، بينما كانت سهام داود قد أعلنت عن أن درويش لو بقي أسبوعا كما طلبت كان ليتمكن من زيارة أمه التي تبلغ تسعين عاما والمقيمة في قرية «جديدة». لا يصرح الجيش، ولكن درويش يتمكن من زيارة أمه في الثماني وأربعين ساعة التي قضاها ببلده. هكذا، تتطور القصة الخاصة بالجرح الفلسطيني: تم تقصير فترة إقامة درويش بشكل عمدي، عسكري، لمنع الشاعر القومي، شاعر فلسطين، من الالتقاء بأهله وبأرضه بالمعنى الفعلي والمجازي للكلمة. ولكن برغم المنع الإسرائيلي، فقد أمكن للفلسطيني الالتئام بأرضه وبأمه. تشتعل كل العواطف حول الأمسية، لتصبح رمزا لإغلاق الدائرة التي طال فتحها طويلا، والتعبير لمحمود درويش، الذي يقول في حواره لهاآرتس رداً على السؤال عن سبب مغادرته بلدته منذ ٣٧ عاما: «حتى أعود بعد ٣٧ عاماً. هذا يعني أنني لم أنزل من الكرمل في ٧٠ ولم أعد في ٢٠٠٧. كل شيء هو مجاز. أنا الآن في رام الله وفي الأسبوع القادم سأكون في الكرمل وأتذكر أنني لم أكن هناك لأربعين عاماً، فهذا يعني أن الدائرة أغلقت وكل السفر الذي طال سنوات كان مجازا».
* * *
العودة مفهوم مستحيل بلا شك. لا أحد يعود وإنما الجميع يسيرون في طرق جديدة، بلا أمل في الالتفات الحقيقي إلى الخلف، ومن استحالته تنبع رومانتيكيته، هو الحلم الذي يطمح الجميع لتحقيقه ولا يستطيعون، كما أنهم في نفس الوقت لا يستطيعون التخلي عنه نهائياً. من هنا حضر عرب إسرائيل، هم ذوو الجنسية الإسرائيلية، الأمسية، بهدف العودة لفلسطينيتهم، ومن ذا قادر على منحهم إياها سوى درويش، وبهدف رؤية درويش عائداً إلى فلسطينه، فلسطينه التي لم يجد المحامي خالد محاميد، وهو أحد حضور أمسية درويش، تعبيرا عنها أكثر احتشادا من بعض أوراق الليمون جمعها من بيت الشاعر الكبير بقرية البروة التي ولد بها. ينتظر محاميد انتهاء درويش من أمسيته ليمنحها له، متخيلا بالتأكيد لحظات عاطفية جياشة، دموعاً وعناقاً حاراً بين الشاعر وتراب أرضه، بين تراب الأرض وشاعره. ولأن لا أحد يعود فعلاً، فلم يأخذها درويش. درويش كان يحاول اختزال البعد الدرامي إلى أقصى حد. يغادر القاعة مسرعا غير سامح للصحفيين بطرح أية أسئلة عليه، ومقللاً بشكل متعمد من إمكانيات كتابة «قصة» صحفية عن هذه الزيارة. وعلى الرغم من هذا تمت وقتها كتابة القصة.
العكس من هذا تماما يحدث الآن. درويش نفسه، قبل موته بأسبوعين، يعود إلى قريته، يقبل أمه ويخبرها بقرار خضوعه للعملية بأميركا. كأنه يريد كتابة قصة «عودته»، التحامه بأرضه المتزامن مع الموت، وعلى الرغم من هذا، تقرر السلطة استبعاد عائلته، فصله عن أرضه الأولى، واحتكار جثمانه لنفسها. وتستجيب العائلة، لأنه «منذ زمن طويل لم يعد ابنها. وإنما ابن العالم العربي كله» والعالم العربي يوجد في رام الله، وليس في أي مكان آخر.

* * *

عشنا في زمنه
• حسن خضر

ف
ي العام ١٩٦٩ قرأت «عاشق من فلسطين» تحت عمود الكهرباء في الشارع في مخيم للاجئين. لم أنتظر حتى العودة إلى البيت، وأنستني القصائد أن منعا للتجوال سيبدأ بعد قليل. وفي أواخر ذلك العام دخلت السجن. كان المحققون يجردوننا من الملابس في منتصف الليل، في قاعة كانت ذات يوم ملعباً للكرة الطائرة، ويضربوننا بأسلاك مجدولة، ثم يضعوننا تحت دشات مياه باردة، ويعيدون الكرّة حتى انبلاج الفجر، قبل إعادتنا نصف أموات إلى الزنازين.
على أي حال، قبل دخول السجن بوقت قصير سمعت، أو قرأتُ، لا أذكر، بأن الإنسان يمكنه تحمّل الألم إذا شغل ذهنه بشيء آخر.
وكان أوّل ما فعلته عندما سرى الألم في جسدي أن بحثتُ عمّا يشغل الدماغ عن التفكير في الألم. حينها بزغت من مكان ما في الذاكرة كلمات وصور متلاحقة: «عيونك شوكة في القلب توجعني وأعبدها، وأحميها من الريح، وأغمدها وراء الليل والأوجاع أغمدها فيشعل جرحها ضوء المصابيح، ويجعل حاضري غدها، أعز علي من روحي».
للعمر أحكامه. وعندما تكون في السادسة عشرة من العمر، يسهل على الجسد أن يتحالف مع الذاكرة، ويسهل على الاثنين تشكيل جبهة موّحدة لمقاومة الألم. وهذا ما كان. أسلاك مجدولة تصنع خيوطاً دامية ومتقاطعة على الجلد، لكن الروح قوية، والشعرُ يمكّن الولد من العض على شفتيه لئلا يفوز الجلاّد بصرخة هي بعض ما ينتظره من غنائم الحرب.
لم أذكر هذه الحادثة لمحمود، رغم صلة امتدت لسنوات طويلة، وصداقة جعلت من الشخصي والحميم موضوعا لذكريات متبادلة. لم أذكرها لأن فيها ما يشي باحتمال الابتزاز العاطفي، ولأن أعدادا يصعب حصرها من الأولاد والبنات في فلسطين، والعالم العربي، مرّوا على مدار العقود الأربعة الماضية، بتجارب، وعاشوا انفعالات متباينة، اقترنت على نحو أو آخر بكلمات، وأخيلة، وصور، مستمدة من قصائده.
وفي أمر كهذا ما يبرر القول بأن فعل الاقتران، بقدر ما كان فرديا، وحميما، إلا أنه امتلك خصائص تجربة جمعية بامتياز. وهذا ما يستحق التأمل والتفكير: لماذا احتل محمود درويش مركز القلب من تلك التجربة؟
أقرب الإجابات إلى الذهن، وأكثرها ابتذالاً، تبرر صعوده المفاجئ في أواخر الستينيات بعودة الفلسطينيين، وقد أصبحوا فدائيين، إلى قاطرة التاريخ، وارتفاعهم في المخيال القومي العربي إلى مرتبة الأيقونة. ومصدر الابتذال، هنا، لا يتجلى في استحالة العثور على عناصر من هذه وتلك في الظاهرة الدرويشية -خاصة في مراحلها الأولى- بل في عجزها عن العثور على المعادل الشعري لصعود جماعة بعينها، وتحويلها إلى أيقونة في مخيال ما.
ثمة إجابة مغايرة: لم يكن محمود الأكثر صخباً بين الشعراء الفلسطينيين والعرب، وكان أوّل من تنبه إلى ما يُلحقه تحويل جماعة بعينها إلى أيقونة من ضرر بقضية الشعر، عندما أطلق في وقت مبكّر نداء «أنقذونا من هذا الحب القاسي»، الذي انطوي، ضمن أمور أخرى، على ضرورة قياس الشعر بأدوات الشعر لا بالسياسة.
وإذا شئنا الكلام عن الكيمياء الخاصة، التي تبلورت بفضلها الظاهرة الدرويشية، فلنقل إن اللغة، والأخيلة، والمجازات، التي خرجت من الجليل في أواخر الستينيات، كانت مسكونة بأيروسية شبه رعوية، فتية، وفاتنة، تعيد الاعتبار إلى البلاد لا باعتبارها جنة ضائعة، بل امرأة مستعصية ومشتهاة. الأيروسية ليست مشروطة بالمرأة دائماً، لكن تأنيث الأرض، وتأثيثها بالناس والشجر والتجارب اليومية، وأنسنة العدو، كانت كلها علامات على لغة جديدة وذائقة مختلفة.
لم يكن محمود أكبر، من حيث العمر، من الشبان والشابات الفلسطينيين والعرب، الذين انخرطوا في الكفاح من أجل فلسطين، كان واحدا منهم. أما اللغة، والأخيلة، والمجازات، التي تبرعمت على يديه، فقد كانت (إذا استعرنا مجاز النحّات الذي لا يخلق التمثال، بل يبحث عنه في الصخر، من مايكل انجلو) ما عثر عليه بالموهبة، والمثابرة، في عالم وذائقة الستينيات، من معادل شعري لما يعتمل في قلوب وأذهان شبّان وشابات، يمكنهم التماهي معه، حتى وربما بفضل ظروف استثنائية من نوع التعرّض للتعذيب.
وفي أمر كهذا ما يفسر، أيضاً، معنى الشاعر القومي (حسب الدلالة المتداولة في اللغات الأوروبية) فقد كان بإمكانه، دائما، قول أشياء، لا يجد الناس صعوبة في التماهي معها.
ومع ذلك، لا مجال للاستفاضة في هذا الجانب الآن، بل التنبيه إلى حقيقة أن ذلك المعادل الشعري كان نوعا من القيد، أيضا. فالذائقة تتغيّر، كما يتغيّر الناس الأحياء. ولعل في محاولة للعثور على أكثر من احتمال للتمثال، والتحرر من سطوة المألوف والمضمون، ما يفسّر التحوّلات اللغوية والجمالية والهموم الشعرية، إذا شئت، التي عاشها محمود درويش منذ «سرحان يشرب القهوة في الكافتيريا» وحتى «لاعب النرد» التي قرأها في رام الله قبل أسابيع قليلة.
قبل عامين، وفي فحوصات روتينية، اكتشف الطبيب أن شرايين القلب تتوّسع، ويمكن أن تنفجر في أي لحظة، وأن القلب -الذي تعرّض لعمليتين جراحيتين من قبل- لا يحتمل جراحة ثالثة. وحتى في حال نجاح جراحة كهذه، ثمة احتمال الإصابة بالشلل. وقد عاش محمود خلال هذه الفترة كمن يحمل لغما في قلبه. المجاز الذي استخدمه أكثر من مرّة لوصف معايشة احتمال الموت بطريقة يومية، تقريبا.
ولستُ، هنا، في معرض سرد التفاصيل، بل استحضار نقاش دار بيننا بعد عودته من باريس. واللغم في قلبه. قال محمود لم يبق لدىّ الكثير من الوقت. وفي ما تبقى من وقت سأتفرّغ للشعر. ويومها اتفقنا على «تجميد» صدور «الكرمل»، التي أحبها، دائماً، وأنفق عليها الكثير من الوقت والجهد. والمهم، هنا، أن التفرّغ للشعر كان يشبه سباقا مع الموت.
كان الشعر سره الفصيح. والإخلاص لقضية الشعر جمرة متقدة في الروح. وعلى مسطرة كهذه تُقاس ظاهرة فريدة من نوعها في الشعر العربي. وهي، أيضا، من بين أشياء كثيرة تفسّر لماذا شعر ربما ملايين من العرب والفلسطينيين يوم سمعوا نبأ غيابه بأن حائطاً كبيراً في بنيان عالمهم قد انهار. وتفسر، أيضاً، لماذا نفكر نحن، الذين عرفناه عن قرب، بأن العيش في زمن محمود درويش، وبالقرب منه، كان منّة من السماء، وبأن عالمنا يحتاج الآن إلى ترميم، ربما يطول أكثر مما تبقى لنا من عمر.

* * *
شــهادات وآراء
«دلّلوهم» وهم أحيــاء!..
غادة السمّان
تقديم «اللاتعازي»

قرأت في الصحف عشرات من كلمات الرثاء الجميلة بمناسبة رحيل الشاعر الكبير محمود درويش.. وبعضها صادق أو نصف صادق أو كاذب بجمال إبداعي، وأصدق ما قيل في تلك المناسبة الحزينة هو ما لم يُقل: إنها صورة والدة محمود درويش وهي تنتحب على ابنها.. هذه السيدة وحدها نقلتني إلى حافة الدموع، وكلامها العفوي الملتاع البسيط المكسور وَخَزَني في القلب.
ما من لوعة في العالم تشبه لوعة الأم في حين يموت ابنها قبلها.. وأمام ذلك الحزن تصير كلمات رثاء الآخرين لهبة شمعة في حضرة شمس الأسى الحارقة.
سيدتي، لعينيك وحدهما، ولخبزك الذي تغنى به ابنك أقدم «لاتعزيتي» إذ لا عزاء لقلبك أيتها الأم الحزينة..
مقهى الذكريات صار بنكاً!
كأنها البارحة.. حين سمعت للمرة الأولى باسم محمود درويش من غسان كنفاني الذي كان فخوراً (باكتشافه) لشعر المقاومة في فلسطين المحتلة، لمحمود درويش وسميح القاسم وسواهما..
وهكذا حين ذكر لي الشاعر أدونيس مطلع السبعينيات أن محمود درويش في بيروت، هرولت إلى اللقاء في مقهى «السكوتش كلوب» ببطني الكبير لأسباب تتعلق بالإنجاب غير الأبجدي (لازلت أذكر الطاولة التي جلسنا إليها ثلاثتنا مقابل البحر واليوم صار المقهى بنكاً.
ومنذ ذلك اللقاء الأول لاحظت أن لقب «شاعر المقاومة» ليس المفضل لديه وأنه يريد أن يكون «شاعراً كبيراً» ولذا لم يدهشني فيما بعد حين كتب محمود درويش صارخاً: ارحمونا من هذا الحب القاسي..
وكنا نريد أن نسمعه يردد: «سجل أنا عربي.. ورقم بطاقتي خمسون ألفاً»..
ذاكرة فيل.. أخضر!
بعدها دعوت محمود درويش إلى العشاء في بيتنا ذات صيف فبل الحرب حين كانت بيروت بحق عاصمة الحرية واللقاء بين معظم رموز الثقافة العربية، وذكرت له أن الحضور هم يوسف إدريس وأحمد بهاء الدين وشفيق الكمالي والطيب صالح ونزار قباني وزوجته صديقتي الحميمة بلقيس الراوي وهو يقاطعني معتذراً حتى قلت له: والمبدعة فيروز وعاصي ومنصور وزوجته و..و..
وهنا أسكتني محمود قائلاً: سأحضر! فأنا من المعجبين بفيروز الرائعة وبالفن الرحباني..
الزواج؟ يا للهول!
وجاء محمود والمدعوون جميعاً باستثناء الطيب صالح. ورن جرس الهاتف وكان الطيب صالح الذي قال معتذراً بأنه جاء بالتاكسي ولم يعرف كيف يدخل إلى «قصر الداعوق» المحاط بأسوار وحدائق وأبواب، ولما كنت وزوجي حريصين على حضوره، قلت له:
سأركب سيارتي وأطير لإحضارك.. واعتذَرَ، لكنني أصريت وأذكر أنه كان يومها في زيارة إلى بيروت مقيماً في شقة مفروشة بمبنى أنيق في حيّ راق يقع اليوم قرب قصر آل الحريري (لدي ذاكرة فيل أخضر فيما يبدو!)..
وحملت مفاتيح سيارتي استعداداً للذهاب لإحضاره وقال درويش الذي سمع الحوار أنه سيرافقني ولكن صديقتي الحبيبة بلقيس الراوي منعتني قائلة بحزم: ليس بوسعك ترك ضيوفك والذهاب هكذا.. لم تعودي مقيمة في فندق «الكسندر» بالأشرفية.. أنت في قصر الداعوق ومسؤولة عن ضيوفك. وانفجر درويش ضاحكاً: وقال جاداً بظرف: إنها متزوجة منذ أعوام.. هذا يكفي فهي كاتبة.. دعيها تهرب من كل شيء.
ووعيت لحظتها أن درويش يجد الزواج عدواً للكتابة.. في المطلق ودونما أي استثناء..
ولذا لم يدهشني فيما بعد ألا يدوم زواج درويش إلا عدة أشهر مهما كانت الزوجة جميلة وذكية ومثقفة وموهوبة ورائعة.. كان درويش يعتقد أن الصدام محتوم بين الكتابة والزواج..
رفض المساومة على الكتابة الإبداعية
في مصعد فندق «الفينر هاوس» في بيروت التقينا مصادفة. دهش لوجودي في الفندق واستجوبني وقلت له إنني وزوجي هاربان من حرب الفنادق قرب بيتنا مقابل (الهوليداي ان) وقبلها كنا في فندق (ملاي فلاور) قال إنه هنا لزيارة صديقه الصحافي ع.ب، وسيزورنا بعد أن ينتهي منه، وجاء بكل ظرفه وروى بهلع لبشير ولي مدى ذعره من المرتفعات. فقد «كان في زيارة للقاهرة واصطحبوه إلى أسوان لمشاهدة السد العالي، وتحدث بإسهاب عن خوفه الطفولي حين أطل من علِ على المشهد.. وأظن أن دوار المرتفعات لم يغادره يوماً بمعاني الكلمة كلها: كان معظم الوقت يكره الشهرة والوقوف على (القمة) ثم أن حاجته كانت ماسة للعزلة والخصوصية متفرغاً للإبداع في وكر هادئ لا على قمة الدنيا بدل مغادرته. وهذا الشعور أفهمه جيداً!!
أحب أطفال الآخرين!
ها نحن، بشير وأنا نزوره مراراً أيام إقامته في بيروت، في بيته بشارع متفرع عن الحمراء.. فقد كان متزوجاً من قريبتي الرائعة..
لا أدري لماذا رسخ بالذات في ذاكرتي الأصداف البحرية الجميلة، ولوحات تمثل مدينة القدس لفنانة فلسطينية كبيرة من أسرة عريقة لم أعد أسمع بأعمالها.
ها نحن نلتقيه أيامها مصادفة في شارع بلس وبصحبته صديقه س.ف الآتي من القاهرة، والشابة الجميلة جداً (الزوجة الأولى لمحمود، قريبتي الذكية الموهوبة المثقفة الصبية المرهفة) ونقضي وقتاً مقهقهاً في مطعم سقراط.
الجلسة مع درويش كانت متعة حين يكون في مزاج طيب غير مشاكس ومناكد. ها نحن نواعدهما للغداء في مطعم «ماندارين» في شارع فردان واصطحبنا معنا يومها ابننا حازم وكان صبياً صغيراً ولكثرة ما دلـله محمود قلت له إنه سيكون ذات يوم أباً رائعاً، وانتفض بهلع وقال: أحبه هنا في المطعم معكم. ووعيت لحظتها أن محمود ليس مولعاً بدور الأب!
قلق الكتابة والخوف من التقصير
ها نحن نلتقي مصادفة، بشير وأنا ومحمود في ساحة (الايتاه زوني) ساحة الأمم المتحدة- الباريسية، ومنها إلى مقهى في جادة كليبير.
ورسخ في ذاكرتي ذلك اللقاء لأن محمود تحدث عن قلقه البالغ قبل لحظة الكتابة وخوفه كلما كتب قصيدة وكم يخشى مواجهة الورقة البيضاء حتى إنه يدور في بيته ويرتدي ثيابه وربطة عنقه ويروج ويجيء أمام المرآة لتعديل ربطة العنق مرات.. تذكرت ذلك لأنني مثل محمود وزوجي يعرف ذلك وبعدها صار يداعبني كلما حاولت تأجيل لحظة البدء بالكتابة سائلاً: ألم تنتهي بعد من تعديل «ربطة عنقك» على طريقة محمود درويش؟
أختم بإبداء إعجابي بالكثير المؤثر الذي قيل وكُتب عن درويش بعد رحيله: تُرى لو قيل له وهو حي نصف هذا الكلام، أما كان طال عمره؟ وماذا لو احتفينا ببقية الشعراء الفلسطينيين المبدعين. وغير الفلسطينيين- وهم أحياء؟ ولماذا لا ندلل مبدعينا وهم في عز العطاء؟

* * *

حيت تذكرت «ردم الأساطير»
هيثم حقي

تومض في رأسي فكرة في لحظات فقد الأحبة، فكرة مرعبة أطردها فوراً: «كيف سيكون هذا العالم إذا غاب محمود درويش وفيروز ؟!!». أطال الله عمر فيروز. لكن محمود رحل. ولم أصدق. كنت قد علمت بمرضه لكنني داعبت الأمل وقلت: «لقد تغلب عليه مرتين فلم لا يتغلب من جديد ؟!». لكن القلب المتعب خذلني.. ومحمود لم يعد موجوداً. هل حقاً لم يعد موجوداً؟!!
من أول لقاء لي مع شعره عام 1968 في موسكو أحببت شعره واستمر هذا الحب ينمو ويكبر قصيدة بعد قصيدة ليصل إلى ذروته في آخر لقاء مع قصيدته الجارحة المودعة: «لاعب النرد»، فقد كان محمود صورة جيلنا المهزوم من النكبة إلى النكسة إلى اجتياح بيروت إلى أشكال الاستسلام. كان يقاوم السقوط الذي كان يأتينا مهما فعلنا، ثم يعود ليقول شعراً ساحراً يرفع المتعب اليائس إلى لحظة أمل وتغيير. كان أكثر النهضويين الذين عرفتهم موهبة، لذا كان الأقدر على التقاط اللحظة التي تبدو عابرة لكثيرين ليجعل منها لحظة عالية الجمالية، عالية التأثير والحفر في الروح.
حين عرفت محمود صديقاً ازداد إيماني بأنه من الكبار الذين يجود بهم الزمان كل مئة عام. ذلك الصنف من المبدعين الذين يضيفون للفن تلك الدفعة التي ترفعه إلى مصاف جديدة. محمود الشاعر والإنسان كان كذلك. ولم يتوقف عن دفع الشعر العربي إلى مراتب نسيها منذ أزمان.
حين طلبت منه تسجيل صوته الذي عشقه محبو الشعر في وطننا العربي لمسلسلي «ردم الأساطير» الذي استقيت عنوانه من رائعته المبكرة «يوميات جرح فلسطيني» قال لي: «ما الذي ذكرك بها؟». فضحكت، إذ كيف يمكن أن يخطر في باله أن شيئاً مما كتب يمكن أن ينسى؟!
* *

توأم القلب
مارسيل خليفة

لسنين طويلة ارتبطت موسيقاي بشعر محمود درويش فتآلفت أعمالنا في ذاكرة الناس حتى صار اسم أحدنا يستذكر آلياً اسم الآخر. ولا عجب في ذلك، فكل محطات مساري الموسيقي ولثلاثين عاماً، مملوءة بالإشارات إلى أعمال درويش، بدءاً بـ «وعود من العاصفة» ووصولاً إلى «يطير الحمام» التي لم تسجل حتى الآن، فمنذ أولى محاولاتي وقبل أن يتعرف واحدنا إلى الآخر، كنت أحس أن شعر محمود قد أنزل عليّ ولي، فطعم «خبز» أمه كطعم خبز أمي، كذلك عينا «ريتاه» ووجع «يوسفه» من طعنة أخوته و«جواز سفره» الذي يحمل صورتي أنا، وزيتون «كرمله»، رمله وعصافيره وسلاسله وجلاديه، محطاته وقطاراته، رعاة بقره وهنوده.. كلها كلها سكناها في أعماقي. فلا عجب إن آلفت موسيقاي أبياته في شكل طبيعي دونما عناء أو تكلّف. يقيني أن شعره كتب لأغنيه، لأعزفه، أصرخه، أصليه، أذرفه.. أحوكه ببساطة على أوتار عودي، وإذا أشركت كل آلات الأوركسترا مع كلماته وصوتي طلع ذلك الإنشاد الذي يهز ويؤاسي، يحس ويقاوم. محمود، يا توأم القلب أقولها لك، مثلما كتبتها لي، لو في جنة الله شاعر مثلك لكنت صدّقته.
* * *

روح فلسطين
ماجدة الرومي

وفاة محمود درويش أصابتني بألم وحزن شديدين. لقد كان صوت فلسطين في المنفى، وفلسطين ستزداد غربة في غيابه. كان درويش بالنسبة لي عنصراً أساسياً لأكون قريبة أكثر من أرض فلسطين. إنه روح فلسطين وصوتها. فالتراب لا يعني شيئاً من دون الناس، نحن كنا نتلمس روح فلسطين من خلال محمود درويش، وبغيابه سيكون تلمسها أبعد وأصعب. لكنه سيظل حاضراً في شعره وكتبه وإرثه الغني المبدع. ولا خوف على القضية الفلسطينية بعد غيابه، لأنه ترك في نفوسنا وعقولنا من خلال شعره وثقافته وتمسكه بالقضية، ما هو أقوى من الاحتلال. فالمحتل لا يمكنه مصادرة صوت نقي وروح حرة مثل صوت محمود درويش وروحه.
الأشخاص الكبار مثل محمود درويش يقربوننا من الحرية مهما كانت بعيدة عنا. بدءاً من اليوم سنفتقد شخصية محمود درويش الفذّة والاستثنائية لكن روحه ستظل حاضرة فينا.
* * *
جدارية لعالم بكامله
شوقي بغدادي

إذاً مات الشعر، ومات الجمال، وماتت فلسطين، وماتت اللغة العربية والعروبة! وإن لا.. فماذا تبقى الآن؟ هل تبقى سوى النزاعات الموجعة الدامية بين الإخوة الأعداء؟! وهل يُسمع سوى الصراخ والعويل والنزيف بينهم؟! هل بقي سوى الشعر والأمل الذي يوقظه الكلام الجميل؟!
كان محمود ينبوعاً متدفقاً لا ينضب في زمن الجفاف، ففي كل عام أو عامين يصور له كتاب -أي كتاب- قادر أن يذكرنا بأن فلسطين التي تضيع لن تضيع ما دام هناك جديد متواصل من هذه الهبة الإلهية الخارقة ينعشنا في زمن الموت أكثر من أي زعيم سياسي أو عربي بارع في الخطابة. كان محمود درويش قادراً -ولعله الوحيد الذي كان يملك هذه الموهبة- أن يحرّض في قرائه هذه الثقة العجيبة بأنه ما دام مثل هذا الشاعر على قيد الحياة فإن قضيته لن تموت بالتأكيد.
ليست هذه موجة من الجموح العاطفي تأخذني. إنني يائس بالفعل، ومع ذلك فأنا محكوم بالأمل -كما قال المرحوم الجميل الآخر سعد الله ونوس-. وهذا الأمل لا تحركه «حماس» أو «فتح» أو أي منظمة أخرى.
إن النزاع الأخير الذي يمزق الصف الفلسطيني يمزقني ويمزق معي أمل المحكومين به كما قيل. غير أن القلب الكبير توقف الآن وقد عجز الطب الحديث المتقدم عن إنقاذه، فما علينا الآن سوى أن نحني الرأس واجمين كي نقاوم اليأس المطبق. إن الجمال مصابٌ يترنح الآن كي يترك مكانه للبشاعة وليس أمامنا – كما يبدو لي – سوى ما تركه محمود درويش من أشعار يجب أن نخلو إليها كي نعيد قراءتها صامتين إذ ليس أي كلام آخر قادراً على تعزيتنا وتحريض الأمل المهدد في وجداننا، لقد رثى محمود نفسه قبل أن يرثيه الآخرون وها هو الآن يبدع «جدارية» أخرى لن يستطيع أي شاعر أن يكتب مثلها. جدارية لأمتنا بأكملها، ليس سوى ذكرى محمود درويش صدىً لها معينٌ بحق على الاحتفاظ بالشعلة الذابلة الأمل.. أمل العرب بألا يخرجوا كالهنود الحمر من التاريخ..
رحمة الله عليك أيها الشاعر الذي لن يتكرر!..
* * *

الشعر يخسر نهراً
شيركو بيكس

عندما يحط شاعر طائر بجناحيه الواسعين على الأرض ليودعنا توديعه الأخير.. عندما يرحل «محمود درويش» عن دنيانا التي نجدها أضيق بعده.. تتبدل الطقوس وتتغير الألوان.. فتنكمش قباب السماء وتهتز أركان اللغة. إنه الحزن الذي يتراءى دخاناً.. ويتصاعد مغطياً، بلون الرماد، آفاق الكلمات!
لقد بلغ عدد الشعراء العرب، حتى الآن، عدد أوراق شجرة كثيفة الأنغام، لكن «درويش» يبقى النغمة التي تأبى أن تسكن أو تكفّ عن العطاء. إنه الطائر الذي لوّن بجناحيه سماء الشعر بمدارات وأطياف ساحرة لما يقارب نصف قرن.. وستمتد إلى فضاء الأجيال القادمة من حيث الزمان.. كما امتدت، من حيث المكان، إلى فضاء الشعر الكردي وفضاءات آداب الشعوب الأخرى، فتأثر به جيل رائد من الشعراء الكرد وشعراء المنطقة. لم يكن «محمود درويش» لسان حال الأشجار والأحجار الفلسطينية فحسب.. بل كان، كذلك، ناياً غائراً بأنغامه الحزينة والمتمردة معاً أعماق الإنسان أينما أصغى إلى نبضه. كان شعره ضوء قمر يمنح متلقيه هدوءاً وزوبعة يمنحهم اليقظة في الآن نفسه. كان صهيل حصان أصيل يعدو على الأرض وتغريد يمامة تبحث، عبثاً، عن عشها في السماء. إننا، الشعب الكردي، لا ننسى أبداً ما غنّاه لكردستان، ولا ننسى قصيدته الأخيرة «ليس الكرد إلا الريح».
إن شعره يأبى أن يموت.. لأنه منسوج من كلمات تحفر الذاكرة كما يحفر النهر الأرض ويشق المجرى في الزمان والمكان. إن محمود درويش كان «قدس» الشعر العربي، وسيبقى للإنسانية نورس البحر، الناصع حباً، طالما هناك الحزن والأمل.
لماذا مات هذا النهر فجأة؟
لماذا أسود تل الزعتر هذا في طرفة عين؟
لماذا؟ سقطت قصيدة البدر المتلألئ
من سماء حيفا وغرقت في البحر واختفت؟
يا ترى!
......

* * *
الوجه المشرق
أحمد عبد المعطي حجازي

الجميع الآن يشعرون بأن رحيل محمود درويش فقد حقيقي وخسارة عظيمة للشعر ولفلسطين معاً، لأن محمود درويش وجه أساسي مشرق في الشعر العربي المعاصر، ولأنه أيضاً صاحب قضية قدم لها الكثير واستطاع أن يكون رسولاً لها في العالم من خلال شعره الذي ترجم إلى عشرات اللغات، وقرئ في مختلف عواصم العالم، حتى داخل إسرائيل. ولا شك في أن هناك إسرائيليين تعاطفوا مع القضية الفلسطينية من خلال قراءتهم للشعراء الفلسطينيين عموماً ولشعر محمود درويش بصفة خاصة.
* * *
رام الله العاصمة الموقتة.. لتابوته
نائلة خليل

رام الله كانت مدينة شاحبة أمس، لا حديث لأهلها سوى غياب محمود درويش. الأصدقاء والمقرّبون منه رفضوا الحديث، الشاعر سميح القاسم أجاب بصوت متهدّج على الهاتف: «أنا مخنوق مش قادر أحكي». أما الشاعر غسان زقطان والكاتب زكريا محمد، فلم تفلح كل المحاولات في إخراجهما عن صمتهما. بعد الإعلان عن خبر وفاته رسمياً، تجمّع العشرات من محبي درويش، على دوار المنارة وسط البلد، يحملون الشموع وينتحبون. «لم يعد لدينا أحد»، كانت هذه العبارة الأكثر شيوعاً. كان درويش صوت فلسطين، واليوم غاب، والأسوأ أنّه سيوارى في قبر موقت قرب قصر رام الله الثقافي، بعيداً عن قريته البروة.
محمود درويش سيُدفن في رام الله التي أقام فيها منذ عودته بعد اتفاق أوسلو ومنها كان يتنقل إلى عمان وباريس. مذ عاد إلى الأراضي الفلسطينية، قطع أي علاقة له بالعمل السياسي، مفضلاً التفرغ لمشروعه الشعري، بدأ الأمر عندما استقال من عضوية اللجنة التنفيذية عام 1993، كانت الاستقالة احتجاجاً على اتفاقية أوسلو، ثم تبع ذلك رفضه منصب أول وزير فلسطيني للثقافة في السلطة الفلسطينية حديثة العهد، ما سبّب غضباً للرئيس الراحل ياسر عرفات.
يعلق الدكتور والناقد عادل الأسطة على عودة درويش إلى رام الله بأنّها «لم تكن عودة حقيقية إلى الوطن. بعد أوسلو، لجأ إلى الصمت بما يخص الشأن السياسي، لأنه لم يكن راضياً عن الاتفاق». ويضيف الأسطة الذي يتابع مسيرة درويش منذ الثمانينيات ويدرّس تجربته الشعرية في جامعة النجاح الوطنية «إذا عدنا إلى النصوص التي كتبها بعد أوسلو، وتحديداً في «لماذا تركت الحصان وحيداً»، نلاحظ بوضوح أنّ هذا السلام لم يكن سلام الند للند، بل كان في الديوان هجاءٌ مبطنٌ للرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات».
يقول الأسطة إنّ درويش هجا أبو عمار في شعره، لكنه عاد واسترضاه، ويوضح: في ديوان «أحد عشر كوكباً»، هجا درويش ياسر عرفات مباشرة حيث قال «لماذا تطيل التفاوض يا ملك الاحتضار» كما وردت عبارة أخرى هي «إن هذا السلام سيتركنا حفنة من غبار». أحد أفراد حاشية أبو عمار قرأ القصيدة له حين كان في تونس، ودرويش في باريس، وقام أبو عمار بمكالمته هاتفياً وطلب منه الحضور فوراً، وعاتبه على ما كتبه. ويبدو أنّ درويش انصاع لهذا العتاب، لذا صدرت القصيدة في طبعات لاحقة معدلة على النحو الآتي: «إن هذا الرحيل سيتركنا حفنة من غبار».
يرى الشاعر زياد خداش الذي كان صديقاً للشاعر، أنّ «رام الله لمحمود درويش كانت مثل باريس أو عمان محطة للإقامة الموقتة». قبل سفره إلى الولايات المتحدة لإجراء العملية الجراحية، كان درويش وزياد خداش وغسان زقطان يجلسون في مطعم «فاتشيه» المفضّل لدى درويش. يقول خداش: «كان سعيداً وقال لنا: أنا مش خايف من الموت، الموت هو اللي خايف مني، أنا شبه دخلته وشبه جرّبته، واكتشفت أنه مش بالهيبة والجبروت التي يظهر بهما».
* * *
جيش كامل
فاروق شوشة

لدينا كثيرون في فلسطين وفي سائر أرجاء العالم العربي، كثيرون بالمئات وبالألوف يصلحون أن يكونوا ساسة ومسؤولين ووزراء وحاملي حقائب وأصحاب مهام، لكن الشاعر الشاعر أو الشاعر الضمير عملة نادرة، ومحمود درويش -رحمه الله- كان واحدا من هذه العملة النادرة، كان حضوره يعادل جيشا بكامله، وصوته الممتلئ بالوعي واليقين والإنسانية كان أغلى وأنفس من ألوف الحناجر الجوفاء التي تمتلئ بالصخب وتكاد تنفجر من جلجلة الألفاظ وتقول كلاما لا يبقى بعد جفاف الحبر الذي كتب به وازدحام الورق الذي تساقط عليه، لكن صوت محمود درويش سيظل ملء القلوب والعقول، صوت فلسطين وضميره إلى العالم وقصيدتها التي لن تموت.
* * *
عندما يرحل الكبار
أمل عرفة

عندما يرحل الكبار يبدو لنا وكأنَّ توازناً في الأرض قد أصيب باهتزاز وكأن الغد والقادم معه من مجهول قد اعتلَّ واعتلت معه الرؤيا وأصيب جميعنا بصمت يبتلعنا ويكاد أن يبتلع معه حزننا وتضيق الكلمات في وصف ما وصلنا إليه بفقداننا للكبير الذي رحل.. فكيف والكبير هنا هو اسم حمل العبارة الأوسع والأشمل والأقوى لمعنى الوطن.. لن..
أتحدَّث عن تاريخ اسمه لأنَّ اسمه وحده تاريخ يشرف كل عربي فمن منا لا يفخر بأنه عربي مثله مثل محمود درويش؟ من منا لاتصيبه قشعريرة النبل عندما تستيقظ بداخله نوعية ذاكرة عربية مماثلة لذاكرة العربي محمود درويش؟ من منا يجرؤ أن يعدِّد الكبار في أمته ولا يكون اسم محمود في الصدارة الروحية التي من شأنها أن تمدنا دائماً بالأمل بأنَّ أمتنا لم تفلس ولم تصب بالعقم الفكري أو الإنساني أو الحضاري؟ أقول أمتنا ولا أخصُّ فلسطين أو مصر أو لبنان كما أخص كل من نطق لسانه بالضاد وكل من ذاق طعم الخوف على غده وكل من أرق عذوبة أمانه ملوحة دمعة انكسار سالت لسبب هنا أو هناك داخل حدود العالم العربي وداخل حدود إنسانيتنا ووجودنا إن كان كعرب أو كبشر..لا أريد أن أرثي رحيل كبير ولكن من الجدير بالذكر أني يوماً ما كنت ممن تدافعو بقلة حضارة واضحة من بين الحشود لأحضر أمسية لمحمود درويش كانوا قد أقاموها في ملعب (كي يتَّسع عدد محبي محمود درويش) ولكن محاولاتي التي بذلتها لأخذ مكان في الصفوف القريبة باءت بالفشل ووجودي في المكان باكراً أيضاً فشل فاستسلمت في النهاية وقلت سأغلق عيني وأكتفي بالسمع وجلست في الصف الأخير مكتفية بشرف الحضور وأتى صوته ودوَّى تصفيق يشق الآذان ليتحوَّل تعداد الألوف الحاضرين إلى شخص واحد وحده محمود بصمت حضارات تعدَّدت في جنسياتها لكنها كلها كانت عربية من نوع آخر..لم يكن هذا الجمهور جمهوراً لمطرب أو نجم كرة قدم أو نجم سينما (وأنا هنا لا أستهين بهؤلاء ) ولكنني أقدِّر وأُجلُّ قيمة الشعر عندما يفرض الهيبة والصمت فكل قصيدة رنَّ بها صوته كانت تحرك صوراً تجمعنا شئنا أم أبينا وتوحد بيننا اللهجات والأديان وتهدُّ الفوارق كيفما كانت أشكالها؛ فهناك في ذاك المكان ملك الكلمة ومروِّضها، هناك فنان تشكيلي صاغ من شعره لوحات تثير الخيال وتدهش، هناك في ذاك المكان خطيب ألقى عشرات القصائد المحفوظة عن ظهر قلب، قالها فسمعناها جميعنا وكأننا نسمعها للمرة الأولى، هناك في ذاك المكان حضور مشع كنت بالكاد أراه عن بعد لكنني أحسست أنَّ المسافة التي تفصلني عن صوته ملغية حتى إنَّ صوته بدأ يصدر عن حنجرتي التي اختنقت بذكاء الإلقاء وإبداع وحنكة امتلاك الموجودين وأسرهم بل وسحرهم، كنت كالمسحورة صامتة مندهشة منفعلة ولكنني أدرك أني أعيش وقتها أمسية استثنائية في حياتي ومخزوني وعروبتي.. أن يكون لشاعر مثلما كان وسيبقى لمحمود درويش، مكانة وإجلال وإكبار في أمة عربية يتهمونها ونتهمها نحن بالجهل والتخلف فهذا بحد ذاته لدليل على أننا لازلنا بخير ولازلنا قادرين على التجلي الحقيقي مع كلمة تفرض نفسها علينا بقوة الشاعر وحضوره وتاريخه الذي شرَّفنا به حتى تحول هو إلى جزء من تركيبة أمتنا نفخر به على مدى أجيال قادمة نخبرهم كيف أنَّ هذا الرمز قد ابتعد عندما أعياه المرض لتنفصل روحه عن جسده في بلاد بعيدة لتطير قبل أن نعرف بالخبر وتبقى ساكنة في شعره الذي سنسمع صوته من خلاله لنرى روحه جيداً تراقبنا إلى أين نسير.
* * *


    رد مع اقتباس
قديم 2010-07-31, 01:31 PM   مصطف عبدي غير متواجد حالياً   رقم المشاركة : [6]
مصطف عبدي
The Godfather
الصورة الرمزية مصطف عبدي
 

مصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاً
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى مصطف عبدي إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى مصطف عبدي إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطف عبدي

الأصدقاء: (62)


عندما يموت الشاعر
لقمان ديركي

عندما يموت الشاعر تصبح الصفحات الثقافية أحلى، كيف لا، وقد أصبحت خاصة به ليوم أو يومين أو ثلاثة.
وسيفرح القراء لأنَّ الصفحات المملة صارت ممتعة أكثر، ولكنهم سيحزنون أيضاً، لأنَّ الشاعر مات، مات محمود درويش شاعر الأمة، مات شاعر فلسطين، مات في زمن النفط والدولار، وما تيسّر في حضرة طويل العمر من ترديده من شعر الشُعَّار، مات في زمن أمير الشعراء، الذي يجلس في حضن طويل العمر، مات في زمن أصبحت الطرقات غير سالكة فيه بسبب تراكم (الشعراء)، ويا حسرتي على الشعر الذي تبهدل وتشرشح على أيدي ردَّاحي هذا الزمان، وتمرمط على أيدي كل من ابتسمت له فتاة، فنشر لخاطر عينيها ألف ديوان وديوان، مات أمير الشعر محمود درويش تحت أجهزة الإنعاش، وشعبه يموت بيد أجهزة العدوان وأجهزة الشقاق، مات في زمن لم يستطع أن يقول فيه كلمته وسط أزيز الرصاص الفلسطيني الفلسطيني، فكان الموت كلمته الأخيرة، وكان الغياب ورقته الأخيرة، وكان الرحيل آخر شؤونه، وكان العالم الآخر مجهولاً جديداً يدخل فيه بكامل أناقته.
مات محمود درويش أنيقاً، أوصى بألا يحاولوا مع قلبه المتعب إذا ما توقف، وأوصى بأن يمنحوه الموت الكريم كما عاش حياته بكرامة، مات بكامل حبره، مات شاعراً، لم تخنه في يوم الكلمات، لم يبحث في يوم عن الكلمات، مات سيداً، فيا سيد الكلمات، ستقوم لذكراك المناسبات، وستفرد لرحلتك الأخيرة الصفحات، وسيهبّ مقلدوك ومستنسخوك ويملؤون الأوراق بحبرهم المسروق من حبرك، وسيتحدثون في غيابك عنك لأول مرة كأصدقاء، وسيتحدث حاسدوك عنك في المجالس، وسيخترع عديمو الموهبة معك الذكريات، فيا سيد الكلمات، ويا سيد الكلمات، ستبكيك الكلمات، وستبكيك سيدة أشعارك، سيدة قلبك، فلسطين، وسيبكيك شاعر شاب يعيش في ركن ما بعيد، وسيردّد الصدى قصائدك، بصوتك الأخّاذ، ونبرتك الساحرة، وبكل ما في وقفتك المتعَبة من كبرياء.
رحلت يا أمير الشعراء، لم يكن عمرك طويلاً، كي نناديك بطويل العمر، ولم تكن من ذوي الحسب والنسب كي نناديك بما تيسر من الألقاب، لكنك كنت شاعراً بل وأميراً للشعر، فناديناك يا أمير الشعر، وكنت عاشقاً من فلسطين، فبكتك كما بكيناك فلسطين.
وداعاً أستاذ محمود.
* * *

صرخة محمود درويش
حسن م يوسف

قبل حوالي شهر أبلغني أحد محبي محمود درويش أنه يعاني من ارتخاء في عضلة القلب ليس له علاج، وقبل ثلاثة أسابيع أبلغني نفس الشخص أن الشاعر الكبير طمأن محبيه إلى حالته.
وأنه ينوي السفر إلى أمريكا للمزيد من الاطمئنان، إثر وصول عاشق فلسطين إلى أمريكا قبل عشرة أيام وصلتنا رسائل مطمئنة. لكن الوحيد الذي كان يدرك حجم المجازفة هو الشاعر نفسه لذا أوصى أن لا يترك حياً بفعل الأجهزة الاصطناعية، فيما لو أصابه مكروه، وأن يدفن في فلسطين في حال وفاته. وفي يوم السبت التاسع من آب تحقق ما توقعه الشاعر إذ توقفت كل أعضائه عن العمل، فقررت أسرته تنفيذ رغبته. ‏
آخر مرة التقيت بها الشاعر الكبير محمود درويش كانت في العام الماضي عندما لبى بلطف غامر الدعوة التي أبلغته إياها باسم اللجنة التنظيمية لمهرجان ماراليان الثقافي الثاني الذي تقيمه مطرانية الروم الأرثوذكس في مدينة حمص كل عام. وقد أسعفني الحظ بأن انفردت به لبضع دقائق في بهو الفندق. تحدث لي خلالها عن اتساع مفهوم المقاومة بالنسبة له، قال بما معناه إنه اكتشف مع الزمن أن كل إبداع هو ضرب من المقاومة! فالجميل يقاوم البشاعة، وقصيدة الحب هي فعل مقاوم للكراهية وشعر السلام الداخلي، والطمأنينة هو فعل مقاوم للحرب. ‏
بهرتني الفكرة فاكتفيت بهز رأسي، عندها تابع قائلاً بما معناه: يجب أن نوسع مفهوم المقاومة بحيث يشمل كل فعل يقوم به الإنسان لتحقيق بهجته وإنجاز بحثه الخاص عن حريته. وليس فعل مقاومة الاحتلال فقط. لذا أرى أن كل شعر إنساني عميق وجميل هو فعل مقاوم بالمعنى الشامل للكلمة. ‏
أعترف لكم أنني عاجز عن تصور الحياة الثقافية دون محمود درويش وقد صدق شاعرنا الموهوب نزيه أبو عفش عندما قال في تقديم محمود درويش لجمهور حمص النوعي: لا أعتقد أن أحداً من شعراء جيلنا يجرؤ على القول أنا بريء من بصمات محمود درويش.. لهذا نغبطه.. نحن المتورطون في ذائقة الشعر.. ونخشاه لأنه لم يترك لنا ما نفعله وما نحلم به.. وقد نطق باسمنا جميعاً عندما خاطب درويش بقوله : إنه عيد للجمال أن نكون على مائدته فـ«غداً أمام أبنائنا وأحفادنا سيكون بوسعنا أن نرفع الرأس ونقول: نعم.. لقد عرفناك.. نعم.. وقد كنا معاً ضيوفاً على مائدة النعمة الأعظم.. النعمة التي سيظل اسمها.. محمود درويش.. ‏
لو كانت المدن تشق ثيابها لانشق قاسيون اليوم عن صدر دمشق، ففي الأدب الحديث لم يعلن شاعر عربي عشقه لمدينة كما أعلن درويش عشقه لدمشق: «كل أطفال العالم يقطعون لهم حبل مشيمتهم عندما يولدون إلا أنا.. فإن حبل مشيمتي لم يزل مشدوداً إلى رحم دمشق». «اغتسلي يا دمشق بلوني، ليولد في الزمن العربي نهار». «كوني دمشق التي يحلمون بها، فيكون العرب». «في الشام يبتدئ الزمن العربي وينطفئ الزمن الهمجي». «في الشام لاأعرف كيف أبدأ وكيف أنهي ولكن أفضل ما أمرن به قلبي على الكلام هو التغني باسم دمشق»، «في دمشق أرى لغتي كلها على حبة القمح» ‏
تعلمون أن محمود درويش كتب بيان استقلال دولة فلسطين التي تم إعلانه من الجزائر، واستقال من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير احتجاجاً على اتفاق أوسلو لأنه كان يرى الخناجر التي يخبئها الصهاينة بين أوراقه! لست أعرف بماذا كان يفكر محمود درويش في لحظاته الأخيرة إلا أنني واثق أنه يود أن يصرخ من خلال موته: أيها الفلسطينيون، أوقفوا شقاقكم الذي يبهج أعداءكم.
* * *
تليق بك الحياة
زاهي وهبي

قبل شهرين كان آخر لقاء لي بمحمود درويش. زرته في بيته «العمّاني» برفقة الصديقين الدكتور أسعد عبد الرحمن والمطربة الجليلية (نسبة إلى الجليل الفلسطيني) أمل مرقس. ما إن فتح الباب حتى بادرته قائلاً:
- كلما تقدمتَ في السن ازددتَ وسامة وشباباً (وكان أكثر نحافةً مما اعتدته).
- ليس المرء كما تظن يا زاهي، قال لي كمن يضمر شيئاً.
فهمتُ من جوابه أن قلبه عاود مشاكسته، وخصوصاً حين أخبرني أنه ذاهب إلى أميركا لإجراء عمل طبي. واتفقنا على اللقاء في بيروت فور عودته.
قلتُ: هذه المرة ستأتي إلى بيروت بلا التزامات عامة. لا أمسيات ولا ندوات. سوف أدعوك إلى لقاء ثالث في «خليك بالبيت» وستكون الدعوة مجرّد ذريعة لنسهر ونخرج ونصعد إلى الجبل. ستكون زيارة لأجل الحياة، مازحته ضاحكاً.
وافق محمود من دون أن يجادلني كعادته في مسألة التوقيت. فكّرتُ: كم تغّير. وكل تغيّر فيه كان دوماً نحو الأفضل. نحو مزيد من الشفافية والرقّة والتواضع.
في جلستنا الأخيرة تحادثنا في أمور كثيرة، ومازحنا قائلاً إننا قاطعناه عن متابعة مباراة كرة القدم من جملة مباريات كأس الأمم الأوروبية. وكانت كرة القدم إحدى متع محمود درويش، هذا الشاعر الذي لا يشبه الشعراء الآخرين، لكنه يشبه الشعر إلى حد التماهي. حتى بيته كان مختلفاً عن منازل الشعراء. «بيت شعر» أكثر مما هو بيت شاعر. قلت له ذلك. فحدثني عن بيتي وسألني عن رابعة ودالي. وسألته عن أمور كثيرة. وكنتُ كمن يسأل أخاً أكبر.
في طريق العودة أهديت إلى أمل مرقس نسخة من كتابي «تتبرّج لأجلي» وأشرت إلى قصيدة عنوانها «تليق بك الحياة»، كتبتها قبل نحو خمس سنوات لمحمود درويش. قالت أمل: اقرأها لي، فقرأت:
«لا تعتذر عما فعلت/ قم في صيحة الديك/ في صوت المؤذن/ توضأ واكتب قصيدتك/ في الصباح لك أن ترشق الجندي بحجر/ أن تقطف وردة لعاشقة الورد/ أن تجد وقتا لأشيائك الحميمة/ أن تنتقي قميصا ربيعي المزاج/ أن ترفع صوت الموسيقى عاليا/ أن تخفف قليلا وطأة هذا الاحتلال./ لك أن تفعل ما تشاء/ صدّقني يليق بك الصيف/ مثلما يليق بك الشتاء/ إذن../ لك أن تقاتل/ ولك أن تغني/ أن تطلق غزالة من اسر الخيال/ أن ترجع فتى مفتول الساعد والأحلام/ أن تتغاوى بشيب التجارب والمحن./ لك أن تفعل ما يحلو لك/ لك أن ترى في مدينتي ما تريد/ ولي أن أجعل قصائدك خبز الفقراء/ ليس الحزن ما يجعلك استثنائيا/ ولا الموت المتربص بك عند ناصية الأيام/ حبك للحياة جدير بالحياة/ وأخطاؤك الصغيرة لا تستحق الاعتذار/ إذن/ لا تعتذر عما فعلت/ وامش كما تشاء/ معتدل القامة أو سنبلة ملأى/ ناحلاً، مائلاً/ أخضر الابتسامات/ ابتسم لتغيظ الجندي المكفهر خلف بندقيته/ غنّ/ غناؤك يعكر مزاج الجنرال/ غنّ ليس الحزن ما يجعلك استثنائياً/ بل دفاعك الرائع عن معنى الحياة».
سوف يُكتب الكثير عن محمود درويش، ويمتزج الحبر بالدموع، سوف يُكتب عن شعره الذي لطالما أغضب المحتل الإسرائيلي وأفزعه، وعن «فلسطينه» التي عشقها حتى الرمق الأخير، وعن نجمته بيروت، عن ريتا وعصافير الجليل، عن حصانه الذي تركه وحيداً، وسرير الغريبة الذي يشتاق دفء قصيدته، وعن أثر الفراشة الذي لن تقدر جرافات الاحتلال على محوه من ذاكرة فلسطين. مثلما سوف يُكتب عن شاعريته وفرادته وتمرّده حتى على شعره وجمهوره.
أما أنا فسوف أنتظره في بيروت مردداً «تليق بك الحياة» في الحياة وفي الموت الذي في حالة محمود درويش لا يكون كلياً.
* * *
لا خليفة له
حيدر حيدر

تكاد الكلمات تضيق وتستعصي في التعبير عن هذه الصدمة الفاجعة التي زلزلتنا حتى تخوم البكاء والانتحاب. فقدان الشاعر العظيم محمود درويش فاجعة على المستوى العالمي لا على المستوى الفلسطيني والعربي. لكن ما يعزّي الثقافة العربية والشعر العربي هذا التراث الشعري العظيم والخلاق الذي تركه لنا وللأجيال اللاحقة.
سيكون من الصعب أن يكون لمحمود درويش خليفة في هذا المستوى الفني المدهش الذي أوصله إلى فضاء العالمية ومستوى الشعراء العظام في العالم.
لترفّ الحمائم فوق روحك يا محمود وفوق فلسطين التي غادرتْها ولمّا تتحرر من عدوها الغاصب.
* * *
في الوقت الصعب
وليد معماري
صوتنا يغادرنا الآن، ويترك لنا شوك الطريق ورماد البراري، يمضي بجلال يشبه جلال الآلهة.. هل غادرنا في الوقت الصعب؟ أم انفجرت الشرايين فيه من زخم الألم، وقد رأت ما رأت، وسمعت ما سمعت، وصُلبت ما صلبت؟
انتهت الدروب إلى مفازة العقم، والبغال المعصوبة العيون تدور.. تدور! ولا ماء للشفتين، ولا ندىً على مساحات الوردة، ولا غدير عذوبة للصفصافة، والبلاد نائمة. محمود درويش، لك المجد، ولنا الدمعة الهاطلة.
* * *
يا عاشق السنابل.. هيا أكمل الإنشاد
محمود الجمعات

البيت صار وحيداً فارغاً إلا من الوحدة.. وما عاد بالمقدور أن يعود صاحبه إليه فساكن البيت صار في السماء.. في الفضاء يستحم الليل من حوله بأطياف النجوم.. هناك الآن بدأ مشواره الثاني بعد أن أكمل المهمة هاهنا.. نعم لقد أضحت يداه الآن بغير أمتعة وقلبه الذي توقف دونما وردة.. تحول هو الآن إلى وردة..
محمود درويش كثيراً ما جلس وحده على المقعد ينتظر.. والعاشقون تحت وريف الأمل ينظرون إليه ويبتسمون.. وكان خافقه قلبه الذي أضناه التعب يؤمله هو الآخر ويقول: ونحن أيضاً سوف نبتسم. ‏
آهٍ يا رحلة الغربة.. لقد كانت لك بداية.. لكن أين النهاية.. غربة وغربة وغربة بلا نهاية.. الجسد الآن وحيد والروح فارقته تتابع الاغتراب.. ولسان حالنا يتذكر عندما كانت الروح في الجسد يشكلان لسان حالنا.. نحن الذين ننتظر على أبواب الوطن المسجون نتسول من السجان (كرت) زيارة.. نتذكر: (من أين أبتدي وأين أنتهي ودورة الزمان دون حد وكل ما في غربتي زوادة فيها رغيف يابس ووجد). ‏
توقف القلب الذي كان يشتهي دائماً الورد.. ويشكو أنه من دون وردة توقف بعد أن أعلمنا وعلمنا وبإصرار أن القمح أحب إلينا من الورد.. حيث السنابل تحمل إلى قلوب الجياع طهرها وطهر الورد أينما كانوا.. ‏
من خيام الزمان البعيد انطلقت إلى كل الأزمنة تحمل إلى العيون التي فرّ منها الصباح أغاني البلابل فصارت تلك الأغاني سجالاً هناك في جميع الفصول.. فأُترعت ريّا به سنابل الحقول ثم استحلفت الشمس أن ترتجل وتفتح أسرارها واستحلفت الليل أن يتنصل ويكشف أوراقه قبل طلاق النهار.. وقبل سقوط الجدار.. فمضيت أيها المغني منتصب القامة.. وتحمل على كتفك وفي قلبك ليس نعشك.. بل هموم شعبك.. وصورة قدس الأقداس.. ‏
محمود درويش حادي القوافل في صحراء نفوسنا.. وخولي الورد في حدائق أرواحنا كم قد ذكرتنا بالموت المفاجئ.. أتراك كنت تعلم حالنا عندما يصلنا فجأة نعيك.. فالآن صار الموت مكتملاً.. بعد أن كان موتك في كل موت حالة أخرى.. وعانقناك.. عانقنا الجنازة إنما كسر الألم ضلوعنا.. ‏
ذلك الألم الذي سقط فجأة في قلوبنا عندما سقط القمر.. وصار كل ما حولنا كالمرايا المحطمة.. ونعود للتذكار والتذكر.. يخيل إليك يا شاعر الورد أن عمرك قصير.. وأنك على الأرض سائح.. والآن أيقنا أن عمرك كان قصيراً.. وأننا بعدك السائحون.. نفتش عن أوابد العشق في مدائن شعرك وندعك وأنت في فضائك الرحب الجديد يستحم الليل من حولك بأطياف النجوم.. ندعك تكمل الإنشاد.. هدية الأجداد للأحفاد.. ‏
(زرعنا فاحصدوا ‏
والصوت يأتينا سماداً ‏
يغرق الصحراء بالمطر ‏
ويخصب عاقر الشجر..) ‏
فهيا.. أكمل الإنشاد.
* * *

برقية عاجلة إلى محمود درويش
مجيب السوسي

على ومضة روح درويش
تحمل كل أريج الدماء ‏
وقد كان يسكن في البرق ‏
بين رصاص العدو ‏
وبين هجير السماء ‏
على ومضة روح محمود ‏
تنهك هذا الحصار ‏
الممدد فوق فضاء فلسطين ‏
منذ ابتداء ولوغ السكاكين ‏
في خفق روح التراب ‏
وروح التوابيت ‏
حتى هبوط المجرة بين يديه ‏
لتعلن بين يديه الولاء ‏
أقام على شاطئ الدم ‏
تكبر فيه السنين ‏
وتكبر بين أصابعه الأبجدية ‏
مجبولة بالنزيف
ومبنية بحجارة روح الصغار ‏
ومسكونة بلظى الكبرياء ‏
ولائمه حفنة من جراح ‏
يوزعها بين نبض الخليل ‏
وبين عروق جنين ‏
يوزع رحلة صيف ثخين ‏
يهرب وقتاً من النفي
يبرق أخبار حزن أليف‏
إلى الشهداء ‏
رحيلك.. حتى رحيلك ‏
ارض مسورة بالغيوم ‏
أتحمل كل الخرائط بين ضلوعك؟ ‏
أين ستأخذ قدسك؟ ‏
هل قد وجدت لها مطرحاً في الرحيل ‏
الطويل؟ ‏
وهل في الغياب البعيد لها فسحة ‏
كي تؤسس دولتها في العراء؟ ‏
ولاتنس أن العروبة تحت السياط ‏
تمر على جب يوسف وهي تؤمل ‏
أن تشربها القوافل أو أن يقتنيها الحُداء ‏
أمحمود.. ‏
لم تسقط الروح ‏
لم يسقط البرتقال ‏
ولم يستطع أن يتغلغل ‏
تحت تراب فلسطين ‏
كف التخاذل والانحناء ‏
ستطلب منا.. جداول أسماء ‏
كل الشوارع ‏
هل حرّف الحبر مهجتها ‏
والزلازل لم تستطع أن تغير ‏
أجفانها.. ‏
أنت تعلم ‏
أن الزلازل محض احتلال ‏
ومحض افتراء ‏
سأنبيك أن الجدار يقيم على ‏
جرف من غباء ‏
يوازي مداميك «روما» ‏
التي دججت كل شبر بآثارها ‏
غير أن التراب الذي ظل يحمل زيتونه ‏
مايزال يخاصر تاج البقاء
* * *
عدو الكراهية
ديانا جبور

أدين بالفضل لمحمود درويش, فقد استطاع أن يعيدني إلى جادة الثقافة والقراءة الجادة والمجدية, بعد تجربة معذبة تفتقد إلى الحد الأدنى من العذوبة..
ففي بداية مرحلتي الدراسية الإعدادية تلقفتني مجموعة ازدرت أمات الروايات العالمية التي كنت أقرؤها, وأمدتني بدلاً عنها بمجموعة كتب مهمة لكنها لا تناسب بزخمها وعددها متطلبات تلك المرحلة العمرية, ما جعلني بعد قرابة العام أنكص إلى المجلات المصورة بحبكات عشقها المشوقة, إنما السطحية.‏
هو العشق الذي لفتني إلى (عاشق من فلسطين) لأستعيد من بعد هذا الديوان سكة الحياة والثقافة الصائبتين, سكة الجدية دون صراخ أو جهامة, سكة الوطنية دون قطع مع الغنائية ومع الاحتفاء بمسرات الحياة, سكة البهجة دون غفلة, بل إنني وبفضل محمود درويش وغيره من المبدعين الكبار التقطت الصلة الوطيدة بين صلابة الوطن ورهافة الفرد.‏
التقط محمود درويش الأساس, فصاغه بفن ودقة جوهرجي بارع يصقل الوجوه المتعددة لماسته دون أن يمس حقيقة جوهرها.. فخدم قضيته وتمكن أن يرسو بها على شواطئ كانت تبدو نائية مستغلقة وقصية, ما دفع بجريدة رصينة ذات مصداقية مثل (اللموند) الفرنسية أن تستعيد مقاطع مطولة من قصائده وحواراته وفيها يصب جام غضبه على الاحتلال الإسرائيلي لأنه يشن حروبه العدوانية على فلسطين أرضاً وإنساناً وأحلاماً وبيوتاً وأشجاراً, ينتهي الاقتباس ليتابع الناقد الفرنسي القول والربط (نعم فلمحمود درويش عدو واحد وحيد: الكراهية).‏
يالجمال الإبداع والمبدع كيف استطاع أن يوحد في ذهن المتلقي الغربي بين الإسرائيلي والكراهية, كيف استطاع أن يجدل في خطابه الصلابة دون قسوة, الوطنية دون انغلاق, الإنسانية دون إفراط أو تفريط, إنه محمود درويش دون دروشة أو عجرفة, إنه معجزة الالتزام.
* * *

درويش المدن والقمر
الشيخ حسين أحمد شحادة

-1-
عفواً درويش المرافئ و-المدن اللقيطة- هو الموت في الغابة أيها السهران، ولي أن أفاتحك برموش بغداد، ها نهبوا من عيون القرى نجوم دجلة واشتهاءات المساء؟! وكنا لا بابل تغطينا ولا نهر ولا قبر، وضفافنا الشام.. أيها العاشق خذني إلى مروحة النخيل لكي أخض استغاثاته في امرأة من جفر النبوءات وأقول العناق، هذا هو أنت أيها العاشق والزمان يا صديقي عراق تلو عراق..
-2-
وفي البال لا نحب النساء ولكني أحب القصيدة –سقط الحصان عن القصيدة- كي يتحد ضوء الحب في ذروة ما يشتهي الموج من أسماء يديك وفي الأفق لا وجهة لبحرنا، لا باب للسماء من غير فلسطين التي التمعت روحها فيك بإقحوان حزنك الصوفي وأغاريد النساء، فهل أيقظتك الطائرات- وأميركا على الأسوار تهدي كل طفل لعبة للموت عنقودية.
-3-
ولم يكن هذا الذي على كتفيك اغتراب القمر المريض هذا فطام موتك يا ألف الباء في دولة الشهداء وقدس العودة وميم المدينة في تنور أمك.. ويا باء القلب في شعلة –ريتا- والحبيبة.. يا سيد الشعلة الأخيرة عجّل قليلاً كما أحببت –ليوم بيروت المكّسر في الظهيرة- عجّل قليلاً لنعرف أين صرختنا الأخيرة.
-4-
ويا غريب منفاي.. يا نون الوطن.. يا أنت أيها الدرويش الفان على مرمى سبأ كن فيلسوف الخراب ولا تكن صبي الشتات.. كن بقايا الأرض في جسد الأنثى والعروبة كما اشتهت والتقطني.. اركض برجلك يا أيوب وهذا مغتسل جمالك وقد صدقت أجراس الرؤيا- ما أكبر الفكرة وما أصغر الدولة- من دون صنوبرات روحك التي خيمت في عرش الأبجدية.
-5-
ولم يبق إلاك مشتبكاً قمراً بأحمر غابات الريح وليل الشرق ودمشق تأتيك بأجمل حكاياتها وتنبض فيك.. هل أحد في جنوب هذا البحر أو شماله ما رآك أو لم ير ذلك القمر الشامي الذي تدثر بمواعيد وجهك للصلاة؟! وسيان عندك طال العمر أو شيّبتك سورة هود، ولاخوف عليك وقبلتك حبات الأخضر من زيتونة الأولياء.
-6-
ولك تابوت الصخرة.. أتذكره القمر الذي تحجر أو ترمد أو تردد في المكان القصي من دمك المحاصر والله ما خانك المطر ولكنها جرود اليابسة القاحلة من موات الرمل والصحراء فامتشق من وراء جدرانك –مرآة الحجر- ومت عاشقاً في دم الشمس ولا تمت غريباً في دم الأندلس.. كأن شيئاً ترجل من سحاباتك البيض وحطّ في سماء يافا وأسميه القمر..
-7-
لا تعتذر عما فعلت هناك واقترب مثلي.. لا تقل إني نسيت جروح الناي على شباك صليبك النازف بأغنية الموت وآنات الفرح أيها الواقف على شفير الوتر والمنفى كما تشاء مت على هواك مثل رماح زمزم –واقفاً مت كالشجر- وامض مع النساك بسنبلاتك الخضر واقترب من رهبان يوسف وتزيّن بسيفك الدمشقي واقترب أكثر من وردة النصف من شعبان كما يستدير القمر.

-8-
وضع وجهك في حناء النساء وضعني في وردة القصيدة الآتية واجمع رمادك وما تبقى من جمر أمتك الحزينة وغن بكل ما أوتيت من دمار اللغة لمجدلية لا تتوب –ياهيروشيما العاشق العربي أميركا هي الطاعون والطاعون أميركا.
-9-
ولا شيء يكسرك يا بن أمي غير دموع الأمهات فسجل يا ابن هذا المسيح الواقف في عراء الأرض والجمر واللهب يا طريد الحاكم العربي سجل أنا عربي ورقم بطاقتي تموز وأولادي كثير مثل حج الكعبة وكنوز نهري في قعر البداية مثل لؤلؤة التعب..
-10-
جميل صوتك الأبوي يرتل للصباح سورة البلد يا ولدي المسبي يا حنظل عمري العربي كن كافياً نخلتك العارية كن أنت لا تركب البحر والسفر تمرد على قدميك واركب زهو الصفصاف وطوف السنديان والجلجلة وأعني على وجع الحنين لقبة الصخرة.. يا سرها المقدس فيك كفاك يا بني كفى يا الذي ماله وطن يشبه وجه أمك –ماله في الثرى ضريح ونهاني أبي المذعور عن بكائيات الرحيل وميسات السفر.
-11-
واضطجع قرب دمشق يا درويش العرب العارية، يا بن الطلقة الأولى ولك التوهج إن خسرت الأرض في اللغة لكي تصير دولتك القصيدة، ولك أن تكور القدس القديمة من كربلاء من بابها المضرح بالصلاة وبالصلاة حتى نهايات القيامة.

-12-
سلاماً درويش القمر الشاحب هل أزهر اللوز في فضاء الجبل؟ أو هل نام البرتقال في قبو موتنا الجوري،؟ وآه من مليون موتك هل أسفر الصبح الوطن الغريب عن دولة أم خيمة، ولا أفرق عندك بين الرايتين وعندي تصهل الريح يا درويش الريح والمطر وتبقى حوافز هذا الحجر السماوي مقدوداً كم جلد روحك في القمر.
* * *
أين يعود جثمان الشريد بين المنافي
خليل صويلح

كان للخبر وقع الصاعقة: محمود درويش في المستشفى! كنّا نتوقّع أن الهدنة طويلة بين الشاعر والموت. ألم يكتب الجدارية في تفسير الحالة والخروج من أتونها؟ ألا تكفي هذه الفاتورة الباهظة لإنقاذ الشاعر؟
نحن في كل الأحوال بحاجة ماسة إلى محمود درويش. بغيابه، ستبدو فلسطين مرة أخرى ثكلى، ثكلى أكثر مما سبق، ثكلى أكثر مما نحتمل. وهي، في كل الأحوال، لا تحتاج إلى خسارات جديدة. لعلّه الجدار الأخير الذي كنّا نسند أرواحنا إليه من التعب الطويل وقلة الحيلة في الشعر. هناك -ولا شك- خطأ مطبعي في ما يحصل: أنقذوا قلب الشاعر من التلف، فقد انتهى الاحتياطي في الخزّان، ولم نعد نحتمل عطشاً آخر. محمود درويش ليس شاعراً فلسطينياً فحسب، إنّه يخصّنا جميعاً. انظروا إلى كتبه في مكتباتنا المنزلية، ما زال «أثر الفراشة» قيد الاستعمال، ولم ندر ظهرنا لـ «سرير الغريبة» أبداً. الواقع أنّنا وجدنا نصّنا الشخصي. فقد تخلّص الشاعر من ألقابه، وذهب متخفّفاً من ثقل ما لحق قصيدته من أوزارٍ وطنية، ليكتب نصه الخاص. النص الذي يحبّ. النص الذي نحبّ، من دون إيقاعاته العالية والهتاف الذي ينتهي بالتصفيق. لا شك في أنّ محمود درويش خذل القارئ العادي المرتهن للإيقاع وحده، حين ألغى فقرة القنابل الدخانية من نصه، واعتنى بالمنمنمات الذاتية والتفاصيل الجانبية المهملة، ومعنى قوة الحياة وهشاشتها، ومعنى أن يصير الشاعر عاشقاً لامرأة ليست هي فلسطين كما يشتهي ويرغب أصحاب التأويل النقدي المياوم. أراد أخيراً، وربما متأخراً، أن يكتب قصيدته العزلاء التي تشبهه، كما يفعل شعراء آخرون لا يحملون الهوية الفلسطينية، لفلسطين مؤجلة في الأساس، ولقرية لم تعد تحمل اسمها الفلسطيني بعدما هدمها اليهود.
والآن إلى أين يعود جثمان الشاعر الشريد بين المنافي، و«الماكيت» الوهمية لفلسطين ما بعد أوسلو؟مَن يتحمّل وزر دفن الشاعر بعيداً عن مقبرة سلالته الأولى؟ وهل سيبتسم الإسرائيلي وهو يضيف إلى قائمة الموتى اسماً صعباً آخر، لم يتمكّن منذ نصف قرن أن يمحوه من الأناشيد المدرسية وحناجر المغنين؟ سأتذكر كلاماً للشاعر، أجده ضرورياً في هذا المقام «أنقذونا من هذا الحب القاسي». قالها درويش باكراً، وحين لم يستمع أحد إلى النصيحة، تفرّغ لكتابة نصه الآخر. تخلّص من شوائب الهتاف الاضطراري، ورنين الكلام. أزاح مفردات «القضية» جانباً بفطنة عالية، وكتب تمارين جسورة في الألم الشخصي والفقدان. وإذا بها انعطافة في شعره أولاً والشعر العربي ثانياً. ها هو شاعر من وزن محمود درويش يلتفت إلى الاحتفال بالحياة ويستعيد الميثولوجيا الكنعانية ليستمدّ منها جذوره الأولى، وأسئلة الشتات في المعاجم، وينتصر للضفة الأخرى، بعيداً عن المريدين القدامى وصدى التصفيق في المدرجات الرومانية من قرطاج إلى جرش.
سنكتشف من دون عناء أنّ مريدين جدداً تبعوا قافلة محمود درويش في بلاغتها ومجازها الآخر، حين اعتنى بالسرد الشعري والكثافة اللغوية والاقتراب الحذر من النثر، لا بل إنّه مزج أخيراً بين النثر والسرد الشعري في كيمياء ترفض الانصياع إلى ما هو مستقر: محمود درويش ضد محمود درويش في نثرٍ صافٍ. ليس غريباً على صاحب «كزهر اللوز أو أبعد». فقد اختبره في محطات عابرة، قبل أن يخوض في جحيم الذات باحتفالية العاشق والمنفي والأعزل. الشاعر المجازف توغّل بعيداً في اللغة، فحص متاهاتها وهضابها وجبالها ووديانها في رحلة تراجيدية «لتحويل قصائد الفقدان الغنائية إلى دراما العودة المؤجّلة إلى أجل غير محدود»، وفقاً لما قاله إدوارد سعيد. لكن هذا الفقدان لم يمنعه لاحقاً من ترميم المشهد بما هو شخصي صرف، يخص الكائن وحده، بعيداً عن دراما الجموع، ومأساة الخريطة المؤجّلة والمنهوبة.
هل هو إنذار القلب المبكر منذ سنوات، ما جعله يتأمل نصَّه المؤجّل؟ ربما نعم. وكان عليه ألا يندم أو ينصت إلى نصائح الذائقة الكسلى في الإقامة في البيت القديم. هكذا، كان عليه أن يحطّم الجدران ويكتب نصه في العراء: لا، لم تبتعد فلسطين، كما يتذرّع آخرون، ولم تخفت الحماسة، فقط استبدل رنين الفضة بصفاء البلّور، لأنّ فلسطين، ببساطة، تحتاج إلى هذا النص اليوم أكثر مما هي بحاجة إلى النص القديم. فبحر عكا صار أقرب إلى فتى الجليل النحيل: «.. ويا موت انتظر، يا موت، حتى أستعيد صفاء ذهني في الربيع وصحّتي، لتكون صياداً شريفاً لا يصيد الظبي قرب النبع».
لكن هل مات المؤرخ الغريب في أرضٍ غريبة حقاً؟ ها هو متنبي آخر «في حضرة الغياب»، مَن كان يجمع الماء والنار في يدٍ واحدة، الصوت واللفظ، اللذة والألم وشبق المعنى، والفجائعية، وفضاء العيش. وهو كذلك مَن أعلن «لا تعتذر عمّا فعلت» بكل مقاصدها المجازية والجمالية. لنردّد مع الشاعر إذاً»علينا أن نتفهّم سبب التراجيديا لا تبريرها.
* * *
مات الشعر.. وماتت الصور والعبارات
زيد قطريب

لم ينزع مفتاح الباب، كي لا يموت وحيداً مثل معين بسيسو.. فالمفارقة كانت أشد عندما اضطر طاقم الأطباء إلى نزع أجهزة الانعاش كي يعلنوا مفارقة هذا القلب للخفقان!..
مات محمود درويش وهو يدرك أن (جداريته) الشهيرة لن ترد الموت على أعقابه بكل تأكيد، فرغم شعريته النادرة في التقاط مفردات الحياة، إلا أنه كان يدرك، عن عمدٍ، أيّ دفاعٍ سلبي يرتكبه الإنسان كي يفسر وجوده على الأرض.. مات محمود درويش كي يطوي مرحلة كاملة من الحداثة ومن عذابات فلسطين، رغم إصراره أنه ليس شاعر القضية فقط، إلا أنها لبسته ولبسها، فصارت هويته، وكان في كثير من الأحيان رمزها ورائحتها ولون عينيها..! مات درويش وهو يخشى أن يتوقف عن الكتابة، ولحسن الحظ أن الكتابة أوقفته، فلم يعجز عن التدفق حتى آخر رمق وآخر حرف وآخر شعر..!
أنت منذ الآن غيرُك.. فماذا خلعت عباءة أحمد العربي وتركت الحصان وحيداً؟ هل كنت ستحذف أكثر من نصف شعرك كما كنت تقول؟ أم أن الجماهير كانت تغني في وادٍ وأنت في آخر لا تدركه لغةٌ ولا تختصره كاف تشبيه؟ ‏
لماذا بكّرت كثيراً قبل أن تشاهد بأم عينك رحيل العابرين عن قريتك في الجليل؟ هل لأنك على ثقة برسوخك؟ أم لأن كل الكلام العابر لا يعدو كونه نزلة بردٍ أو إغفاءة عين؟ ‏
لا أعتقد أنك ظاهرة كما يقول النقاد! كما أنك لست مجرد تاريخ لأحلامنا أو أوهامنا كما يظن البعض..! لست كلاماً نردّده في كتب القراءة أو نكتبه في دفاتر التعبير..! لستَ العيون التي تحدق من وراء الأسلاك.. ولا القلوب التي تنبض داخل البيوت..! ربما لست شيئاً من ذلك، وربما أنت كله مجتمعاً بكل تأكيد..! فأنا لا أدري حتى هذه اللحظة، حتى أغطيك بعباءة أحمد أم أنحاز إلى ذاتيتك أكثر؟ هل أختصرك في خريطة البلاد والنشيد الوطني؟ أم بكلماتك التي لم تفارق ولو للحظة هموم المجموع؟ هل أنت من اخترت أن تتلاشى في القضية، أم أنك شربت القضية وتنفستها حتى ذابت فيك؟ ‏
حتى الآن لا أعرف إن كنت سأقول إنك قد متّ، أم مات الشعر والصور والعبارات؟ ففي كل مرة يظهر فيها أو ينتعش فن جديد، يهرع الجميع كي يؤكدوا انتهاء ديوان العرب واستقالته من المشهد نهائياً.. وكثيراً ما كنت أضحك وأنا أستمع إلى عبارات النعي التي تؤكد وفاة حصالة أحلامنا وحياتنا على مر العصور..! فلماذا الآن أشعر برحيلك أنني أشيّع العبارات والأبحر والتراكيب؟ هل لأنك جزء من حيويتنا وخيالنا؟ أم لأننا في زمن بتنا ندفن فيه كل شيء؟
لا تقل (كأني لست مني) أو (لا أرى جسدي هناك).. فأنا (كأني لا كأني) أو بالأحرى (لستُ لي) بكل تأكيد.. لا تختصر استراحتك المعتادة بين المقاطع والصور والأبيات.. دع ذلك القلب يتنفس الصعداء قليلاً.. ثم ارحل على قدر ما تشاء من الخذلان.. أليس المدى مفتوح للأعداء والنسيان كما تقول؟ فلماذا زرعت كواكبك فوق أسوارنا، ثم مضيت باتجاه الجانب المعتم من الأرض؟ كيف استطعت على كل هذا القدر الهائل من الغياب؟ ‏
الآن، وخيولك البرية تعدو أمامي، كأنها تلقت الإشارة للتوّ كي تنطلق.. سوف تتحول المدن إلى فرس من ياقوت كما تشتهي.. والأمهات ستصبّ كلماتك في أذهان أطفالهن كي لا ينسوا أبداً.. لن ننتبه وأنت تمر قربنا على الرصيف تماماً.. سيمرّ تاريخ كاملٌ ولن ننتبه.. هكذا لأجل جدار البيت.. واسمك، وإن أخطأنا لفظه عدة مرات.. ميمُ المتيّم والميتم.. وحاء الحبيبة.. وميم المستعد لموته.. وواو الوداع.. أما الدال.. فدربٌ ودمعه.. ألست خمسة أحرف أفقية التكوين كما كنت تقول؟
* * *
وترجل عن صهوة الشعر!
أحمد صوان

أجل.. مات محمود درويش، لكن الشعر لم يمت ولن يموت، لقد ترجل عن صهوة الشعر، وظل شعره باق لأنه الهوية والإحساس والدفء بالإنسانية والحنان والود والقضية.
محمود درويش في موته ينتصر على الموت، بل ويتغلب على التحدي الذي مارسه، وهو يئن تحت جراحات الدم في الجسم النحيل، الطري، وفي الجسم العربي المثخن بجراحات وكدمات من نوع آخر. ‏
مزج بين دمه ودمنا، كما مزج بين الحب والوطن، بين المرأة والأرض، بين الأم وعشق الانتماء للوطن والارض والثورة والتحدي والمقاومة. ‏
هو لن يكون إلا محمود درويش الذي شغل الدنيا، الحديث عنه لا ينتهي برحيله، بل لقد بدأ من حيث ابتدأ الموت، هو الطريق الممتد من الحياة إلى الحياة، ومن الوطن إلى الوطن، ومن الدم إلى الدم، ومن الماء إلى الماء. ‏
هكذا محمود درويش صرخة عالية شجية تبحث عن المستحيل، بل وتبحث عن اللون الزهري، البنفسجي، الأرجواني لكل الأوطان، هكذا خاطب محمود درويش دمشق الذي وجد فيها ذلك المستحيل وهو الباحث عنه، حين قال: ‏
من الأزرق ابتدأ البحر ‏
هذا النهار يعود من الأبيض السابق ‏
الآن جئت من الأحمر اللاحق ‏
اغتسلي يادمشق بلوني ‏
ليلد في الزمن العربي نهار.‏
كان يعرف أن قدميه ستقودانه إلى الموت، وحين أعلن أنه هزم هذا الموت، عاد الأخير ليثأر منه، فلم يدم انتصاره عليه، لكنه انتصر عليه عنوة، لأنه أراد الاقتراب من لحظة الحقيقة والحق، من لحظة التغير والرحيل حتى لا يبقى وحده، فها هو يلحق بإدوارد سعيد وسعد الله ونوس وممدوح عدوان، وليسترجع الذكرى مع كمال ناصر وغسان كنفاني وماجد أبو شرار ومحمد الماغوط. ‏
أراد ألا يكون الاستثناء، وهو الذي كدّ الجهد، وسفح العرق، وبذل المستحيل على أن يبقى صهوة الشعر استثناء، رافضاً كل المواقع، ومقاعد النفوذ في الوزارات واللجان والهيئات وصناعة القرار. قراره الشعر، وهو الشاعر، بانتظار الندى والدماء، وبانتظار المدى والزمان العربي: ‏
هذا طريق الشام.. وهذا هديل الحمام ‏
وهذا أنا.. هذه جثتي ‏
والتحمنا ‏
ومروا ‏
خذوها إلى الحرب كي أنهي الحرب بيني وبيني ‏
خذوها أحرقوها بأعدائها ‏
انزلوها على جبل غيمة أو كتاباً ‏
ومرّوا ‏
ليتسع الفرق بيني وبين اتهامي ‏
طريق دمشق ‏
دمشق الطريق
ومفترق الرسل الحائرين أمام الرمادي.
لقد أحب دمشق حبّه للشام وللعروبة.. كان يقول وكلّما وطأت قدماه أرض الشام: لقد ولد حبي لها بولادتي، ونضج وكبر وأثمر التحاماً أبدياً، دمي دمشقي، وعقلي فلسطيني كجزء من شام، يمتد عبر الكون، ويضم كل أحاسيس وحنو الإنسانية. حين أمسكت بالسيف الدمشقي، وحدقت فيه، أقلبه بين يديه، خيّل إليّ أنني صقر قريش، أو صلاح الدين الأيوبي، يعبران من فلسطين، وحطين وعين جالوت باتجاه الحب والسلام والانعتاق من الظلمة، ويحملان النور في مواجهة العتمة.. وتذكرت كيف أن قصيدتي التي كانت دمشق بعد غربتي عن البروة وعن حيفا والجليل، أول من نادت بإلقائها على مسامعها في أوائل السبعينيات واندمجت العروبة آنذاك بفلسطينيتي مع كل الأصوات وهي تردد: ‏
سجّل أنا عربي ‏
أنا اسم بلا لقب ‏
ورقم بطاقتي خمسون ألف
هي الهوية التي حملت محمود درويش ليعلن الاحتجاج الصارخ على ألا يكون حقيبة سفر. ولما عاد إلى هنا وليس هناك، إلى الكرمل، وجد أن الوطن هو الهوية، وليست ضائعة، أو مفقودة، ولم يعد رقماً، بل الكائن الذي يعشق حرية وطنه، ويلتزم بهوية لابدّ أنها عائدة، وغير ميتة، ولا تسقط بالتقادم، لأن الاحتلال لابدّ زائل.
* * *


فلسطين تفقد أعز كنوزها
محمود درويش ينحاز إلى الغياب!
هدى قدور

برحيل الشاعر العربي الفلسطيني الكبير محمود درويش، تطوي فلسطين والأمة العربية صفحة عظيمة من صفحات الشعر والتغني بالحرية والأرض والتمسك بالحلم كقدر وليس كخيار!..
درويش الذي خضع صباح الأربعاء الماضي لعملية قلب مفتوح في الولايات المتحدة الأميركية، وذلك في مشفى (ميموريال هيرمان) في مدينة هيوستن بولاية تكساس، كان له تجربة أو أكثر مع الموت، فقد سبق وتمرد قلبه فأصابه الإعياء في مدينة فيينا في منتصف الثمانينات، تلتها بعد سنوات عملية جراحية حرجة في باريس، وقال آنذاك مخاطبا «أناه» التي غابت برهة مع الموت:
في نومك هذا ذكرى نوم آخر أحملها الآن بدلاً منك.. اخترق خنجر صدرك، فصرخت: في أي قلب أصبت؟ لم تسمع أحداً يذكرك بأن لك قلباً واحداً، فقد أغمي عليك في ليل فيينا البارد.. وعشت لأن يداً إلهية أسعفتك.. ‏
هل كان الموت جميلا ومريحا لهذا الحد؟ لا ليس هذا موتاً إنه حياة من نوع آخر إنه نوم معافى نوم كلي الهناءة. ‏
هذه المرة لم يخطئ الموت درويش فخطفه منا، لكن ليس من قلوبنا وعقولنا أبداً..فكل كلمة نطق بها درويش، ستبقى محفورة في ذاكرتنا، فهي تحمل رؤياه التي تتعدى النضال والموت، وتحمل ذلك الشغف العميق للحياة والحرية. ‏
لقد استطاع درويش عبر قصائده الجميلة وأشعاره الرائعة، أن يهز المنابر التي صعدها، وأن يعبر بقوة عن حق الحياة البسيط والمعذب لأناس لا حدود لآلامهم، أناس هم أبناء شعبه الذي عانى من القهر والألم والذل.. فكتب التمرد والغضب لقضية طالما عاش وناضل من أجلها.. (حاصر حصارك) و(أنا عربي) و(أيها المارون).. (على هذه الأرض) لأنه كما يقول: ‏
على هذه الأرض ما يستحق الحياة، على هذه الأرض سيدة الأرض أم البدايات أم النهايات كانت تسمى فلسطين، صارت تسمى فلسطين ‏
سيدتي لأنك سيدتي استحق الحياة، ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا، ونسرق من دودة القز خيطاً لنبني سماء لنا ونسيج الحديقة، ونزرع حيث أقمنا نباتا سريع النمو وندفن حيث أقمنا قتيلاً، ونرسم فوق الممر صهيلاً ونكتب أسماءنا حجراً حجراً. ‏
لم يقتصر شعر محمود درويش على الوطن والشهداء فهو يمزج الوطن بالحب، والحب بالحبيبة، والحبيبة بالأمومة.. فمن منا لم يردد قصيدته الرائعة: ‏
أحن إلى خبز أمي ‏
وقهوة أمي ‏
ولمسة أمي ‏
وتكبر في الطفولة ‏
يوما على صدر أمي ‏
وأعشق عمري لأني إذا مت ‏
أخجل من دمع أمي! ‏
‏ شعر درويش ينسينا شكله فيغرقنا في جوهر المعنى، فالأشكال لا تصنع الشعر ولا المضامين، وإنما الشعر هو روحها جميعاً، وهو ما حققه درويش في زخم قصائده الرائعة، التي سيخلد بها في ديوان الشعر العربي المعاصر، فهو شاعر لن يتكرر بسهولة أبداً، على طول المشهد العالمي وذلك لما تحمل قصائده من رسائل اجتماعية وسياسية، فهو لا يلتقي مع الحداثة في مفهومها الفكري والفني فقط، بل في موضوعاتها وهمومها، لقد أنتج لنا القصيدة الكلاسيكية المعاصرة والحديثة في آن واحد. ‏
وكما استطاع الشاعر درويش أن ينقل القصيدة العربية نقلات نوعية من خلال مظاهر التجديد التي أدخلها عليها، نالت قصائده الكثير من الإعجاب والإبهار، لما لها من قوة التأثير والانفعال وخلق روح الحماس.. كالتي قالها في قصيدة (حالة حصار): ‏
قاعدون هنا ‏
واقفون هنا ‏
خالدون هنا ‏
ولنا هدف واحد ‏
أن نكون ثم بعد ذلك نحن مختلفون على كل شيء ‏
وضع درويش من خلال أعماله الشعرية، اسمه ضمن عمالقة الإبداع العربي، وهو أهم الشعراء المعاصرين الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة والوطن، وخسارته اليوم خسارة كبيرة جداً، ليس لشعبه الفلسطيني فقط، وإنما للأمة العربية أجمع، لكن عزاءنا سيكون مما خلده لنا من قصائد وأشعار سنبقى نرددها طيلة الحياة، فارقد بسلام يا رسول الحرية.
* * *
تلك العزلة في عمّان
خليل قنديل

ربما تظل الجغرافيا التي يحط بها الشاعر على الأغلب هي جغرافيا حبرية طائرة لا تتوخى طعم الإقامة الفيزيائية في الأمكنة. إنها الجغرافيا التي لا تتطلب من مساحتها البنائية سوى شرفة صباحية للتأمل وركوة قهوة وبضع أوراق وقلم يقدر لحظة القبض على الدهشة الشعرية، أن يحبرها ويصيغها في جملة شعرية.
والشاعر الراحل محمود درويش ابن بلدة «البروة» الفلسطينية الذي فقد جده الحكاء الأول لطفولته، وفقد مكانه في وقت مبكر ودخل في كوميديا الهجرات المركبة حيث هاجر مع أهله إلى لبنان، وعاد إلى فلسطين قبل أن تأخذ الكارثة الفلسطينية شكلها الدولي المنظم والتابع لوكالة الغوث الدولية. كان قد دخل في يقينه أن الجغرافيا تظل منزلقة ومترجرجة تحت أقدام الفلسطيني كما قال الشهيد غسان كنفاني ذات مرة. ولهذا يمكن القول وعلى رغم الحميمية التي كان درويش يبديها للمكان في بيروت أو في تونس أو في باريس، ظلت حميمية نزقة ومرتعشة لا تستقر ولا تهدأ إلا إذا استجمعت قواها في قصيدة.
لكن العاصمة الأردنية عمان ظلت لها مذاقها الخاص في طعم الجغرافيا والإقامة عند درويش، فهو يعتبر الأردن الذي يحمل جنسيته هو الرئة الثانية لفلسطين، وهي التي حينما كان يطل من شرفة بيته في «الصوفية» يشعر بأن رائحة فلسطين مقيمة أبداً في الأوكسجين العماني.
وقد كان يمكن الراحل درويش في مكانه العماني أن يستقبل أعز الأصدقاء والأحباء، كي يتحاور معهم عن الشعر وعن فلسطين وقد كان يُجمل جلساته مع الأصدقاء والأحبة بأن ينهض بكسله الجميل ويصنع لهم القهوة بيديه وعلى طريقته.
وقد أتاحت عمان للراحل درويش أن يختصر مسافة الذهاب إلى رام الله والى التواصل مع الشأن الثقافي الفلسطيني، أو حتى الشأن السياسي، والعودة إلى بيته في عمان حيث السرير والصالة والمكتب الذي يظلُ يغريه بمعاودة إلقاء القبض على القصيدة الدرويشية النادرة الحدوث.
ومحمود درويش وخلال إقامته في شقته بعمان ظل عصياً على المشاهدة، بمعنى أن درويش لم يكن متاحاً للمناخات الثقافية الأردنية، أو لتلك الاشتباكات المضجرة التي تحدث عادة بين المثقفين، إلا في النشاطات الثقافية النادرة التي كانت تستدعي حضوره بإلحاح، وفي الأمسيات الشعرية الخاصة به، أو حفلات توقيع كتبه. ولا غرابة أن قلنا بأن درويش كان لا يستطيع أن يتجول في عمان وحيداً إلا بمرافقة بعض الأصدقاء، لا لشيء سوى إنه لم يكن يعرف جغرافيا شوارع وأمكنة عمان.
هكذا كان وجود درويش في عمان شفيفاً كنسمة لا تطمح إلا أن تتمغنط بالشعر وتتنشق رائحة فلسطين.
الآن أحاول أن أتصور تلك اللحظة التي سبقت سفر درويش إلى هيوستن لإجراء العملية. أحاول أن أجر الزمن من ياقته المنشاة قليلاً لأرى الشاعر الذي نهض من نومه وجال بخطوات وحيدة ومرتبكة غرفة نومه والصالة ومطبخ قصيدته تلك المنضدة، واحتسى قهوته ومن ثم فتح الهواء للنوافذ، وفكر بالموت قليلاً، وبتركة الشاعر من حبر وورق وقصائد برسم الكتابة، أو بفكرة عدم العودة إلى البيت.
أكاد أجزم أن درويش في لحظة المغادرة حدق في نعشه المقبل عليه، وابتسم ساخراً وهو يماحك الموت قائلاً لمكانه العماني: «سأذهب كي أموت قليلاً وأعود لقهوتي وللأصدقاء والشعر»..
* * *


    رد مع اقتباس
قديم 2010-07-31, 01:32 PM   مصطف عبدي غير متواجد حالياً   رقم المشاركة : [7]
مصطف عبدي
The Godfather
الصورة الرمزية مصطف عبدي
 

مصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاً
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى مصطف عبدي إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى مصطف عبدي إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطف عبدي

الأصدقاء: (62)


في معترك باريس
انطوان جوكي

عشرات الشعراء عبر العالم عرفوا قدراً امتزج فيه مسارهم الخاص بتاريخ بلدهم أو شعبهم وطبعوا بعمق الأدب أو تحولوا إلى أسطورة حقيقية. لكن من الجائر مقارنة محمود درويش الذي يشكل نموذجاً مثالياً لهذا النوع من الشعراء بأي واحدٍ من هؤلاء، لأنه تمكن عبر قلمه فقط، من احتلال موقع فريد ومهم في الساحة الشعرية العالمية على رغم انتمائه إلى وطنٍ، فلسطين، لم يبصر النور بعد، وإلى منطقةٍ، العالم العربي، مقطعة الأوصال وينظر إليها العالم المتحضر منذ فترة طويلة من منطلق تخلفها وتطرفها المزمنين، وإلى لغة، العربية، لا يتقنها إلا العرب ما خلا قلة قليلة. كل هذه الأمور تجعل منه شاعراً لا شبيه له، على الأقل في تاريخنا الحديث.
عرف شعر محمود درويش في ترجماته الفرنسية نجاحاً لافتاً (من مترجميه الياس صنبر، فاروق مردم بك وعبد اللطيف اللعبي)، وبات له حضور في المعترك الشعري الفرنسي ودخل سلسلة شعر «الجيب» في دار غاليمار الشهيرة. وكان أحيا في باريس أمسيات كثيرة، واستضافته أكثر من مؤسسة ليلتقي جمهوره الفرنسي والعربي المهاجر. وكان على علاقة ودّ وصداقة مع شعراء كثر في طليعتهم إيف بونغوا وأندريه فلتير. وكان يردد دوماً أن باريس لا بدّ من العودة إليها لتنفس هواء الحرية. وكان هو أقام فيها فترة في الثمانينات وجعلها منطلقاً لحياته وأسفاره. كان درويش، رغماً عنه، شاعر قضية مقدسة ورمزاً لشعب ووطن، فاستخدم في فترة ما لغةً بصيغٍ وكلمات كان وقعها أقوى من الرصاص واستطاع اختراق صدر العالم وإيقاظ ضميره الهانئ البال. لكنه أيضاً الشاعر الذي جعل من قصائده، بعد نضجه، مرادفاً للحب والسلام فأبى أن يسمى «شاعر المقاومة» فقط، ولم يرغب في أن يحفظ الناس من أعماله القصائد السياسية فقط. وهذا ما يجعل من وفاته خسارة على المستوى الإنساني لا تعادلها وفاة أي شاعر عربي أو أجنبي آخر، بخاصة أن الحال في فلسطين وعالمنا العربي مأسوية اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى ونحن في أمس الحاجة إلى صوتٍ ناضجٍ ومسالمٍ ومسموعٍ مثل صوته قادر على أن يعلو فوق هدير الأصوات التي تبشّر بالحقد والموت. محمود درويش شاعر قبل أي شيء، ولهذا حاول التحرر من الصورة التي حاولت الجماهير العربية وغير العربية سجنه داخلها، ففجّر في شكلٍ منتظم اللغة الشعرية المستخدمة في عالمنا العربي وسجل في قصائده الجديدة قطيعة مع كل ما كان كتبه في السابق. وهذا ما يجعل من وفاته خسارة كبيرة على المستوى الشعري، خسارة شاعرٍ مجددٍ وجريء استبق قراءه والنقاد الذين ثابروا على تأويل قصائده كما يرغبون، فبقيت الأم أو المرأة في نظرهم رمزاً للأرض المسلوبة-المرغوبة، وبقي الطفل رمزاً للشعب الفلسطيني. وخلطوا بين الحميم في كتاباته والجماعي وبين قصة الشاعر وتاريخ وطنه، وبين جموحه إلى الحياة والنضال السياسي، على رغم انتقاده مثل هذه التفسيرات ورجاؤه أن تُقرأ قصائده «ببراءة»، على تعبيره. ربما لهذا آثر محمود درويش أن يخضع لمشيئة الرحيل عن هذه الدنيا باكراً، لحدسه بأن رسالته الإنسانية والشعرية ستصلنا بشكلٍ أسرع وأمضى.
* * *
بغداد.. «المربد» ثم الانقطاع
ماجد السامرائي

كانت علاقة محمود درويش الشاعر بالعراق علاقة ذات خصوصية: فجمهوره العراقي، كما كان يجده، جمهور فريد من حيث التواصل معه، وكنت دائماً أجده يستشعر ذلك. كان يجد في الجمهور العراقي جمهوراً شاعراً، لأنه يتواصل معه بالشعر من خلال الشعر لا من خلال الشهرة.
وكان هو، في اللقاءات التي جمعته بهذا الجمهور يقدم نفسه كما يريد ويرغب: لم يطلب منه هذا الجمهور يوماً قصيدة بذاتها، وإنما كان يترك له حرية الاختيار في تقديم نفسه كما يرى هو أن تكون صيغة اللقاء.. وفي كل مرة كان يأتيه بالجديد الذي يقدم نفسه به، ومن خلاله.
منذ السبعينات، حيث كان اللقاء الأول، ومحمود درويش مع جمهور «مهرجان المربد الشعري»، وجمهوره ينتظره، فإذا كان المهرجان في البصرة انتظر جمهور بغداد عودته منها ليكون له لقاؤه، هو الآخر، معه.. ودائماً يكون. وكان القائمون على «المربد» ينظرون إلى محمود درويش بوصفه شاعراً له خصوصيته: شاعراً كبيراً، ومكانة شعرية متميزة لا بد من التعاطي معها/ معه بالخصوصية والتميز.. فيفردون له «جلسة خاصة» تترك له الحرية فيها في التعاطي مع جمهوره.
وحين «اغتاض» بعض الشعراء من ذلك وتساءلوا محتجين: لماذا تعطى لمحمود درويش مثل هذه الخصوصية، وهم شعراء أيضاً، مثلهم مثله؟ كان الجواب أن أقيمت له أمسيات (أو أصبوحات) شعرية في أكبر جامعتين في بغداد: جامعة بغداد (وفي كلية الآداب بالذات)، والجامعة المستنصرية.
بعد الحرب الأولى على العراق (1991) انقطع محمود درويش عن المربد.. ولم ينقطع عن العراق: سؤالاً دائماً ظل يحمله، محملاً بالكثير من همومه، لأن هناك أناساً بادلوه الحب.
* * *

ليتني عاتبته وليته عاتبني!
عز الدين المناصرة
تحت سماء بيروت، وفي ظلّ الثورة الفلسطينية المعاصرة، اجتمع المثقفون الفلسطينيون للمرة الأولى في حياتهم في بيروت، حيث لم يسبق أن جمعتهم عاصمة عربية أخرى. كان ذلك في السبعينات، عندما جاء محمود من القاهرة إلى بيروت. تعارفنا للمرة الأولى عام 1973 في (دار العودة للطباعة والنشر)، ولم يستغرق ذلك وقتاً، فقد كان محمود، قارئاً ذكياً، إضافة إلى موهبته الشعرية الكبيرة. ومنذ ذلك العام، وحتى عام 2000، استمرت صداقتي العميقة معه. كنا في بيروت نأكل معاً، ونسهر معاً، ونتجادل في السياسة والشعر، ومصير وطننا المشترك فلسطين، بل كنت حليفه الأساسي في معاركنا الثقافية والسياسية الفلسطينية. كان يقرأ قصائده لي قبل نشرها، وكان يستمع إلى ملاحظاتي النقدية، ويُصغي إليها بصمت.
دارت الأيام، وتناثرنا في المنافي الجديدة بعد بيروت. ذهب إلى باريس، وذهبت إلى الجزائر، وكنا على رغم البعد، نلتقي في مناسبات عدة. وحين عدنا معاً إلى عمان في أول التسعينات، كنا نلتقي في منزله. وفي يوم من الأيام وقعت (خصومة ملتبسة) بيني وبينه، لعب دوراً كبيراً فيها بعض (صغار المخبرين الصحافيين)، فلا هو عاتبني، ولا أنا عاتبتُه.. ليني عاتبتُه، ليته عاتبني. جاءني الخبر، فأصبت بصدمة، وتساقطت دموع، إنه خسارة كبرى للشعب الفلسطيني، وللشعر العربي الحديث.
* * *

سؤال الكتابة
الطاهر لبيب

غاب الشاعر، بـ «أل» التعريف والحرف الكبير. وهو من هؤلاء الذين لا يضيف الموت إلى ما قيل عنهم، في حياتهم، شيئاً ذا بال، باستثناء الغياب. ها نحن، إذاً، «في حضرة (هذا) الغياب»، يُربكنا، لا ندري ما نقول فيه، عنه. من أين لنا الكتابة عنه؟ كيف الكتابة عمّن قضى العمر، وأعمارنا، يعلّمنا الكتابة؟ هذه صعوبة أولى، درسُ الغياب، الأول: أن يكون، في ما نكتب عنه، كلّ شيء، ما عدا الكتابة.
ليس للحديث عن «الرمز» حدّ: ستدور الزوايا بما لا ينتهي سبره، من شخصه وعالمه. قد نحسّ، أكثر، أنه كان في كل منا. قد يكتشف آخرون، من غير ثقافتنا، أن «خصوصيته» كانت حامل كونيته، بين «فلسطينياته» و«جدارياته»، على امتداد وجدان العالم. في النهاية، سنعود إلى عبارته لنواجه فيها حرج السؤال وأناقته، ولنعجب كيف أمكن له الجمع بينهما.
هكذا يبقى سؤال الغياب سؤال كتابة: هذا الشاعر كان كلّما اقترب من موته ابتعد موته عنه، كما قال. ماذا كان بينه وبين موته من مسافة غير الكتابة؟ كان رأى حياته تذهب منه إلى الآخرين فلم يسأل «عمّن يملأ نقصانها». قبل ذلك، «قرأ فصلاً لدانتي ونصف معلّقة»، فإذا لا نراه فكّر، حينئذ، في ما يملأ الناس به حيواتهم، خارج عذاب النص ولذته. ولأن «أثر الفراشة» كتابتها فإنه لا يشيّع جنازتها غيرها، ولا تمشي إلا وحيدة إلى قبرها. ولنفهم أنه إن كان من يتمٍ فهو يتم كتابة.
قلّ من شعراء العرب من قيل فيه، حيّاً، ما قيل في محمود درويش. قلّ منهم مَن سمع الناس يرددون شعره، إنشاداً ولحناً. لكن حذار من ذاكرة تحتفظ بشاعر أو بشعره، بدون شعريته. والحذر حاسم مع محمود درويش: كتابته، أي شعريته، هي التي «تملأ نقصان» حياته عند الآخرين. إنها هي التي يجب أن تستمر، أو يمكن أن تستمر، إن أوجدت لها الثقافة والأجيال نسيج كتابة تحيا فيه.
بغياب محمود درويش تشتد الممنوعات وقوفاً، في وجه الشعراء. في «حضرته» كان البعض منها يمرّ. غيابه ينزع عنها شرعية اللياقة.. كان يقول الممنوع في الممنوع، ولكن كانت له القدرة على قول الممنوع في «المباح». ولقد أغرت هذه القدرة أنظمة ومؤسسات لا يتسع واقعها لـ «مكر المجاز»، فجعلت من حضوره (الإعلامي) مكسباً. من يدري؟ لعل «المكر» يقاتل بمكر فنرى، في كل عاصمة عربية، شارعاً، باسم محمود درويش، أو نصباً يذكرها به. من يدري؟ لعله ينبت في أرض الممنوعات.
ذكرى واحدة، في الممنوع، أذكرها: ها تغني، في ساعة متأخرة من الليل، لآتيه، على عجل. ركب معي سيارتي وطلب أن نبحث، في المدينة، عن شوارع يُمنع فيها المرور. اتخذنا، عمداً، كل شارع وجدنا فيه علامة المنع. بعدها، قال: كانت عندي حاجة لا تؤجّل في تحدي الممنوعات، ولم أجد غير الشوارع الخالية في هذه المدينة. جلسنا، طويلاً، قرب البحر، إلى أن قال: كفى، لقد رأيت حيفا..
* * *
شاعر اللحظة التاريخية
علي بافقيه

لا شك في أن اللغة العربية فقدت أحد كبار شعرائها بوفاة محمود درويش هذا المساء. وربما يكون صراع الأشكال في المشهد الشعري العربي الآن، يشير إلى الشاعر الراحل كأحد أقطاب قصيدة التفعيلة، إلا أنني لا أرى المسألة بهذه الطريقة. فالشاعر العظيم، وبعيداً من الأشكال الشعرية، يكون حاضراً في الماضي وفي المستقبل بما يتناسب مع عمق حضوره في اللحظة التاريخية التي يعيشها.
من هنا يعيش الشاعر الملهم قلق الأشكال وقلق الإبداع وقلق الوجود ليس من موقع ما في جهة ما. ذلك لأنه يحس في روحه وفي جسده بتمزقات ومخاضات التاريخ البشري في هبوطه وصعوده، وحراكه التاريخي المهول باتجاه الحرية والمعرفة والخلاص. وحيث تحرر قصيدة التفعيلة ضرورة إبداعية نوعية كذلك، فان تحرر قصيدة النثر ضرورة إبداعية نوعية أمام هول الحراك البشري وتلاطمه وتسارعه في ابتكار أدواته المعاصرة في كل مناحي الحياة، وبالأخص منها الإبداعية والفكرية. استطاع محمود درويش أن يكون صوتاً إنسانياً رهيفاً، لأنه استطاع أن يلمس عذابات شعبه وكوارثه كمسألة إنسانية مرعبة في صميم العذاب البشري وزواياه الهمجية. واستطاع من فرط رهافته وبسالته في آن معاً أن يذهب بالتفكير reasoning إلى حيز الشعر، فيحول الكارثة إلى أسطورة. يمكن لإنسان أن يتأمل الكارثة. نعم. ولكن كيف للإنسان أن يتأمل في كارثته هو وكارثة شعبه المقتلع؟ تلك هي معجزة الشعر ومعجزة الشاعر محمود درويش ومقتله أيضاً متأملاً بالكارثة. يفتت شيئاً منها على قهوة الصباح اللذيذة، ويذرّها على كائنات السحب، ويلمسها في البهجة والكآبة ويضعها في حقبة السفر.
هناك من يرى أن محمود درويش تخلى عن شعر المقاومة، فيما أرى أنه ارتقى بشعر المقاومة إلى مستوى العصر، وعلى المقاومة أن ترتقي بنفسها إلى مستوى العصر، لأن المسألة الفلسطينية ليست قضية ايديولوجيا، إنها كارثة إنسانية معاصرة، ودفعها باتجاه الماضي هو مقتلها ومبتغى أعدائها.
المشهد الشعري العربي الآن اختتم فصلاً من فصوله الباهرة. سيكون كئيباً بفقده أحد أهم أصواته، إلا أن عليه أن يذهب بعيداً وعميقاً إلى التعرف إلى تجربة هي محل فخر للشعرية العربية والوجدان العربي، لا شك في أن قضية فلسطين التي هي قضية كل إنسان شريف خسرت واحداً من أهم أبنائها المخلصين لها، وخسرت وجهاً يرفعها ويضيئها كقضية من قضايا الحرية الإنسانية. وكقضية من قضايا الهمجية المعاصرة.
* * *

رفض أن يتحول إلى تمثال
محمد علي فرحات

للفلسطيني وحده (ومعه اللبناني أحياناً) أن يشعر باهتزاز الأرض تنذر بضياع وطنه أو بترشيحه للضياع فيتمسك باللغة، العروة الوثقى الحافظة حضارة الإنسان وانتماءه المهدد بالمحو أو بالتمزيق، عبر الغزو أو الحروب الأهلية.
للفلسطيني وحده، وهو هنا محمود درويش، أن يرسم من اللغة جسراً إلى وطنه المحتل أو المهدد بالاحتلال، لا يتهدم الجسر لأنه مشيد من زهو الكلام ولونه وإحالاته إلى محطات حضارية للجماعة ومنحنيات وجدانية للفرد.
محمود درويش شيد وطن اللغة سبيلاً إلى الوطن، منفتحاً على جماليات الحضارة العربية، وتلك المشرقية تحديداً، المتمثلة بديانات وطقوس تحمل الغنى الإنساني مقروناً برعب التعصب وحروبه المقدسة.
شعره النشيد الدائم والصور تتوالد بلا نهاية، وفرح اللغة بنفسها حين تحيي ذكريات وتجمّل آمالاً، وتهلّ دموعاً على من رحلوا.
يبدأ شعر درويش من الحرية، يكسر معوقات التقليد القائمة ما بين الإحساس والتعبير.
ومع الحرية تتوالى معجزات الغناء وألعاب المواءمة بنى الذاتي والموضوعي.
وحتى في الالتزام الاجتماعي والنضالي لم يسمح الشاعر بأي قيد وإن مصاغاً من ذهب العدالة.
حضرت قبل أكثر من عقدين جلسة بين محمود درويش وشاعر لبناني موهوب، اسمه موسى شعيب، كان قيادياً في حزب البعث بفرعه العراقي. نصحه محمود درويش بترك الالتزام السياسي الحرفي والانصراف إلى الشعر لأن الحزبية في بلادنا مقتلة للشاعر. لم يعمل شعيب بنصيحة درويش، وفي واحدة من دورات العنف قتل، وكان شعره قتل من قبله.
ولم يكن درويش في حاجة لينصح نفسه، ففي ذروة إعجاب الجماهير بقصائده الأولى الوطنية كان يرفض إلقاءها ويختار قصائد تتوافق مع لحظته الشعرية، وهي لحظة متحولة ومتطورة باستمرار. أراد أن يبقى شاعراً ورفض أن يتحول إلى تمثال.
* * *
سجل الذاكرة
عبد العزيز محي الدين خوجة

تأثرت لهذا الفقد، بخاصة أنه كانت تربطني بدرويش علاقة شخصية وصداقة من نوع خاص. برحيل درويش فقدنا شاعراً عظيماً مميزاً، له بصماته الواضحة على الشعر العربي، إذ كانت له شخصيته الخاصة المميزة، وهو أحد روّاد الشعر في العصر الحديث، ونجم مضيء مميز سواء كأحد شعراء المقاومة الكبار أو كشاعر له رؤيته الخاصة وأسلوبه الخاص، وأنا أعتقد بأنه كان شاعراً وناثراً عظيماً ورائداً مميزاً، وسيبقى حاضراً في سجل الذاكرة. ودرويش سيبقى كما نزار وبدوي الجبل لكل منهم بصمته ودوره في إثراء الشعر العربي.
* * *
قامة شعرية شامخة.. رحلت
لمى يوسف

أمين عام حركة شعراء العالم د.يوسف رزوقة قال في تصريح خاص للثورة:
كنا نحاضر حول (صورة العربي في الإعلام الغربي) ضمن مهرجان المحبة عندما أنبأتنا الإعلامية ديانا جبور بخبر رحيل شاعرنا الكبير محمود درويش فزلزلنا الخبر في العمق‏
وجعلنا في غيبوبة لم نفق منها إلا بعد ساعات قليلة. لنصدق أن قامة شعرية شامخة كمحمود درويش رحلت عنا إلى الأبد, بعد أن أغنت المكتبة العربية والعالمية بعيون الشعر الصافي.. لقد رحل الشاعر الرمز ولكنه لم يرحل, لأن كلماته الفذة والمبثوثة في وجدان عشاقه الكُثر لن تمحى مع مرّ الأيام والسنوات.. واليوم زرنا موقع أوغاريت الأثري وتذكرناه ونحن تحت شجرة الزنزلخت التي ذكرها في إحدى قصائده الشهيرة..‏
لا يفوتني كأمين عام لحركة شعراء العالم أن أنعاه لنرفع إلى كل محبيه وأهله وإلى فلسطين أولاً وأخراً أحر التعازي معتبرين رحيله هذا وجهاً آخر للحياة في ذاكرتنا جميعاً. لقد كان الفقيد صديقاً, التقيته للمرة الأولى قبل عشرين سنة في بغداد, لأسلمه نسخة من ديوان له ترجم إلى الروسية وكنت عائداً للتو منها ومن يومها توطدت العلاقة ليصبح الأكثر معنى في حركة شعراء العالم والأكثر لفتاً للانتباه بالنظر إلى مشروعه الشعري الحداثي, الطموح.. منذ ثلاث سنوات كان لحضوره بحركة شعراء العالم مذاق خاص وكنا على وشك دعوته إلى أمريكا اللاتينية كضيف شرف لأحد المؤتمرات التي ستقام هناك حول (الشعر والسلام) في تشرين الثاني القادم, لكن تجري الرياح عكس اشتهاءاتها.. سيظل محمود درويش في القلب, وفي الذاكرة قصيدة لا تموت:‏
(قبل الحلول بأرضها‏
قتلته فلسفة الهروب إلى السماء‏
ولم يكن لوجوده بين الوحوش مبرر ليعيش عمراً آخر‏
كان الخروج من الزجاجة مستحيلاً‏
والنساء مجرد امرأة إلى مرآتها..‏
ما كان للأشياء طعم‏
كل شيء لم يكن يعني له شيئاً‏
إلى أن جدّ شيء شائك في القلب..)‏
* * *
مديح الإبداع العالمي
ديب علي حسن

ورحل محمود درويش بعيداً بعيداً خلف المحيطات.. توقف القلب لم يعد قادراً على حمل عصا الترحال.. طوف في الأرض شرقاً وغرباً ,شمالاً وجنوباً.. لم يكن مسافراً.. سائحاً ولم يكن الوطن حقيبة.
بل الحقيبة كانت في حالة تأهب للقيا الوطن.. أربعة عشر ديواناً وما يزيد.. إبداع ترجمه إلى أكثر من/20/ لغة عالمية, وظل محمود درويش يكتب ويكتب.. لم يتوقف عن الكتابة إلا حين توقف, بل لنقل حين ترك الحصان, حصان الإبداع وحيداً توقف القلب..‏
الإبداع العالمي الذي أثرى الشعر العربي به/ حري بالمؤسسات الثقافية والإبداعية أن تجعله زادا لكل طالب أو شاعر أو مبدع ليبقى المخضر الدائم لإبداع أصيل..‏
محمود درويش الشاعر بلغ ذروة الألق الإبداعي في مديح الظل العالمي/بلغ الروئ التي تقول هاهو ما قد أشرت إليه يصبح حقيقة هل تذكرون قوله: عرب أجروا قرآنهم ليهود خيبر.‏
مديح الظل العالمي كما غيرها من المجموعات الشعرية ذروة من ذرا الإبداع في أول طبعة لما يسمى الأعمال الكاملة, قال درويش : (لا أخجل من طفولتي الشعرية ولكن الطفولة شيء والمراهقة شيء آخر وهذا المبرر الوحيد لإقدامي على قطع بعض أجزاء من جسدي الشعري..والأعمال الكاملة لا تكون أعمالا كاملة إلا حين تنتهي حياة الشاعر أو قدرته على المزيد من الخلق ). وها قد رحل درويش وترك أعماله الكاملة.. فهل يتهيأ لها النقاد الذين يرتقون إلى ذراها.. وحده الزمن يحمل في بحره الإجابة..‏
* * *
إذا متُّ قبلك أوصيك بالمستحيل!!
قيس مصطفى

لن يكون موت محمود درويش حدثاً عابراً، سيكون استثناء يوغل في التشابك مع الذاكرة.. ممارسة الغياب ومبتدعته الأولى، ألم يكن لسان الغائبين، ألم يكن انعطافاً في المخيلة وطريقة التعاطي معها (سأصير يوماً طائراً، وأسلُّ من عدمي وجودي)، ألم يكن دينامو الشعرية العربية المعاصرة. ورقمها الصعب ونموذجها المعياري الذي يُقاس عليه.
هكذا كان ذا شعور حيٍّ بالزمن، لذلك كان يتحوَّل، يتبدل دون أن يرهن مخزونه الحسي لطنين الايديولوجيا، ظل يحفر في الإنساني، وهكذا أيضاً رفض مقايضة الحقيقة بالكذبات الصغيرة، مثلما أبى أن يبدل الحلم بالواقع أو العكس. واضحاً يمضي، بعد أن سجل مأثرة الفلسطيني، تلك المأثرة التي لم يفهمها صانعوها حتى هذه اللحظة..
كان محمود درويش يؤمن بأهمية القارئ، باعتباره العنصر الفاعل في الثقافة «فلنكن سادة الكلمات التي سوف تجعل قراءها خالدين».
كان يبحث عن أشياء بديلة عن المقايضات، فكتب إعلان الاستقلال الوطني الفلسطيني ولم يساوم على نصه كالصعاليك، كان الشعر بالنسبة له قضية حياة أو موت، وهذا الأخير كان حاضراً في كل لحظة، منذ الإقامة الجبرية في فلسطين المحتلة إلى بيروت ونيقوسيا، ودمشق وباريس وعمان وكل العواصم التي مر بها حاملاً قصائده في قلبه المتعب مثل دون كيشوت.. غير أنه دون كيشوت غير واهم أبداً.. لم يقاتل محمود درويش طواحين الهواء.. فقد كان له من الخصوم ما يرى على مسافة أبعد من مد النظر، خصوم على المستوى الوجودي، خصوم المكان والزمان، وخصوم على المستوى الشعري، غير أنه لم يعترف بخصم أبداً من هؤلاء.. ظل متعالياً حتى اللحظة الأخيرة.. فليفرح أعداء الزمان والمكان.. فليفرح الشعراء وهم يرقبون إكليل الغار الذي يذوي على جبهته.. هاقد مات الديكتاتور الشعري (مرحى للديكتاتور)، والند الأعظم لكل ذي مقترح، ولكل واضع ورقة وقلم على مكتبة العالم..
نذكر حين كتب لإدوارد سعيد: (إذا مت قبلك أوصيك بالمستحيل، سألت: هل المستحيل بعيد؟: فقال على بعد جبل، سألت: فإن مت قبلك: قال أعزي جبال الجليل).
هاقد جاء الموت إذاً، جاء بالحيرة، بينما باقية جبال الجليل، وبقاؤها ليس حمَّال أوجهٍ، هو بقاء وفقط. فكم من المعزين..
جاء الموت إلى محمود درويش ولست أعرف عينا من كانت له حين جاء..
* * *

مات معذباً بكل شيء
منذر مصري

ما إن سمعت في إحدى نشرات الأخبار التلفزيونية أن وضع محمود درويش الصحي بعد إجرائه عملية قلب مفتوح، في حالة حرجة، حتى علمت أنه سيموت لا محالة!. كل شيء فيه نضج حتى الموت، قلت.
كان لا يفتأ يصرخ:«أنقذوني من هذا الحب القاسي، أنقذوني من هذا العذاب» لكننا كنا نستعذب عذابه، ونطالبه بالمزيد، لم نساعده بأية طريقة، في أن ينقذ نفسه. وكنا كلما رأيناه يتعذب، قصيدة حب قاس تلو قصيدة حب قاس، كنا نزداد حباً له، ونزيد من جرعة عذابه. كنا نحبه مهما فعل، كنا نصفق له وهو يلهث، كان ما أن يقف ليلتقط أنفاسه، حتى نطلق الصيحات نحثه على أن يعود وينطلق، لم نكن نسمح له بالراحة بين الأشواط فكيف لنا أن نسمح له بالانسحاب. ليل نهار كان لا عمل له إلا الحب، ليل نهار كان لا عمل له إلا أن يكون معشوقا.. اسألوا النساء كم يؤلم هذا. ولم يكن له مهما نفث من الزفرات، ومهما تلوى من الألم، ومهما أطلق من صرخات، أن يبطل ما هو عليه، أن يخرج منه، ليس بسبب قلة حيلته، أو بسبب سوء فهمه وتقديره، فلا أحد كان له أن يعي حالته ويفهمها ويقدر عواقبها، وربما يلعب عليها، مثل محمود درويش، لكنه كان عهداً بالدم بيننا ليس بمقدور أحدنا أن ينقضه. وهكذا.. رغم ما عرف عنه من وعي حاد، وذكاء، وشطارة.. كان محمود درويش خاسراً، خاسراً منذ البداية حتى النهاية، فلا بيت ولا عائلة ولا طفل.. وأيضاً لا وطن.
مات معذباً بكلِّ شيء..
* * *

رافعاً فلسطين فوق هامة الغاصبين
نوفل نيوف

لا أظننا نقول جديداً عندما نصف محمود درويش بالشاعر العظيم. قولنا ذلك، بما فيه من تكرار وتحنيط، لا يعدو كونه تقريرَ واقع تشهد عليه مسيرته الشعرية التي يقارب طولها نصف قرن. لعل الجديد هنا هو أن كلمة «عظيم» تعود لتمتلئ بالمعنى، والنبض، والحرارة، لتتألق مثل قصائده التي انتشلتنا من الخطابة، والحماسة، والوعيد، لتلقيَ بنا في غمار الشعر، والتفتح، وجنون الربيع..
كانت الكتابة عن محمود درويش الشاعر في حياته صعبة، بقدر سهولة ما سُفِح حوله من كلام وصفي، نافل، إيجايياً كان أم سلبياً، مديحاً لا يقول شيئاً، أو اتهامات قلَّما تخطّت حدود التخمين السياسي، والتقويل القسري، بعيداً، بل بعيداً جداً عن أعماق شعر محمود درويش وجمالياته، عن ألوان القوة البهيجة، والحياة الدفاقة المتأججة فيه.
لم يكن محمود درويش مجرد شاعر كبير يمثل صوتاً، أو جيلاً، أو مرحلة وحسب، بل كان نسيجاً وحده، جيلاً وحده، ومرحلة وحده.. ما يجرئ على الإفصاح عن هذا اليقين (وليكن يقيناً ذاتياً محضاً) لا يحدّه الحب، والإعجاب، والنظرة النقدية المتسرعة، بل هو قائم على رؤية ما في شعر محمود درويش من تجدُّد خلاق يشقّ دروبه في غاباتٍ بِكرٍ تشدّ المتلقّي إلى أضوائها ولظاها، لتعمل على/ أو لتشارك في خلق ذائقته الشعرية، والارتقاء به من العطالة إلى الفعل، من تشغيل إسطوانة الحافظة، إلى متعة الاكتشاف، والخلق، والنموّ.. ذلك أن هاجسَ محمود درويش، صاحب الموهبة الفذّة والثقافة الواسعة..، يتمثّل في بحث المتبصّر، وتجريب المهموم بالفن، والتطلع إلى آفاق شعرية قصية، واستخدام أدوات تعبيرية جديدة تمكِّن من رؤية المسافة بين مجموعة وأخرى من مجموعاته الشعرية، وأحياناً بين قصيدة وقصيدة. كثيرون، قبل محمود درويش ومعه وبعده، كتبوا عن الثورة والحلم والرؤيا.. محمود درويش لا يشبه أحداً منهم، ولم يقتف أثر أحد منهم.. يهون على المرء أن يستنبط من قصائده موقفاً سياسياً، ولكن يصعب عليه أن يحصرها فيه، أن يراها بوقاً لموقف، تردد إيقاع تفعيلاته، تتكئ عليه، تزوِّق أو تنوِّع الكلام فيه. فالسياسي في شعره محمول ترشح به مكوِّنات القصيدة: غنائيتها، ورموزها، ومفرداتها.. وليس حاملاً «يعربش» عليه الكلام المنمّق ليسمّى قصيدة أو شعراً تحت ذريعة «المضمون» التي كثيراً ما أسيء ويساء استعمالها حتى اليوم.. عظيم محمود درويش بوهجه الذي أراقه في قناديل الكلام الكابية، بدمه الذي خلعه على مفارق صبانا لنبصر، بترحاله الذي لم يهدأ في الكلمة والمواجهة والمكان، بحجره وزعتره الفلسطيني، بهدهده، وحصانه، وسرير غريبته، ولوزه، وورده الأقل.. بـ«كرمله»، وذاكرة نسيانه، والعابرين في كلام عابر. عظيم سيد الترحال في الأوطان، والغربة، والمنافي، والشعر، وآخر دنيا الأمل، عظيم في نجاته من الإسفاف، وتوسل كافور، والبكاء على حائط نوبل، عظيم في بقائه شاعراً يرفع وطنه فوق هامة الغاصبين، ويذهب مطمئناً إلى جنة شعراء أبي العلاء المعري، ومدينة الفارابي الفاضلة..
شعره ينشر على الأرض خمره مع ذؤابات الضوء، فيما تتراجع الصورة الداكنة مختلطةَ الألوان والعناصر، مثل موجة تعود أدراجها محمّلة بالرمل والأنين. ‏
* * *

مات الملك.. عاش الملك
رشا عمران

هزمتك يا موت الفنون جميعها غير أنَّ الموت لم يعتد على قبول الهزيمة، لم يشح بوجهه أمام الشامتين, ولم يتلعثم كخجل البنت الوردي أمام الشاعر الكبير، ولم يختبئ وراء الباب الموارب كطفل يحاول التلصص على قصيدة للكبار، بل بفظاظة مطلقة مد لسانه لنا جميعاً وسحب الشاعر الكبير خلفه وغابا معاً، بينما نحن نقف كالمشدوهين غاضبين من عجزنا عن منعه من الرحيل وغاضبين من تصديقنا أن الفن سيهزم الموت وغاضبين من حزننا العاجز والبليد كلما حلا للموت أن يطقطق أصابعه ليمسك بيد الشعراء واحداً وراء الآخر عابراً بهم ضفة الكلام نحو ذلك الصمت الغريب.
«لا شيء إلا الضوء، لم أوقف حصاني إلا لأقطف وردة حمراء من بستان كنعانية أغوت حصاني وتحصنت في الضوء».
والشاعر المشغول بالضوء وباللعب بالمعنى وبافتتان الغاويات والغاوين لم ينتبه كيف غافله الموت وتغلغل بين الحشود ليقف خلفه تماماً وربما كي يدخل كالبهلوان إلى شرايينه يلاعبه حينا، ويمد له رأسه حينا آخر، ويختبئ كما الجبان أحيانا أخرى، حتى صدق الشاعر أن الموت مجرد لعبة وأن العطب في شرايينه وذلك الوجع في قلبه هو اختبار للشعر وليس للحياة، من حسن حظنا أنه صدق ذلك يومها لنقرأه جديداً في اختباره ونحبه أكثر، لكنه وهو يتابع إغواءنا انتبه إلى أن الحياة حظ المتوكلين والمسلمين والراضين، بينما الشاعر حظه القلق وحظه الحزن وحظه التوتر وحظه السؤال وحظه العبث والهشاشة والانكسار، حظ الشاعر ضعف القلب وتوسع الشرايين حد الانفجار، فانحاز مجدداً إلى اختبارات الكتابة واللعب بالمعنى وبالشكل وبالإيقاع كمن يراوغ الألم ليقهره، أو كمن يريد أن يلاعب الموت لعبة (الاستغماية) أطول مدة ممكنة ليقطف الشمس ويخبأها تحت قلبه المريض لعل الضوء الناصع يرعب الموت ويبعده، لكن الوهم أيضاً حظ الشاعر، صدق أن للموت جناحي فراشة يرتجفان عند الضوء وصدقنا معه أن أثر تلك الفراشة أقل مما يستحق الانتباه إليه، لكن الشاعر الكبير غافل وهمه وغافل تشبثنا بوهمه، وسقط مضرجاً بمنفاه الأخير داخلاً في غيبوبة حزنه الأزلي بينما كانت قصيدته الأخيرة (لاعب النرد) تضرجنا جميعاً نحن الذين استعرنا حجارة نرده كي نشبه الملك.
مات الملك، عاش الملك.
* * *
موت مشتهى.. كظلِّ أسطورة عميقة
علي سفر

هل هي شهوة الموت ما يدفع بالشاعر لأن يعيد تمثل المصير المحتوم والمكروه البشري في قصائد صريحةً وكذلك في المضمر من عشرات النصوص التي تنتهي بالبحث عن فسحات تجعل القارئ يعيد الالتصاق بالحياة..؟
نزق قصيدة محمود درويش -وإن بدا للبعض أنه نزق الشاعر نفسه- يصبح مفهوماً لدى القارئ من لحظة الموت الصريح الذي مثله رحيله بالأمس..
فهو كشاعر مسكون بالتبصر وبالنبوءة وقد جعل من قارئه جزءاً من موضوعه الشعري وليفرض أقصى ما استطاع من ممارسة «المسرحة»في النص ولا سيما المنحى التراجيدي والذي يجعل البطل في مواجهة الأهوال في طريق عودته إلى الأرض/الحلم..!
وهنا يكون القارئ واحداً من الفاعلين لديه حين يكون هو ومن موقعه الشعري فاعلاً أمام جمهور لابد سيشترك معه في تمثل النهايات طالما أن هذا القارئ/ الجمهور قد مضى ومنذ البداية في رحلة البحث عن الوطن والتفكير بالجنة الأرضية المفقودة..
القارئ/ الجمهور يدخل المتن من النص وحين يستغرق في التمعن فيما ترويه حكايات المجاز يكتشف أنه هو ذاته من يستطيع أن يفكك النص عبر وجوده في الحيث الزماني والمكاني.. والنماذج عن هذه الموضوعة كثيرة جداً في شعر محمود درويش ولا سيما تلك القصائد التي أعقبت خروج المقاومة من بيروت عام 1982، غير أن الشاعر وربما بفعل تبصره بقرب العودة إلى ما يشبه الوطن.. وليس الوطن، ذهب إلى تصعيد النزق ولتصبح المواجهة مع القارئ/الجمهور أكثر وضوحاً في «ورد أقل» وهنا ودون أن نغرق في التأويل ودون أن نلبس النص الدرويشي ما لم يلبسه نتذكر قصيدة من الديوان تحمل عنوان«يحبّونني ميتاً» يقول فيها:
«يُحبُّونَني مَيِّتاً لِيَقُولُوا: لَقَدْ كَان مِنَّا, وَكَانَ لَنَا.
سَمِعْتُ الخُطَا ذَاتَهَا, مُنْذُ عِشرينَ عَاماً تدقُّ عَلَى حَائِطِ اللَّيْلِ.
تَأتِي وَلاَ تَفْتَحُ البَابَ.
لَكِنَّهَا تَدْخُلُ الآن.
يَخْرُجُ مِنْهَا الثَّلاَثَةُ: شَاعرٌ, قَاتِلٌ, قَارئٌ.»
إذاً نحن أمام حالة مجاز يستغرق في التصريح دون أن يتخلى عن جمالياته ولكنه يستفيد من هذا التصريح كي يبني علاقةً مسرحيةً مع القارئ، فهذا الأخير يعيش مع الممثل الذي يبني على وجوده العرض/ النص في حالة مواجهة تشبه تماماً العلاقة بين الخشبة وما يحدث عليها وبين المشاهد الذي يجلس في مقعده أمامها..
وإذا جاز لنا أن نبني قواماً لهذه التراجيديا فإن النص يفيد بوجود حالة فرار من مصير محتوم ولكنه فرار باتجاه الشعر وليس باتجاه الحياة..والفرق في نص الشاعر واضح وسهل الالتقاط وربما من هذه المفارقة ينجح الشاعر كل مرة في معادلته القصية والصعبة والتي تحاول الاستمرار رغم أن التراجيديا تقول إن نهاية البطل هي الموت وليس غيره من مصير..
«مَتَى تُطْلِقُونَ الرَّصاصَ عَلَيَّ؟ سَأَلْتُ.
أجابوا: تَمَهَّلْ ! وَصفُّوا الكُؤُوسَ وَرَاحُوا يُغَنُّونَ لِلشَّعْبِ,
قُلْتُ: مَتَى تَبْدَؤونَ اغْتِيَالي؟
فَقَالُوا: ابْتَدَأنَا.. لمَاذَا بَعَثْتَ إلَى الرُّوحِ أَحْذِيَةً!
كَيْ تَسيِرَ عَلَى الأَرْضِ, قُلْتُ.
فَقَالُوا: لِمَاذَا كَتَبْتَ القَصيِدَةَ بَيْضَاءَ
والأَرْضُ سَوْدَاءُ جِدَّاً.
أَجَبْتُ: لأَنَّ ثَلاَثِينَ بَحْراًُ تَصُبُّ بِقَلْبِي.
فَقَالوا: لِمَاذا تُحُبُّ النَّبِيذ الفَرَنْسِيّ ؟
قُلْتُ: لأَنِّي جَدِيرٌ بأَجْمَل امرأَةٍ.
كَيْفَ تَطْلُبُ مَوْتَكَ؟
أَزْرَق مِثْل نُجُومٍ تَسِيلُ مِنَ السَّقْف
- هَلْ تَطْلُبُونَ المَزِيدَ مِنَ الخَمْر؟
قَالوا: سَنَشْرَبُ.
قُلْتُ: سَأَسْأَلُكُمْ أَنْ تَكُونُوا بَطِيئِين,
أَنْ تَقْتُلُوني رُوَيْداً رُوَيْداً لأَكْتُبَ شعْراً».
الموت لدى الشاعر وكما هي طقوس الملاحم العتيقة هو موت في ذروة البطولة.. هو موت سقراط البطيء وهو الموت الذي يواجه الفناء عبر تثبيت الذات في الزمن (بيجماليوم) وهو في النهاية ليس موتاً في الحكمة الشرقية القديمة بل بقاء في عالم الأحياء ولكن ضمن أشكال أكثر رقياً وإذا صح لنا أن نعتبر الشعر واحداً من الكائنات -مجازياً على الأقل- فإن محمود درويش الذي مضى البارحة قد أعاد تشكيل معادلته.. شاعراً بطلاً خرج إلينا من أساطيرنا وها هو قد عاد إليها.
* * *
خضراء أرض قصيدتك.. وعالية
رباب هلال

/في دمشق:/ ينام غزال/ إلى جانب امرأة/ في سرير الندى/ فتخلع فستانها/ وتغطي به بردى/ هذا ما قلتَه، وقلت أيضاً:/في دمشق:/ تداعبني الياسمينة:/لا تبتعد/ وامش في أثري/ فتغار الحديقة:/ لاتقترب/ من دم الليل في قمري/../ في دمشق:/تجف السحابة عصراً،/لصيف المحبين في سفح قاسيون،/..وقلت وقلت..ونحن نصدق ماتقوله أبداً، علينا أن نصدقك! كيف لا!؟ وقد أدخلتنا في حلمه الطويل الجميل، رغم أننا لانزال نلهث بحثاً عن بردى، وعن العتبات الدمشقية المطرزة بالياسمين، وعن سفح قاسيون في أعالي العشق. إلاّ أننا ونحن نسبح في دبق عرق أجسادنا اللاهثة، نتفيأ ظلك العالي، وسنديان أشعارك وتينها وزيتونها، ونمسح عن أعيننا دموع الضحك، فتتأجج أحلامنا وأوهامنا والنحيب!
لماذا تركت القصيدة وحيدة؟ ألكي تؤنس البيت../فالبيوت تموت إذ غاب عنها سكانها/.. ولكن لماذا نشعر بأنك أخذت البيت معك؟! لماذا أحسستنا في عز آب وعز الشمس، أنك رميت علينا عباءة الصقيع؟ وأمرت سحائب الدموع بالرحيل؟ وأفشيت السر، وهمست صارخاً:/لم يمت أحدٌ تماماً، تلك أرواح تغير شكلها ومقامها/. ونعرف أننا سنستيقظ غداً، نغلي قهوة وحدتنا، نفتح النوافذ لـ(الريح التي سقطت عن الحصان)، ونرى في أعالي شرفاتنا المكشوفة للشمس الحارقة، حمامة بيضاء تغندر طوافها في سماء أحلامنا. وتكمل ما اعترفت به وعزمت عليه، بأنك تريد أن تحيا لتشاهد الطوفان عن كثب! طوبى لحلمك العملاق وقد أوصد باب الاعتراف بالطوفان الذي يجرفنا منذ أرضنا العتيقة، لتنتظر الطوفان؟ وننتظر جدارية أخرى! لماذا أحسستنا بانهدام الانتظار وانهياره؟ كل ما قلت به وصرحت كان صادقاً جميلاً كبهاء قصائدك، وقد نفضت غبار النقائض عن عباءات: امرؤ القيس، وطرفة بن العبد، والمتنبي، والمعري وغيرهم كثر. كما/ آثرت الزواج الحرّ بين المفردات../على الذكر الملائم/ في جنوح الشعر نحو النثر/ وكنت عراب القصيدة. وكنت حرّاً مثل الشعر. ومثل الحرية تلوذ عالياً بالسماء والهواء والريح، تتدثر بين بيوت السحائب وأقوامها، بعيداً عن/علم يطفو على القتلى كعادته/. ولكن لماذا لم تتبع تعاليم حورية/أمك وقد أوصتك بأن لاتصدق من النساء غيرها! لماذا لم تفرّ للاختباء في وصاياها وحلبها، وهي تقطع بك وبربطة الخبز الأسلاك الشائكة من فلسطين إلى لبنان. فلسطين حيث/ نقيس المسافة ما بين أجسادنا/ والقّذيفة..بالحاسة السادسة./ فلسطين تلك التي مررتها على جرح القصيدة فأزهرت شقائق النعمان، على صدور الشهداء والشهيدات، أبنائهم وبناتهم، وإخوتهم وأخواتهن، وعمومتهم والخالات، وكل أفراد العائلة، ثم رفعتهم إلى أعالي القصيدة لتشرق الشمس من جديد. لابد أنك تمزح مع الحياة وتلاعب الزمن، ألم تقل /للغياب/نقصتني/ وأنا حضرت/لأكملك/ألم تقل للموت/ أيها الموت انتظرني خارج الأرض../ريثما أنهي تدابير الجنازة في الربيع الهش/حيث ولدت، حيث سأمنع الخطباء/ من تكرار ما قالوا عن البلد الحزين/ وعن صمود التين والزيتون/ في وجه الزمان وجيشه./../ أيها الموت انتظر!حتى أعدّ/حقيبتي: فرشاة أسناني، وصابوني، وماكنة الحلاقة، والكولونيا، والثياب/ كلهم لايزالون دون ضب، والحقيبة فارغةـ تنتظر، إذن أنت لا تزال تمكث فينا، في أحلامنا، دموعنا. وأوهامنا، تجمّل الأشياء حولنا وحيالنا! من قال غادرتنا؟ نحن جميعاً نصدقك. أتراه الموت وحده لا يصدقك، أتراه صياداً غير شريف، يصيد الظباء قرب النبع؟ حياة عبقت بالشعر والجمال والحب، بالنضال والمقاومة، والغناء للسلام والحرية، وبعد كل ذلك الألق، في حين أنك لا تزال تسير في القصيدة. تتساءل /.. من أنا في الموت بعدي؟ من أنا في الموت قبلي؟ أنت نشيد الإنشاد وحكمة الجامعة، وأنت محمود درويش بحروف اسمك العمودية، العميقة عمق الحياة، والأفقية الرحيبة رحابة الخلود.
* * *
الموت ظلال الأكاذيب
بانة القاسم

هذا محمود درويش روح فلسطين التي ماتزال ترفرف طالبة الحرية، كلماته هي خلاصته فلقد قال ما أراد ومضى, أحب الأرض وغنى لها في(مديح قصير للأرض):
هذا الرجل الذي قدمه مرة الدكتور يوسف زيدان الأديب المصري المعروف في إحدى أمسياته في مكتبة الإسكندرية قائلاً: إن عمر محمود درويش من عمر الاحتلال أو الدولة اليهودية. إلا أن الشاعر الذكي أكد لجمهوره أنه أقدم من عمر الدولة اليهودية أو الاحتلال لأنه صاحب الأرض أصلاً في إشارة واضحة إلى عمق دعوته وتأصل وجوده المترافق مع وجود الأرض والشعب وليس من جاؤوا بعده محتلين هذه الأرض.
أن تكون شاعراً لوطن ينزف على طول الطريق فهذا قدرك الذي لم تختره ولكن أن تختار درب الكلمات الموجعة لتحملها همك وقضيتك فهكذا تكون محمود درويش مرة أخرى لنسمعه مرة ثانية كيف عرف عن نفسه:
ما دلني أحد علي/ أنا الدليل/ أنا الدليل إلي
بين البحر والصحراء/ أنا لغتي
أنا ما قالت الكلمات
وعالمي جسدي وما ملكت يداي
أنا المسافر والسبيل
مد محمود درويش شرايينه على امتداد جراحات الوطن الكبير ليغني للوجع الصامت والوجع النازف والوجع الصارخ وليقول في قصيدة مهداة إلى شاعر عراقي يوماً من عام 1992 بعنوان (فرس الغريب):
التتار الجدد يمحون أسماءنا في شعاب الجبال
وينسون فينا العراق
وهاهي العراق التي تنبأ لها الشاعر بغزوات التتار تواصل أنينها تحت كابوس الموت اليومي. أما القدس حبيبته العتيدة فقال لها:
في القدس داخل السور القديم
أسير من زمن إلى زمن بلا ذكرى توجهني
فإن الأنبياء هناك يقتسمون التاريخ المقدس
يصعدون إلى السماء ويرجعون أقل حزناً
هذا الشاعر الإنسان أمسك بتلابيب الكلمة ليحملها الرمز ويثقلها بمتاهة المعنى, فيبحر شراع مركبه إلى بحور واسعة الطيف لا تحدها لهفة الحرف وإنما تفتح بواباتها إلى فلسفة يلجها متذوقو الكلمة.. في (قصيدة الظل) يقول:
الظل لا ذكر ولا أنثى
رمادي..ولو أشعلت فيه النار
يتبعني ويكبر ثم يصغر
ولكن الجمهور الكبير, كبر القلب والواسع وسع الكلمات والكثيف كثافة القصائد..كان ينتظره في المدرجات والأمسيات واللقاءات وينتظر جديده وينتظر قطرات الندى التي يبلل بها درويش جفاف أيامنا, فلا أنسى يوم حضرت الأمسية الشعرية التي أقامها في نادي الجلاء كيف تحملت كما كل العاشقين لشعره, كل الأذى في سبيل مساحة تتسع فقط لقدمي لأقف لأكثر من ساعتين أستمع لشعر محمود درويش الذي حملني إلى عالم وجدت نفسي فيه أستولي على كل الكلمات وكل القوافي وكل الأوزان وعدت وأنا محملة بكنوز من القصائد دون أدنى شعور بالإرهاق.
عندما أنشدت وأنا طفلة الثمان سنوات (غابة الصفصاف) قائلة:
يا غابة الصفصاف/ هل تذكرين/ أن الذي رموه تحت ظلك كأي شيء ميت/ هو إنسان/ وتحفظي جثته من سطوة الغربان/ ماقيمة الإنسان/ بلا وطن/ بلا علم/ بلا عنوان/ لم أعرف أن تتمتها ستكون على نحو:/ الليل ياأماه ذئب جائع سفاح/ يطارد الغريب أينما مضى/ ويفتح الآفاق للأشباح/ وغابة الصفصاف لم تزل/ تعانق الرياح.
هذا الرجل الذي رثا نفسه ورثا أهل الأرض الفانين حينما رثا صديقه أمل دنقل في (قصيدة الغياب) قائل:
قلت: تغيرت يا صاحبي وهدأت
فهاهي سيارة الموت تدنو
لكنها لا تفجر صرختك الخاطفة
قال لي:عشت قرب حياتي كما هي
مرات ثبت أني حي
ومرات ثبت أني ميت
هل يموت حقاً شاعر يرسم تاريخاً لأمة, هل يموت من رسم كلماته بالدم لينقذ من بقي من المجازر, هل يموت شاعر يقول للمارين بين الكلمات العابرة آن أن تنصرفوا وتتركونا نحرس ورد الشهداء ونعيش كما نشاء..هل يموت حقاً من قال لحبيبته أنا آت إلى ظل عينيك من غبار الأكاذيب من قشور الأساطير أنت لي وأنت الفرح أنت لي وقوس قزح.. وحين خافت عليه حبيبته من وحشة الطريق قال لها: لا تحزني على قدمي من الأشواك لأنني أمضي إلى أجمل ضفة.. فامض إلى ضفتك القادمة أيها الشاعر واترك لنا حصتنا من كلماتك ودواوينك وأحزاننا القادمة..‏
* * *
تعبت من حمل جرَّة الصدى بانتظارك
محمد المطرود

لماذا أفهمَني القارئُ بأني أسَّرُ بمحمود درويش كرفيق عتيق، ينوب عني كلما أردت كتابة، يتلمسون روحه فيها ويقنصونني هناك، أرتب هزيمة أخرى في كتابة الشعر، وأجر الويلات للغة وأخنق تتمة المعنى، لم أزعل كثيراً قبل أن أكبر وأبحث عن شخصي، بعيداً عن هذه الأسطورة التي تعبت وأنا أصرخ: ما المانع من توظيفها، ألا تشبه جلجامش، وطروادة، والمستحيلات، هو أسطورتي الشخصية ويشبه كتاباً غير سماوي مقدساً، يشبهني وأشبهه، وربما أفقدُني بعد أن استأصلوه مني كظل أو مشطوني منه فزاد كَشَعْرٍ متعب، لا أستطيع أن أقتله، وإنْ حاولت، هذه حالنا مع آبائنا لانقتلهم وإن كرهناهم يوماً يقول مونتيرلان: إذا كنت عاجزاً عن قتل من تدعي كراهيته فلا تقل إنك تكرهه، أنت تعهر الكلمة فكيف إذا كنت تحبه وتود قتله مجازاً، أنت تفض بكارة الكلمة، وتضاجع أولادها واحداً.. واحداً، هي ستكرهك أيضاً.
هو ليس أخي، وسمير أخوه الأصغر (ابن أكثر من أب) ليس أوسَم مني فيكون أنيقاً في حزنه، ولا أكثر دمعاً فيبكيه، ولا أكبر حافظة فيؤنس الآخرين بغيمته الرطبة، ويقرب بيننا ووحوش يستأنسها، ويربيها في حديقة، كانت جزءاً منه وكان شجرها ملائكة مصطفة تنتظر عبوراً مدهشاً لأحد ما، أحمل حقيبته دون أن أعير اهتماماً لمن رآني أسرقها، وأفليها في مكان بعيد، مظلم، تحتدم فيه الشياطين التي أوهمتها بالغنيمة، فصارت عوناً مخدوعاً، يشاطرني بحثي عن نص أودعه لي، ولم يعطني إياه، أكنت أنتظر موته، وأصدق الأصدقاء الذين كلما ألمت به قصيدة عضال، بأنهم قرؤوا في عيني فرحاً، نزوة انتهازي وزهو منتصر، وكأن المملكة ستؤول لي بأشيائها الغريبة التي لاتملَك، فلا أولاد ولا نساء سأرثها منه، والمال مالم يقله، كنز مرصود، لايمكن الوصول إليه إلا بشيفرته، بصمة روحه، هواه الأموي من الجليل إلى الأندلس، إلى فرس (شموص) لايراهن أحد عليها، ويراهن هو، يكلمها ويعلمها أن الأرض جميلة، وسعيدة وتستحق الفارس الحق يطويها، كما تطوي حمامات دمشق القديمة، ناس المسجد الأموي الحديثين، بهديلها وزرقها.
كيف لي أنا الصغير في عجالة المأخوذ فزعاً أن ألم بكل سموات الكبير، وأنظر إليها فلا أراها كبيرة، وأشعر بقزمي الذي صار يكبر فيَّ، وينكأ جرحاً كنت أنوِّمه ليته لم يولد من الأساس ولم أقرأه كنبي، على الأقل إلى أن وعيت الفرق بين الأنبياء والشعراء، «فالشعراء يتبعهم الغاوون» كان ذنبي أن أحبه أكثر من المتنبي.
وأثيرُ أحباب المتنبي، والذين مدحهم وكانوا يعرفون كذبه في مشاعره وعلو معناه الذي يغطيه ويستره من شرٍ داهمٍ، ويحميه من سيف كان سيرديه قبل كلمة أردته.
«تلك غزالة سبقت جنازتها» وجنازته أخف من غزال ولها أيطلان يطيِّرانها، جنازة لايسبقها أحد، أممية، ولا تحتاج بشراً قليلين يدفنونها ويقيمون مراسم العزاء، طار الحمام من (هيوستن)حط الحمام، صارت الجملة مِلكَنا فلانضهعا بين مزدوجتين، وصارت كل كلمة تحيل للبكاء، وكل رثاء متعالٍ في كتبه نطوِّبه باسمنا، نحن الذين فرحنا بغلطة المذيعة المتعمدة ربما «محمود درويش في ذمة الله، نتمنى له شفاءً عاجلاً» نعم شفاؤه، سيبرأ من جروحه وأعدائه، ولأننا معه، سنتخيل عدوه بأخلاقيات فارس من القرون الوسطى، ينحني له، ويقدر فيه شجاعته.
«في زمن السيف والمزمار بين/ التين والصبار. كان الموت أبطأ/ كان أوضح. كان هدنة عابرين على مصب النهر» ماكان بطيئاً ولا واضحاً، كنت أتوهم أنه لايموت، وأن عبارة شاعر الثورة والمقاومة، كانت أبلغ موتاً، فالرجل كان مخيفاً أكثر من قذيفة، ومن طائرة عمودية تحلق فوق عُزل، وكان شاعراً لايستجدي قارئه، هذه (الكان) الفعل الناقص بامتياز لم أحسب حسابها، هي كفيلة الآن أن تبكيني رغم أني تماسكت، وقلت هو ليس أخي فأبكيه، بعد قليل سأراه قريباً مني أكثر من أخ لم تلده أمي، أو ولدته، ولابد..
«لاتنس قبرك هذه المرة» ولا تنسنا. السومرية تعبت من حمل جرة الصدى في انتظارك، ستكسرها فور وصولك وما أن تنظر فيها ترى صورنا الباهتة على قطع الصلصال، حينها تكون أميرنا نحن الحاضرين، «وجدت نفسي حاضراً ملء الغياب»قلتَ، وتقول «كلما فتشت عن نفسي وجدت الآخرين، وكلما فتشت عنهم لم أجد فيهم سوى نفسي الغريبة، هل أنا الفرد الحُشُود؟»نعم أنت الفرد الحشود.
* * *
لماذا تركت الحصان وحيداً؟
سامر محمد اسماعيل

سيمرُّ وقت طويل لنراك بيننا ذات مساء تخاطب شاعراً سورياً: لماذا كما الطرخون خاننا وخانك قلبك؟ وسيمر وقت طويل آخر لنتمكن من تركك لوحدك معها تصب لها النبيذ في كأسين مكسورين، لأننا أحببنا أن نحب ريتا معك، وكنا جميعاً «أحمد الزعتر»، ولأن ثلاثة خانوك: تموز وإيقاع وامرأة، سنواظب على حب محبوبتكَ، ونقرأ لها القصائد ذاتها مدعين أننا كتبناها لحديقة جسمها، ولأن صوتكَ أكبر من قصائدكَ سنستعير نبرتك، ونقلد أناشيدك ونزقك ولا ريب أن نهدي كتبكَ لحبيباتنا، وتقرأ لهن «أعيدي لي الأرض كي أستريح فإني أحبكِ حتى التعب».
سنحاول أن نستحضر صوتك أن نسمعك جيداً لنتقمص أغنياتك، سنقول لقارئ جديد: لقد كتبنا أحد عشر كوكباً، وورد أقل وسرير الغريبة، سنترك لك الجدارية، وحالة حصار ونغيب لك عن ظهر قلب حصاراً لمدائح البحر، وتعاليم حورية، ونقرؤها على أسماع من لم يسمعوك وأنت تغني على صخرة المنشدين، وأكيدٌ سيعرفون أن هذا الشعر ليس لنا، ستخوننا الإيماءة والإشارة ووقفات الصمت ورغوة الكلام، سيعرفون أن هذا الشعر لرجلٍ نحيل من فلسطين اسمه محمود درويش.
عندها سنصدق كلامك عن الموت عندما خاطبته «ربما أسرجت لي فرساَ لتقتلني على فرسي، هزمتك ياموت الفنون جميعها»، ومن جديد سنقتفي آثار حصانكَ على شاطئ عكا، ونبحث مع أمك في ثيابكَ الداخلية عن نساءٍ أجنبيات، ولأنه لا وقت حولها للكلام العاطفي سنخبز معها الظهيرة بالحبق، ونعجن عرف الديك بالسماق الذي تحب، باختصار: سنسلك إليك كل القصائد، ولن ندعك ترحل، نريد أن نكتب شعراً مثلك، وأن يتحول صوتنا إلى شكل حداثي للقصيدة، نريد أن نقول بجرأة للجهات والمجهول «جربناك.. جربناك، فاظهر كعنقاء الرماد من الدمار» ربما سنعيد شريط التسجيل مراتٍ ومرات، ونمرن الأشياء على موجتكَ الخصوصية، موتٌ وحرية، وخليل حاوي لا يريد الموت، رغماً عنه لا يريد الموت «سنتدرب على هذا المقطع كثيراً، ونلهج به، ولكن لماذا يا محمود لا تطاوعنا المقاطع؟ ولماذا يظل صوتك كالصاعقة ناجزاً في الضوء؟
سنعرف بعد قليل، بعد عامٍ بعد عامين وجيل أن صوتك أيها الشاعر عصيٌ على النسيان وأنه شعرٌ أيضاً، وندرك تماماً أنه لم يبق في اللغة الحديثة هامشاً للاحتفاء بمن نحب، فكل ما سيكون كان، لذلك سنعود لرؤيتكَ وأنت تقول: سقط الحصان مضرجاً بقصيدتي وأنا سقطت مضرجاً بدم الحصان، لا حب لكني أحب قصائد الحب القديمة تحرس القمر المريض من الدخان» إنها ليست تراجيديا يا محمود، لكنه الزمن الإضافي، المؤقت ببساطة والذي لن يمكننا من قراءتك بسماعك، لكننا نستطيع أن نسمعك جيداً وأكثر مما مضى، وأن نتخيلك في البلاد البعيدة تقول لنا «تصبحون على وطن من سرابٍ ومن شجر، ولأن الشاعر افتضحت قصيدته تماماً وحيث لا هواة للرثاء المر يمكنك أن تعود لفلسطين هادئاً ومحايداً قبالة بحر عكا عندما يستريح الجنود من نوبات الحراسة الليلية، ويغازلون امرأةً على الشاطئ، هناك وجهاً لوجه سيلتقي القاتل الباكي على شيءٍ يحيرنا بالقتيل ويخرج الفاشي من جسد الضحية، أثناء ذلك ستمد لنا يدك نحن الذين نحب الحياة إذا استطعنا إليها سبيلا، وتقول: لو أستطيع ذهبت إلى الشام كأني الصدى، أما نحن فلن نعاتبك لأنك مت، ولكننا نريد أن نعرف لماذا تركت الحصان وحيداً..؟. ‏
* * *
كما لم يفعل الآخرون
غياث المدهون

امنحوه فرصةً أخرى، فقد يعود من الموت كما فعل سابقاً، وربما كانت هذه مجرد محاولةٍ جديدةٍ منه لكتابة جدارية ثانية، هكذا منت نفسي نفسها المتشائلة دوماً حين تساقطت الأخبار حول موته أو دخوله في الغيبوبة، امنحوه فرصة أُخرى، فربما غيبوبتة الأولى لم تكن كافيةً لسبر الموت عن كثب، وربما هنالك تفاصيل أخرى لم تتسع لها حقيبة الشاعر في تلك الرحلة الأولى المختصرة، قلت هذا وأنا أقطع شارع مدحت باشا باتجاه باب شرقي،/لكن هذه المرة ستكون أطول نوعاً ما/، صاح حجرٌ على جانب الطريق، فتذكرت كيف تشعر الأشياء من جمادٍ وحيوان بالزلازل قبل وقوعها، ترى، هل من المعقول أن يرحل هكذا ويترك الحصان وحيداً كما فعل أبوه، ثم من سيقنعني كيف يحدث أن يخون القلب شاعراً، القلب، هذه العضلة الصغيرة التي لا تستريح إلا مرةً واحدةً في الحياة، هذه الأداة الوحيدة للشاعر، الأداة التي يستهلكها بشراهةٍ حتى آخر صمام دون كل البشر، كيف يمكن لها أن تخذله بعد أن وفى لها طويلاً.
محمود درويش، كيف سنختلف الآن في آخر السهرات حول الجدوى من كتابة قصيدة التفعيلة, وماذا سنقول للشباب في المخيمات ممن يحفظون قصيدة (أحمد الزعتر) طازجةً وكأنها كتبت الآن، كيف سندخل معرض الكتاب في السنة القادمة دون أن نتوجه مباشرةً إلى دار رياض الريس، ومن الذي سيجمع الناس الآن في ملاعب كرة القدم كي يحضروا أمسيةً شعرية، من الذي سيطلق علينا كذئابٍ جائعةٍ قصائد تغيرنا تماماً، كما فعلت قصيدة (سرحان يشرب القهوة في الكافتيريا) و(لماذا تركت الحصان وحيداً) و(الجدارية)، ترى هل سيستفرد بنا كتاب قصيدة النثر بعد أن رحل الدليل الوحيد على أن الشاعر الحقيقي لا تحصره التفاعيل والبحور، ترى هل سيقول الناس في مراثيهم إن آخر الشعراء قد رحل، ثم يظهر أن هناك شعراء آخرين مازالوا يولدون، وتعود الحياة إلى مجاريها.
لمن سنتوجه بالتعازي؟ وكيف سنفسر للجيل الذي سيولد دون حضورك، أن خللاً في DNA الأحاسيس قد تسيد الموقف، وأن الفيزياء ستغطي بملاءتها الداكنة رويداً رويداً وجوهنا وتفاصيلنا، وماذا سيكون موقف العصافير وكيف ستتقبل الطرقات والأشجار هذا الارتجال المفاجئ لملك الموت.
عندي اقتراح صغير، ماذا لو تراجعت قليلاً عن قرارك المتسرع، وانتظرت فقط حتى ترجع فلسطين، أو حتى تزهر الأحجار بالزنزلخت، ونختار ألواناً زاهيةً للعلم الفلسطيني كما كنت تقول، ماذا لو أنكَ فكرت ملياً بهذه الصحراء الشاسعة التي ستزحف نحونا والكم الهائل من الحبر والكلمات التي ستستهلك في رثائك، كنت ستغير رأيك وتعود، لاسيما أن لك أسبقيات في موضوع الموت والعودة منه.
الآن، وقد رملت اللغة، ومضيت بعيداً في الممر اللولبي، سنحاول أن نعيد ترتيب المدن والسهول والنوافذ، ونغير خارطة الصباح وجداول المواعيد، سنضع كلَّ السنونوات في أقفاص كيلا تهاجر هذا الشتاء، ونرمي عفش بيوتنا من النوافذ المشرعة، علنا نملأ فراغاً واحداً مما خلفت وراءك من فوضى، وبعدك من صمت.محمود درويش، يسعدني أنكَ رحلت في أوجكَ كما لم يفعل الآخرون.
* * *
بين شعر القضية وقضية الشعر
محمد دكروب

في حديث ثقافي قديم أجريته مع محمود درويش -ذات يوم من أيام عام 1968- قبيل انتقاله العاصف من فلسطين المحتلة إلى مصر وسائر بلدان العرب، قال لي، بثقة مَن يحدّد موقعه على خارطة الشعر، في ذلك الزمان: «إنني أعتبر نفسي امتداداً نحيلاً، بملامح فلسطينية، لتراث شعراء الاحتجاج والمقاومة، ابتداءً من الصعاليك حتى ناظم حكمت ولوركا وأراغون الذين هضمتُ تجاربهم في الشعر والحياة، وأمدّوني بوقود معنوي ضخم».
كان محمود في عنفوان شبابه، وانطلاقات توهّجه الشعري –المقاوم- في أنحاء بلادنا، يعلن للناس العرب، الذين زلزلتهم الهزيمة، عن وجود جماعات من الشعراء والمكافحين، داخل فلسطين، تمارس تمرّدها على غطرسة القوّة الإسرائيلية التدميرية، وتضيء شموعاً في ليل الهزائم.
درويش، وصحبة من شعراء فلسطين الشباب، كانوا في هذا الموقع المقاوم للقمع العنصري، في هذا السياق من شعر يتحدّى اليأس ويقدح الشرر. إلا أن محمود درويش بالذات، المكافح، والمنتمي، والكاتب السياسي في جريدة يومية، كان شاعراً بالأساس، يجري الشعر مجرى الدم في شرايينه وكل مكوّناته الإنسانية. وكان نهماً يعبّ الحياة، والحب، والثقافة، وشغوفاً دائماً بتطوير الذات، ثقافياً وفكرياً في السياق نفسه لتطوّر هذه الذات نفسها شعرياً.
وبقدر ما انعجن شعره بالقضية، قضية وطنه المنفي عن شعبه والشعب المنفي عن وطنه، في زمانه الشعري الأول، فقد صارت القضية نفسها عنصراً مكوّناً في حركة تطوّر شعره، ورؤاه الفكرية، ومسارات حياته. لم تعد القضية عنصراً ما، خارجياً، «يعبّر الشاعر عنها».. فعلى مدى زمان محمود درويش الشعري، صار الشعر الشعر، هو القضية.
وكان في الظنّ أن تحوّلات محمود الشعرية، وتوغّله في العمق ممّا يقال إنه: التباس، ورمز، وتصارع الرموز في قلب غموض الشعر وشفافيته- كان في الظنّ أن هذه التحوّلات تبتعد بالشاعر عن الجمهور وتُبعد الجمهور عن شاعرها.
فلماذا ظلّ الناس يحتشدون للاستماع إلى محمود درويش؟ مَنْ عاش زمان درويش الأول وجماهيريته: التصفيق الصاخب بما يشبه الطرب.. ويتأمّل صورة احتشاد جمهور درويش في زماننا الحالي، يرى عجباً، مدهشاً، ومحرّضاً على التفكّر والتحليل: جمهور درويش في زمانه هذا، يستمع بشغف، وهدوء، يستمع ويتأمّل، يستمع ويفكّر، يشغّل جهازه الحيوي والعقلي والفكري، يحاول الدخول إلى عمق الشعر، إلى فكر درويش الشعري، حتى عمقه الفلسفي والإنساني في نسغ الشعر وشرايينه.
كأننا نلمس، هنا، ذلك الفرق العميق بين أغنية الطرب (الجميلة على كل حال) والبناء السمفوني الشاسع الذي كلما طال وتعدّد استماعك إليه تتوغّل عمقاً فيه، وتعرّفاً إلى جمالياته. محمود درويش، الشاعر أساساً، لم يكن ليتعب فقط في إبداع ما يبدعه.. كان يتعب أيضاً، ويكدح، وينوّع في نهمه الثقافي الفكري والحياتي.
كانت القضية إحدى حوامل شعره الأول. صار الشعر الشعر هو قضية محمود درويش. وظلّ محمود درويش جماهيرياً، بالعمق والمدى الشاسع. كان يرجو-كما قال لي منذ أربعين عاماً- أن يكون امتداداً نحيلاً لأمثال ناظم حكمت ولوركا وأراغون، فصار واحداً من كبار شعراء العالم، يضيء، بملامح شعره الفلسطينية وعمقها، دنيا الشعر في هذا العالم الواسع.
* * *

موعدنا في 24 أكتوبر في مسرح محمد الخامس
ياسين عدنان

وأخيراً عادت جائزة «الأركانة» إلى محمود درويش. هنيئا لها إذاً. هنيئا لهذه الشجرة النادرة التي لا تنبت إلا في المغرب بطائر حُر اسمه محمود درويش. فدرويش من طينة المبدعين الذين تُهنَّأ بهم الجوائز قبل أن يهنّؤوا عليها. وثلة الشعراء والنقاد المغاربة الذين تحلّقوا حول محمد الأشعري قبل أسابيع في فاس ليحسموا مصير الجائزة العالمية لبيت الشعر المغربي في دورتها الثالثة، كانوا فعلاً وهم يتهامسون فيما بينهم باسم درويش يرتَقون بهذه الجائزة إلى أعالي الكلام، هناك حيثُ الشعر في بُعْده الجمالي العميق يعكس ملامح الوجهِ الآخر للمقاومة. فبعد الشاعر الصيني بي ضاو، والرائد المغربي محمد السرغيني، يحظى محمود درويش بالأركانة في طبعتها الثالثة.
تقرير لجنة التحكيم الذي وقَّعه الأشعري ورفاقه (المهدي أخريف، حسن نجمي، رشيد المومني، والناقدان عبد الرحمان طنكول وخالد بلقاسم) رأى درويش «لحظةً مضيئة في تاريخ الشعر الإنساني»، إذ «لم يكف، منذ أن وعى أن الشعر مصيري، عن البحث عن القصيدة في الألم والفرح، في الحياة والموت، في الورد والشوك، في الكلّي والجزئي، من غير أن يُفرِّط في شهوة الإيقاع، أي في الماء السري للقصيدة». وأضاف التقرير أن درويش «رسَّخ، ولا يزال، القيم الخالدة، مؤكداً في منجزه الكتابي وعبره، أن المادة الرئيسية لهذا الترسيخ لغةٌ لا تتنازل عن جماليتها وبهائها، ولا تتنكر لدمها الخاص».
محمود درويش، الشاعر الملحمي الذي لم يكف منذ الـ «جدارية» عن مُنازلة نفسه داخل الفضاء التراجيدي الذي ارتضاه منذ شهْقتِه الشعرية الأولى، كان سعيداً بالجائزة. هذا على الأقل ما أكده لصديق مغربي اتصل به مهنّئاً فور إعلان فوزه بها. والمؤكد أن كثيرين كانوا في انتظار محمود درويش في مسرح محمد الخامس في الرباط يوم 24 تشرين الأول (أكتوبر) المقبل، حيث كان يُفترض أن تجري وقائع حفلة تسليم درع الأركانة إلى الشاعر الكبير، وحيث كان من يُتوقع أيضاً أن يعانق صاحب «سرير الغريبة» جمهوراً صديقاً جمعته به ألفة خاصة.
مسرح محمد الخامس كان أحد الفضاءات الأثيرة لدى الشاعر الفلسطيني الراحل. هناك اعتاد أن يقرأ شعره كلما زار المغرب. حتى قصائد دواوينه الأخيرة التي صار فيها درويش أكثر إصغاءً إلى الحياة وانشغالاً بالبحث في أشكال الكتابة. في مسرح محمد الخامس قرأ درويش لشباب اليسار الجديد الذي لم يكن يرضى عن الثورة الوطنية الديموقراطية بديلاً. ثم قرأ أمام أبنائهم وقد كبروا وصاروا طلبة في معاهد المسرح والسينما والتشكيل وكليات الطب والصيدلية، وأمام الآباء أيضاً وقد صاروا يجلسون أمامه مباشرة في الصفوف الأولى بربطات عنق وبذلات تليق بمسؤولياتهم الجديدة. الصداقة ضاربة في العمق إذاً، وكل طرف ظل يراقب تحوُّلات الآخر. ومسرح العاصمة العريق كان يتحفّز لاستعادة عنفوانه بضمِّه الوجوه القديمة نفسها إلى أخرى جديدة ما دام الضيف المنتظر هو درويش.
في بداية التسعينيات، وبعد يوم نضالي ساخن، أوقفنا معركتنا داخل كلية العلوم في جامعة محمد الخامس في الرباط، ثم خرجنا في ما يشبه التظاهرة مشياً على الأقدام باتجاه المسرح. كان درويش سيقرأ تلك الليلة، ورأينا أن حضور أمسيته ومُقاطعَته من حين إلى آخر بالشعارات تتويجاً مستحقاً ليومنا النضالي الحافل. لكننا وجدنا الباب شبه مغلق. أخبرَنا الحراس أن الدخول بالدعوات، ثم إن قاعة مسرح محمد الخامس مكتظة عن آخرها. أُسقط في يد الرفاق. الشرطة تطوّق المكان. ونحن منهكون بسبب معركة كلية العلوم وقطع كل هذه المسافة سيراً على الأقدام. الرفاق حائرون. بدأنا نقلّب الأمر على كل أوجُهه. في تلك اللحظة، ظهر درويش. كان قادماً للتوّ من فندق «حسان» القريب محفوفاً بشخصيات ثقافية وسياسية بارزة. حينها صرخ في وجهه أحد الرفاق: «نحن ممنوعون من الدخول يا درويش، لكننا سنحضر أمسيتك غصباً عن الجميع». فغمغم الشاعر الراحل مرتبكاً: «من حقكم الدخول. لكن باللين وبدون فوضى». أجابه رفيقنا الغاضب: «بل غصْباً وفوضى ورغم أنف الجميع. ألستَ القائل: حريتي فوضاي؟». هنا نظر إليه درويش بارتباكٍ داراهُ بابتسامة متضامنة وانسلَّ إلى الداخل. بدأ بعض الرفاق يرددون الشعارات في الخلف. ثم اشتدت حرارة المشهد. رجال الشرطة يتأهّبون. نحن نسينا الشعر وانخرطنا في ترديد الشعارات مفكرين في مواجهة البوليس. في تلك اللحظة، جاء موظف ثخين يركض نحونا. صرخ في وجه الحراس: «افتحوا الأبواب فوراً ليدخل الجميع».فدخلنا، وطبعاً أغْنَينا الأمسية بما جادت به القريحة من شعارات غاضبة. غضبٌ يدي. غضبٌ فمي. ودماء أوردتي عصيرٌ من غضب.
عزيزي محمود درويش، كنتُ سأحضر أمسية 24 أكتوبر. كنت سأصغي إلى قصيدتك الجديدة كالعادة بحبّ وتعلم وتقدير. كنت سأحتمي بشعرك من شعاراتٍ كثيراً ما خذلتنا وهي تبدِّل جلدها في منتصف الطريق. لكنك لن تأتي إلى الرباط. لن تقرأ قصيدتك. ولهذا السبب بالضبط، كل شجر الأركان في المغرب يبدو حزيناً. أهو الحدادُ إذاً؟ أيها الشاعر الكبير، الأركانة على الأقل استحقتك. وتستحق أن نهنّئها بك. فقد نجحتْ فيما فشلت فيه نوبل. ثم إنك أيها الشاعر كنت على الدوام أكبر من كلّ الجوائز، أعلى هامة وأكثر سموقاً.
* * *

وداعاً.. محمود درويش
د. خلود خير بك

من موعد إلى آخر كان محمود درويش يؤجل قلبه.. كان يحمله إلى فضاء الوطن الرحب، ويسلمه إلى نبض الحنين.. قلب محمود درويش هو المحطة الأخيرة لحزننا، وهو الموعد الأخير لعشقنا.. رحل العاشق إلى موعد آخر، إلى فصاحة الغياب القاسي، وإلى حنين التراب الأول.. رحل الشاعر دون أن يدلنا على قصيدة الوداع.. رحل ولم يبتعد كثيراً عن العين.. لأنه كان دمع العين. في غياب آخر فرسان الشعر تكون القصيدة قد عادت إلى أول السطر، وتكون القصيدة قد عادت إلى أول الكلام.. هي المحطة الأخيرة إذاً، هو المنفى الأخير.. هي نهاية الرحلة.. وها نحن نصرخ معك «عبثاً تؤجل قلبك».. عبثاً تمضي إلى الموت دون وداع، وعبثاً تقلب صفحات الزمن دون أن توقفه على حد القصيدة.. على وهج الدمع القاسي، وعلى غياب الكلام المصفى.. عبثاً تمضي بنا إلى موت مؤجل وتموت وحدك..
لم نكن عابرين في زمان عابر، لم تكن عابراً في زمان عابر.. كنا نقيم هنا ومازلنا نقيم هنا، كنت تقيم هنا، وستبقى مقيماً هنا.. بيننا.. دفتر التاريخ الأول لأبجدية الحب، ولأبجدية الحق، ولأبجدية الحقيقة.. وجهك الآتي من حدود الشمس أخبرنا حكاية الوطن، ودمعك القادم من حدود الغيم روى لنا تضاريس عشق الوطن.. أسلمنا للأزرق المنسي على حدود الروح.. وحدك المنسي بين فراشتين.. مضت الغيوم وشردتك، ورمت معاطفها الجبال وخبأتك.. أنت محمود العربي.. أنت للأزرق.. أنت للمطلق.
لا.. ليس وداعاً عندما يغيب الشاعر.. هو موعد جديد مؤجل.. هو احتمال قصيدة أخرى ستكتبها لنا من حبات مطر.. قادم إلينا من شتاء قلبك.
* * *
سقطت ريح عن الفرس
محمد أمين

توقف قلب محمود درويش في (هيوستن) إذاً انتهت رحلة المنفى وآن لهذا الفارس أن يترجل عن صهوة الشعر وصهوة الحياة، ويحق لعصافير الجليل أن تعزف لحناً ملائكياً حزيناً يليق بشاعر كان يرى أنه يستحق أجمل امرأة في الوجود. على هذه الأرض ما يستحق الحياة عندما كان درويش ملء العين والسمع وملء الشعر والحياة معه كنا نردد «آه يا جرحي المكابر وطني ليس حقيبة وأنا لست مسافر» ودونه تحولت كل الأوطان إلى حقائب، مجرد حقائب وكلنا مسافرون في دروب العار والهزيمة والهوان «آه يا بن أمي كم كنت وحدك» لقد كنت تنزف وحدك وتبكي وتحزن وحدك تكشح عتمة وجودنا وحدك وتزين لنا الحياة وحدك هل ترانا نستحق؟!
توقف قلب محمود درويش وتوقف الحلم توقف قلب درويش عندما توقفت الثورة والمقاومة عندما تحولت الأوطان إلى حقائب وتحولت فلسطين إلى مجرد حقيبة، توقف قلب درويش عندما انقطع الشريان الذي كان يربط غزة برام الله. عندما عدت إلى حيفا بعد ثلاثين سنة من الغربة والترحال قلت «البيت أجمل من الطريق إلى البيت» فلمَ لا يرى الآخرون ذلك، عندما عدت إلى فلسطين قلت «المستوطنات هي القاعدة والأرض الفلسطينية هي الاستثناء» وها أنت تموت في ظروف استثنائية هي أخطر على فلسطين الوطن والفكرة والحلم من مستوطنات بني صهيون، لماذا لا يقرؤون قولك «ما أصغر الدولة.. ما أكبر الفكرة» لماذا لا يسجلون كما سجلت «سجل أنا عربي». أيها المحروم من وطن.. أيها الساكن في الذاكرة «أمرّ باسمك إذ أخلو إلى نفسي كما يمر دمشقي بأندلس» أيها الشاعر الذي كان يتمشى في هواجسه يا آخر الحرس «هنا أضاء لك الليمون ملح دمي وها هنا وقعت ريح عند الفرس» من عكا عام 1941 إلى هيوستن 2008 رحلة نضال ومطاردة لحلم يأبى أن يمشي في أزقة الواقع، رحلة حنين إلى خبز أمك وقهوة أمك ولمسة أمك.
من عكا إلى هيوستن وبينهما مدن كثيرة وعواصم من موسكو إلى القاهرة إلى بيروت فتونس إلى باريس فعمان وأنت تقلب وريقات روحك وتسأل «لماذا تركت الحصان وحيداً» وتجيب «لأن البيوت تموت إذا غاب سكانها» وهل تموت الأوطان إذا غاب شعراؤها أم إن الشعراء يغيبون عندما تموت الأوطان.
وقفت ضد اتفاق أوسلو وقلت وقتها: كيف أوافق على مشروع لا يخاطب طموح أي فلسطيني، وصدق حدسك عندما قلت في عام 1995 عندما سُئلت عن المستقبل: يبدو أنه مغطى بغيوم كثيرة، وأضفت: ولكنني لا أنظر إلى المستقبل البعيد بنظرات الحاضر الداكن أو المستقبل القريب الغامض، توقعت الانفجار قبل حدوثه بـ13 عاماً ولكن ثقتك بالفلسطيني كانت كبيرة «الشعب الفلسطيني الذي صمد أمام مشروع الإبادة التاريخية سيستطيع أن يدير حياته ويصمد في امتحان الاعتماد على النفس».
وقلت: الفلسطيني لا يستطيع إلا أن يكون فلسطينياً.. فكل أسئلة الوجود الخالدة موجودة في السؤال الفلسطيني.
لم تبتعد عن السياسة في وقت من الأوقات «لأن هذا يعني التخلي عن المصير الفلسطيني» وعندما تجردت القضية الفلسطينية من شكلها الأسطوري إلى الواقع الملموس وانتقلت من طور تاريخي وثقافي إلى طور إداري تجريبي تخليت عن العمل السياسي وبدأت تبحث عن حريتك بالتعبير، لم تكن لديك مناطق محرمة في الشعر كما قلت ذات يوم ولكن كانت لديك مناطق محرمة في الوطن. «لماذا تخليت عنا» لم «نرقّص الساحة» بعد ولم «نزوج بعد مازلنا نصرف أعمارنا في التيه وبيروت التي أحببت لم تعد «شكل الروح بالمرأة» لماذا لم تستطع محاصرة الموت «حاصر حصارك لا مفر سقطت ذراعك فالتقطها واضرب عدوك لا مفر».
من سيفرك جفوننا بالشعر بعدك.
ألم تكن قد وعدتنا بأن تعشق عمرك لأنك إذا مت تخجل من دمع أمك لقد صرت اليوم «كزهر اللوز أو أبعد».
* * *
حيوية متفجرة
جودت فخر الدين

المكانة التي يحتلها محمود درويش في أدبنا الحديث مكانة فريدة، وأبرز ما فيها أنها لم تستقر على ثوابت أو إنجازات نهائية، بل ظلت جياشة، محفوفة بالقلق، خصوصا في مراحلها الأخيرة. لقد ظلت تجربة درويش الشعرية حيوية ومتفجرة على الدوام، ربما هي كفلسطين، بل هي فلسطين في تحولاتها المأسوية، وفي تقلبها المرير في العذاب والأمل. لكن محمود درويش عاش القلق على أنواعه، وبالأخص ذلك القلق الإبداعي الذي توهجت قصائده في ضوئه.
* * *
أمير المفاجآت
غسان مطر

هل حقا مات؟ إذاً في الأمر خيانة، فمحمود لا يتنازل بهذه السهولة. صحيح انه كان في شعره أمير المفاجآت، لكن إن كان مات حقاً فهو قد فاجأ نفسه هذه المرة، فقصيدة موته لا تعجبنا، ولو نشرت في الأرض كلها، ورددها الناس كلهم، لأنها قصيدة يتساوى فيها محمود مع كل الذين يموتون ومحمود لا يتنازل بهذه السهولة. إذاً في الأمر خيانة. ثمة من يريدنا أن نصدق ذلك لنكسر أقلامنا، او ثمة من يريدنا أن ننسى فلسطين وشمس الحرية، أو أن نشعر باليتم، ليجتاحنا طوفان الهزيمة. هل حقاً مات؟ تأكدوا جيداً من الخبر، محمود لا يتنازل بهذه السهولة.
* * *
يفاجئونك بموتهم
محمد عبد الله

بعض الأشخاص يذكرونك بأنك ستموت، منهم محمود درويش وجوزيف سماحة. كل يوم هناك وجبة موت. الموت مفهوم. لكن هناك أشخاصا يفاجئونك بموتهم. يؤكدون لك أن الموت حتمي في الحياة، ونقتنع بأننا سنموت. يقول درويش: «مطر ناعم في خريف بعيد/ والعصافير زرقاء زرقاء/ والأرض عيد/ ألا لا تقولي إنني غيمة في المطار/ فأنا لا أريد من بلادي/ التي سقطت من زجاج القطار/ غير منديل أمي وأسباب موت جديد».
* * *
نفعل ما يفعله الصاعدون إلى الله
روجيه عساف

إلى محمود درويش- العنوان: فلسطين
شاعر الحصار الذي يقلّص الوقت
ونذير المطر الذي لا يصدّه الجدار
لسان حال الشهيد الذي يرتسم على الأرض
ومنشد اليقين المقبل الذي لا ريب فيه.
رحيلك يولّد في أنفسنا قلقاً عميقاً، جزعاً لا يكبح
من سيخطّ تجاعيدنا على جبين العالم؟
من سيحوّل تفجّعنا إلى قصيدة تتحدّى الانحلال؟
من سيقلب الأحرف بين الألم والأمل وبين الرعش والشعر؟
رحلت وانتصرت على الموت، كما قلت
أمّا نحن الأحياء،
فنعاني من الحصار، ويحدّ بصرنا الجدار،
ولا نسمع صوت الشهيد، ولا خبر اليقين.
غير أنّه لن يبقى واحدٌ منا وحيداً
مع قصائدك
«في الحصار، تكونُ الحياةُ هِيَ الوقتُ
بين تذكُّرِ أَوَّلها
ونسيانِ آخرِها.
هنا، عند مُرْتَفَعات الدُخان، على دَرَج البيت،
لا وَقْتَ للوقت.
نفعلُ ما يفعلُ الصاعدون إلى الله:
ننسى الأَلمْ».
* * *
يا لاعب النرد.. انهض!
أحمد الطيبي
انهض.. انهض..
فلسطين كلها والعرب
تحمل قلوبها إليك.. لتنهض..
حاصر حصارك.. اقهر مرضك
وانهض..
قم من نومك المؤقت..
انتفض.. وانهض
لا تغادرنا قبل أن ترتوي
بقهوة أمك.. وقبل أن
تعود أبداً لحيفا..
الجبل ينتظر.. والزيتون
الوديان تصبو.. والسنديان
«وعندما أغلقوا باب قلبي عليّ
وأقاموا الحواجز فيّ
ومنع التجول.. صار قلبي حارة
وضلوعي حجارة..
وأطل القرنفل.. وأطل القرنفل»
إذ جاءك الموت قل له:
ليس موعدنا اليوم.. فلتبتعد
وتعال غداً أو بعد غدٍ..
يا لاعب النرد تسألنا: من أنا؟
أنت نحن.. كلنا
أنت سرمدية الأسطورة
وجمال فلسطين وعبق العروبة
أنت اللانهاية.. أنت نور النفق
يا لاعب النرد..
تسألني طفلتي الصغيرة:
من سيلقي عليّ الوردة الحمراء
بعد اليوم؟
انهض.. انهض محمود
فالحاكورة وشجراتها.. زيتونها
وسنديانها تسأل..
أين رفيق الدرب..؟
قلت: ما أقساها الحروب.
يموت الجنود ولا يعرفون من انتصر!
فمن سيكتب قصيدة النصر غيرك؟
ما أقساك أيها المرض.
تغفو ولا تعرف حجم الدموع
تغيب فجأة ولا تعرف كم هو الحب لك!
أو أنك تعرف..
وكأنك قد مُتُّ قبل الآن..
تعرف هذه الرؤيا، وتعرف أنك
تمضي إلى ما لست تعرف، ربما
ما زلت حيّا في مكان ما، وتعرف
ما تريد..
ستصير يوما ما تريد
انهض واصرخ في وجهنا:
غبت قليلاً كي أعود.. وأعيش
ولتحيا فلسطين..
فألقي عليكم وردتي الحمراء..
* * *

كلنا موتى منفى
وديع سعادة

كل ما كتبه محمود درويش كان من أجل وطن، ومات بلا وطن.
قبله مات عرب كثيرون من دون أوطان. مات عرب كثيرون في الأحلام الخائبة.
وبعده، وبعدهم، سيموت كثيرون أيضاً في المنافي.
إنها أوطان تلد ناساً كي تنفيهم أوطان أخرى. أو أوطان تلد ناساً كي تنفيهم أوطانهم. أو أوطان تلد ناساً كي يعيشوا في أوطانهم منفيين.. لا، إنها المنافي وليست الأوطان!
كل ما حلم به محمود درويش هو الوطن، ومات بلا وطن. مثل درويش حلم كثيرون وكثيرون لا يزالون يحلمون. وكلهم ماتوا ويموتون بلا وطن.
العرب كلهم يحلمون أحلاماً شبيهة بحلم محمود درويش. كلهم يحلمون بوطن. وكما مات درويش، يموتون كلهم الميتة ذاتها. يموتون كلهم في الحلم الخائب.
نادراً ما نرى مواطنين وشعراء وأدباء ومثقفين غربيين يموتون خارج أوطانهم، فلماذا نرى هذا الكم الهائل من العرب يموت في المهاجر والمنافي؟!
فهل الأوطان العربية حلم مستعصٍ؟
هل الأوطان العربية رهينة حلمين: حلم يجهضه الخارج وحلم يجهضه الداخل؟
حلم، إن لم يجهضه الغرباء أجهضه أهل بيته؟
كم من العرب يعيشون في المنافي ويموتون في المنافي؟!
كم من العرب نفاهم الغرباء من أوطانهم؟ وكم من العرب نفتهم أوطانهم؟ وكم من العرب يعيشون في أوطانهم منفيين؟!
..فيا صديقي محمود درويش، أنت وشعبك لستما حالة استثنائية.
كلنا يا صديقي نعيش بلا أوطان ونموت بلا أوطان.
كلنا حلم وطن.. وموتى منفى.
* * *
مسيح جديد
محمد علي شمس الدين

لستُ أدري إلى أين ذهب محمود درويش. هل عاد ليسلك تلك الرحلة التي وصفها في «جداريته»؟ هذا الشاعر مات أكثر من مرّة. لقد مات كثيراً حتى أمات الموت. وإنني أعرفه. أعرف أنه لم يكن يخاف من الموت. ولكنني أنا كنت أخاف عليه وما كانه. لأن رحلة الغامض لعلها أكثر رعباً من رحلة الشهادة.
دخل هذا الشاعر في معركة شرسة مع بدائل الموت منذ فتح عينيه في مكان هو فيه وليس فيه، له ولا يملكه. وعلى زمان أنشب في عينيه أشرس مخالب التاريخ. منذ تلك اللحظة ومحمود درويش يدافع الموت بعينيه كطفل يدافع الوحشة بصفاء نظرته، بالبراءة.
لستُ أدري أين هو الآن محمود درويش. أيواصل العذاب؟ أيلقي قصائده هناك على غيمة، حيث ليس ثمة من جمارك، ولا كلاب سلطة، ولا قتلة. أم أنه، وهذا ما لا أريده، يواصل العذاب؟ إني أخاف.
آخر مرة رأيته فيها، كنا في القاهرة، في الملتقى الأول للشعر العربي والعالمي. قرأنا في أمسية واحدة. وحين جلسنا في المقهى حدّقتُ في عينيه. اكتشفتُ شيئاً لم أكن أعرفه فيه. قلتُ له: «يا محمود، ما زال شكل وجهك شاباً، ولكن ألحظ أن لك حاجبين أشيبين تماماً. لماذا حاجباك أبيضان إلى هذا الحد؟». كان يستر حاجبيه بنظارتيه ولم أكن قد تفرّستُ في عينيه قبل ذلك. دخلتُ في بئر عميقة من ذاك الشغف المجنون بالحياة والحرية، في غابة.
كان محمود درويش يكاد يدافع عن قاتليه، وشعره يقول ذلك. كان قد انقسم في آخر شعره اثنين في جسد واحد: القاتل والقتيل. وكان القتيل يبكي قاتله، لأن نبض الشعر عند محمود تجاوز الوطن نحو دراما الإنسان بذاته. وأنا على العموم لم أكن منحازا كثيرا إلى شعره السياسي ولكنني كنت شديد الانحياز إلى جداريته، هذه الجدارية العجيبة التي دخل فيها الشاعر دخولاً في ذاته، بعدما زار الموت وعاد منه. لم يتكلم عن وطن، ولم يتكلم عن فلسطين. تكلم عن رحلته العجائبية، وأحببته جدا هنا. لقد زار آخر من الشعراء الكبار الموت وعاد منه أول مرة، هو نزار قباني. ولكنه لم يكتب بعد هذه الزيارة أثرا يشير إليها.
محمود غلب الموت بالموت. إنه مسيح جديد.
* * *
في كامل أسطورته
شوقي بزيع

يصعب على المرء، مهما أوتي من قوة اللغة وبلاغتها، أن يتفحص ملامح مثل هذه اللحظة، وهي تغرق في سديمها المبهم وتتشكل خارج كل ما يمكن الكلام أن يرسمه من معالم وإشارات. اللغة الآن عمياء وكسيحة، وهي تخوض أقصى امتحان لها أمام غياب شاعر أحبها ووهب لها حياته وروحه وشغاف قلبه. هل كان ينبغي لمحمود درويش أن يغيب لكي نكتشف في ضوء غيابه كم نحن هائمون الآن على وجوهنا وأقلامنا وكلماتنا، وكم المساحة الشاغرة التي خلّفها وراءه لا يمكن أحداً أن يردمها من بعده؟ لعله بعودته إلى أحشاء التراب الأم يخفف عن نفسه وعنّا هذا العبء القائم على ردم الهوّة بين أمومة اللغة وأمومة الأرض. كانت الكتابة عنده على جمالها رديفة النقصان، وكان يريد في ضوء المنفى أن يستعيد فلسطينه المشغولة بالكلمات. وربما كان يريد أن يوفّر على الشعراء عناء الوقوع مثله في فخ البلاغة، ولذلك بدا كسيزيف راغباً في حمل الصخرة وحده على كتفيه.
محمود درويش هو من بين القلّة يغيبون في كامل أسطورتهم. ذلك إنه لم ينفق جسده ونضارة وجهه كما فعل الآخرون، ولم يمت عجوزاً ولا شيخاً. مات وقصيدته أيضاً في أوج ريعانها. فهو لم يقبل كما فعل كثيرون سواه أن يقتات من فضلات أعماله السابقة. بل كان يؤثر أبداً أن ينقلب على نفسه وأن يحوّلها إلى ساحة عراك مستمرة بين الممكن والمتخيّل، وبين المتحقق والمحلوم به. لعله من بعض وجوهه يستعيد تجربة المتنبي بامتياز، فإذا كان الثاني قد أنصت إلى كل الأصوات التي سبقته مستوعباً كل ما تناهى إليه من مساقط شعرية سابقة عليه، من امرئ القيس وحتى أبي تمام، فإن محمود درويش قد فعل الشيء نفسه مصغياً إلى نبض الحداثة الشعرية ومتلقفاً أصواتها المتعددة ليعيدها إلى الحياة بشكل مختلف، ولتهضم قصيدته كل ما تلقفته من نسغ الكتابة محوّلاً إياها كما الشجرة إلى ثمار ناضجة وبعيدة عن الأصل.
وإذا كان لمدينة أن تشعر بالثقل في هذه اللحظات، فهي بيروت بالذات، لأن محمود درويش كان جزءاً من المعنى الذي ابتكرته لنفسها على مدى العقود الأخيرة. كان جزءاً من مختبرها اليومي الذي واجهت به تحديات العصر وقيم الحداثة والذي انفجر في ما بعد تمزقات وشظايا وحروبا أهلية. تماماً كما انفجر جهد محمود درويش بعدما ضاق ذرعاً بشياطين اللغة التي سكنته. وإذا كان لكل منهما صليبه، فلكل منهما قيامته أيضاً. وهي قيامة ليست ناجزة في أي حال، بل علينا نحن، كل من زاويته، أن نذهب بها حتى نهايتها الأخيرة.
* * *


إلى اللقاء بعد قليل بعد عامين وجيل
رامي الأمين

كان ذلك في معرض بيروت الدولي للكتاب في العام 2007 حينما كان محمود درويش يوقّع كتابه «كزهر اللوز أو أبعد» في جناح «دار رياض الريس للنشر». يومذاك، تقدمت إليه برفقة ناشرة كتابي «أنا شاعر كبير» لينا كريدية، حاملاً باكورتي الشعرية بين يديّ. أخذت لينا الكتاب من يدي وقدّمته إلى محمود درويش. قالت له: «هذا الشاب الصغير، شاعر كبير»، ثم قلبت الكتاب بين يديه لتريه ما كتب على الغلاف الخلفي.
كان يضع رجلاً على رجل، ويبتسم، حينما راح يقرأ بهدوء جميل المقطع المكتوب على الغلاف، وكان فيه: «أنا شاعر صغير/ لذا يحق لي ما لا يحق لكبار الشعراء/ من هنا، أستطيع أن أموت باكراً على سبيل المثال/ أو أن أتوقف عن النمو/ ويحق لي أن أسرق مقطعاً من قصيدة «ريتا والبندقية» لمحمود درويش/ لأن الصغار لا يحاسبون على أفعالهم السيئة/ ولأن الله يحبهم/ ويكره محمود درويش..». قرأه كاملاً، ثم رفع نظره إليّ وابتسم وقال: «هناك سوء تفاهم هنا، من يكره الآخر، أنا أم الله؟».
ضحكنا كلنا، أنا، لينا كريدية ورياض الريّس الذي كان جالساً إلى جانب محمود درويش. قلت له إن الشعور ربما يكون متبادلاً. قبل أن يقلب الكتاب ويرى العنوان، قال إن العنوان يجب أن يكون «أنا شاعر كبير». وابتهج عندما أصاب.
أعاد إليّّ نسخة الكتاب، فكتبت عليها إهداءً: «إلى محمود درويش، الله لا يحب الشعراء الكبار لأنهم يقارعونه». وهو كتب لي إهداءً على نسخة من كتابه «كزهر اللوز أو أبعد»: «إلى الشاعر رامي الأمين، بالمزيد من التقدم والنجاح». ما عناني في إهدائه، أنه أعطاني صفة الشاعر. شعرت كأني انتزعت اعترافاً من شاعر كبير بأني أنا شاعر وكان هذا يكفيني ويزيد.
عندما ورد خبر موته على التلفزيون شعرت بهول انتصار الله الدائم والحتميّ على الشعراء. عندما مات نيتشه كتب مناصرون للكنيسة: «نيتشه قد مات»، في ردّ على عبارته الشهيرة «الله قد مات». وفي ذلك الردّ من السخرية والألم ما يفوق القدرة على التحمّل.
ورد خبر آخر على الشاشات يقول إن محمود درويش لم يمت بعد، وإن حالته حرجة في المستشفى في تكساس. لكني كنت أعرف أن الرهان على بقائه على قيد الحياة كان خاسراً، مثل رهاننا على الانتصار على فكرة الوجود.
فعلها ومات. لم ينتصر، ولم ينهزم. مات وحسب.
وعلينا، نحن الشعراء، أن نكتب كي نحرسه من «هواة الرثاء»، وأن نقول له كما كان يقول للشهداء عندما يذهبون إلى نومهم: «تصبح على وطن» يا محمود درويش. سلّم لنا على ممدوح عدوان ومحمد الماغوط وبدر شاكر السياب. وإلى اللقاء، «بعد قليل.. بعد عامين وجيل..».
* * *

أحببناه شاعراً وكرهنا نجوميته
محمد شعير

قصيدة محمود درويش تعصى على التقليد. ربما هذا ما جعل السؤال مشروعاً: هل استطاع صاحب «جدارية» أن ينشئ مدرسة شعرية خاصّة، لها تلاميذها وأتباعها في الأجيال اللاحقة؟
الناقد والشاعر محمد بدوي يرى أنّ «طبيعة شعر درويش لا تصنع مدرسة بالمعنى الحقيقي، لأنّه شاعر حركة تحرر وطني في نهايات حركة التحرر الوطني العالمية، وبالتالي ينتج شعر هوية تدافع عن نفسها ضد الاقتلاع». ويرى أنّ تجربة درويش أحبّها المثقفون اليساريون تعاطفاً مع القضية، وإعجاباً بقدرات الشاعر الغنائية، لكنها لا يمكن أن تصبح «إشكالية» لشعراء قصيدة النثر في مصر ولبنان والعراق. هي بالنسبة إليهم إشكالية تجاوزتها مجتمعاتهم حيث يتراجع اليقين الدرويشي والجمال الغنائي لمصلحة تفاصيل الواقع.
لكن ألا يمكن المرحلة الأخيرة في قصيدة درويش أن تغيّر هذه الرؤية؟ يجيب: «المرحلة الأخيرة جاءت بعد إدراك درويش أنّ صياغته لهوية الشعب الفلسطيني بوصفه محارباً عن حقوقه انتهت. لكن مهما كان جهده في التحوّل، يظل محكوماً بتجربته الطويلة السابقة».
ويرى علاء خالد أنّ ديواني «محاولة رقم 7» و«أعراس» من أهم الدواوين التي قرأها في حياته. «تجد فيهما هذا النوع من الموسيقى المفكِّرة والمتأملة، تجد في التكرار للجمل والأفكار والكلمات حرفية جمالية يتقنها درويش، وتفتح مسالك توسع مجال الوعي في القصيدة. لم يعبر محمود درويش من خلال قضايا الحداثة وأزمتها في عالمنا العربي. لكنّه شكّل أحد المجددين في الشعر العربي الحديث، فكره وشعريته يسيران جنباً إلى جنب». ويضيف: «تعلمت من درويش، لكن لا أعرف كيف. يمتلك كيمياء سحرية لصياغاته وصكوكه الشعرية، تخصّه وحده. إنّه ظاهرة شعرية من ناحية انبثاقها وتأثيرها وانتشارها. فهو مع نزار قباني، صار أيقونة لزمن شعري له جمهور ومعجبون وذاكرة».
أما إبراهيم داوود، فيرى أنّ جيله الشعري في مصر، جيل الثمانينيات، التفت منذ بداياته إلى تجربة درويش، وتأثر بها.. لكن «سرعان ما تخلّصنا من تأثيره بعد سقوط الايديولوجيات في الشعر». داوود يرى أنّ درويش أحد أقاربه في الشعر وليس مِن أساتذته. يوضح: «قصيدته أقرب إليّ لأنها تتعامل مع جانب طفولي في شخصيتي. بسبب حيله المدهشة الطفولية هو أقرب إلى القلب».
يختلف الأمر بالنسبة إلى فتحي عبد السميع، إذ يرى درويش وأمل دنقل البطلين اللذين قاداه إلى «الشعر المختلف»: «أحببت درويش وأمل، حبّاً لم ينقطع مع التقدّم في الخطوات والمراجعة، وإن خفتَ البريق عن قسم كبير من شعر درويش مع تقدم التركيز على فنيات وجماليات الشعر».
نجومية درويش أثّرت حسب عبد السميع في تجربته الشعرية: «قيّدتها في نطاق معيّن. لم يكن فاتناً لي كشاعر، بل كان مناقضاً لما بدأ يتجمّع لدي من قناعات.. منها مثلاً فكرة تصفيق الجمهور التي بدت لي دليلاً على فشل القصيدة أكثر من كونها دليلاً على نجاحها، دليلاً على مرورها السطحي في الوجدان أكثر من كونها دليلاً على اختراق الأعماق، دليلاً على براعة الخطيب ومهارته في تطويع الشعر، فيما أرى أن الشعر الحقيقي يشبه البذرة التي تحتاج إلى صمت أكثر مما تحتاج إلى تصفيق».
أما الشاعر السبعيني أحمد طه فيرى أنّ درويش لا يمكن أن يكون «ناظر مدرسة»، لأنّه ينتمي إلى مدرسة تكوّنت منذ زمن، من أبرز نجومها بدر شاكر السيّاب، ومن أبرز خصائصها الولع بالموسيقى، واستخراج أقصى إمكانات التفعيلة في بناء الجملة الشعرية.
* * *
شكراً
حسيب بن حمزة

شكراً، لأنك ملأت حياتنا بذلك النوع من القصائد التي تستطيع مواصلة خلودها في غياب جسد صاحبها. شكراً، لأننا أصغينا إلى قصيدتك وأصغتْ هي إلينا. كبرنا معها وتربَّت معنا. دندنّا بها في حضرة نساء عابرات كي يمكثْنَ في قلوبنا قليلاً. علت نبرتها مع حماستنا وقبضاتنا المرفوعة. ثم تخفّفت من حمولتها النضالية المباشرة حين طلبنا شعراً صافياً. شكراً، لأنك أغويتنا على المنابر بقصائدك الملحمية الطويلة. ثم أغويتنا حين أدرتَ ظهرك كي تكتب قصيدة صغيرة وهشّة، خائفاً عليها من هدير حشودنا وتصفيقنا المدوّي. سلكتَ بنا طرقاً وعرة ومختلفة. جرجرتنا إلى مناطق شعرية أكثر نأياً مما يُطلب من شاعر عاش دوماً تحت ضغط قضية كبرى.
في شعرك، تحولت فلسطين إلى فنّ شعري كامل. لم تمنعك رمزيتك كناطق شعري باسمها، ولا كونك مدبِّج إعلان استقلالها، أن تكون شاعراً على طريقتك الفريدة. كنتَ تُكثر من ذكر الغياب في قصائدك الأخيرة، ولكنك تفعل ذلك بلغة نضرة وفتية تُجيد اللعب مع الموت وتتغلّب عليه. كتبت نصاً كاملاً «في حضرة الغياب»، فلم ننتبه إلى الوصية الشخصية التي دفنْتَها في سطوره. بل إنك كتبتَ مرةً: «قل للغياب: نقصتني/ وأنا حضرتُ لأكملك». أخذنا الأمر على محمل الشعر فقط. لم نصدق أنك لم تعد تهاب الموت هذا الحد، وأنّ قَدَمَاً لك قد باتت في الجهة الأخرى من العالم. حين رحل صديقك معين بسيسو يا محمود، كتبْتَ في «الكرمل»: «معين بسيسو لا يجلس على مقعد الغياب». الآن. ونحن غارقون في غيابك. كيف تطلبُ منا أن نختصر الوداع، ونجلسك على المقعد نفسه.
* * *
أنا سعيد لأنك لم تبتسم
أحمد الزعتري

لم تكن لي قضية من قبل. كتبتُ عن الصبيَّة التي لا أعثرُ عليها، والتي، إن فعلتُ، أختبئ منها. كتبتُ عن الموت، الوحدة، ورجال الكهف. وبمواجهة كل هذا، كنتَ توفِّر لي الفظاظة الجمالية والمثالية، فوجدتُ أن عليّ إهمال القضايا الكبيرة باتجاه توثيق يومياتي وهلوساتي، وتخيّلت لو أنني راسلتك مثلما فعل شاعر ناشئ مع ريلكه لنصحتني بأن أفعل الأمر نفسه. هناك فرق بين مروجي القضية، ورموزها. فيروز، مثلاً، لم تكن بحاجة إلى تعبوية شعبية و«زيارات ميدانية تضامنية» لتصبح رمزاً للبنان، فلو كانت فيروز أردنية، ربما، لخلقت لدي شعوراً عالياً بالارتباط: أنا الذي لا أشعر بالانتماء إلى مكان.
وأنت، هل أتحت لي الانتماء إلى قضية؟ كنتُ أشعر، بقراءتك، أنني أنتمي إلى «ريتا»، إلى «العصافير في الجليل»، إلى رائحة التبغ، إلى شكل فلسطين في قصائدك. كنتُ أشعر بأنني مختلف، أنني تحرّرتُ من سطوة اليومي المكرّر والتافه، أنني صرت أكثر وعياً، لكن ذلك لم يجعلني أنتمي إلى قضية. كنتَ رمزاً، نعم، لكنك كنتَ رمزاً لرمز. رمزاً لقضيةٍ مفروغ منها. شيء يشبه رؤية علم بلدك يُحمل في افتتاح الأولمبياد، يشعرك بالقشعريرة، وتعرف أنك ربما زاد انتماؤك درجة للحظة، لكنك تعرف أنّ كل الشعوب تشعر كذلك. لكن الفرق، أن الرمز هنا رمزٌ لفلسطين: الفردوس العربي المفقود.
أنا سعيد لأنني لم أرك في حياتي تبتسم، لا أريد آباءً شعريين أو ماديين بعد الآن.. وأهلاً بالعبثية.
* * *

ستذهب الكاريزما وتبقى النصوص
سعد هادي

موت محمود درويش يعني (شئنا أو أبينا) عودة الروح إلى شعره، ستذهب الكاريزما وتبقى النصوص. وسنكتشف الكثير من المفارقات حينئذٍ ليراودنا سؤال تلقائي: ما الذي يعنيه وجود الشاعر وما الذي يؤدي إليه غيابه؟
كان شاعر صوت بقدر ما هو كاتب نصوص. أعادنا إلى الشفاهية من باب موارب في زمن هيمنت فيه وسائل الاتصال، وطغت عناصر المرئيات. وكان مخلصاً لتقليد متوارث في سيادة الشعر على الفنون الأخرى (ولو معنوياً). لكنه بدلاً من تقمّص دور الرائي أو النبي -كما هو حلم الشعراء الدائم- تقمّص دور الخطيب ليعلّق على حدث أو يشير إلى ظاهرة معينة. كانت قصائده تبدو مثل ألغاز حين نقرأها، لكن حين نصغي إليه وهو يلقيها سنكتشف سحرها، سيتحول لاترابطها وغرابتها وعدم انسجام أجزائها بل روحها التصادمية إلى بنية موسيقية جذابة، ظاهرة وخفية: ظاهرة في تكرار الإيقاعات وتلاحقها المثير، وخفية لأنّ درويش كان يدسّ المكائد خلف كلماته دون أن يصل إلى الحدود القصوى للتعبير أو يوصلنا إليها، غاياته الأدائية لم تكن مدركَة، ليس فقط لمجايليه ومريديه بل ولمقلّديه أيضاً.
صنع درويش صوته بكثير من المهارة والصبر، فنياً وإعلامياً، بينما قيل الكثير عن صناعة الحوادث له. لكن حتى لو لم تكن هناك قضية كبرى عاش بها ولها كقضية فلسطين، لعلّه كان سيظل نجماً شعرياً، سيخترع قضية أو يحوّل الشعر نفسه إلى قضية، أو ربما كان سيتحوّل هو إلى قضية. لقد أعطى كل منهما للآخر الكثير: القضية وشاعرها، في خضم واقع ملتبس ومناخ ثقافي يتردى باستمرار، أعطت القضية لدرويش مجالاً شعرياً لا حدود له، وأعطاها هو بواكير شعره وحياته. ثم مع تغيِّر الأحوال وتعقِّد المسارات، عاد إلى نموذجه الشعري البسيط والغنائي، ليعيد صناعته. أعاد إلى الأذهان (في لحظة التحوّل الكبرى في الشعر العربي أواخر السبعينيات) أنه شاعر لذاته (لا كما يفعل السرياليون) وأنه ليس كاتب بيانات أو معلّقاً سياسياً. أروع ما فيه أنه كان شاعراً في كل حالاته، لفت الأنظار إلى وجود الشعر والشعراء في ظل الفوضى والخراب وتردّي الأفكار والمشاعر. كلما رآه الناس تذكروا كائناً سماوياً من الماضي، ربما ينطق عن الهوى، لكن معظم ما ينطقه ذو معنى، بل أعاد تذكيرهم بأن وجود الشاعر ينبغي ألا يظل أثيرياً، فلا بد أن يعود إلى الأرض. ومثلما ظل درويش ماهراً في لعبته اللغوية والكتابية والصوتية، ظل ماهراً في لعبة الحياة. ظلّت لديه القدرة على التأثير في الحوادث بل صناعتها. حين قال مرة عن وزير عراقي سابق إبّان مشاركته في إحدى التظاهرات إنّه «وزير الشعراء»، تحوّلت العبارة المواربة والماكرة إلى دليل عمل لهذا الوزير، لم تضاهِها نياشينه ربما. وظل شعراء الوزير يرددون الجملة كشهادة جادة عما يفعلون، من دون أن يفطنوا إلى اللغز المرائي الذي تركه الشاعر الشهير بينهم.
برحيل درويش، سيفقد الشعر العربي الكثير من صلاته مع من بقي من متلقّيه، وخصوصاً في ظل هيمنة النموذج النثري بمحمولاته، حقيقية كانت أو مزيفة، والتي يصل بها كتّابها حدود الفجاجة، ناسفين آخر ما بقي من جسور العلاقة مع الآخر، مع القارئ المرائي الذي لم يعد لديه ما يخسره. جاذبية درويش، تاريخه الشعري، علاقته الوجدانية بالمتلقّين، كل تلك خصائص يصعب أن تتكرر. سيظل صوته يتردد حاداً وصادماً في ذاكراتنا، سيظل يقرع فوق باب المخيال العربي بنبراته المنفعلة والمتهدجة.
* * *

مجاز الحضور والغياب: من هؤلاء الأنا؟
نوال العلي

تبعوا أثر الفراشة، هؤلاء الأنا، الفراشة ظنّت نفسها شاعراً تمكّن أخيراً من أن يفضّ شرنقة اللغة ويطير بجناحين. كان حلمه ضده، يقتل شاعره حين يبلغه، الحلم الذي احتشدت فيه أنا النص والشاعر وفلسطين والحبيبة. كل هذه مفقودات. والمفقود موجود حتماً، لكن خارج الذات؛ في منطقة اشتباكها مع العالم بوصفه ممارسة شعرية درويشية قابلة للتمثّل وابتكار وجود مجازي يمحق غيابها. ألم يكن الوطن في أمسّ الحاجة إلى براهين شعرية؟ والشاعر؟ ألا يحتاج إلى برهانه؟
لا بد من شعر إذاً، لا بد من نثر كذلك يصهر المفرد في الجمع، ويحقق لكليهما كياناً شعرياً خارج المنفى وفي صميم الداخل.
في عام 1974 كتب درويش «لم أكن حاضراً، لم أكن غائباً، كنت بين الحضور وبين الغياب». المقطع من قصيدة «كان موتي بطيئاً» المنشورة في «محاولة رقم 7» وفيها تمظهرات «الأنا» التي وسمت شعرية درويش بكثرتها، وجعلته الغائب الحاضر لشدة تعددها. ومع تقدم الشاعر في العمر، بات التعدد يختزل شيئاً فشيئاً، كأننا أمام درويش آخر، بودّه لو يقيّف أناه من جديد، لو يخسر الكثير من الوزن: «في الزحام امتلأت بمرآة نفسي وأسئلتي» (قصيدة «سنونو التتار»).
لكن مجاز الحضور والغياب الذي بدأ منذ السبعينيات بلغ ذروته في «في حضرة الغياب»، وكأن الوقت لم يمض على جرح درويش، وإن كنا كعشاق لقصيدته نسأل: ما الغياب في حضرة محمود؟ فقد كانت السبل تضيق بشاعرها الذي يسأل هل ما زال الفن في حاجة إلى براهين وطنية؟
يعلن الشاعر في «كان موتي بطيئاً»، «باسمها أتراجع عن حلمها»، باسم من؟ باسم أناه الجمعية، والشعرية، التي ضاع دمها بين الشاعر والوطن والنص. وهي التي إن ضاعت وُجدت «ضاع اسمها بيننا فالتقينا»؟ ومن دون ذلك الفقد، ما كان يمكن للعثور أن يكون «مذ وجدت القصيدة شرّدت نفسي». لقد فرقت حشود الأنا بينه وبين ذاته، كان على قصيدته أن تحمل صلبانها فهو حامل الاسم، أو شاعر الحلم. لكنه يتألم «ما كنت جنديّ هذا المكان، وثوريّ هذا الزمان».
كانت قصيدته القاموس الجمالي الفلسطيني، وقلما التصق مكان بشاعر، مثلما تعلّقت فلسطين بدرويش «كنت أحلمها، واسمها يتضاءل. كانت تسمى خلايا دمي». رجع درويش إلى مدينة ستخبره كيف يحمل الحلم سيفاً ويقتل شاعره، عاد «نافذة على جهتين/ أنسى من أكون لكي أكون جماعة في واحد».
لنر كيف تجتمع أنا الحبيبة بمدينة المنفى ومدينة الحلم على الشاعر «قبّلت خنجرك الحلو/ ثم احتميت بكفّيك/ أن تقتليني/ وأن توقفيني عن الموت/ أشعر أني أموت/ فكوني امرأة/ وكوني مدينة». ثم يختلط شكل المدينة باسم الشاعر، فلا يعود يذكر أيّ منهما «ينادونني حسب الطقس والأمزجة/ لقد سقط اسمي بين تفاصيل تلك المدينة».
حملت قصيدة درويش كل هذه النقائض، أقصته لغته ومعجزته عن نفسه، جعلته هامشاً مقابل الكل، ثم أعادته رمزاً لذاته، وذوّبته في مجازاتها من جديد. كانت القصيدة تملكه وتقسّمه في ما تملك. وكذلك فعل الفقدان بدرويش، نفاه من القصيدة واحتل مكانه فيها، ليكتمل.
* * *

سنكون مؤدبين في الجنازة
نجوان درويش

الكتابة عن محمود درويش صعبة في هذه اللحظات التي تفيض بأكثر من غصة وأكثر من ذهول، حيث جثمان الشاعر عبر الأجواء إلى عمّان، والعمال يعدّون له «قبراً موقتاً» على إحدى تلال رام الله. نحاول ألا نصدق أو أن ننظر إلى المشهد بعينَي الشاعر وبسخريته، هو الذي قد يكون من أكثر الشعراء قلقاً على «صورة موتهم» إن جاز التعبير. ففي شعره ونثره نقع على تصوراته الساخرة لصورة موته. حتى إنه استبق الهمسات الماكرة في جنازته: «كان أنفه طويلاً ولسانه أيضاً»، يتخيّل أحد مشيعيه يقول لآخر في «ذاكرة للنسيان». ويعمّق هذه السخرية المريرة من وراء قناع «يوسف» شاكياً للأب المُحابي في «ورد أقل»: «يحبّونني أن أموت لكي يمدحوني». وفي المجموعة نفسها، يكتب: «عندما يذهب الشهداء إلى النوم، أصحو، وأحرسهم من هواة الرثاء». ويمكننا إيراد استشهادات كثيرة على حساسيته الشديدة تجاه «الفضوليين» و«هواة الرثاء» وحملة الأكاليل والندّابات (تلك الحساسية التي لا يضاهيها سوى حساسيته من النقد القاسي أو فكرة أنّه ليس محبوباً من الجميع!). ولعله بهذا ترك نوعاً من التحذير لكل مَن يخطر له أن يكتب شيئاً في «مناسبة» غيابه!
ترى، هل يغيّر رحيل الشاعر من نظرتنا النقدية نحو مشروعه؟ لا شك في أنّ درويش شاعر متعدد الطبقات مثل عمارة كبيرة تجدّدت وعاصرت فترات مختلفة، عمارة تُعجب بطبقات منها ولا تُعجب بأخرى. لكنّها -رغم كل شيء- مَعْلَم جامع في هذه اللحظة الحرجة التي أوصلوا إليها «القضية الفلسطينية». وما يعزّي (إن كان أي عزاء ممكناً) أن الشعراء لا يموتون، هم فقط يرحلون. ورحيل الشاعر بهذا المعنى ولادة جديدة و«موته» حياة طليقة لشعره. حياة متحرّرة من تاريخ الشخص وأي خلافات أثارتها السياسة.. وبعد كل ذلك يا محمود، ألن نكون مؤدبين في الجنازة؟
* * *
في حب بيروت
إبراهيم توتونجي

«باكراً تعلّمت أنّه حين يجيد الصبي الكلام، يكافئونه بديوان ومدينة». أنا اليوم من دون محمود درويش وسمير قصير، لا أعرف كيف أحب بيروت.
على أبواب المدينة، وللمرة المليون، أكرر: هل بيروت مدينتي؟ منذ 48 ساعة فقط، «تبنّيت» برلين مدينتي، وسرتُ في الـ «الكسندربلاتز». لعلّي سرتُ في شوارع مماثلة في القاهرة وفيينا قبلاً. لا أستطيع الحسم حين تتعلّق الأسئلة بالمدن. لكن الفلسطينيَّين -الشاعر والمؤرخ- علّماني، أنّ بيروت لا يمكن إدراجها على لوائح «المدن». علّماني كيف تسكن المدينة داخلنا وتساكننا في الرحم. نُخلق، فلا تنادينا إلى الخارج، بل إلى أعماقنا. تمدّ لنا يدها لنغوص في حنايا النفس ودهاليز الاشتهاء. ألم أحلمْ بها لأوّل مرة منذ 20 سنة؟ تلك الليلة، كنت في قريتي أتخيّل كيف يكون الحب بلغة بيروت، أتخيّل الرصيف والبنت والسينما. وكان معي ديوان محمود درويش، كوفئت به في المدرسة لأنني أجدت إلقاء قصيدة «بيروت». يومها، تخلّيت عن نازك الملائكة وقرّرت أنّ درويش شاعري المفضل، وأنّه سيأتي يوم أفهم الكلمات المنصوصة في الديوان. ثم اجتمعنا بعد سنوات، أنا والشاعر والمدينة والديوان، في الملعب البلدي، وانتظرتُ قصيدتي، وولجتُ إلى الرحم ولم أخرج. جعلني الشاعر عالقاً في بيروت «مدينتنا» التي أحرقناها، و«نجمتنا» التي أضعناها. وبقيتُ كما المسحور بعقدة ذنب، مغروم بضحية لم أشارك في قتلها. ورّطني بشغف «هولوكوستي» تجاه بيروت. حتى اليوم، لا تزال تقفز إليّ من دواوين الشاعر الفلسطيني. في الحنين إلى فلسطين، أحبّ بيروت أكثر. ففي الحكاية القديمة الجميلة، لا يزال الصبي يعتقد أنّ حسن الكلام يؤدي إلى ديوان محمود درويش وبيروت. وهو، أنا، لم أتوقف يوماً عن حب.. حسن الكلام.
* * *
ورد أكثر لك اليوم وكل يوم
أحمد الشهاوي

متّ غريباً في سريرٍ ليس لك، فمن إذاً سينام في «سرير الغريبة» غيرك. أنت الغريب في بلادٍ غريبة، ذهبت إليها بوساطة، كي تستقبلك «مريضاً» لا شاعراً. كان يمكن أن تظلّ في باريس صحبة صديقنا المشترك صبحي حديدي، كاتم أسرارك، وناقدك، والأقرب إليك روحاً وفكرا. ربّما كنت ستبقى ولو لأيام أو أسابيع ترتّب فيها أعمالك التي حدّثتني عنها ذات يوم في الإسكندرية، هذه الأعمال الشعرية المنجزة التي لم تنشرها في حياتك، أذكر أنّك قلت لي إنها ثلاثة أعمال، أردت أن تشذّبها وتهذّبها وتحذف منها وتصفّيها من «الأثقال» والشوائب. أينها الآن، أهي في عمّان أم رام الله؟ أيمتلك صبحي حديدي نسخةً منها؟ أم أنّك كنت حريصًا كعادتك ألاّ تطلع أحداً عليها.
الآن زادت خساراتي في الحياة. كنت كلّما تأزّمت روحي عدت إليك.
لن تستطيع البروة أن تؤوي جسدك لأنّها -كما تعلم- زالت من على خريطة فلسطينك، لكنّك ستكون في مكانٍ ما قريبٍ منها.
أمّك (92 سنة) تنتظرك، وأخوك أحمد، والأقرباء والأصدقاء، وحتّى الأعداء من الأهل الذين حسدوك غيرةً من شعرك، وكدّروا حياتك في السنوات الأخيرة. كنت تضمر غيظك وحزنك وانفعالك وتصمت. لكن عندما فاض كيل الحسد أو قل السباب، بدأت تعلن من دون أن تسمّي أحدهم، كنت أحيانًا تشير أو ترمز حتّى لا تكشفهم وهم يواصلون دون خجل. ماذا يقولون اليوم، سأقول لك يوماً ماذا يقولون ويكتبون. لست حصانا وحيدا متروكا في الصحراء العربية، لكنّك حامل السؤال «لماذا؟»، وغيره من الأسئلة، التي ستكبر كنجمة تحمل اسمك ليبقى في سماء الشعر إلى جوار جدّك المتنبي الذي أحببت.
إذ سيبقى شعرك عابراً الأمكنة والأزمنة، باقياً، وشاهداً على روحك، ومهارتك كصائغٍ عظيمٍ لكونك الشعريّ.
سنملأ «فراغك» بشعرك، فقد تركت ما يشغلنا، نستعيده، ونعيد تأويله، لأنه منذ «تلك صورتها وهذا انتحار العاشق» حمّال أوجه. تركت في كلّ منفى ذكرى، تركت قصيدة. أعرف أنّك أنجزت ديوانًا عن مدنك – منافيك، أينه، أريده لنا جميعا، لنعثر عليه قبل أن يضيع في الزحام. أعرف أن الموت لم يكن ليخيفك، لكنك كنت تريد «قليلاً» من الوقت لترتّب بيتك الشعريّ. لكنه لا يستأذن يا صديقي، يباغت ويصرع. الآن ستذهب إلى من جالستهم يوماً بمستشفاك في باريس: المتنبي، رينه شار، المعرّي.
محمود، أنت غيّرت إيقاعك، فاستحققت أن نقرأ قلبك الباقي ونحمله كطوق حمامةٍ. إنّك لست صفحةً تطوى –بموتك- في كتاب الشعر، ولست طابع بريد تصدره وزارةٌ فلسطينيةٌ قبل موتك بأيام. أنت قطارنا، استقبلنا ولا تودّع أحداً. لك أرصفتك ومقاهيك وموسيقاك ولغتك وكلامك، وأرضك التي ترث لغتك الصافية التي جرّدتها حتّى استطاعت ذبحك ونالت من قلبك.
تركت قافيةً لنا، فانتظرنا.
أنت الدليل، ولن يدلّك أحدٌ علينا.
هزمت الموت، لكنّ الهزيمة لم تكن بالضربة القاضية، كنت مصارعاً فذّاً لكنّه غافلك، وصرعته بالنقاط.
و «النقاط» كان ينبغي أن تشكّل جملة النهاية «المفيدة». النقاط لم تمنحك فرصة أن تتدبّر أمرك. بأن تختار نوع الزهور وألوانها، مودّعيك، المكان الذي ستدفن فيه، أن تكتب وصيتك، أن تأتي إلى الإسكندرية، أن تذهب إلى الرباط لتتسلّم جائزة الأركانة الدولية. أن وأن وأن..
استدرجت المعنى، لترحل تاركًا أثر فراشتك التي طارت أمام عينيك.
اقتبست الظلال من ظلالك، أنت المتيّم باللعب مع الشعر، بالانجذاب إلى البحر، والنوم مع الموسيقى.
«وردٌ أكثر» لك اليوم وكلّ يوم.
* * *
صخرة من شمس
رلى راشد

المار في الكلمات حمل اسمه وانصرف. حمل قلبه على كتفه ولن يطيل. ذلك أن محمود درويش، في هيئة الغائب، مشخّص باهت للهنيهات الذابلة. فلا الصبر الخامد وصفته، ولا الانتظار الصموت مهنته. هو هزم الموت، والموت انتصر على ما أعلن بنفسه، بعيد جراحته الثانية. وقبل ذاك بالاستعارات تحرّر، واليوم بالمجاز يموت. في أربعينية رحيل محمد الماغوط، حضر على الدرج اللولبي المؤدي إلى صحبة الموت، ليقول عنه إنه في غيابه» أقل موتاً منا وأكثر منا حياةً، منعةً على ما يبدو، لما أهرق كتابة وسيهرق في خصوصه هو الآخر، لحظة يدق الناقوس. لهذا السبب الواحد الأحد، يصير انعطافنا نحو سكوته خيانة ما بعدها خيانة. يتراءى ونحن نلتفت إلى انسلاخه عن العيش، لكأننا ننقضّ على الصدى الذي ضرّج أفراداً وجماعات بأبيات الممانعة ومقاومة الخنوع، تتلوها أفواه المنصتين ورعاً وخشوعاً، جوقة متجانسة متراصة، في القاهرة وبيروت والجزائر ورام الله وحيفا، وإن بعد غياب، وباريس ولندن وسواها من زوايا المدن والأزقة. كيف لا؟ وهو شاعر المقاومة التي اعتقل في جوارها، لكنه أيضا وفي الأساس خميرتها، ملحُ الالتماع كما رينه شار. محمود درويش شاعر لا يهاب الجموع، ماضياً ومضارعاً ومستقبلاً، لا يخشى الآلاف المؤلفة التي أنصتت إليه أينما حلّ، وكانت على الموعد قبل أعوام في «المدينة الرياضية»، في نجمته وتفاحته بيروت التي تأملها وسبر فيها القدرة على تجديد حيوية الأسئلة والنقد والنقد الذاتي. لم يعر السمع إلى اوكتافيو باث ولم يؤرقه إدعاؤه أن الشاعر «الذي يصفَّق له كثيراً عليه القلق لأنه يمدّ الناس بما يريدون». ما عاد محمود درويش ينظر المسافة بينه وبين شعبه، لأنه صار شعاره ونشيده وبطاقة هويته، وهو سجّل منذ زمن أنه فلسطيني وعربي. أراد لقصيدته، على تشعب شطحاتها الأسلوبية، الالتصاق بحبل سرة البدايات، وعدم القطع مع أريج البروة، قريته في الجليل الغربي. قدِّر له أن يلد فيها في 1941 الابن الثاني لأسرة مكتظة من خمسة أبناء وثلاث بنات، وأن يشهد قوات الاحتلال الإسرائيلية تدمرها في 1948 لينشأ ويترعرع على تخومها، في مطارح محاذية حيث بلّله رذاذ مطر قريته ولم يصله ماؤه. تلصص على البروة عن بعد وأحياناً عن قرب، وامتهن الجيئة والإياب وشهد الهويات تحترق وتطمس وتسلب من ماضيها. ومن جمالية الطلق البكر والأنماط التقريرية في الدواوين الأولى شرع يعرّب الضمائر شعراً، ويوزعها في تلاعب حذق بين نحو غيبـي (هو وهي) ونحو المخاطب (أنتَ وأنتِ)، ويعبر إلى الحنين. تفتحت لغته كزهر الأرض الأم أو أبعد، متقصية تضعضع فلسطين، وأمسى الوجع جرحه النازف الأنجع في مساحة الشعر، شقّ طريقه إليه رفقة كمشة أبيات رنّت خناجر في رقاب كل مستقو. في مهد الغنائية وتجريب بنية القصيدة الإيقاعية، عقد حواراً مع تفريغ النفوس وسجل الذاكرة، لأنه غريم استعدائها. وساعة قصّرت القواميس ولم تسعفه ودنا ضجيج الألسنة الخرقاء، استدان رائحة القهوة وفساحة التلال والصفصاف والدروب، واستبقى التماع عيون أطفأتها الفجيعة. ألم يكتب الشاعر روبرت غرايف أن التيمة الشعرية الوحيدة هي الحياة والموت؟ على هذا الشكل ربما، حام درويش في حظيرة الرحيل، لم يصدّق سوى حدسه ودخل حياته كما راق له واختار لاسمه ترصيعا من اللازورد لم تخفت من وهجه الامتيازات. مقاتل هو درويش، صخرة من شمس، وجه من صرخات، طلة ملتهمة للآلام وملتهبة من نار. وفد شعره من جزئيات الوجود، مثل الأنفاس ممسوساً تجلياً «ثلاث مرات في الدقيقة». جاء درويش بالكلمات الشفيفة، بأكثرها عادية وبساطة، بتلك التي تسوقنا باليد نحو حفافي المنازل وترانيم الطبيعة، تلك التي تتحول كالخيمياء، لغة من عالم دون عالمنا، لحظة تضيئها عينا الشاعر اللتان تعيدان ضبط توازن الكون. في حديث صحافي، رصد درويش الدور الذي يلعبه التهكم. قال إنه يساعده في تخطي خشونة واقع يعيش فيه وإنه في أي حال قسط من التاريخ الذي يهزأ من الضحية والمعتدي على السواء. فهل من قبيل المصادفة أن يرحل محمود درويش بعدما أعلن ترؤسه اللجنة الوطنية للتهيئة لاحتفالية «القدس العاصمة الثقافية العربية للعام 2009»؟ حسبي أننا نشهد فيها لوصية مبكرة ولأسطورة من جملة تلك «الأساطير التي تطرق أبوابنا حين نحتاج إليها».
* * *
هل ثمة مناسبة؟
الياس فركوح

لا أزال على غير يقين بأيٍّ من الصفات أتوجه إليك، الآن، وليس قبل أن تخرق الحجب لتكون ماثلاً، بكامل أبهتكَ، «في حضرة الغياب»؟ أهي صفة الصديق الذي ما كنته أنا، وإنْ رغبتُ فيه بصدقٍ يصحبه التردد أو عله الحياء، غير أن حماقة التأجيل حالت دون النفاذ من حالة القوة إلى واقع الفعل؟ ولكن: أحقاً كان من الممكن أن نكون أصدقاء؟ لست أدري. وإني أصارحكَ القول وإنْ جاءت صراحتي متأخرة وخالية من أي جدوى: كنت أفضّل مسافة القرب أن تبقى كما هي، على أن تكسر أو تختزل، فيؤول اللقاء المرغوب مني إلى انقطاع يخشاه قلبي. كنت، ولا أزال، أحبك مبقياً مسافةً لتظّل، يا شاعري يا المثقف الكبير، رديف النغمة التي يرّف لها روحي؛ إذ أنت صاحبها. أنت لا تعرف. ليس لأنك صرت هناك. أنت لا تعرف حتّى حين كنت هنا، لا يفصل بين منزلينا سوى ثلاثة شوارع، أو ربما أقلّ (وردُنا كثيرٌ لكنه أقلّ من أن يُكفَّن قصيدةً لك) وكان قلبي، مثل قلبك المريض، قلبك المريض القاتل، قد تعافى للتو.. فاحتفلتُ وإيّاه بالإنصات إلى صوتك يتلو «مأساة النرجس وملهاة الفضّة» في ليلٍ كنتَ البرق فيه بينما الشمعة الحيية تتآكل بخفر وتذوب. حدث هذا قبل سنتين، وما كنتَ لتعرف أن احتفال قلبي بخروجه من الإنعاش جاء على وقع نشيد قلبك أنت! ما قصة القلب هذا؟ ما قصة القلب هذه؟ أيُّ هاتف عصف فرصف منك تلك الكلمات وأخرجها لنا: «سأقطع هذا الطريق الطويل، وهذا الطريق الطويل، إلى آخره، إلى آخر القلب أقطع هذا الطريق الطويل الطويل، فما عدت أخسر غير الغبار وما مات مني، وصفُّ النخيل يدلّ على ما يغيب»؟
..وغبت! غبت لتعود مغتسلاً برنين النبوءة التي ما ادّعيت يوماً قدرتك على ردها، وإن شاغبت وتشاقيت، إذ أعلنت: «فلأذهب إلى موعدي، فور عثوري على قبرٍ لا ينازعني عليه أحد من غير أسلافي، بشاهدة من رخام لا يعنيني إن سقط عنها حرفٌ من حروف اسمي؟».
والآن، هل ثمة معنى لكّل ما رأيت؟ أنت الذي رأى ما أراد؟ ماذا أردت، وماذا رأيت؟ لن تجيبني. أعرف. لأنك تعرف أنّ ما رأيته لم يكن هو ما أردته تماماً. وأن ما أردته لن تراه إلا الآن كاملاً! أيُّ نقص هذا الذي نعيشه في الحضور! أي اكتمال هذا الذي نعاينه في الغياب! وأي هشاشة، من قبل، نعايشها بافتتان لا يجرؤ عليه سوى الحمقى! وكنت أحمق! أجلت لقاءنا مرتين على أمل مرّةً ثالثة، لكنها لم تأت.
مرّة أولى: في بيرزيت: إثر اتفاق أوسلو المشؤوم: إحدى ردهات جامعتها: أنتَ وسط جمهرة من معجبيك: أنا برفقة من سيهّربني إلى حيفا، فهل ألغي حيفا والكرمل لأجتمع بك؟ قلت لنفسي: ثمة مناسبات أخرى.
ومرّة ثانية: في فرانكفورت: نحن ضيوف معرضها قبل سنوات قليلة: داخل مصعد الفندق الوسيع: تصادف أن كنا وحدنا فيه: هبطنا: اتخذ الواحد منا لنفسه جانباً بمواجهة الآخر: مرحبا! مرحبا! وسألتني بما يقرب الخفوت: لماذا لا نلتقي ونحن نسكن في مدينة واحدة؟ وكان مني: يبدو أنّ المناسبة لم تحن بعد! فهززت رأسك كأنما توافق، أو تحاول، لكنك لم تنبس، وواصل المصعد هبوطه بنا.
لم أعد أذكر من منا سبق الآخر في الخروج من المصعد، ذاك اليوم؛ فكلانا كان مهذباً. غير أني لست في حاجةٍ إلى من يذكرني بأن ليس كل من دخل المصعد سيغادره وفي روحه أثر الفراشة!
ولم تكن ثمة مناسبة؛ إذ ربح الموت كعادته!
* * *
العابر ترك دليل وجودنا
عزت القمحاوي

لرسول الموت أن يغتبط بما علق في شباكه، وللحياة أن تسخر؛ فمن وصل به إلى الشاطئ الآخر لا يتعدى ما وصل به سانتياغو، صياد همنغواي. سانتياغو كان في حاجة إلى الهيكل العظمي لسمكته العملاقة كي يثبت أنه لم يزل في كامل لياقته. ولم يكن رسول الموت المخادع القادر في حاجة إلى دليل جديد على قدرته، يستمده من الظفر بجسد محمود درويش المنمنم الهش. لكنها الحياة؛ حياتنا المشكوك في واقعيتها، كانت في حاجة إلى دليل، طالما وجدته في أثر العابر الذي راكم أدلة وجودنا عبر سنوات عمره. لكنه شاء أيضاً ألا يمضي من دون أن يؤكد لنا أننا أحياء، ولم يزل يعترينا ما يعتري الأحياء من مشاعر. كنا نتصور، من فرط ما متنا ورأينا من موت، أن زمن الإحساس بالحزن كألم عضوي قد انتهى، لكن رحيل درويش نبهنا إلى أن الموت، الذي صار عادياً، لم يزل في مقدوره أن يعضّ قلوبنا، وأن نتأكد من فرط الألم أنها لا تزال حية.مات درويش في زمن الهواتف النقالة، التي وفرت ديموقراطية الحزن، ومكّنت كلاً منا من الوصول إلى الصدور التي يحب أن يبكي عليها..
وسيكون مدهشاً لو كانت هناك قوة في وسعها رسم خريطة المكالمات والرسائل النصية طوال يوم أول من أمس السبت: - محمود درويش في حالة حرجة. - يا ليت، لقد مات. - أعرف لكني أضحك على نفسي!
اكتشفنا أننا لا نزال نحزن، ولا نزال جمعاً، في وسعنا أن نتفق على قيمة في هذا الزمن الصعب، وفي وسع خسارة فرد أن تردع أنانيتنا التي لم ترتدع أمام تبدد أوطان، وخسارة مئات الآلاف من الأرواح. هذه هي عظمة الكتابة؛ بالأحرى عظمة الإخلاص للكتابة الذي لم ينفع درويش وحده، أن يصبح دليلاً على وجوده، بل صار دليلاً على وجودنا معه.
كان دليلاً على وجودنا، عندما كانت قصيدته صوتاً لشعبه، وصار دليلاً على وجودنا عندما صارت قصيدته صوتاً للإنسانية. خطبة الهندي الأحمر صارت فلسطينية أكثر من أحمد الزعتر. كلما أوغل درويش في مقاومة نزوع اختصاره في القضية الفلسطينية، صار فلسطينياً وعربياً أكثر وأكثر؛ فلغة تلد هذا الشاعر، هي لغة أحياء. ولسوف نحزن لأن الوسيم الهش لم يعد بيننا، ولسوف نغبط أنفسنا بكل ما سيعيش في ذاكرتنا من شعر كتبه ميتٌ لم يمت.
* * *


    رد مع اقتباس
قديم 2010-07-31, 01:32 PM   مصطف عبدي غير متواجد حالياً   رقم المشاركة : [8]
مصطف عبدي
The Godfather
الصورة الرمزية مصطف عبدي
 

مصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاً
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى مصطف عبدي إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى مصطف عبدي إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطف عبدي

الأصدقاء: (62)

مات آخر الشعراء النجوم
عبد المنعم رمضان

فإن سقطتُ وكفّي رافعٌ علمي/ سيكتب الناس فوق القبر: لم يمتِ
منذ بدأ محمود درويش أغنيته الطويلة التي امتدت بطول عمره، منذ «أوراق الزيتون»، و«عاشق من فلسطين»، و«آخر الليل»، إلى أن بلغ قمته «في حضرة الغياب» و«أثر الفراشة»، منذ توهجت حنجرته في قريته البروة وحتى تخشبت في المستشفى الأميركي محبوساً بين وجع القلب ووجع الشقاق الفلسطيني، حيث الطرفان وقد أصبح يخشى كليهما، وخصوصاً الطرف الذي يزعم أنه طرف الرب، منذ إقامته في وطنه، إقامته في قهوة أمه، منذ ريتا، منذ رحيله وانتقاله إلى القاهرة، منذ احتفال القاهرة به، ثم احتفال بيروت، ثم بقية العواصم، بلوغاً إلى احتفال حيفا التي قابلته وقالت له: «أنت منذ الآن أنت»، منذ كل هذه المدة، كل هذه الأوقات، منذ كل هذا الحب، ومحمود درويش يتجهز لأن يكون آخر الشعراء النجوم. سبقه نزار قباني وشغل هذا الكرسي، ولما مات شغله محمود باقتدار. لم تكن جائزة نوبل ستضيف إليه الكثير، فهو يملك كل المؤهلات اللازمة لأن يكون آخر الشعراء النجوم. كان يملك وسامته واعتزازه بنفسه، وذكاءه، وغرام جمهوره به، وعدم ترخصه، يملك قلوب النساء وعدالتهن في محبته، من دون منافسة، من دون غيرة. كان يملك القدرة على ضبط المسافة بينه وبين كل الآخرين، بشراً عاديين وبشراً في السلطة، شعراء وغير شعراء. كان يملك فوق ذلك كله قضيته، التي ظلت قضيتنا منذ ولدنا، الأصح قبل أن نولد، وستظل قضيتنا إلى أن نموت، الأصح بعد أن نموت. كان الوحيد الذي يملك أن يكون عندنا مثلما هو نيرودا وناظم حكمت عند غيرنا. كان يملك شهوة أبي الطيب، وقدرته على مصاحبة سيف الدولة الجديد، على مصاحبة زعيمه، وعلى الإيمان به، وقدرته على بكائه يوم وفاته. كان محمود يملك الصوت وملكاته غير المختلف عليها، ملكاته في معاشرة اللغة وملاطفتها واصطياد أجمل مخلوقاتها، ملكاته في معاشرة الموسيقى وملاطفتها والتغرير بها إذا أمكن. استطاع محمود أن يصبح شاعراً ورمزاً، شاعراً كبيراً ومعنى، شارعاً وطابع بريد، بيتاً وحديقة، وطناً مفقوداً ووطناً نحلم باستعادته. كما رفع رجاء النقاش النقاب عن وجه محمود وعن شعره، كان يفعل ما يفعله العراق لشاعر رأى أنه سيكون آخر النجوم. في أكثر من عشرين ديواناً وأربعة كتب نثر، كشف محمود درويش عمق اتصاله الدائم والدعوب بما سبق، بما يحدث حوله، الذي هنا والذي هناك، بما يكتبه الشبان الموهوبون، وبما سيكتبه الشبان الأغوات، بتجاربهم كلها على رغم الاختلاف. لم يحاربهم كشعراء قصيدة نثر، ولكنه صحح لنا ولهم خطأ ما يشاع بيننا عن أن الإنسان يركب الحياة بشبابه. دلّنا على أن الحياة هي التي تركبه في شبابه، وتركض به من غير أن يكون له رأي أو إرادة، ولا يركب الحياة بالرأي والإرادة إلا صاحب تجربة، أو صاحب معارف. في آخرة أيامه أدرك أن القصيدة التي تحكي عن النضال هي أضعف قصائد النضال. أن القصيدة تناضل فقط بإنسانيتها، بفضائها المفتوح، ببساطتها وطزاجتها، بالجديد فيها. أن القصيدة بخفتها تناضل أكثر. في آخرة أيامه كتب «أثر الفراشة» فانتصر على نصوص كثيرة في عصر الرجال الجوف، نصوص كانت تدعي عليه وتطعن فيه وتزعم أنها تناهضه.
مات محمود درويش. المؤسف أنه مات في أميركا. كنت أتمنى أن يموت في مكان آخر. مات وبودي أن يمتد به الأجل إلى زمان يسع الإنسان فيه أن يغالب هذا الموت المعادي، هذا الموت المؤكد. في كل الفنون يوجد الفنان الخالص وإن بقلة، ويوجد النجم الخالص الخالي من الفن وإن بكثرة، بينما الندرة تكون من نصيب الفنان النجم، ومحمود درويش في ميدان الشعر آخر هؤلاء. لذا تبدو خسارتنا فيه فادحة، لأنه كان الجسر العظيم بين الشعر والجمهور العام، وبعده إما أن نفقد هذا الجسر، ولن نفقده، وإما أن يقيمه نجوم بغير شعر ويساهمون في صناعة ذائقة ضحلة مريضة، نرى منذ الآن بعض ملامحها في الفنون كافة.
موت محمود درويش سوف تستثمره جماعات ومؤسسات وأنظمة الجدير بها أن تكرهه، لأنه خصمها في العمق. لكنه ما دام قد تصالح معها في الحياة أحياناً، ما دام قد قبل جوائزها في الحياة أحياناً، فإنها سوف تستثمر موته بوقاحة ومن دون شفقة. مات محمود درويش، الدمعة الأولى التي سننزفها عليه، أظنها تمتلئ بأحلامه التي لم تتحقق. الدمعة الثانية أظنها تتسخ بأنفاس هؤلاء المتعصبين الدينيين الذين ظل محمود كرمز كبير يمنعهم من تمام الزعامة والقيادة وتحديد المساء. مات محمود درويش كأنه شخص ضائع، كأنه المتنبي، كأنه الهواء القليل، كأنه بعض إله، وسنندبه مع الندّابة: راح يبغي نجوةً من هلاكٍ فهلك، والمنايا رصّدٌ للفتى حيث سلك، كل شيء قاتلٌ حين تلقى أجلك.
* * *
خسرته الأمة
محمود حميدة

صحبني محمود درويش في كل مراحل عمري حتى اللحظة، وكنت حريصا أن أحضر أمسياته في القاهرة أو في الخارج في حال اتفق وجودي مع أمسية له، ولا تزال الكثير من دواوينه في طبعاتها الأولى القديمة في حوزتي، وما زلت أستمتع بها، الوطنية الخالصة المخلصة، الانتماء المتماسك والقوي، والشعر الذي يقطر جمالاً لغة وأسلوباً، من لم يقرأ درويش لم يقرأ الشعر، هذه الروح الإنسانية التي تسري فيه تجعلك تتعاطف مع كل إنسان يتألم في هذه الدنيا. إنني حزين إذ خسرناه لأننا خسرنا صوتا أقوى من أي صوت آخر، صوتاً يضطرك إلى أن تحتضنه وتهمس به وتردده.
للأسف الشعر والشعراء والمثقفون وحدهم لم يخسروا درويش ولكن خسرته الأمة كلها بكل ما فيها، خسرت ابنا مخلصا، عاش ومات متطلعا للحرية لنفسه ولكل أبناء وطنه.
* * *
متحف لقصائدك
حسن جوني

(سجل أنا عربي).. حين أسمعنا محمود درويش حقيقة هويته، كان شعره يتدحرج في زمننا مثل كرة من حنين مكسوّ بالغضب. وحين أخذ يزرع وجداننا بقصائده، اعتدنا على استقبال دواوينه الشعرية كحدائق من برتقال فلسطين ووردها المكتوم. كنت أشم في شعره رائحة تراب فلسطين الممتزج بالقهر والظلم والشهادة. كان محمود درويش مقاتلا من طراز مختلف، دخل في الشتات مع من نزح وأدخلنا في أهوال الشتات، حتى لظننت أنّا في شتات واحد.
محمود درويش.. سيرافقك في رحلة الموت شريط النكبات والهزائم والآمال المكسورة، ومرايا الوجدان العربي المعتم التي لا قسمات لنا فيها ولا ملامح.
حسبي أن أجد في قصائدك متحفا من لوحات رسمتها أنت بحروف عربية، لكن بنقاط من دمّ. عزاؤك أنك ستعود إلى تراب فلسطين، وهذا كل العزاء.
* * *
التملص من المباشر
صلاح فضل

في شعر محمود درويش أمران واضحان، أولهما أنه كان يميل إلى تغليب جانب التعبير على التجريد في كتابته، فبوسعنا أن نتمثل جيداً التجربة التي يعبر عنها ونعجب بها، والثاني أنه كان يعمد إلى تشعير اللحظة الوجودية بالوصول بمفارقاتها إلى أبعد مدى وأكثف نقطه تتجلى عندها ومضة الجدل وهي تبلغ قرارها التصويري والإيقاعي الأخير، وان ما يسعفه لتفادي نثريه السرد هو هذا الوهج الإنشائي الذي يتخطف عبارته فيكسبها حرارة وحلاوة لا تخلو من بعض المرارة. لقد استطاع محمود درويش التملص الماهر من مباشرة السياسة في قصائده، على الرغم من أن القارئ تعود دائماً على فهمه وتفسيره في ضوئها، فهو منقوع في مائها ومخبوز في أتونها. وبقدر ما كان يرفض أن يتكئ على نبل قضيته، فإنه كان يجتهد في تجديد مساراته وابتكار دروبه وأساليبه، غير أن ما أنقذ شعره من عملية الرمز الخفي والتجريد البعيد هو حفاوته بالإشارات الدالة، الكافية لكي ينفتح القارئ على فنون التأويل الخصب والتذوق الجمالي الممتع لأبعادها.
* * *
منارة عتمتنا
رفيق علي أحمد

محمود درويش منا ولنا، لقد كان منا وما زال، كتبنا وحكانا وحفظ ذاكرتنا، من خبز وقهوة أمّنا، وربطنا بجدائل أرضنا بخيط أمل يلوّح بذيل تاريخنا. حفّزنا على الثورة على أنفسنا أولاً، وأثار فينا الحنين إلى ثقب الأرض. دلنا بالبرهان أن اللغة والشعر قوتان متوازيتان وأقوى من الرصاص، تفعل فينا فعلها وفي كل نفس بشربة.
حين نسمع اسم محمود درويش نرى في العين والوجدان فلسطين بناسها وأرضها وعتبات بيوتها، وتطالعنا كل الصور وذكريات الحب والحنين، إلى الأصالة التي تحفزنا للثورة على الذات وعلى أعداء الإنسانية من أجل الحق والعدل والإنسان أينما كان.
محمود درويش بشعره الحديث رمز واقعنا، حتى صار هو الرمز. هو كبير من أكبر كبارنا على قلتهم في هذا الزمن، حاضر رغم غياب جسده. سيبقى رمزاً ومنارة تنير دروبنا المعتمة. صادفته في مقهى في قرطاج وقلت له أنا يا أستاذ محمود من خيمتكم، وعندي قلق وخوف أن أبدأ بالبحث عن خيمة لي.
رحل ولنا أمنية أن لا يكون قد ترك الحصان وحيداً.
* * *
لاحدود لخسارته
أحمد قعبور

للصدف أنهيت تلحين قصيدة لمحمود درويش بعنوان «ولهذا أستقيل»، والآن تذكرت عبارة «تعبت الآن، علقت أساطيري على حبل غسيل، ولهذا أستقيل».
الاستقالة من الحياة قصيدة لا تكتب، تبقى رهن الكتابة الدائمة. أعتقد أن لا حدود لخسارة محمود درويش، كأنها تأكيد حسي ومادي لكل خساراتنا في قضايا الأوطان، وعلى رأسها فلسطين وقضايا الإنسان التي نعيشها يومياً.
أستدرك فورا لأقول إن هناك في التاريخ قضايا سقطت ولكن تعبيراتها باقية أبد الدهر. بت أخشى على فلسطين الآن أكثر من أي وقت آخر، كما أخشى بعد ما يجري في غزة ورام الله على ألا يبقى من قضيتنا الكبرى إلا قصائد محمود درويش.
أتكلم معك وأتذكر ملامح وجهه وهو يصافحني في المدينة الرياضية استعدادا للتظاهرة الفنية معه ومع ماجدة الرومي في ذكرى الانتفاضة، وأعتقد في النهاية أن الكثير من الأمهات الفلسطينيات لو باستطاعتهن أن يشددن وثاقه بخيط يلوح في ذيل ثوبهن.
* * *
شاعر العروبة المعاصرة
عمر فاضل

ليست فلسطين وحدها غارقة في الحزن على ابنها البار، رمز صمودها، وعذاباتها، وكبريائها محمود درويش، الدنيا العربية بأسرها في حداد على ما تعتبره شاعر العروبة المعاصرة الأبرز.
هو الذي حلّق في التعبير عن قضية العرب فلسطين، وقضية الحق العربي إلى ذروة إنسانية عالمية، وحقق للشعر العربي مكانة عالمية على صعيد الإبداع الفني، فترجم شعره إلى معظم لغات العالم.
ستزداد دنيانا الحزينة التي أدمنت الحزن، حزنا على حزن لغيابه، وربما ازدادت فقراً على صعيد الروح. إذ كانت إطلالاته على الدنيا الفلسطينية والعربية مصدر قوة وإلهام لكل الصامدين في وجه الظلم ولكل العاملين من أجل غد أفضل على مستوى الحرية والعدالة والانتصار للحقوق الوطنية والإنسانية الشرعية على أرض فلسطين وعلى الأرض العربية.
* * *
آن للقلب المتعب أن يستريح
فاطمة ناعوت

«لا الرحلة ابتدأت، ولا الدرب انتهى». لكن هناك طفلاً عاد بعد رحلةٍ إلى بيته القديم فلم يجد لُعبتَه وسريرَه وكراريس الرسم والزيتونة. لا يجد البيتَ ذاتَه. لا يجدُ الحارةَ التي بها البيتُ. ولا الشوارع ولا الحيَّ. لا يجدُ القرية بحالها. يبحث الصغيرُ في الخريطة ويشير بإصبعه: كانت هنا بلدتي، وهنا بيتي. فأين راحت؟
ويجيب الكبير: محاها صهيون يا ولدي ليحطَّ محلَّها أرضا يبابا! هيا بنا، يا صغيري إلى بيروتَ إلى القاهرةِ إلى تونسَ إلى باريسَ. وإلى كلِّ مكانٍ عدا فلسطين. فلسطين ما عادت لنا. فيطرق الصغير برهةً ويتعوّد حزمَ حقائبه. لكن امّحاء بقعةٍ من الأرض كانت مسقط رأس الصبي، لا من كراسة الجغرافية ولا من الخريطة بل من الكوكب بأسره، سيورث قلب الصبي الوجع. فيشبُّ الفتى بقلبٍ لا يكفُّ عن السؤال ولا يبرحه الانفطار. رغم هذا، وربما بسبب كل هذا، سيقدر أن يحمل هذا القلب الصغير المعلول وطنا بأسره. «وطن ينزف شعبًا ينزفُ وطنا يصلحُ للنسيان». سيحمل هذا القلب المنذور للغربة مسألةً لاتزال تعيي العالم بحثا ومناورةً واتفاقياتٍ ومراوغةً وضجيجاً وضحايا وقصائد ودماء. فيتعلم هذا القلب الشعر ويعلّمه. ويعرف كيف يغدو بقلمٍ أعزل مقاتلاً خطراً أبيض الكفّين. يواجه الموت مرتين. ويهزم الموت مرتين. فالموت جبانٌ إذاما واجهته. يقول للموت مرّةً ومرّة كن مهيباً كما يليق بك ولا تأخذني من الخلف، خذني بقوة. لكن الموت جبانٌ، أخذه نائماً مخدَّراً. تعب القلب المرهق من خذلان العدو ومن غياب الوطن ومن قسوة الأصدقاء. تعب من سجن القضية ومن سجن القصيدة ومن سجن الهوية، فاختارَ أن يطير، بعدما عاش سنوات بعمر حزيران المرِّ. إلى أين سيطير القلب؟ إلى حيث ريتا. أينما كانت سيطيرُ إليها كي يستريح فوق قلبها. آن للقلب المتعب أن ينام. فنم ملء جفونك، يا فتى الشعر النبيل، عن شواردها. عليك الشعر والسلام والحبُّ. عليك، يا درويش، الحياة.
* * *
لانصدق عالماً من دونه
عادل محمود

الحزن على غيابه هو من النوع المؤذي، النوع الذي يجعل الحياة بذيئة بدرجة انحراف سيئ عن محتواها النبيل. شيء يشبه غياب فلسطين قبل ستين أذىً، الستون التي كان محمود أثناءها ينشد الحرية والألم البشري، بذلك التوتر الذي لا يحتمله القلب البشري.
كما لم نصدق أن فلسطين ضاعت إلى الأبد، لا يمكن تصديق عالم بلا هذا المكابر العظيم، وشعر بلا هذا الشاعر العظيم، وسخرية بلا بلاغته في ازدراء اليأس، وإيمان بلا نبرة يقينية بجدوى تربية الأمل كماعز في الجليل.
قبل شهرين قلت له: تعال إلى سورية بلا شاعر كبير، ونجم كبير.. تعال نتسلّ. اقض بيننا أياماً نشوي خلالها خروفاً بدلاً من سحابة، ونحك جلودنا كالذئاب في غابة صنوبر على البحر. وقد وافق وترك لنا، أنا وطاهر رياض، أن نحدد كيف ومتى.
جاء طاهر وأخبرني أن محمود وضعه خطر، فثمة شريان قد ينفجر في أي لحظة، وأنه كتب قصيدته الأخيرة.. ما يبدو أنه قصيدة الشاعر الذي يلقي من نافذته ولغته نظرة أخيرة على الدنيا.
خطرت في بالي هذه الأمنية المستحيلة (ويبدو أن كل أمنياتنا مستحيلة): لو نتبرع لمحمود بعدد من السنوات. بالطبع كثيرون هم المتبرعون لدرجة أنه سيخلّد.
أنا شاعر في الستين. بصدق قلت لطاهر: أنا أتبرع بخمس سنوات. ولكن بسخرية قلت: قد لا أملكها أنا أيضاً.
* * *
لن ينقضي حبنا
علي الحجار

لقد غنيت قصائده أمامه في حفل أقيم له بمكتبة الإسكندرية وصفق بمحبة حملها وجهه البشوش، لقد تحدثنا طويلا في الشعر والعرب وكان في كل كلمة تخرج منه عاشقاً كبيراً للوطن وللحياة، ولا تزال قصيدته «أموت اشتياقاً» التي يقول فيها «أموتُ اشتياقاً، أموت احتراقاً، شنقًا أموت، ذبحًا أموت، لكن لا أقول، مضى حبُّنا وانقضى»، وليلتها أيضاً غنيت من ألحان محمد عزت الذي غنى بدوره، غنيت قول درويش: «أنا آتِ إلى ظل عينيك -من غبار الأكاذيب آتٍ- من قشور الأساطير آتٍ -أنتِ لي وأنتِ الفرح- أنتِ حزني وقوس قزح».
إن درويش ليس مجرد شاعر فذ استطاع أن يحوز كل هذه الجماهيرية العريضة من الخليج للمحيط بل لكونه إنسانا تستشعر معه –حقيقة- بعمق جمال الحب والحياة، إنني أحد متابعيه ومتذوقيه، وحرصت وما زلت على قراءة جديده، رحمه الله سنفقد برحيله لغة صافية عذبة وقلباً يرفرف بالإنسانية. وتعازي لكل الشعراء، لكل فلسطين والفلسطينيين، تعازي للقضية الفلسطينية التي ناضل من أجلها كثيراً.
* * *
الشاعر فلسطين
خيري الذهبي

الغريب أن التاريخ، وحتى الأدبي منه، لا يتعلق إلا بالفاجعيّ والصارخ، ويتجاوز الهادئ والناعم والمنعزل. فكم واحداً من غير المختصين يتذكر الشاعر الصنوبري؟ ذلك الذي قصر كتابته على التغني بالزهور والطيور والجميل في الحياة. كم نسبة من يذكرونه مقروناً بمعاصره المتنبي، ذلك الذي وضع لنفسه هدفاً سياسياً هو الوصول إلى الملك، أي ملك. فناضل وسجن وتشرد وجاع وعمل لدى الملوك، حتى لدى من احتقره منهم ككافور. وكل ذلك في سبيل الوصول إلى المُلك. ومات ولم يصل إلى المُلك الزمني، ولكنه على غير تطلع حقيقي منه وصل إلى مُلك آخر؛ ملك الشعر، فصار الشعر العربي من بعده، حين يؤرخ، يؤرخ بالمتنبي.
السؤال الآن: أكان هذا هو قدر محمود درويش حين صرخ: «سجل أنا عربي»؟ في زمن كان فيه العربي في فلسطين المحتلة يحسب مئة حساب قبل أن يصرخ صرخته تلك. فالتقط رجاء النقاش ذلك النداء وصرخ: «في فلسطين عرب». وكنا قد نسيناهم كما نسينا مسلمي الأندلس. لقد صاروا مضغة في بطن الحوت. وكان متطرفونا يلومونهم؛ لقد ظلوا هناك، لقد اختاروا البقاء مع اليهود. وكان الأشد تطرفاً يخوّنهم.
كنا أضعف من أن نقدّر أن أولئك الناس كانوا هم القابضين على الجمر، والقابضين على العروبة في بطن الوحش. وحمل رجاء النقاش رسالتهم إلينا: «سجل أنا عربي».. وخرج محمود درويش، مع قيام الثورة الفلسطينية، واختلطا حتى صار من الصعب التمييز بينهما.
الثورة الفلسطينية حفلت بالشعراء ومعظمهم كبير: أحمد دحبور، المناصرة، سميح القاسم، الكرمي، وكثيرون. لكن درويش كان طعماً آخر، كان شاعراً كبيراً، وكان محظوظاً كبيراً جاء في المكان المناسب، وجاء في الزمان المناسب، فصار الشاعرُ فلسطين.
* * *
بوصلة الشعر
هالا محمد

قد تنظر إلى السماء، قد تبكي وتكتب شعراً، ليس أزرق!! لكن السماء تبقى بوصلة نظرك إلى البعيد ومعياراً للأزرق.
رحل بوصلة الشعر الحديث، وبقي شعره البوصلة.
اتصلت به منذ أشهر عند عرض فيلمي (رحلة إلى الذاكرة) عن «أدب السجون» في قناة الجزيرة، ليرى الفيلم، وقلت له مازحة، لكن جادة: «إذا حبسوني بعد العرض دافع عني.. أنت قوي».
قال مستغرباً وضاحكاً مفكراً: «أنا قوي؟!» قلت: «بنظري لا يوجد من هو أقوى». وقلت في صمتي أنت معيار للحرية، للاشتقاقات في اللغة، للغربة في الأوطان، وللمنفى في الوطن، أنت معيارٌ للتسامح، وقوة الموقف وعدم الادعاء بأي قوة من فرط شاعريتك. صمت هو أيضاً، ثم قال بصوت منخفض، بإيقاع صوت حزين: «لا يوجد قوي يا هالا، لا أحد قوي.. تغيرت الدنيا!».
بعد فترة اتصلت به: «قصائدك في جريدة الحياة أبكتنا، هيثم وأنا، قرأنا شعرك في بيتنا وشربنا نخبك ليلتها. قال بحرص، وبذلك الإيقاع الموسيقي الذي كان يتكلم به وكأنك تقطعه عن الشعر فيستمر في إيقاع الوجدان الذي يرشح في صوته، فيشف في شرايينك فتصبح إنساناً أجمل وأرقى وأنت تتحدث إليه: «لماذا أبكيتكم؟» قلت: «شعرنا أنك وحيد، وقصائدك ترشح بالحزن، وأنت، أنت، حبيبنا» قال: «بتعرفي أنا أسمع هذه الأيام فايزة أحمد وأبكي» صمتَ، وصمته إيقاع كثيف وصور ومطر في القلب، ثم أكمل: «صوتها عميق وحنون يحمل إلي الكثير من الشجن. أشعر أننا ظلمنا صوتها كما ظلمنا أناساً كثراً».
نبرة الشجن، العدالة، الذكاء، الإنسانية، كانت تصلني، لم أشك في حياتي بكلمة واحدة قالها شعراً أو نثراً. هو بوصلة الشعر بالنسبة إلي، الشعر العربي والعالمي، بوصلة الاستقلالية والإنسانية والذكاء الذي وصل حدّا من الحدّة في الجمال فرشح شعراُ فريداً. هو الكبير وآخر الشعراء الكبار، نحيل كخيط شعر كريم، كطيفٍ، كصاعقة. الأهم من كل هذه المقاييس أنه محمود درويش يا أمي الذي طالما أحببته. حين كتب أحمد الزعتر قالت: «والله العظيم هذا الشاب صادق ومجروح وشريف، الله يلعن أبو الظلم، لا أحد مثله، الله يخليه لأمه..». قلت: «ليس لأمه يا أمي، هو لنا هذا محمود درويش حبيبنا..». قالت: «بعرف». صمتت، ودعت له معنا.
* * *
السنبلة
خيري شلبي

في حركة الشعر العربي الحديث كان محمود درويش مذاقاً جديداً تماماً، فمن بواكير الصبا كانت بداياته تنبئ عن شاعر كبير شديد الفحولة أكبر من أن يكون مجرد شاعر بين الشعراء، ما أزال أذكر بداياته الأولى تلك التي طالعتها في أوائل عقد الستينيات من خلال ذلك الأديب الفلسطيني الكبير الشهيد غسان كنفاني، أحد أهم روافد الحداثة في أدبنا العربي المعاصر، كان كتابه أدب المقاومة في فلسطين المحتلة نافذة على جيل جديد هو نفس جيلنا في طبعته الفلسطينية في جحيم الاحتلال الإسرائيلي: محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد وغيرهم، وأذكر أنني فرحت بهم جميعا كأن فلسطين عادت إلينا، ولكن محمود درويش كان نسيجا وحده، كان فيه وظل كذلك حتى رحيله الكثير الكثير من خصائص السنبلة، تأكدت تلك الخصائص في قصائده ودواوينه، ومن خصائص السنبلة محمود درويش أن القصيدة عنده مضفورة كضفيرة السنبلة بالضبط، الحب فيها منضود في تناسق إلهي مذهل.
رحمه الله بعد قراءته تشعر بالعزة والسموّ وبمعنى الكرامة وبروح الإباء، تشعر بالسؤدد، بالارتفاع فوق الصغائر، وتشعر بأنك تستطيل وأن قامتك تتصاعد مع الشعر إلى ما يشبه الإسراء والمعراج حيث ترى ما لم تكن تحلم بالسفر إليه، رحم الله محمود درويش شاعر فلسطين.
* * *
اللوحة الشعرية
صلاح بيطار

أجمل شعراء المقاومة في الوطن العربي والذي جسد أروع اللوحات المقروءة شعرا في لغة النضال والحب، وما قدمه في رحلته الشعرية مع الواقع العربي والفلسطيني يضعه في مصاف الشعراء الكبار في الشعراء الكبار عالمياً إيلوار وأراغون ونيرودا.. وقد جسد الشخصية الفلسطينية وجغرافية المكان بروح الثورة والمقاومة بلغته البديعة التي تنساب بالتيارات والكروم والزيتون والبرتقال والشموس والأقمار وذكريات الجدات والحنين والسنبلة والرغيف والبندقية والكرامة والعزة و..
يا مواويلي يا مواويلينا
الضرب بالخناجر ولا حكم الندل فينا
لقد جعل من كل هذا عالما شعريا يغني للإنسان في كل مكان، يغني للثوار والأحرار، للفقراء والجياع ويغني للوطن والحب، ومثلما كان يحيا شديد الحب لوطنه، كان عربياً من المحيط للخليج، وما أجمل ما قاله عن مصر والمصريين، ولا أنسى قصيدته الرائعة التي يقول فيها عن المصريين: يموتون بداء الحب أو البلهارسيا. كانت أشعار درويش ملحمة إنسانية تدق الطبول لكل ما هو جميل من أجل الإنسان والحرية، وكان الرمز الحقيقي لمعنى الوردة والبندقية، ومعنى الإنسان ومعنى الصدق والصمود والازدهار في عصر الانكسار.
* * *
السماء واطئة اليوم
محمد فؤاد

مات محمود درويش مبكراً كما يليق بشاعر لا يطيق أن يهرم، ولأن الشعراء يموتون مبكرين.
مات محمود درويش بطعنة في القلب، لأن وتر أخيل الشعراء قلوبهم، وبه مقتلهم.
اصطاده الموت -كما توقع- قبل أن يستعيد صفاء ذهنه، لم يكن صياداً شريفاً -كما تأمل- صاده خلسة في عتمة غيبوبته، كان محتاجاً إلى مرضه ليقتله. لم ينظر إلى عينيه، حدق قليلاً في نقطة ضعفه، ثم غرز نصله المسموم.
محمود درويش مات
السماء واطئة اليوم، والروح تضيق من وجع القلب ونعض على الأصابع كي نحتمل غصة في الحلق. الفتى الوسيم، نغار منه على نسائنا في النهار، ونسلبه قصائده لنصحبهن في الليل إلى النساء ونوشوشهن كلماته في العتمة. الفتى الأنيق، كم استعرنا قمصانه كي نبدو أجمل، كما قلدنا لكنته ليقال عنا شعراء.
صاحب مرثية نفسه، دون كيشوت، الذي لوح بإصبعه في وجه الموت، فعضها الموت وعض روحه في غفلة ذئبية، صديقي الذي لا يعرفني ولم يسمعني، الذي حشا لي جيوبي ودفاتري بما تستحق الحياة.
محمود درويش / لا يكبر الشعراء/ ولا تسقط أسنانهم
ولا يسحلون روحهم خلفهم كقميص تالف
الشعراء -أيها الكبير الكبير- في اللحظة المناسبة يجرون اللحاف إلى أعلى رأسهم، ويديرون ظهرهم للعالم، وينامون.
* * *
أحبك أكثر
هنادي سلمان

ومن أنا كي أكتبك؟
ومن أنا كي أكون من دونك وأنت كل ما أردت أن أكون، وأنت الذي رآني، فكتبني، فصرت أحلى، أبهى. كتبتني فصرت أنا.
لاعب النرد لا يسخر منا في رحيله الأخير. هو فقط يختار الزمان والمكان. بلاد الشمال الأقصى، الأقسى. وأوان الورد قد ولى. هو لم يطق القيظ يوما. لم ينتظر نسائم خريف آخر، يبشر بالشتاء الأول بعد الستين. كم سنة؟ كم شهيدا، كم زيتونة، كم منفىً، كم وردة على طريق الجليل، كم امرأة لا تشبه عيناها بحر عكا؟
لاعب النرد يحب أن يلعب، يسخّر اللغة عصا سحرية تقص فلسطين وترويها، فلسطين من لحم ودم، حلوة ودميمة، بطلة وواهنة، كهلة وصبية، قديمة ومعاصرة، حية وشهيدة، ودوما وحيدة ومحاصرة.
كيف تمضي، وأنت وحدك من ترانا؟ ما لون عيوننا من بعدك؟
لاعب النرد يضعني على حجره طفلة ويلقيني في حضن نجمة.
تحترف الأحرف لتكتبني، تكتبنا، كما نحن، وكما نحب أن نكون. تنصفنا. تنصفنا. نتعب كثيراً ونموت كثيراً ونحب كثيراً ونحيا قليلاً، وتبقى يومياتنا يوميات حزن عادي إلى أن تخطها أنت حقيقة واقعة، شعرا بمفردات سماوية.
تغب من قلوبنا أحرفا تشبه العسل والحليب، حليب أم أبعدتها الشاحنات قبل أن تفطمك.
تكتبنا، فنصبح نحن، تدب فينا الروح، ونتحول من صورة في الجدار إلى بشر يستحقون الحياة. واليوم من يروينا؟ من يقول أننا هنا وسنبقى؟
لاعب النرد يداعب اللغة، يحيها، يرفعها فيعلينا. يبعثر الحروف فتتحول ملامحنا شعراً. نصبح أحلى، أو كما نحن. مرآة الروح.
هو يقول أننا هنا، ثم يفتح باب الحديقة ليخرج الياسمين إلى الطرقات نهارا جميلاً.
لا لسنا كومة من المآسي الآسنة، يقول لاعب النرد. نحن نحب الحياة، إذا ما استطعنا إليها سبيلاً.
لاعب النرد يروض اللغة. ينفض عنها الغبار، يلتقطها ويدخلها في الآن، وفي الهنا. يقذف الحروف في وجوهنا فنرى.
لاعب النرد يحب أخواناً لا يحبونه، يا أبي. لاعب النرد محاط بدول من زبد، ويقاوم. يكتب بيروت بلحم حي، ويكتب دمشقَ مشتهاة، وقائمة. لاعب النرد يخسر الحلم تلو الحلم، ولا يضل السبيلا.
كم كنت وحدك. كم كنت وحدك في الحياة وفي الرحيل. في الصمت وفي المعاني. كم كنت نحن، وبقيت أنت. الشاب، الوسيم، بعينين كغصن أخضر، وقامة ممشوقة أنيقة. أنت، الطفل دوما، والحكيم. الرقيق الحساس اللئيم، الذكي اللماح، القاسي والمحب، المبتعد والقريب.
هنا كنت دوماً ولم تكن. عشت المدن كلها، والهزائم كلها، وبقيت ترنو إلى سنديانة البيت العتيق. تعود إليه كي تكون، أو لا تكون.
تقذف كلماتك في وجهنا كي نرى من نحن، وتستمر أنت تبحث عنك، عن طفل اقتلعته الشاحنة لما كان بعد ممسكا بعباءة جده ذات رائحة التبغ الأبدية.
قروي بغير سوء، ولما استوطن غريبٌ بئر منزله، عاش المدن كلها ولم تروِه.
قروي بغير سوء، دنا، ذات يوم، من مارين بين الكلمات العابرة، ونظر يبحث عن مكان لهم، ربما، في فيء صفصافة أبيه، فما رأى إلا أنه«آن أن تنصرفوا، وتقيموا أينما شئتم، ولكن لا تموتوا بيننا، فلنا في أرضنا ما نعمل، ولنا الماضي هنا ولنا صوت الحياة الأول، ولنا الحاضر، والحاضر، والمستقبل، ولنا الدنيا هنا.. والآخرة.. فاخرجوا من أرضنا.. واخرجوا من مفردات الذاكرة»..
هل تعبت، يا ابن أمي، يا ابن أكثر من أبي؟ هل ضقت بالأمكنة والأزمنة، وليل الانتظار الطويل؟
لاعب النرد يختار الرحيل. لاعب النرد يتركني وحيدة هنا، على قارعة طريق ليس لي. يرمي وروداً كثيرة ويرحل لأنه آن له أن يعود إليها.
«وما زال في الدرب دربٌ لنمشي ونمشي. إلى أين تأخذني الأسئلة؟
سأرمي كثيراً من الورد قبل الوصولِ إلى وردةٍ في الجليلْ».
كنت أظن أني سأعود معك إليها، ذات صيف، أو خريف أو شتاء أو ربيع. ذات ثالث عشر من آذار.. كان اسمها فلسطين، صار اسمها فلسطين. كان اسمك حبيبي. صار اسمك حبيبي، يا ابن أكثر من أبي.
م ح م و د. لست لاعب نرد. أنت ترى ما تريد. تمشي إلى ما تريد.
«إلهي أعدني إلى وطني عندليب
على جنح غيمة
على ضوء نجمة
أعدني فلّة
ترف على صدري نبع وتلّة
إلهي أعدني إلى وطني عندليب
عندما كنت صغيراً وجميلاً
كانت الوردة داري والينابيع بحاري
صارت الوردة جرحاً والينابيع ضمأ
هل تغيرت كثيراً؟
ما تغيرت كثيراً
عندما نرجع كالريح إلى منزلنا
حدّقي في جبهتي
تجدي الورد نخيلاً والينابيع عرق
تجديني مثلما كنت صغيراً وجميلاً.
م ح م و د. «نسيمك عنبر وأرضك سكر وقلبك أخضر..» وأنا أحبك، كل يوم أكثر.
* * *
فارس الثورة
زهير هواري

مسجى في صندوق خشبي، ينتقل من مطار إلى آخر، تحلق به الطائرة ثم تهبط وهو بارد كالرخام، كلماته سبق وقيلت وما لم يقل لا متسع للوقت والقول بعدما خانه القلب. هو صامت في الأمكنة التي وضع فيها حيث أقبية الشحن في القسم السفلي من الطائرة. الركاب المسافرون يجلسون في مقاعدهم المريحة، يتناولون المرطبات والعصير وحتى المشروبات الكحولية والأطعمة ويشاهدون الأفلام، بينما هو يصوم عن كل ملذات الحياة وعذاباتها التي خبرها حينا في بيروت وأحياناً في القاهرة أو باريس أو موسكو أو البروة أو رام الله..أو..
الشعر أقوى من الموت وأبقى من الجسد، والشاعر الذي كتب احتضاره دواوين، تفوق على جده فارس العصور الذهبية مالك بن الريب في قصيدته اليتيمة، راثياً نفسه بعيدا عن المتفجعين في دياره الحبيبة، بعيدا في بلاد خراسان، بينما الرمال نفسها التي تهب على مضارب طفولته ستكمل ما بدأته منذ أجيال وأجيال، إنما هذه المرة على قبره، فيغيب الشاهد الحجري الذي وضع في المكان. أما الحصان حصانه فيموت عطشا ولا من يسقيه. كل شيء يذوي في لحظة الرحيل كأنه لم ينوجد أصلاً ولا من يبكي سوى السيف والرمح. لا فارس يخوض الحروب ولا شعر يلقى على المسامع فتنسحر القلوب في أماكنها وتروح في ذهول العوالم الخفية. الكلمات أقوى من الجسم، والقوافي تحتفظ بالنبض والقصائد أزلية بأشد من جبروت الرمل.
لم يركب محمود درويش كما فعل جده حصانه ليغزو بلاداً ليست بلاده قرب مرو، طمعاً بالغنيمة، لم يكن لديه حصان بالأصل. أيضاً لم يحمل رمحاً على كتفه، حساماً في يده ودروعاً تغطي الصدر وتمنع عنه الطعنات. عندما غادر البروة مكرهاً لم يحمل معه سوى ذاكرة وأطياف صور طفل لم يتجاوز السادسة عن قريته وناسها الذين غادروا وسط جحيم التهجير القسري. وعندما تنقل بين المنافي حاملاً معه فراشات ألوان الطفولة المغتصبة، لم يجد في جعبته سوى الحلم يعيد إطلاقه كلما شعر أن ما قيل من كلمات يذوي كما عشب الصيف، كما شقائق النعمان والدحنون وبخور مريم، وإن كلمات جديدة لا بد وأن تخترع لتعيد إشعال الحنين. ومحمود درويش لا يختصر بالثورة الفلسطينية وإن كان شاعرها في لحظات اللظى والجمر، بل قد يختصر بالشعر الذي يستعيد وطناً مضرجاً بالذاكرة التي لا تتعب من أحمالها. يبدأ منها ويعود إليها كلما انهمر شلال الدم وفاضت السواقي بالانكسارات التي ترى تباعاً كلما أوغل الجزارون في دفع السكين عميقا في الصدور، صدور الأطفال والنساء والرجال وأشجار البرتقال والزيتون ومداخل البيوت القديمة. أياً يكن هؤلاء الذين يسنّون سكاكينهم صباح مساء، عربا عاربة أو مستعربة أو أبناء عمومة على حد ما تقول أسطورة الخلق البابلية أو العبرانية أو المنحولة بالعربية. أي قلب من القلوب يمكن أن يحتمل هذا الكم من المجازر، ومحمود درويش هو الشاهد والشهيد على قدرة الدم على صياغة وطن يليق بهذا الشلال المندفع من الشعر والتضحيات. يخرج الكنعاني المحدث من ثياب التاريخ متقلداً لغة العصر، ويعلن أن دمه ودم الهنود الحمر وقبائل الانكا والمايا و.. هو هو نفسه، وأن التاريخ لا ينقش على حجارته حق القوة المقدس، وقدرات بارود البنادق والمدافع، بل قوة الحق والحلم الذي يهدأ حينا ليستعر أحياناً لكنه يبقى عصيا على الموت. ومنذ الصرخة الأولى للثورة وحتى النبض الأخير، لا يتعب الرجل من أن يؤرخ على شغاف القلب تفاصيل المسيرة. مسيرته هو ومسيرة شعبه المحفوفة بالأجساد والأحلام المضرجة بالدم والأشلاء والتهجير بعد التهجير، تارة على يد العدو وطوراً من ذوي القربى الجاهزين لبيع دمه بأقل من ثلاثين من الفضة متى فتحت البورصة أبواب السوق وأسعار القطع.
وداعاً محمود درويش جسداً، أهلاً بمحمود درويش فارس الثورة أبداً.
* * *

لاعب النرد يلاعب الموت ويمضي
صقر أبو فخر

طوى محمود درويش آخر قصائده، وأدار ظهره لنا، ومضى إلى «ما لا يريد». وها نحن نفرد أوراقنا، ونبادر إلى أقلامنا ونضم أجسادنا إلى أجساد الأحبة ونشهق.
لم يبقَ لنا إلا أوراق وبضعة أقلام وحسرات وشهقات الفجيعة واكتئاب الأيام الكالحة وقصائد أحمد الزعتر.
أتمضي هكذا؟ أعلى هذا النحو أردت أن تكون قصيدتك الأخيرة؟ إذاً، لا تنظر خلفك. فلن تبصر غير منفى وراءك، وغرفة نومك، وصفصافة الساحة، ومقاهي المواعيد التي تبددت، ومناديل تلوّح لك بلوعة.
ذاهلون يا محمود لموتك.
ذاهلون لأيامك التي عشت فيها بيننا.
لماذا لم تُطِلْ وقت زينتك؟
فاعتذرْ إذاً عما فعلت.
لم تُنهِ قصتك بعد. وجعلتنا نسعى وراء حراس الأماكن المنعزلة، نسألهم عن مرقدك، عن قبر يوسف، لنزرع فيه وردة أو زهرة صبار.
الآن، هل تقرأ جداريتك ثانية؟ هل ترى «السماء هناك في متناول الأيدي؟». هل يحملك «جناح حمامة بيضاء صوب طفولة أخرى؟».
* * *
في طفولته، تعب من السير في جنوب التبغ نحو قفار الجليل. لكنه عاد إلى حصان جده. وها هو، بعد ستين عاما وأبعد، يتعب من الجَوَلان في البيداء العربية، فيريح ركابه من وعثاء السفر ويمضي.
إنهم يتناثرون كأوراق الخريف.
أجمل الأقمار ترحل: إدوارد سعيد، هشام شرابي، جورج حبش، ياسر عرفات. بيداء هذه الديار، وسديم هذا التاريخ.. هباء كغبار الطلع.
* * *
كأنه كان يوحى إليه.
ما سره الشعري الذي جعله مثالا للشعر لا يمكن اجتنابه، ولا يمكن الاقتراب منه، ولا يمكن تجاوزه، ولا يمكن تحطيمه؟
شاعر مستبد، وشعره كاشف.
مستبد؟ لأن قامته الشعرية تكشف قامات بعض من حوله من الشعراء. وكاشف؟ لأن الشعر الصافي يقاس بقصائده. ومع أن الشعر ليس سباقاً، إلا أن محمود درويش كان دوماً شاعراً مهيمناً؛ فقد بات تحديا إبداعياً لجميع من عاصره أو جاء بعده.
شعره ترتيل الجوامع الأموية في دمشق العتيقة، وصوت القداديس في أديرة بيت لحم، وأنين النهر المتمرد في أنطاكيا، وأصوات الجياد في بصرى، وعسيس النار في نخيل العراق.
متروكون كنا مثل خيمة في الريح، مثل كنيسة مهجورة، مثل منارة محطمة على شاطئ. وكانت قصائده شراعنا ومنارتنا وخيمتنا ومئذنتنا وكنيستنا وتاريخنا المكلوم ونزيفنا الراعف وحاضرنا الراعب.
أيقظ فينا شعره طعم المريمية وزهور السواقي ولون السنابل والسماق الحارق وأعشاش العصافير ورائحة الوسائد وحبال الغسيل وغبار «الحصائر» والشبابيك المشرعة ونقرات الدوري فوق صفيح المنازل والقناديل المضاءة ورائحة التبغ في كوفية رجل هرم.
كان هو الصفصاف والصنوبر والتين والزيتون وأغاني الحب وأنين المنافي الحزينة وحارس الصباح وزهر اللوز ودحنون البراري وأقحوان المراعي وعشب التلال. كان حزننا وقمرنا وغيم الجليل ينثال فوق أغطيتنا الممزقة. وكان حرير النهدين وأعسال الشفتين وألق الفاتنات في الدروب الضيقة.
أعاد شعره ترميم جروحنا وهزائمنا ونكباتنا: وقال لنا إننا لسنا عابرين في كلام عابر، بل منذورون للمنافي ولأغاني العودة، وفي إمكاننا أن ننتصر على التيه،»وأن على هذه الأرض ما يستحق الحياة.
* * *
هذا ليس رثاءً، لكنه أكثر من وداع.
لم يُنه محمود قصته بعد. فقد ولد قرب النار، واجتاز براري كثيرة، وعبر قفاراً وأنهاراً، ومات بعيداً «يحلم بالزنابق البيضاء» وبخمارة في ميناء، وبكأس نبيذ.
كانت كلماته احتفالاً وثنياً في العراء. وهو مثل قصبة ثقبتها الريح فصارت ناياً، ثم سار خلفه المنتظرون. إنه قمر الليل فوق بحيرة طبرية، زنبقة الوادي وأريج الحقول وضباب الروابي. ملك تاجه من غبار. جناحاه الريح، وقصائده رحيق الكلام. ظبي «ينهض من نومه» وينفر إلى «سرير الغريبة».
هذا هو سره، وهذا هو اسمه.
لهذا تبعه «المريدون» وبايعوه ملكاً على فلسطين ووضعوا في كفيه «أحد عشر كوكباً».
* * *
«كل موت هو موت أول. مفاجئ، صاعق، غير معروف وغير مألوف». وموتك يا محمود أقسى من أي موت أول: صاعق ومفاجئ وغير مألوف ولايمكن احتماله.
ليفكَّ وجهك هذا الانقباض عن صدري، كما فككت أنت أجهزة التنفس عن صدرك. ولاسمك سنضيء شموعاً، وسنلوح لك بمناديل اللوعة، وستقتلنا الذكريات وصور الماضي.
وداعاً أيها الدرويش..
رياض طبرة
لاتذرفوا ولو دمعة من دموع الوداع والحسرة في رحيل محمود درويش ولا تأبهوا للموت وهو يتغنى بقصائده فشاقه اللقاء، مع أنكم وأننا وأنهم فقدنا من هو الأقرب والأكثر التصاقاً بفلسطين التي ما زالت قضية تجمعنا ويجمعنا محمود.
فالشعراء أمثاله يحظون بأكثر من ولادة ويخصهم الشعر بألف ألف موت، وما هذا الموت إلا ما تدرون من أنواعه أكثر وإن اضطررتم فاجعلوها دموع رجاء أن يجود الزمان بمثله.. بل دموع فرح بولوج المحمود عالم الخلود من بابه الواسع بعدما اختار الدرب وعرف القصد واهتدى بعرقه ودمه وقلقه وحزنه إلى أن الجلجلة هي التي فتحت الأعين والقلوب على الجوهر. ‏
ها هو الدرويش يقتحم التاريخ، يحبو بين أسطره ليظل كما طرفة ولبيد وعنترة حاضراً كثر الشعر أم قل، صار حدثاوياً أم ظل ماضوياً. ‏
سيحتل منذ الفجر الذي شهد آخر موت له ما احتله المتنبي وأبو العلاء وسيظل موضع نقاش وحوار، وهل كان مثلهم أو أنه إشكالي أكثر منهم، وهل هو الشاعر الذي عزف عن الوزارة والمسؤولية. ‏
الدموع على الأموات الحقيقيين الذين يعودون إلى اللحد ومعهم «وزناتهم» التي حضرت معهم لأنهم لم يضيفوا إلى الشعر جملة واحدة تعد بين الجمل المفيدة والتي لها محل من الإعراب. ‏
محمود هو الصوت الصارخ في البريّة يعد طريق الثورة ويجعله مستقيماً وعندما «فجع» سار على درب السياب في الفجيعة دون أن يصرخ لاشيء سوى العدم العدم. ‏
أدرك الخطاب السياسي مبكراً وجدواه في كسر الثوابت الصهيونية وأولها أن فلسطين أرضٌ لاشعب لها وأنهم هم الشعب الذي خلقت هذه الأرض لهم منذ الأزل وستبقى بانتظارهم إلى الأبد..
تغنى بأرض بلاده فحسده أرئيل شارون مثلما حسد الفلسطينيين على محبتهم للأرض فانكشف التضليل وبات المغرر بهم يتلفتون من حولهم فكانت قصائده مطرقة تدق على باب الواقع والتاريخ ليصحو من له أذنان سامعتان وليسمع.. ‏
انضم إلى عظماء الشعر العربي وهم على صهوات قوافيهم فكان منهم بحق وجدارة ولم يقل ّتألقاً عن نزار والجواهري وإن كان مديناً لهم كغده وأوتي من الابهار والجاذبية في الأداء مثلهم فوصلوا إلينا كما وصل الجاهليون دون أن نقوى على التفضيل. ‏
قيل عنه الكثير وسيقال ويكتب ويدرس اسمه بين من يستحقون الدراسة وهذه مهمة أجيال.. ولكن الرحيل قاس كجلمود صخر حطّ على المشهد الشعري في وطننا الكبير. ‏
وهذا الفراغ الذي خلفه محمود درويش في الزمن الصعب سيتيح للدموع أن تنهمر حتى يخلفه محمود آخر ويعود للشعر ماكان له.. ‏
والخوف كل الخوف في أن نعجز كأمة عن إنجاب درويش مثله مع أن فلسطين أمّ الجراح وعنوانها ما زالت تمثل أكبر مأساة في تاريخ الإنسان ومن أقدر من الشعراء على نقل المأساة وهم الذين لم يبخلوا يوماً في جعل الأطلال مادة للبكاء.. لكنه البكاء الجميل وهو يمثل الوفاء الذي نحتاجه اليوم لكل شيء في حياتنا. ‏
الوفاء للأمة للأرض للإنسان للطفل لليتامى للمساكين للمضطهدين، وقد انتمى شاعرنا إلى هؤلاء جميعاً وكان وفياً لهم فأحبوه وجعلوا من صوته أغنية يرددونها فحقت له الريادة وكان الابن البار الذي به سرت.
تركنا.. ورحل
مصطفى علوش

رحل الشاعر محمود درويش ومر الشريط الإخباري ببساطة على أخبار أخرى، لم ينتبه المذيع إلى فلسطين وهي تكتب له قصيدة الخلود ولم ينتبه المذيع أيضاً لقصائد الشاعر كيف تحولت في لحظة إلى خيمة منسوجة من حروف وكلمات.
ماذا يمكن أن نكتب عن محمود درويش الذي قال إن الشعر ملح الخبز ودم القلب وماء العين، هل نصغي إليه في سرير الغريبة، أم نترك لأصدقائه التعبير، فأحلام مستغاني كتبت عنه: (ننتظر مزيداً من البكاء على كتف قصائده)، ترى ماذا ستقول مستغانمي بعد أن تركنا درويش لوحدنا في هذا العالم؟ هل ستكتفي بالصمت؟ أم سترسل له وردة لينام مستريحاً من عناء السفر فوق غيم الكلام؟ ‏
سئل مرة عن حلمه فذكر أن حلمه أن يعيش حتى يرى بلاده وقد تحررت واستقلت وأن يملك القدرة على العيش لحظة عادية مثل آلاف البشر.
أما مارسيل خليفة فوصف شعره بقوله: (في شعر محمود درويش دعوة منعشة إلى الحياة) الحياة كم أحب هذا الشاعر الحياة فرغم الحصار الذي عاشه في رام الله عام 2002 قال: (الطائرات تمر فوق السماء لدقائق لكن الحمام دائم) فهل هناك أكثر من ذلك عشقاً للحياة؟ ولأنه عشق الحياة كان دائماً صديق الجمال فحمل أرضه الصغيرة كما يحمل كيساً من سحاب وطوى المدينة مثلما يطوي الكتاب ولأنه بحث في الحياة عن متسع للحرية بارك الحياة والأحياء فوق هذه الأرض لا تحت الطغاة.
هو شاعر يشبهنا نحن الذين خذلتنا الحياة ذاتها فولدنا عراة في مصادفة من زمن مخيف، فكانت الكلمات عكازنا وخيمتنا، ولولا الكلمات لمتنا لمتنا من الغيظ والخوف والجوع، درويش صنع لنا سماء من الكلمات، كلماته تدرب سامعها على التحدي ومواصلة البحث عن نوافذ إضافية لصناعة الحب، وكم تدربت على حفظ هذا الكم الهائل من المعنى ومن اللعب على حبل اللغة الجميل، (وحين التفتنا إلى الشاحنات رأينا الغياب يرتب أشياءه المنتقاة). ‏
محمود درويش كتب وكأن الحياة ستبدأ بعد دقائق فينسجها على شكل طريق ويحتار أيهما أجمل الوصول أم الطريق، درويش هذا الشاعر الذي روض المستحيل حسب زعم نزيه أبو عفش شكل حضوره الشعري ركيزة لوجداننا الجمعي والفردي حمتنا من التصدع وقدمت لنا ما استطاعت من حبوب الجمال والفرح. ‏
أشعار صاحب سرير الغريبة، ولماذا تركت الحصان وحيداً لحظة من المستقبل كما يشتهيه، ولحظة من الحقيقة، ولحظة من الفرح رغم كل المنافي التي مرت في حياة الشاعر درويش الذي بقي حتى لحظاته الأخيرة يدافع عن المعايير الجمالية في الشعر اعترف أنه أيضاً شاهد على العصر الذي عاشه، وبقي مصراً على أن الشعر عصي على تعريف نهائي، ورد لهذا الغريب الذي تركنا وحدنا في غربتنا، ورد من فلسطين لهذا الوطن المعلق دائماً في حبر القصائد. ‏
درويش أبكي في غيابك بقاءنا في حياة لاتشبه الحياة، دمعة واحدة تكفي، لأن الذين سيبكون رحيلك عددهم بالملايين، حتى أعداؤك سيبكون رحيلك فنم في سرير الغريبة.
* * *
صهيل قرب البحر
جودت حسن

ولنا في هذا الفجر حصانان ‏
واحد يتألق في بلاغة الشعر ‏
والثاني ما زال يبحث عن حرب ‏
وعن حصار يفكه ‏
وعن ماء يجليه ‏
عن غبار يزيحه ‏
عن مرآة يرى فيها عرسه ‏
ووطن لا يمزق قمصانه ‏
كلما مرت القبرات من القصائد..! ‏
حصان لك يحلق كالقصيدة ‏
حصان لنا نتعب في فهمه ‏
كلما طاردتنا الحروب ‏
وأنشأنا مزيداً من المخيمات ‏
وسخّنا شاي جدتنا ‏
وصعد الخبز فينا في قداسته ‏
كلما تذكرنا أمهاتنا ‏
في جرائد الصباح ‏
في وزن يختال بألوانه ‏
في فجر يوزع الذئاب ‏
في أرض توزع الخنازير
في وحل يحيط بالماء ‏
وعويل لا يهدأ في الجنازات ‏
كلما رفعتنا الأرض شبراً عن جنازتها ‏
ومشينا في غبار الأرملة!..‏
حصانك يركض في القصيدة ‏
في حصار لا يفتحه الوزن ‏
في بلاد يشردها الرمل ‏
في وطن لا حدود له ‏
في براكات الشاي والجنود ‏
في سماسرة النفط والنساء ‏
في قبضايات بلا حرب ‏
في ماء لا يفسرونه جيداً ‏
وتأويل يرميهم في الوحل ‏
كلما نهض الحصان من كبوته ‏
وجدد الوزن أحفاده ‏
وتناقضت الجبال مع العقل ‏
وضجت القوافي في الجنازات ‏
عندما نمر على نسيم جديد ‏
ونطالب بشرق لا يغتصب..! ‏
من أول حصان قتلوه ‏
إلى آخر «ريتا» في الشعر ‏
نحن نذهب إلى أخر شوط في البلاغة ‏
هنا وطن يتداعى ‏
ولا يسقط تماماً ‏
هنا عقل وزعوه على مناصبهم ‏
هنا جمال لا يفهمونه في الأدب ‏
وها حصار على روح الشاعر ‏
لا تفكه امرأة بجزمتها الطويلة ‏
والحروب تبدأ من حقد ‏
النساء تبدأ من شهيق ‏
الوطن يبدأ من قصيدة ‏
وحصان يحاول لمّ جسم الشمس ‏
كلما منعوه من صهيل ‏
وحولوا جنازتنا إلى بيان..! ‏
من أول الـ «أعراس» ‏
إلى آخر صهيل قرب البحر ‏
حصانك في قلب الحدث ‏
مجانينك تخلصوا من الوزن ‏
شاؤك يقتلها الدانتيل ‏
كلما باركتنا السماء بصلاة ‏
ونزل الشاعر كقمر إلى العشب ‏
ونظرنا طويلاً في المرايا ‏
وتعبنا في صهيل لا يهدأ ‏
من حصار إلى حصان ‏
لن يغرق الوطن في الماء ‏
لن نستقيل من الحقيقة ‏
وسنلم ما تبعثر من العقل ‏
في حقل واحد من الفراشات ‏
ليعود الحصان إلى صهيله!..
* * *
أحب أن أبكي
أدونيس

بين ضوء الكلام، وظُلمة الزمن، عاش محمود درويش.
الأول أسنده إليه الفلسطينيون والعرب لكي يُطفئ الجحيم بماء الفراديس. جعلوا منه مطهراً يتجاوزون به خيبة العدل والسياسة، ورمزاً يلجأون إليه لكي يحنّوا ويتذكروا حيناً، ولكي يستشرفوا ويأملوا، حيناً آخر.
وهو عبء احتضنه، وإن كان طاغياً عليه، وهذّبه وارتقى به، وقرن فيه بين الألم المرير والمتعة العالية، وبين الفجيعة والجمال. وفي ذلك صارع العبء الآخر، عبء الزمن، وآخاه واحتضنه كذلك.
كتب شعره كمثل كيمياء تحوّل الموت إلى حركة حية، وتخترع الشطآن حتى للقوارب المحطّمة. وحيثما اغترب، أقام عاصمة للأمل، جاعلاً من الشعر أرضاً أخرى، وسماء أخرى.
لكن ماذا تقول لك الكتابة حين تنهار فوق صدرك ذروةٌ من ذرواتها؟ خصوصاً أن محمود درويش لم يكن، بالنسبة إليّ، مجرّد صديق. كان أخاً قريباً، وشريكاً حميماً في الحياة التي جمعتنا في بيروت، قبل الحصار، وفي أثنائه، وبعده في باريس. كنّا في هذه المدينة الفريدة نبني جسور الشعر ونربط الأفق بالأفق.
وكنا في بيروت نفتح لغاتنا على الرياح الأربع. وفي بهاء الصداقة كنا نحتفل – في بيتنا، كل سنة، باليوم الذي ولد فيه مع نينار التي ولدت في اليوم نفسه: 13 آذار.
كان يأخذها بين ذراعيه، فتقول له بطفولتها الشاعرة: «أنت كبير، وأنا صغيرة. شو استفدنا؟».
مع ذلك، فيما بعد، في غلواء الصداقة، والتباس علاقاتها، باعدت بيننا الحياة. غير أن الخيط الذي يصل الضوء بالضوء لم ينقطع بيننا أبداً.
الآن، أحب أن أبكي.
* * *
ودّع أصدقاءه ولم يعتذر
شاعر الأوذيسّة الفلسطينية
عباس بيضون

هذه المرة لن يكتب محمود درويش جدارية أخرى. لن يخدع الموت الذي طالما خرج منه ناجياً من عاشق مثله في الوقت الضائع وما بعد الحياة، يدرك أن الموت خصه كما خصته الحياة. لم يخطفه. ضرب له موعداً عرفه وسار إليه بقدميه. لم تكن تجربة درويش مع الموت سوى صورة موازية للصراع. إذا كان شعر درويش هو شعر الخيار الوحيد فإن الموت على سن هذا الخيار. لطالما غنى درويش شهداء القضايا الخاسرة، والأرجح أنه كان يعرف أن في سيره إلى موته ذروة في هذا الغناء، إنها القصيدة غير المكتوبة التي أتمها بجسده. سيكون جسده عندها موازياً للمكان، سيكون موته لحظة في هذا الوعي الشقي.. حين حانت الساعة، سار درويش إلى موعده أنيقاً ومستوياً. ودع أصدقاءه ولم يعتذر.
لم يكن غناء درويش في ما بعد بطولياً انتصارياً جريئاً. لقد تحرر من القصيدة الوطنية داخل القصيدة الوطنية، وصارع الجمهور داخل الجمهور. إنها سلطة على الجمهور طمح معها درويش إلى إعادة تربيته وتأهيله: لكنها موهبة كبيرة جعلت درويش في آن واحد شاعراً شعبياً وطليعياً، نجماً ونخبوياً. درويش كان يتحرر ويحرر في آن معاً. لقد تخلص في العلن من رواسب، وكان يمكن لتجربة علنية كهذه أن تمتد وأن تغدو مثلاً. ليست المسألة في الشكل فقط، إنها مسألة رؤيا. فالشاعر الفلسطيني وجد نفسه مغني الأوذيسة الفلسطينية وشهداء القضية الخاسرة. لقد تحول إلى شاعر مرات، وغدا شعره مع الوقت مرثية كبرى.
امتلك محمود درويش غير الشعر ذكاء نادراً وعقلاً تحليلياً وفكاهة. لم يهتم لكتابة الشعر فحسب، بل بصورة الشاعر أيضاً. لم يطور شعره فحسب، لكنه بنى استقلاله ووعيه النقدي. ومع الوقت كان يزداد نضجاً وإصغاء. لقد انقصف في ربيعه. دعك من العمر. انقصف في ربيعه وهو الآن أفتى منه في بعض شبابه.
* * *
محمود درويش
نور سلمان

يا معلم.
لا أتأخر.
لكن الحزن أخذني في سفر الصمت الذي يحاكم القدر ويجادله ثم يطيعه انصياعاً لحكمة إلهية أحبتك وأنت منها فأخذتك إليها وأراحت قلبك من همّ سكن إبداعك.
يا سيد الجراح.
لقد حولت جمهورك العظيم إلى كتائب مقاومة في ميدان الصراع. شعرك تجدد في العشق جعلك بطلاً من لحم ودم ثم غبت فأصبحت أسطورة في ملحمة المحنة.
ولم تيأس ولم تطو أوراقك في خضم المأساة الهائلة. لكنك بقيت إنذاراً رائعاً لكل غارق في العتمة فأقبل عليك الناس محجة لقلقهم ودليلهم إلى الجمال المتحرر من التكلف والتعقيد والانحراف المستهتر.
يا درويش الصومعة المشرّعة النوافذ والأبواب.
في الحزن ذلك الذهول الذي يسافر بنا إلى دنيا الأسئلة والأجوبة الموجعة والمرضية ثم إلى التمني تمنيت لو يبقى الشعر كعبة الجمال والحق وأساس نهضتنا. وتمنيت لو يبقى التجدد كما تبنيته حلالاً من أصالة حلال لا أن يكون تمادياً في تمرد مستعار لا يلامس قلب القلب وقلب الضمير وقلب الإدراك المتحرر فعلاً.
يا سيد.
عشقت أرضك فأخذتك إليها على تلة جعلتها أنت قمة يرتفع بها زائروك الكثر.
فالأرض أيها الكبير وفيّة تحتضن في القمم أوفياءها.
* * *
أبى الاستقرار على النقص
كلوفيس مقصود

صدمة تعجز عن استيعابها ناهيك بحتمية الرضوخ لحصولها. محمود درويش مات!! ثلاث كلمات كأنها بالنسبة إلينا متناقضة. تبدو غريبة وهو الذي منح الحياة بعداً ضمن استمرارها. وإذا كان الموت استحقاقاً محتوما فأمثال محمود درويش وعطاءاته يخرجون الموت من كونه غياب الحياة، إلا أننا كلنا وبنسب متفاوتة نسلّم بغيابه وبتوقف عطاءاته لكن ما لا نستسلم له هو أن حضوره أثرى حياتنا وساهم في رقي ثقافتنا كما أن عطاءاته -وما أكثرها- أثرت ثقافتنا، وبلورت تذوقنا دور الشاعر المحرض والأديب الملتزم كما ساهمت في تعميق وعينا على أن الإحباط السائد مؤقت وأن الدائم هو التحريض. التحريض الهادف إلى استكمال الرسالة.
محمود درويش كان دائم التوتر لأنه أبى الاستقرار على النقص. كان التوتر ملازما لحياته. أقنع نفسه بأن الاستقرار عيب ما دامت النواقص قائمة. توتر ما دامت فلسطين محرومة حقوقها، مجروحة في كيانها، متروكة من دون دفء عائلتها القومية. زادت وتيرة التوتر عندما بدأت الأحوال تستقر على الخطأ وتحول التوتر غضبا عندما استقر الخطأ على الخطيئة. فما أجمل توتر محمود درويش، وما أروع غضبه!
فليكن تحريضه وسط الذل الطاغي، البوصلة التي توجه خطواتنا ومساهماته بمثابة تعزيز حضاري لمسيرة رحلة العرب نحو المرغوب، وأن يبقى نثره كما شعره تحريضا على النضال من أجل الحق، والحقوق، وأن يبقينا في حالة توتر حتى نستمر في إكمال وصيرورة الاستقرار المضيء الذي رسخ مكوناته في وجداننا.
* * *
طعنة الكلمات الأخيرة
علي الدميني

نحّى الغياب صورة أحد أعظم شعراء العربية عن ظهر الحصان.
وتركنا من دونه «وحيدين». أخذ الغياب ظلاله الحية وغادر في لحظة مباغتة تشبه طعنة الكلمات الأخيرة.
لكن محمود درويش ما زال حياً بيننا و«في مكان ما» كما يقول، ودائماً.
في التجربة الأكثر فرادة في زمن القصيدة المعاصرة، التي كان كل نص فيها يدفع قوس التجديد والتجاوز الشعري إلى فضاءات غير مأهولة من قبل.. وفي العشق الأنيق للمعنى البعيد والبسيط.. والغامض والمدهش.. الغنائي حتى الجذور والمتأمل حتى حدود الفيض والحكمة واللفتة الشفيفة. نحّى الغياب شاعر العربية الأضخم في كل العصور، الشاعر الأكثر احتفاءً وولعاً بالكلمة، الكلمة المرتبطة بشيء غامض لا يفصح عنه إلا ما تخبرنا عنه القصيدة فهو معنى وجودي في ثياب زفاف عدة وملونة..
يشبه ما يفصح عنه وجود الفرد على وحشة الأرض، أو وجود الوطن على فراغ الخريطة، أو ضرورة وجود الإنسان على مساحة من حوار الكون مع «آخره» حتى وإن كان عدواً.. من أجل بيت أقل بشاعة وقهراً في هذا العراء الكوني الفسيح، من أجل أزمنة أقل دمامة ومكارثية. ولذا غنّى منذ زمن مبكر «سجّل أنا عربي» كما غنى في زمن آخر «بين عيني وريتا بندقية»!
نحّى الغياب جسد القصيدة عن خشبة المسرح إلى ما وراء ظلال الجدار، ولكن إيقاع القصيدة، ولفتاتها الفاتنة، وما تحمله من أيقونات ورموز لليقين تبقى محفورة في مفردات مكوناتنا الجمالية صافية ورقراقة، هادية إلى طريق رهافة الشعر وصدقه، وظلاله المنغرسة بشراسة، في طفولة الروح التي ستظل منصتة لذلك الكون الجمالي الذي خلّده المتن «الدرويش»، أو ما يمكن أن نستعير له قول أحد الأجداد «معجز محمود درويش».
* * *
المترحل الذي استقر أخيراً
فوزية أبو خالد

بحبر دموعي الحرى وبالنحت في دمي المتجمد على صمامات قلبي، دعني أقول ليس دقيقاً القول «رحل محمود درويش». فالأقرب أن محمود درويش المبتلى بعضال الأمل المفتون برفيف الأجنحة المتمرس في شراسة الترحال، قد عاش طوال حياته القصيرة مرتحلاً. وربما قرر أخيراً الاستقرار على رغم أنف الاحتلال. عله كعادة شعره يخلق بإبداعه ما يخل بالمستتب والمستبد من خلل الجمال واختلال العدل. ليضع بقصيدة موته الأخيرة حداً لاقتتال الأخوة. وليكتب بخلوده حياة جديدة لريتا ولفلسطين معاً.
أما نحن عشاق جنيات شعره وأصدقاء أطيافه المتثنية السامقة، من الولهى بكمنجات الغجر التي لن يكف عن إطلاق نوافيرها على أحلامنا، فلنا أن نشاركه قهوة حورية ولا نكتفي بالحنين إلى عصافير الجليل، علنا نجترح القيافة في «أثر الفراشة».
صديق سادس أو سابع يغدر بنا ويغادرنا على حين غرة. لم تشف جروحي بعد ولم أسترد أنفاسي من ذهاب عبد العزيز المشري وممدوح عدوان وأمل جراح وإدوارد سعيد وفاطمة موسى وهشام الشرابي وفدوى طوقان. فكيف طاوع محمود درويش قلبه كيف قبل حسه المرهف أن يرمينا في هذه اللحظة الفادحة من الخسارات بهذا الزلزال ويذهب. لاأكاد أصدق كأنه يلعب معنا أو كأنه يعود بعد قليل بقصيدة جديدة. وليس لي إلى تلك اللحظة إلا أن أقول وداعاً لشاعر لا يموت وإن أخذته غفوة.
* * *
ماتت القصيدة والجناحان
مريم شقير أبو جودة

لا أظنه يموت، أمثاله حقاً عصيون على الفناء، التراب لن يحظى بعطر أرواحهم، والمقبرة لن تغلق بابها على عصافير قلوبهم المتمردة دائماَ والمحلّقة في اتجاه الأعالي.
محمود درويش الاسم الحركي للحياة، الاسم السري للقصيدة، والقصائد يستحيل أن تقبل الرحيل الأبدي عن منصات الصراخ. قيل قلبه المفتوح على أحد أسرّة مستشفيات الولايات المتحدة توقف عن النبض!
إنها أكذوبة العصر، قلبه دائماً كان مفتوحاً على الريح، كان حاضراً في سرير كل عاشق، وفي خندق كل ثائر، وفي ضمير كل عربي يعشق الحرية.
هو فينا، كل شاعر عربي عرف التميز غرف من معين درويش اللغة البكر والصورة العطرية الملامح، كل عاشق قصيدة في العالم توضأ في بحيرات كفية ليقف طاهراً أمام جلالة الكلمة.
أنا لم أكتب قصيدتي على بحر الاختلاف إلا من خلاله هو، كانت قراءتي له تحرضني على البوح، ولست أنسى كلماته، صوته، نصائحه، كتبه التي كان يطيرها نحوي كلما قدّم للخلود مجموعة شعرية جديدة.
في آخر إهداء لي على مجموعته «يطير الحمام يحط الحمام» عاتبني على نص نهاري قسوت فيه قليلاً على بعض انحيازاته للموقف بعيداً عن طفولة الشعر، عاتبني وهو يقول: الشعر هو ما لا نقوله، فاغفري لي إنني أحياناً أشعر بما لا أقول.
لا أنساه أبداً، بيروت تشرفت بعناقه لسنوات، زرع شوارعها بورود روحه، وأثلج أرواحنا بغيث أحاسيسه الدافئات.
وبيروت يوم غادرها مع الذين غادروها من مقاتلين ومقاومين ومقاولين وشعراء، كان هو في عربة الأنبياء يغادر جسداً، وروحه ظلت في جميعنا كألف ناقوس ومئذنة تعلن انحيازها إلى فضاءات تتسع الجميع.
مرات كثيرة التقيته في القاهرة، ومرات في أبو ظبي، ومرات هنا يوم كان يجيء، وكثيراً من المرات كنت لا أفارقه وأنا أجالس قصائده كعاشقة لا تقبل ببديل من معشوق من ضوء وكرامات.
اليوم يعود إلى «البروة» قريته التي غادرها طفلاً.. طفلاً كما كان.. فلسطين كلها ستخرج لملاقاة الابن الذي لم يضل أبداً، ستخرج إلى عناق صوتها الذي حملها في قلبه وحنجرته وقلمه إلى كل مكان.
اليوم فقط أشعر أن فلسطين ستبكي قلبها الكبير الكبير، وشاعرها الأعظم، وأظن العرب كلهم سيشعرون بالفراغ الكبير من بعد رحيله، سيتوقف الوهج الذي تعودناه عن التجمر، سيتوقف العصفور الذي أسلمناه قلوبنا عن الرفرفة في كل السماوات، اليوم فقط، أشعر أن القصيدة العربية ستشعر باليتم، مات أبوها الشرعي، مات درويشها الملك، فمن سيجيء من بعده بمفردات القذيفة التي تشبه البلسم، ومن سيجيء من بعده بشجر البرتقال يسكن السطور، وكيف سنصرخ في وجه العالم كله: سجل أنا عربي..
ومحمود درويش وضع قلمه جانباً واستقال من الحياة؟
* * *
عرضتُ عليه اللجوء السياسي فرفض
محمد خالد القطمه

أعادني رحيل الشاعر الكبير محمود درويش أربعين عاماً إلى الوراء. في مثل هذا الأسبوع من شهر آب 1968 التقيت محمود درويش، وأزعم أني كنت أول صحافي عربي التقاه، في واحدة من أغرب قصص حياته.
كنت في طريق العودة من إجازتي في باريس إلى الكويت. أما كيف التقيت محمود درويش في صوفيا، على الطريق تلك فهذه هي واحدة من حكايات العمر.
كنت أخاف ركوب الطائرة لذلك غادرت الكويت إلى باريس عبر رحلة مفزعة: بالسيارة إلى البصرة، بالعبّارة من البصرة إلى عبادان، بالقطار من عبادان إلى طهران، بالباص من طهران إلى تبريز، ثم بالتاكسي من تبريز (حيث تفرجت على جبال ارارات وقممها المسطحة لتستقر عليها سفينة نوح) إلى ارضروم (ارض الروم). ومن أرص الروم إلى أنقره بالقطار. يا إلهي، من أنقرة إلى اسطنبول بالطائرة التركية التي تعمل بمحرك ونصف. وأخيراً وتحت التهديد الحازم من زوجتي العزيزة ركبت الطائرة من اسطنبول إلى باريس مروراً بأثينا وميلانو.
طريق العودة كان أقل مشقة: باريس- صوفيا بقطار الشرق السريع. توقفنا في العاصمة البلغارية، وشأن السياح العرب كان المقهى أول معالم العاصمة التي أزورها.
هناك، في مقهى برلين يجتمع السياح والطلبة واللاجئون السياسيون العرب ليتبادلوا نظرات الرعب والتشكيك والتجسس بعضهم على البعض وتهريب العملة والأخبار.
كان اسم محمود درويش طاغياً على كل حديث. وكانت شتائم العروبة المجانية تنصب عليه، فقد سار محمود درويش في طابور الوفود المشتركة في مهرجان الشبيبة العاشر للسلام ضمن الوفد الإسرائيلي.
غضبة مضر وغطفان وقريش وكليب وصلت إلي، لذلك قررت المغامرة. مساء توجهت بالتاكسي إلى القرية المخصصة لإقامة الوفود المشاركة في المهرجان. أبلغت زوجتي نور وصديقي علي الصباغ وزوجته هاجر ما اعتزمت. دلني الأمن إلى المبنى المخصص للوفد الإسرائيلي وهناك كانت مسؤولة الأمن صبية يهودية قلت لها إنني صحافي بريطاني يدعى جون ماكنزي من مجلة «الاكسبرس» وأرغب في إجراء مقابلة مع محمود درويش.
الغريب أنها لم تطلب مني إبراز ما يثبت هويتي بل رحبت بي بفرح وقادتني إلى الطابق الرابع من المبنى، بعد اتصال هاتفي مع محمود درويش أنبأته فيه بالأمر. قرعت هي وفتح محمود الباب، وبعد التحية بالإنكليزية دخلت الغرفة وفيها، كما أحسب، الشاعر سميح القاسم. أغلق محمود درويش الباب وبحت عندما قلت: مساء الخير. قدمت نفسي إليه: صحافي سوري مقيم في الكويت. الشباب كلهم غاضبون عليك ويلعنون اسمك. طيب. الاقتراح: ما رأيك في أن أقوم بترتيب عملية لجوء سياسي لك في السفارة السورية؟
شكرني محمود كثيراً على هذا الاهتمام وعلى شجاعة في المحاولة وأوضح أن جميع أعضاء الوفد مسجلون في جواز سفر واحد لجعل أية محاولة للهرب مستحيلة. شرح لي تفاصيل حياة الفلسطيني تحت الاحتلال ولكنه كان مصراً على التشبث بالأرض والبقاء حيث ولد حتى الموت.
تركته وصاحبه وغادرت، وها هو يعود إلى الأرض التي عشق بعد أربعين عاما من إصراره على البقاء فيه «وتفريطه» بمتعة العيش لاجئاً سياسياً عربياً بانتظار التحرير.
مسكين محمود درويش رحل حراً مواطناً لدولة لم تستكمل حريتها، ولعلها تنالها قبل أربعين عاماً أخرى.
* * *
صدّقت أني متّ يوم السبت
سليمان بختي

-1-
أخانك القلب، يا محمود، أم أن الزمن مجرد خيانات ليس إلا. أم لعله السأم حين يصيب الشاعر وتضيع المسافة منه بين الخاص والعام والذات والموضوع والجسد والروح، ولكن، لماذا عشت كل هذه الحياة ناحلاً عليلاً من رقة القلب؟ ودائماً مطروداً من الأرض التي أحببت، ومعلقاً بين المنفى والوطن، والمنفى والإقامة. ودائماً على قلق كأن الريح تحتك، أو كأنك ضيف على بدوي نزق يتأهب دوماً للرحيل.
ولماذا تركت القصيدة وحيدة والحصان وحيداً؟ وكيف تركت المعنى محروماً الغناء؟ وهل أيقنت أخيراً أنه لم يعد على الأرض ما يستحق الحياة نفسها لأن الحياة باتت نوعاً من موت أكثر وموت أقل؟ وهل ذهب الذين تحبهم وما عاد يهم أن تكون أو لا تكون؟
-2-
أذكر في العام 1982 في زمن الاجتياح الإسرائيلي وبيروت تحت الحصار، كان محمود درويش يقيم في «الصنوبرة» في رأس بيروت. وبعد يوم مجنون من القصف الجوي الإسرائيلي المتواصل، خرج الشاعر إلى شرفته موجهاً صوته بأعلى ما يستطيع صوب الطائرات الإسرائيلية: «يا جبناء.. يا كلاب.. يا مجرمين.. يا عكاريت». وصرخ في وجه السماء وسب وشتم ولعن منتفضاً بكل جوارحه. ثم تهالك على مقعد قريب محدقاً في ألم الروح وعجز المكان وخواء الإرادة.
-3-
حين قرأت هذه القصيدة من كتابه الأخير «أثر الفراشة» الصادر عن دار رياض الريس 2008، ذهلت وبكيت من فرط الصدق والحدس والنبوءة. فقد توقعت أن تموت يوم السبت يا محمود، وكان لك ذلك:
«صدّقت أني مت يوم السبت
قلت: على أن أوصي بشيء ما
فلم أعثر على شيء
وقلت: علي أن أدعو صديقا ما
لاخبره باني مت
لكن لم أجد أحداً
وقلت: علي أن أمضي إلى قبري
لأملأه فلم أجد الطريق
وظل قبري خالياً مني
وقلت: علي أن اكتب السطر الأخير من الظلال
فسال منها الماء فوق الحرف..
قلت: علي أن آتي بفعل ما
هنا، والآن
لكن لم أجد عملاً يليق بميت
فصرخت: هذا الموت لا معنى له
عبث وفوضى في الحواس،
ولن أصدق أنني قد مت موتاً كاملاً
فربما أنا بين بين
وربما أنا ميت متقاعد
يقضي إجازته القصيرة في الحياة».
أنت منذ الآن، غيرك. رأيناك تسقط مضرجاً بحالنا وشوقك إلى فلسطين، ولم تفعل شيئاً مثل كل القساة والمجرمين. وضحكنا من كل هذا الحنين إلى خبز الأم ورحم الأرض وقهوة الأم وحبل الغسيل ووقود التنور وعشبة الدار. هذا موتك الذي يجعلك في موضع الخجل من دمع أمك المنتظرة في الجليل.
هذا موتك والأمة منشغلة بأسعار النفط والفتاوى والحروب والمفاوضات.
وها نحن نكتشف بعد تخليك عن السنديان، وانحيازك إلى دم الياسمين انك تركت لنا ما هو أكثر من ذلك بكثير: عصفور الجليل أو «اثر الفراشة الذي لا يُرى/ وأثر الفراشة الذي لا يزول».
* * *
شاعر مشى في قلب قصيدته
سلوى الخليل الأمين

محمود درويش.. شاعر الوطن المتنقل عبر القارات.
لا، لم يهزمك الموت أبداً، ولم يخطف أحد فلسطين من قلبك، بل بقي النبض في شرايين جسدك مشتعلاً بعشق فلسطين، سيدة الأرض، أم البدايات والنهايات، كما قلت.
مشيت درب جلجلتك عبر طفولة منهزمة، وجبهة شامخة علت رغم مراسم الغياب الحزينة إلى مرابع الأنجم، تقطف من ضوئها قصيدة، تغزلها ثوباً مزركشاً بأجمل الألوان لعروستك الحبيبة فلسطين.
فكم رددت: «على هذه الأرض ما يستحق الحياة»، وكنت تقصد من «كانت تسمى فلسطين وصارت تسمى فلسطين، سيدتي، لأنك سيدتي، أستحق الحياة».
لماذا، محمود درويش، لم تنتظر حرية فلسطين ودربها إلى القدس الشريف؟ لماذا أتعبك القلب فرميته خلف الحدود في الأماكن التي لا تعرف معنى الحب الكبير لوطن يفر الدم من جبهته الطهور، وتمتلئ ساحاته بالصبية المتدفقة من سواعدهم الطرية جمرات الغضب الساطع في نهارات الظلمة المعباة بالقهر.
وكيف لشاعر مثلك مشى في قلب قصيدته ملفوفاً بعلم فلسطين ألا يطيّر من اختلاجات روحه كل الوصايا القائلة قبل الرحيل: وصيتي يا إخوتي فلسطين.. وثروتي قصائدي أتركها إرثاً مخلداً لحبيبتي فلسطين.. ومقامي بينكم لا أقبله إلا بأرض فلسطين..
فهنا السماء سمائي.. والتراب حبة السكر في فمي.. والفجر سريري الأبدي، المزنر بأزهار البيلسان، المعطر بعبير النرجس وشذا زهر اللوز، الذي ظننت أن تحبسه في لغتك، حيث حلمت به مدرجاً في النشيد الوطني الفلسطيني كما قلت يوماً في إحدى المقابلات التلفزيونية.
تابعتك، محمود درويش، منذ بداية الوعي على القضية الفلسطينية، كما تابعت سليمان العيسى، حين لسعت عواطفنا رياح القضية الفلسطينية، فكان شعرك أناشيدنا الحماسية في كل اللحظات، قبل أن يصبح القصيدة المغناة على أوتار حنجرة مرسيل خليفة وماجدة الرومي وغيرهما من الذين رفعوا شعرك فوق المنابر، وعبر الأسلاك الهوائية كلها.. انسام عافية لضمائر لم تتلوث بالخيانة ومهادنة العدو، مهماً تغيّرت الأزمنة وتبدلت المسافات.
لقمرك المهاجر في صمت العشية، لقد رحل الفارس الشاعر، ممتشقاً حسامه، ممتطياً صهوة الشعر كقامة رمح، حاملاً على منكبسه بطاقة هويته، راية مجد فلسطينية عربية.. في حضرة الغياب.
كم وكم تمنيت الاقتراب منك في الحضور وفي الغياب، وحين علمت منذ سنوات مضت أنك ستأتي بيروت التي أحبتك وأحببتها بعد طول غياب، وسيكون لك مهرجان شعري ضخم في قصر الأونيسكو، اتصلت بالصديق الفلسطيني العميد خالد العارف، قائلة: هل لك أن تعرفني على الشاعر محمود درويش عن قرب، أجابني: ستكونين معنا في المهرجان، وبعدها نرتب لقاءً خاصاً معه. سعيت إلى المهرجان، وفوجئت بأن لبنان كله هناك، الشابات والشبان يفترشون الأرض في حديقة القصر وهم مسمرون أمام شاشة عملاقة نصبت في المكان، استطعت بجهد الوصول إلى داخل القاعة، كان الصديق خالد العارف في انتظاري، أمسك بيدي قائلاً: مكانك هنا قربه، أخذت مكاني بفرح المنتصر بين نلك الحشود المكتظة من مختلف الفئات الرسمية والحزبة والفكرية والإعلامية، وبلحظة علا التصفيق في القاعة وإذا به فجأة أمامي وقربي بل أنا قربه وقرب الأخ المناضل شفيق الحوت. لحظات كانت من أسعد اللحظات، قلت له: سأذهب إليك في مكان إقامتك وستوقع لي على كل ما أملك من دواوينك الشعرية، وبدماثة خلق رفيع قال: حاضر.. تأمرين.
في اليوم التالي رتب اللقاء السيد خالد العارف وأرسل معي شخصاً من مكتبهم الخاص. دخلنا عليه وهو يتكلم عبر الهاتف، حين أنهى المكالمة اعتذر بلطف قائلاً: هاتهم.. ثم تابع: لفتني اللون الأخضر في لباسك، ذكرني بفلسطين وسهولها الخضراء.. أجبته: وجداريتك دخلت في شرايين نبضي، هل أستطيع أن أدعوك يوماً إلى مهرجان شعري في جنوب لبنان باسم ديوان أهل القلم!
قال: أنا جاهز، إليك رقم هاتفي وعنواني في الأردن.كتبهما بخط يده: ذهب هو.. وبقي الحبر مطبوعاً على الورق.. لم ينتظر، ولن ينتظر أحداً أمام نهر الحياة الرمادي، حين فلسطين ستبقى نبض روحه.. حتى وهي ذاهبة للقاء وجه الله.
* * *
خارج الخوف
هدى النعماني

كان سباّقا إلى الكلمة مثل ظبية كحيلة تتألق في كأس من النبيذ.
كما كان سباّقاً إلى الموت مثل فراشة تحترق.
كان خجولاً أمام المرأة مثل أرنب يتيم الأبوين
كما كان صاعقاً أمام الشعر مثل ليث مفترس.
كان عاتباً على السماء كبوذيّ في صومعة
كما كان عاشقاً للحياة كطفل لم يبلغ العاشرة بعد.
كان يحبّ الليل كجميع الشعراء.
كما كان يخشى الظلمة كشمعة تركض في الريح على سمع الرعد.
كان متيّماً بالأرصفة والمقاهي والمدن الخارقة الجمال.
كما كان مشرع القلب للقتل والدمار والانفجار والمحبة والسلام.
هذا التناقض هو الذي قتل محمود درويش.
ريتا وثوب فلسطين المبلل بالدم والدمع.
فنجان القهوة المسكوب على قبور الشهداء وعطر الليمون
الذي يتقطّر في المخيّمات جريحاً ومكبّلاً كأيّوب يوماً بعد يوم..
خنقته القضية الفلسطينية والعروبة كوردة
حتى أخذ ينتظر مسامير الصليب كمريم العذراء.
له شبح يرنو إلى كلّ وطن مصاب وإلى كلّ جداريةٍ تكرّس الله في الله.
السماء في السماء، الحبّ في الحبّ، والموت في الموت.
وإلى قصيدة جديدة محمود وإلى لقاء قريب محمود.
خارج الخوف.
* * *
فلسطين كشرط إنساني
جان ميشال مولبوا

تسمعنا قصائد محمود درويش الأولى وجدانية عاشقة حيث نجد فيها الارتباط بمسقط رأسه والتعبير عن الإحساس العاشق، في محاولة للانصهار معا في بوتقة واحدة. من هنا نجد أن حضور العناصر الطبيعية هو حضور قاطع. هي رمز عن الوطن، فالأرض يُحتفى بها على أنها «الأم الأولى». إنها تشكل أيضاً البحث والتأكيد -عبر الشعر- على هذا الوجود الفيزيائي. لذلك يضع في نصوصه الأولى بُعدا حواسيا لا ينفيها.
من ثم، يظهر الالتزام السياسي أكثر وضوحاً. إذ إن الكتابة تدخل أكثر في الدرامية لترتبط بعلاقة أعقد بالأساطير والرموز. أخيراً، وفي حقبته الأكثر نضوجا، تحاول هذه الكتابة أن تمتد نحو الانفتاح.
نشهد على صعود قوي في الفعالية والبساطة. يجد الصوت الكلمات الأكثر عريا ليستعير الأشياء الأكثر ألفة، كي يعبر عن غضبه أو عن إخلاصه. إنها تظهر جيداً وبشكل متكامل كلمة درويش التي يقول فيها بأن مشكلتنا نحن الفلسطينيين تكمن في كوننا محكومين بأن نكون أطفال اللحظة الراهنة، لأن حاضرنا لا يجد حلا لا في أن يبدأ ولا في أن ينتهي.
كلام درويش هذا يستجيب إلى ألم عميق لا يتوقف عن حفره عميقا. إنه ألم المنفى. إذ ماذا يعني أن يكون المرء فلسطينياً إن لم يكن قد عرف المنفى فوق أرضه، في أن يعيش داخل أرضه كلاجئ. محمود درويش هو ذاك الذي يأتي من بلاد ليس لها بلاد. ثمة تأمل حاد في كلامه هذا حول الغربة والغيرية. أكان ذلك عائداً للعامل الاجتماعي، أو العائلي، أو للحب، فإننا نجد أن المنفى هو الموضوع المهيمن، هو الذي ينادي الشعر الذي عليه أن يستجيب إلى هذا النداء. فالمنفى بالنسبة إلى محمود درويش هو الشرط الإنساني بامتياز.
في لغة موقعة (من إيقاع) ومقفاة، يحاور الجليلي (من الجليل) محمود درويش مع البيت الحر عبر الوزن الكلاسيكي. يتطور الشعر وفق عدد من الطبقات: الغنائية الملحمية التي تفضي إلى نصوص تتكامل فيها زمنية وموضوعاتية (من موضوعة) معقدة، التدوين الفجائي على طريقة الصحيفة أو الكاميرا، النشيد الغنائي. كل ذلك يتحاور مع أبعاد السرد، مع الحوار الدرامي أو حوار الحكاية.
هذا الشعر ينادي طواعية أنماط الإيعاز أو التبريك أو الصلاة أو الحوار أو -بشكل عام- نمط الكلام المباشر. إلا أننا في ذلك كله، نقف مدهوشين بقوة نيران هذه الغنائية التي تجرؤ على اجتراح مقارنات لتجد عبرها صيغا آسرة.
كجواب عن الذين يجعلون منه شاعر القضية الفلسطينية، غالباً ما ردد درويش في حواراته المتعددة بأنه رغب في أن يكون البعد السياسي خفراً ومضمراً وغير معلن في شعره. من هنا تأكيده المستمر بأن ليس من مهمة الشاعر أن يقدم برنامجاً سياسياً على قارئه. لأن قوة الشعر تكمن في هشاشته القصوى. من دون شك إن الساحة الشعرية هي نفسها ساحة التاريخ، إلا أن العناصر الأكثر تنوعاً تتجاور بجانب بعضها البعض حيث يتحول فيها الأعداء، وكما يقول رينيه شار، إلى خصوم شرفاء.
فإذا ما كان الشاعر منتبها إلى التاريخ، فإنه يحتفظ أيضا بهذه النظرة المصوبة على البدايات كي يستطيع أن يحفظ الذاكرة. إنه يضع، تحت المجهر، الحميمي والجماعي، حب امرأة كما حب الأرض، التعبير عن الرغبة في الحياة كما الرغبة في المعركة السياسية. من هنا إن خاصية العمل على القصيدة هي في إعطاء فلسطين هوية من خلال تضاعف الصور التي تنير حضورها: امرأة أو أرض، فإنها تأخذ جسداً عبر ازدواج السيرورة الوجدانية العائدة للتماثل أو للاحتفاء. يرتبطان ببعضهما البعض، يصبحان رمزاً، يتوزعان عبر العناصر التي تؤلف المشهد. من هنا نجد أن المتخيل ينقذ ما يحطمه التاريخ.
يؤكد محمود درويش في شعره على مفهوم منفتح للعروبة، لا بصفتها هوية منطوية على نفسها، وإنما مفهوم منظور إليه عبر اللغة بصفتها التعددية. لذلك نجده يتحاور في نصوصه مع مجموع الحضارات (الكنعانية، العبرية، اليونانية، الرومانية، الفارسية، المصرية، العربية، العثمانية، الإنكليزية، الفرنسية) وهي الحضارات التي تعاقبت على أرض فلسطين. وفي هذا الحيز يشكل الصوت الأرض الحقيقية.
وإذا ما كان محمود درويش شاعراً فلسطينياً حقاً فلأنه، وفي الوقت عينه، يعير صوته إلى شعبه، أضف إلى ذلك، لأن فلسطين تحاول هي نفسها أن تصبح استعارة عن هذا الشرط الإنساني.
* * *
بين النسب اللغوي ومسّ الحياة
فادي العبد الله

لن يحني الموت هامتك العالية، ولن يكون لمثلي إلا أن يظل في حيرته: كيف أخاطبك؟ كيف يخاطبك من لم يحب يوماً فيض صورك واستعاراتك المكتظة بالصنعة، ولا إيقاع القوافي المصفّدة كأغنيات لا ارتجال فيها؟ كيف يقول لك، من لم ينادك يوماً: يا أستاذ، يا محمود، يا شقيقنا، يا رجع ذاكرتنا ويا صدى الحلم... كيف يقول لك إنه لم يعشق مما أتيته شيئاً فقط قامتك ونظرتك الحاسمة الواثقة، حين تتلو بصوتك النحاسي الكئيب النبرات كلماتك، عن الأرض والسجن والأم والنساء والمشمش والمنفى والآخر والذات.. وفلسطين التي جعلتها، بقدرتك، عذبة كالشجن، وكالألم غزيرة وممتنعة. كيف أخاطبك سوى كغائب، حيث الغياب اكتمال احترامك وتوكيد المسافة التي تسمح للنظر أن يعانق نخلتك الطويلة؟
محمود درويش بالطبع شاعر منبر، اعتلى الآلاف منها ولم يفارق شفته السفلى بعض خجل يناقض نظرته، وشاعر نبرة يتكئ كثيراً، في إلقائه، على حروف العلة والإدغام، موكّداً باستمرار كلماته، وإذ يتسارع لفظه، فإنه لا يفعل ذلك سوى لتصعيد الدرامية التي يجسدها صوته فوق ما تشكلّه الكلمات.
حتى حين سعى درويش إلى المزيد من الكتابة، في كل تصانيفها، فإن صوته ظل يرنّ فيها أو ظلت ترنّ فيه ذاكرته العميقة، التي شكلت فعلاً نسيج شعره. كل الرموز والاستعارات والتشابيه التي سعى فيها إلى مقارعة هذا الشاعر أو ذاك، أو إلى تشريب العربية بأنساغ شعرية مختلفة، ذلك كله يظل مستعاراً كألق الموج، ويبقى مراجع وشم على نواشر اللغة، التي هي عربية درويش، والتي هي إيقاع ولعب وفخاخ.
أبدى درويش طويلاً امتعاضاً نقلته صفحات الجرائد من تصنيف شعره كشعر مقاومة أو شعر حرب.. شاعر القبيلة لم يكن يريد مثل هذه المكانة، بل أراد أن يكون شاعراً حراً فحسب. حين رفض، على ما يقال، إلقاء «سجِّل، أنا عربي»، كان يعلن تراجعاً عن فهمٍ للشعر، وليس تراجعاً عن موقف سياسي اتخذه في آونة ما. غير أن إلقاءه ما اختلف، من قبل ومن بعد. غيّر درويش منسوب المباشرة السياسية، في بعض الأحيان، وظل في أحيان أخرى شاعر مناسبات (صبرا وشاتيلا، الدرة، غزة..)، مجاهداً لرفعها في الخطاب من مستوى الأخبار الزائلة المتلاحقة في الإعلام إلى مستوى المأساة الإنسانية الخالدة الأسى. لكنه لم يعف عن قول مثل «آه فلسطين، يا اسم التراب ويا اسم السماء، ستنتصرين!!»..
لم تكن لدرويش فكاهة نزار قباني، وإن لم يكن أقل فتنة منه. ضحكه الشعري كان حامضاً، قارصاً، معجوناً بسخرية قاتمة ومتألمة. أما لهوه بتعابير الفلسفة والنقد فلم يتجاوز اللعب إلى المساءلة، ولم يعرف خفة بورخيس اللاهي مثله بالأنا والأنت والذات والآخر والأزمنة المتضمنة. فمن أين تظل تنبع هذه الفتنة غير ناضبة؟
ربما من مشاطرتنا لدرويش ذاكرته الإيقاعية، حيث قام جمهوره على الأرجح بتجاوز التباس المضامين والأفكار الدرويشية وارتباكها أحيانا إلى «بيت القصيد»، أي قيام درويش بمنح لغتنا من جديد إيقاعاً يضاهي إرثنا القديم، علياً وأبا الطيب وأبا تمام... أدخل درويش كلامنا كله، آلاف المفردات وصولاً إلى «الموبايل»، إلى معجمه الشعري، ومنحها شرف التذبذب على موجة اللغة المقدسة، أما يعني ذلك أيضاً شرفنا المصون من جديد؟ مع درويش يعاود الأحفاد الشعور بشرعية أنسابهم الرفيعة.
هنالك أيضاً بيت آخر للقصيد لدى الشاعر، الذي ما أنصفه مستوى وقلة ما أنشد غناءً من شعره (باستثناء مارسيل خليفة الذي أطلقته كلمات درويش بقدر ما حملها ربما) وضعف الألحان التي حاولت مجاراة تدفقه (ولنا في ما غنّاه خالد الهبر أو أصالة نصري، أو ماجدة الرومي من شعره أمثلة على مثل هذا الضعف المتكلف). محمود درويش هو أيضاً صائغ شعارات، في مسيرة العرب التي باتت تختزل إلى تظاهرة. بالشعار يصنع درويش موقفاً، ويغدو الشعر طرفاً وصاحب موقع سياسي، ويصبح أيضاً صوتاً للكثيرين من بيننا. من «سجّل، أنا عربي» ونبرتها السجالية، إلى «حاصر حصارك»، أو «اخرجوا من أرضنا، من برّنا، من بحرنا، من قمحنا، من ملحنا، من جرحنا»، وصولاً إلى «أنت، منذ الآن، غيرك» و«على هذه الأرض ما يستحق الحياة».
غير أن في شعارات محمود درويش ما يتجاوز صنمية الشعار في المظاهرة، ليستمد قوته من حقيقة الشعر، أي من نسبته وإسناده إلى حياة وتجربة وقامة تقوم بانتزاع ماسة الشعر من مسّ الحياة باللغة.
مرةً ثانية، نقع، وراء رنين الكلمات القوي كصنج آسيوي، على الحياة والحاضر. في هذا التقاطع ربما سرّ ألق درويش الذي لن يخبو، لأن تيار العيش الساري في عروقه كان من القوة أن اقتلع جواهر كثيرة من لجج اللغة، ولأن عظمة تجربته الفردية الإنسانية، والتي هي تجربة شعب كامل يبحث عن اسمه و«ينزف وطناً»، ستظل تخيّم على الشعر في بلادنا ظلاً يحارب الظلام، وفتنة تقاتل الفتنة، ونبيذاً مصهوراً بشمس تلوح وراء نظارتيه.
* * *
خلع قلبه ورحل
سناء الجاك

رحل محمود درويش قبل نهاية الأسبوع. سلّم قلبه وعاد أدراجه من غرفة باردة في أحد مستشفيات هيوستن.
نوابنا كانوا يناقشون البيان الوزاري.
إسرائيل كانت تقفل المعابر مع قطاع عزة.
سفارة الولايات المتحدة في بيروت كانت تعلن إنها في صدد تسهيل هجرة المزيد من العراقيين.
دفن صاحب «سجّل، أنا عربي» في رام الله مع جائزة ترضية. أما الهوية حيث يذكر العمر والجنس ولون الشعر فهي في انتظار أجل غير مسمّى.
فليقبع سعيدا في قبره الذي يطل على القدس.
السلطة الفلسطينية أعلنت الحداد ثلاثة أيام. قامت بالواجب الكلاسيكي.
كذلك العرب من المحيط إلى الخليج.
عفواً، ليس كل العرب. قام بالواجب حفنة من الذين سيضيعون يوما بعد يوم أكثر مما هم ضائعون. وكما في كل وداع، هبّوا وصفّقوا للراحل الكبير. وذرفوا ما طاب لهم من الحبر.
هذه الحفنة، على ما يبدو، هي آخر من تبقّى من سلالة الشعوب التي تجيد الرثاء.
فالمسافة بين القضية والمقاومة جعلت «الأرض خارج أرضها». وجعلت القضية خارج المقاومة.
قبل فعل الموت كإشهار لا بد منه، كان الفلسطينيون يحاولون الهروب من جحيم غزة إلى أتون إسرائيل.
قبل موته أحصى الرجل ضحايا حروب الإخوة. وكالعادة وجد أن عددهم أكبر من ضحايا العدوان الغاشم.
كانت كل أسباب الموت متوافرة من دون حاجة إلى جسد منهك أو قلب يفاوض ليعلن استقالته.
غادر محمود درويش طاولة المفاوضات. ترك قلبه وحيدا في غرفة باردة وفي غربة باردة.
لعله غادر إلى غربته الأخيرة ليتوقف حيث يستطيع. ففي أرض الوطن الموعود لا مكان للتوقف. الأمكنة مخصصة فقط للدفن.
بين موته ودفنه كانت رواتب الموظفين الفلسطينيين التابعين للسلطة تحاول المرور من الضفة إلى غزة.
وكانت الحكومة اللبنانية تستمد الثقة من جلسات شتم ماراتونية.
الماراتونات الإخراجية لمهزلة الثقة، كانت قد حصدت ما تيسر من حروب الأخوة. الضحايا الذين سقطوا على طريق الضغط والابتزاز كانوا السبيل الوحيد للتعبير عن الديموقراطية.
ربما انفجر قلب محمود درويش من دون مساهمة المرض وهو يتابع هذا الكم من الديموقراطية القاتلة حيث يكون الديكتاتور غائباً أو متوارياً خلف الباب.
قد يؤلف قصيدة عن التقاذف الثقافي الذي يتبادله اللبنانيون عندما يتوقفون قسرا عن التبادل الدموي كما هي الحال في فلسطين أو العراق.
قد يحجم عن القصيدة التي سيقرأها كل من منتحلي الوطنية في كتابه.
شعب فلسطين عندما شرذم الكتب حصد العاصفة.
ما دامت الكتب تتشظى فسيبقى الحصاد عواصف وأعاصير.
لم يعد هناك من يقول: «إنا أنت في الكلمات/ يجمعنا كتاب واحد/ لي ما عليك من الرماد، ولم نكن في الظل إلا شاهدين ضحيتين/ قصيدتين/ قصيرتين/ عن الطبيعة، ريثما ينهي وليمته الخراب».
لم يعد هناك من يقول. لم يعد في الحناجر وعلى الألسن إلا معزوفة التخوين والرفض، سواء في لبنان أو في العراق أو فلسطين. لم يعد في الأيدي إلا صواعق التفجير.
ولّى زمن البندقية عندما هلّ موسم التصفيات في ساحات «أنا أو لا أحد».
الغريب إنه في غياب الديكتاتور كلٌّ يقرأ في كتابه. الغريب أن الكتاب الواحد لا نحمله إلا مرغمين مقموعين. نحمله ولا نقرأه. نحفظه عن ظهر قلب ولا نقرأه.
الرجل خلع قلبه ورحل مديراً ظهره لعجلة الحياة التي تدور. وكل من يدور فيها يقرأ في كتابه.
العجلة لا تدور. نحن ندور في حلقة مفرغة.
وفي كل دورة يسقط واحد ليتم استبداله بآخر من حملة مشاريع الحقد والعنصرية.
نحن ندور في فراغنا والآخرون يذهبون.
يذهبون. يرحلون. يقفلون عنا حياتهم.
ويبقى تبادل إطلاق النار بين منطقة المنكوبين وجبل محسن.
ويبقى صراع المنكوبين على النفوذ حجة لوأد مشروع الدولة الفلسطينية.
وتبقى معارض الموت مفتوحة على مصاريعها للاستقواء على الداخل.
لم يعد يمكن التجييش بأرخص من الجنة.
لا لزوم للسؤال: «ماذا بعد الموت؟».
هم يحفظون «خريطة الفردوس أكثر من كتاب الأرض».
هم لا يسألون: «ماذا سنفعل قبل هذا الموت؟».
لا تزال حيواتهم «حصصا من الصحراء مختلفا عليها بين آلهة العقار».
الأرض بضاعة كاسدة. كما أن «البلاد تبعد الآن عن بابها النبوي». البلاد تجاوزت الأبواب النبوية.
فتحت على حسابها فردوسا وجهنم من حواضر كل بيت.
هل يعقل بعد هذا كله أن يبقى محمود درويش على قيد الحياة؟ هل يعقل أن يطلب من الموت أن يعود سالماً؟
هذه المرة كان لا بد من غنيمة. هذه المرة لم يكن من داع لانتظار أسباب الرحيل.
صحيح إن شيئاً لم يتغير حتى يموت محمود درويش.
ربما لأن شيئاً لم يتغير. وربما ربما لن يتغير.
كان يجب أن يموت.
* * *
المساء ما قبل الأخير
ديمة الشكر

ليل العروس رام الله لا يشبهه ليل. كلّنا أمام الشاشة الصغيرة، نطلّ على أهل المكان كي نرى عن كثب، كيف يقرأ محمود درويش الشعر في مكانه. هو عالٍ كالرمح، على كتفيه ثلاثة عصافير تعزف على العود، من حوله قلوبٌ فلسطينية تخفق بفرحٍ نادرٍ واستثنائي، وحياله نتسمّر نحن أمام الشاشة الصغيرة، مترقبين الهدايا.
«بالزنبق امتلأ الهواء كأنّ موسيقى ستصدح»، قول محمود درويش في إحدى قصائده الأخيرة غير المنشورة بعد، فينهمر الإيقاع ملتبساً بنبض القلوب. ثمة صوت للحبّ إذاً، ونستطيع سماعه من وراء الشاشة الصغيرة، مثلما سنستطيع رؤيته عندما تُنشر القصيدة.
مع درويش تتبادل الحواس وظائفها، فنرى الإيقاع ينبع من يديه، تتحركان في الهواء فتتسع السماء. ونشاهد الكلمات تطير أعلى وأبعد ثم لا تحطّ إلا في قلوبنا، لأنّ هذا الزواج بين الكلمات والإيقاع ليس إلا صوت الشاعر من قلبه، حين يقرأ في مكانه.
صوت محمود درويش هو قلبه الذي لم يتوقف عن الخفقان. إن أحداً لا يقرأ الشعر مثله، فالكلمات تحيا بنبضه، وتنساب وتتمايل بجرس سحري شخصي، ثم تندفع وتنهمر كنهر يتلوّن بما يفيض من خيال آسر، يضفي على معانيها معنىً عربيّ النبر صافياً.
حين يمتزج صوته بأوتار العود في ليل رام الله، تتغير الموسيقى وتنقلب الأدوار، بين النغمة ورجعها، بين الإيقاع وجرسه، فلا نعرف من البادئ بينهما:
الماء يبكي، والحصى، والزعفرانْ
والريح تبكي:
«لم يعد غدُنا لنا»..
والظلّ يبكي خلف هستيريا حصانٍ
مسّه وترٌ، وضاق به المدى
بين المدى والهاوية،
فاختار قوس العنفوان.
ليل العروس رام الله لايشبهه ليل. حين امتزج صوته بأوتار العود في القصيدة الأخيرة في المساء ما قبل الأخير، اتسعت رام الله فكأنها الدنيا، وشعّ زهر اللوز و«انحسر الضباب عن التلال».


    رد مع اقتباس
قديم 2010-08-12, 04:22 PM   مصطف عبدي غير متواجد حالياً   رقم المشاركة : [9]
مصطف عبدي
The Godfather
الصورة الرمزية مصطف عبدي
 

مصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاً
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى مصطف عبدي إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى مصطف عبدي إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطف عبدي

الأصدقاء: (62)
تأخَّرتَ يا محمود....سليم بركات

تنفّس الموتُ في وجهيَ، هذه المرّة؛ تنفّس عميقاً في المكان، الذي رسمتَ خريطتَه على صفحاتٍ من كتابك الأخير "أثر الفراشة"، يا محمود.

نسيتُ، ربما، أن أزوّد تدوينكَ عن بيتنا، في غابة سكوغوس، شجراً أكثر، وطيوراً أكثر، وأنت تستعرضني طاهياً، متذرعاً بأفاويه الكاتب وتوابله. قلتَ: "تناقلتُكَ بلسان كتابتي، مراراً، كشاعر. سأتناقلك، الآن، كطاهٍ". وفي مطبخي ذاك، الذي ابتكرتُ فيه، إذ زرتَني قبل سنتين، خيالاً لمساءيْن من اللحم طريفاً، نقلتْ زوجتي سيندي الموازينَ الكبرى للألم إلى جهة العاصف: كانت واقفةَ قرب المنضدة حيث أجلس. ألقت بصرَها، على نحو لم أعهده، عبر النافذة، إلى غمامات الفيروز من شجر الصنوبر، والحور الرجراج. لمستُ بيدَي قلبي نظرتَها النقيّة كبكاءٍ تتكتم عليه الشِّفافةُ المعلَنةُ. سألتُها: "ما بك؟". ردّت: "لم تعد تخبرني، إذ أعود إلى البيت، أنّ محموداً اتصل بك".



أبكيتني مرّتين، يا محمود. مرّة حين رميتَ على عاهن البسيط كلماتٍ لم أصدّق أذنيَّ أنني أسمعها. قلتَ، بالإنكليزية، في ندوة جمعتنا بإحدى مدن أسوج: "بذلتُ جهداً كي لا أتاثر بسليم بركات". وإذ صدّقتُ أذنيَّ، اغرورقت عيناي، بل بكيت صامتاً: جليلٌ مثلُك، ضمّ عصراً أدبياً إلى ظلّه، لا يحذر اعترافَه العابرَ، الذي يُبكي مثلي.

كنتُ أعددت مغلفاتٍ قليلة جداً، تحمل عناوين أصدقاء أقلّ من قليلين، مذ أُبلغتُ أنّ البريدَ يحمل لي نسخاً من كتابي الأخير. لطالما سألتَني، وأنت قارئي الأكثر بكورةً على عادة شغفكَ بمساءلتي عمّا أكتب، تفصيلاً: "ما مصادر لغتكَ؟ ما مصادر خيالكَ؟". سؤالك محيّر يا محمود. لم أتفكر في جواب، من قبلُ، أو من بعدُ، إلا أن أعيده مرتداً إليكَ، هذه المرّة: ما مصادرُكَ، انتَ، في تحويل غيابك إلى زلزال؟



حين وصلتني نسخ من كتابي الأخير، يا محمود، فأودعتها المغلّفات الممجّدةَ بعناوين على قدر أصابع اليد، وجدتُ شرخ الزلزال قد بلغ العنوانَ، الذي وسَمْتُه بحروف سكناك. لم ترتجف يدي، قبلاً، كارتجافها وأنا أهمّ، متردداً، بوضع نسخةٍ في المغلّف الحاملِ اسمكَ، في اليوم السادس، أو الثامن، من مغادرتكَ محطةَ جسدِك، في الرحلة إلى الأبدية.

تأخر وصولُ النسخ إليَّ في البريد، قليلاً، يا محمود. تأخرتَ، أنتَ، في تأجيل قلبك عن موعدٍ لم يكن منصفاً، ضرورياً، مرتّباً، مدروساً، مع الحافلة التي أقلّتكَ، من محطة جسدك، إلى إقامتك النهائية في اللاموصوف.



لكنني سأصحح الأمر: نسختُكَ من كتابي الأخير محفوظةٌ، بتمام ما ظنَنْتَه جنوناً في موضوعه، مذ أرغمتَني على البوح ببعضه موجزاً. سأحملها، بيديّ، إلى المقطورة التي تستقلّها، في عبور الأبدية، إلى الأبدي.


    رد مع اقتباس
قديم 2011-08-12, 02:36 PM   مصطف عبدي غير متواجد حالياً   رقم المشاركة : [10]
مصطف عبدي
The Godfather
الصورة الرمزية مصطف عبدي
 

مصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاً
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى مصطف عبدي إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى مصطف عبدي إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطف عبدي

الأصدقاء: (62)
رد: مدونة الشاعر محمود درويش

الاعمال الكاملة صورها:



































    رد مع اقتباس
 

إضافة رد إنشاء موضوع جديد

انشر موضوعك و تابع جديدنا على مواقع النشر المفضلة:

أدوات الموضوع
طريقة عرض الموضوع

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر رد
بدء عرض فيلم ( كما قال الشاعر ) عن حياة محمود درويش ! jack الأدب (المنقول) 3 2011-09-11 08:52 AM
إلى أمي-محمود درويش dilyar can الأدب (المنقول) 11 2011-07-13 05:43 PM
مدونة الشاعر منصف المزغني مصطف عبدي الأدب|إبداع خاص| 2 2011-03-07 10:41 AM
مدونة الشاعر والأديب السوري(محمد الماغوط) مصطف عبدي الأدب|إبداع خاص| 7 2010-11-24 02:48 PM
مدونة الشاعر(أدونيس) مصطف عبدي الأدب|إبداع خاص| 2 2010-11-22 05:23 AM


Loading...


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2014
منتديات كوباني