!~المنشورات الحصرية~!
آخر المشاركات

حجز موقع

تحديث الرئيسية | خصوصية المنتدى | تواصل معنا | الهيئة الإدارية | استرجاع كلمة المرور | طلب كود تفعيل العضوية | تفعيل العضوية


         
العودة   منتدى كوباني|kobani| > :: .. المنتدى الثقافي والأدبي .. :: > الأدب (المنقول)
 

الملاحظات

الأدب (المنقول) القصائد،الخواطر,مقالة،دراسات,القصة,كلمات أغاني


إضافة رد إنشاء موضوع جديد
 

 

 

 
أدوات الموضوع طريقة عرض الموضوع
  #1  
قديم 2011-11-22, 05:24 AM مصطف عبدي غير متواجد حالياً
الصورة الرمزية مصطف عبدي
مصطف عبدي 
The Godfather
 





مصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاً
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى مصطف عبدي إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى مصطف عبدي إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطف عبدي
المشاهدات: 3292 | التعليقات: 1

انا : مصطف عبدي


كتب الراحل توما توماس هذه الاوراق ما بين 1990 - 1996 ، إلا أن أسبابا عديدة كانت وراء بقائها تنتظر فرصة لنشرها ، ليطلع القراء على ما دونه قلم شاهد عيان لفترة عصيبة من تاريخ العراق .
وهي أوراق لقائد ميداني ولدّته المحن والصعاب ، فكان أهلا لها ولمواجهتها وتحديها ، فترك عند جميع من عايشوه أو سمعوا عنه إنطباعات مثيرة للجدل ، إلا أن جل تلك الانطباعات ، تؤكد مصداقية هذا القائد مع الذات ، الى الحد الذي يسهل علينا ملاحظة ، أن تضحياته كانت بالنسبة إليه ، تشكل أقصى درجات السعادة في مسيرة التداخل بين الخاص والعام ، لدرجة الذوبان ، أحدهما في الآخر ، فالعراق وشعبه كانا في قمة ما يشغل بال أبو جوزيف حتى اللحظات الاخيرة من حياته ...
وبالتزامن مع الذكرى العاشرة لرحيله في 15 /10/ 1996 سيباشر موقع الناس ، بنشر حلقات مسلسلة من أوراقه.




أوراق توما توماس
( 1 )



مولدي وطفولتي
في القوش ، وهي بلدة عريقة في بلاد ( بيت نهرين ) من بلاد آشور ، تبعد 40 كيلو متـرا عن نينوى آخر عاصمة للاشوريين . ولدت في عائلة ( ككه ) ، وكان جدي يعمل في البيع والشراء وهكذا كان والدي واعمامي . جاء في سجل كنيسة القوش بأنني تعمذت في 25/1/1925 وهذا يؤكد ما كانت تذكره والدتي ، بأنني ولدت آواخرسنة 1924 .

توما توماس - الطفل في الوسط - صورة من سنة 1930

وقد حافظت القوش على اصالتها وتقاليدها ولم تتمزق هويتها القومية رغم مرور الاف السنين على نشأتها ، ولم تنل منها غزوات القبائل او الدول المتعاقبة على حكمها بعد سقوط كيان دولتها ، فظلت لغتها الكلدانية - الاشورية شامخة حتى يومنا هذا .

ألقوش على سفح الجبل المعروف بإسمها

فالبلدة الجاثمة على سفــــح جبل القوش ويرقد فيها النبي ناحوم غدت مركزا مسيحيا رائدا في الشرق ومقرا بطريركيا للكنيسة الشرقيــة ( 1504 ـ 1837 م ) ، رجالها اشداء كطبيعة جبلها القاسية ، لايقبلون الذل والخنوع والاعتداء ، سجلها حافل بشخصيات دينية ووطنية وقومية عديدة خدمت البلدة واستبسلت دفاعا عنها وسقط العديد منهم شهداء في معارك الدفاع عنها .
يبلغ عدد سكانها عشرات الالاف ، يتواجد عدة الاف منهم في بغداد ، والموصل والبصرة هجروها بحثا عن العمل ، واستقروا في هذه المدن منذ سنين طويلة . لم يفكر شبابها في الهجرة خارج العراق لتعلقهم بمدينتهم ، إلا أن الظروف القاسية التي تمر بالعراق والمعاناة القاسية جراء الاضطهاد السياسي والديني والقومي ، دفعت بالعديد من عوائلها وشبابها للهجرة الى امريكا والبلدان الاوربية ، وخاصة بعد سنة 1979 . واليوم تتواجد مئات العوائل في الولايات المتحدة الامريكية وكندا واستراليا والدول الاسكندينافية مجبرين للعيش بعيدا عن بلدتهم الام .

تميزت القوش بمواقفها القومية الشجاعة بمساندة ابناء قوميتها اثناء المحن ، اتذكر جيدا ( فرمان الاثوريين ) كما سمي بمجزرة سمٌيل ، وكيف احتضنت القوش العوائل الاثورية التي هجرت قراها ولجأت اليها ، لازالت ذكرى تلك المأساة عالقة في ذهني ، فقد كان في دارنا حوالي عشرين عائلة افترشت اسطح الدار ، وشاركتنا في مؤنة العائلة ، ولم تكن عائلتي الوحيدة في القوش ، تحتضن عوائل الهاربين من الموت ، بل نادرا ما وجد بيت في القوش لم يفتح بابه امام اللاجئين .

كانت القوات الحكومة بمدافعها ترابض على قمة جبل القوش ، وعلى سفحه تنتظر، القبائل الكردية ، قصف البلدة بمن فيها ، لدخولها واستباحتها بعد ان خططوا لاقتسام الغنائم وحتى النساء ، اما البدو فقد اتلفت قطعان غنمهم حقول القمح وبساتين البطيخ وانتظروا بدورهم الاشارة لدخولها واخذ حصتهم من الغنائم . لقد استبسل المقاتلون الاثوريون بالدفاع عن قراهم ، وشجاعة الشاب ( كَوليث ) الذي دافع عن قريته، ضد البدو الذين احاطوا بها، وعدم تركها حتى نفاذ عتاده، مثالا حيا على ذلك .

وبتدخل مباشر من البطريرك عمانوئيل الثاني ، بطريرك بابل على الكلدان حينذاك ( وهو من ابناء القوش ) انقذت البلدة ، بإستحصاله قرارا من الحكومة العراقية ، وبضغط من سفارات فرنسا وايطاليا والفاتيكان ، لانهاء الحملة ضد الاثوريين ورفع الحصار عن القوش .

دخلت المدرسة الابتدائية وكانت الوحيدة في القوش وتقع بنايتها في كنيسة مارميخا ومديرها الاستاذ سعيد ججاوي من اهالي الموصل ، وعندما نقل مديرا لمدرسة شمعون الصفــا الى الموصل ، حل محله الاستـــاذ نعيم صرافة وبطرس نعامة. كان التدريس فيها لمدة خمسة ايام ، ويدرس فيها اضافة الى ماهو مقرر، اللغة الكلدانية والتعليم الديني .

تخرجت من المدرسة الابتدائية بدورتها الثانية سنة 1938 وكان عدد طلاب تلك الدورة ( 16) طالبا ، فألتحقت بمتوسطة المثنى وكانت في السنة الثانية لافتتاحها في الموصل ، وعشت في بيت عمي في السنة الاولى والثانية من الدراسة دون ان اعاني اية صعوبات من ناحية السكن ، وفي السنة الثالثة استأجرت غرفة مع الاخ المرحوم حنا جولاخ ، بغية التفرغ للدراسة في السنــة الاخــــيرة (بكالوريا ) بعيدا عن الانشغال مع الاطفال ، وتخرجنا من المرحلة المتوسطة مع الاخــــــوة ياقو شكوانا وحنا الصفار سنة 1941 .

كانت الحرب العالمية الثانية في عامها الثاني والمد القومي في تعاظم وتزايد ، والكراهية تزداد ضد الانكليز ، والتدريب العسكري يشمل جميع طلاب الثانويات والمتوسطات ، ومظاهرات الطلبة تجوب شوارع الموصل منددة بالاستعمار ، ثم اعقب ذلك حركة رشيد عالي الكيلاني والعقداء الاربعة في 1/مايس/1941 .

وبفشل ثورة مايس 1941 تمكن الانكليز وعملائهم الذين يقودون السلطة ، من تشديد قبضتهم على البلد ، وقد اثر كل ذلك سلبيا على الدراسة ، اذ تحدد القبول في الثانوية الوحيدة في الموصل ب ( 300 ) طالب فقط ، وهذا حتما يحول دون قبولنا نحن ابناء الريف لعدم تمكننا من منافسة اولاد بكوات الموصل وآغوات دهوك اضافة لكوننا مسيحيون *

الجيش الليفي
بقيت بدون دراسة وبلا عمل تلك السنة فتوجهت الى القوش . وفي ربيع سنة 1942 باشر الانكليز بتجنيد الشباب في الجيش الليفي من ( الاثوريين والكلدان والاكراد ) و قد وصل القوش العقيد ( مك كويني ) (Mack Qeen ) مسؤولا عن التجنيد ، وكان والدي حينها مختار احدى المحلات في القوش ( محلة سينا ) فطلب منه العقيد الانكليزي المساعدة عارضا عليه الموافقة على تجنيدي في الجيش الليفي ك( ضابط ) ولم اكن اتجاوز حينها ال ( 17 ) عاما . وافق والدي على مقترح العقيد .. وهكذا سافرت مع من تم تجنيدهم الى الحبانية بتاريخ 6 /3/ 1942 .

دخلت دورة تدريبية لمدة ( 6 ) أشهر منحت بعدها رتبة ضابط . قضيت خدمتي في الحبانية والموصل والبصرة ، واستمرت خدمتي حتى سنة 1948. وعلى اثر الحرب العربية بعد قرار تقسيم فلسطين ، قررت الحكومة العراقية تشكيل لواء خاص ( متطوعين ) من الاثوريين للمشاركة في الحرب . وفعلا فتح باب التطوع للشباب الاثوري ، فأستقال المئات من الجيش الليفي والتحقوا باللواء الخاص ، وكنت من ضمنهم . فتم تنسيبي الى الفوج الاول في معسكر سعد ( بعقوبة ) بعد ان منحت لنا نفس الرتب التي كنا نحملها ، وهكذا اصبحت ملازما في الجيش العراقي .

كان امر الفوج العقيد عبدالكاظم حسن ومساعد امر الفوج الرائد خسرو وكان النقيب محمود خفاف امرا لاحدى السرايا . بعد اعلان الهدنة وسحب الجيش العراقي من فلسطين ، صدر قرار اواخر سنة 1949 بحل اللواء الخاص ونقل خدمات المراتب والجنود الراغبين في الاستمرار بالخدمة الى وحدات الجيش العراقي النظامية ، اما الضباط فتوجب عليهم الالتحاق بدورة تأهيلية ليتم قبول من يجتازها ضابطا في الجيش العراقي . لم يوافق احد من الضباط على هذا القرار ، فتم تسريح الجميع من الخدمة ..

لم نكن نميز اية فروق بين الضابط في الجيش الليفي اوالجيش العراقي ، رغم ان البعض كان يعتقد بأفضلية العمل في صفوف الليفي قياسا بالرواتب والملابس والارزاق ، وأهمية تعلم اللغة الانكليزية ، ومن هؤلاء كان والدي !! هذا الاعتقاد تراجع بعد حين بفضل التطورات السياسية ، وبروز الاتحاد السوفييتي وتأثيره على الساحة الدولية ، بعد الانتصارات العظيمة على الفاشية ، والانتعاش النسبي للحريات ، وصدور الصحف الوطنية ، والنشرات السرية ، واضرابات عمال شركة نفط كركوك .

تميز الضباط في الجيش الليفي من الاكراد والارمن والكلدان بتقبلهم للافكار الديمقراطية ، ومنهم من اعتنق الشيوعية لاحقا ، مثل ( شكري كروب ، داود ناتاف ، انطوان كيوركيس ، شليمون دنخا ، بطرس اوراها ، كوريال ، سيد علي واخرون).
اما بالنسبة لي ، فقد كان لمواقف الضباط الانكليز المتعجرفة ، والمد الديمقراطي المتصاعد ، ومراسلات الشهيد الياس حنا كوهاري * * معي ، واطلاعنا على الجرائد العراقية وخاصة جريدة الاهالي ، الاثر الاكبر في تطور وعي السياسي ، واصبحت اشعر بفداحة خطأي بالعمل في الجيش الليفي .. وقد تعمق هذا الشعور لدي اكثر في سنوات العمل في شركة النفط في كركوك ، وكثيرا ما اصطدمت مع ضباط الصف الانكليز الذين كانوا يعتبرون انفسهم ارفع من الضباط المحليين ( Native ) ..

قضيت الفترة ما بين تسريحي من الجيش وعملي في شركة نفط كركوك في القوش. لم اكن اعرف حينذاك شيئا عن الافكار الشيوعية ، رغم شعوري الوطني الذي نما وتطور اثناء عملي في الجيش الليفي ، هذا الشعور كان يدفعني والكثيرين غيري الى معاداة الانكليز والوقوف ضدهم . كان اول لقاء لي مع الشيوعيين ، هو مع المرحوم ابرم شماشا سنة 1949 – 1950 حيث بدأ بتزويدي ببيانات الحزب .

شركة نفط العراق
في اب 1950 عملت في شركة نفط العراق في كركوك ، بوظيفة ملاحظ في محطات عزل الغاز بالمنطقة الصناعية . وتقدمت سريعا بالعمل ، وبعد 3 سنوات انتقلت الى حقل الخزانات في K1 كملاحظ كيل النفط المصدر الى الموانئ على البحر الابيض المتوسط ( طرابلس – بانياس ) .

بدأ استلامي للنشرات الحزبية ينتظم وكذلك دفع تبرعاتي ، حيث اصبحت شهرية ومنتظمة ، من خلال العلاقة المباشرة مع الاخ ( عبدالرحيم اسحق ). تعرفت على مسؤولي محلية كركوك ومنهم ( حميد حمدي )، والتقيت بالرفيق ( جمال الحيدري ) بناءا على طلبه اثناء اشرافه على محلية كركوك سنة 1956 ، اذ كنت معارضا لمقترح تفجير محطة كهرباء في منطقة بابا ، لان ذلك سيؤدي الى اصابات في صفوف العمال ويولد بالتالي استياءا لديهم ولدى عوائلهم ، وقد وقف الرفيق جمال الحيدري ضد المقترح ايضا .

كان الوعي السياسي بين صفوف عمال شركة النفط عاليا ويتطور بفضل نشاط الشيوعيين . ويتعمق هذا الوعي بسبب السياسة التعسفية للشركة وعدم تلبيتها لابسط المطاليب ، ولعبت الاضرابات التي قادها الشيوعيون كأضراب كاورباغي في سنة 1946 دورا اساسيا في تكوين هذا الوعي الطبقي ،اذ كان الانكليز ينظرون بأحتقار للعمال والموظفين العراقيين ، وكانوا يفرضون استخدام عبارة ( yes sir ) ( نعم سيدي ) من قبل العراقيين في حديثهم مع ايا كان من الانكليز.اما مدير الشركة فكان مطلق الصلاحيات وكل اجهزة الشرطة والامن في كركوك تنفذ اوامره ، الى جانب بعض موظفي الشركة من العاملين في ( مديرية العلاقات العامة ) وكنا نسميها ( دائرة التجسس ) وفي مقدمتهم منصور خياط وكان صديقا حميما لنوري السعيد .



أوراق توما توماس
( 2 )


ما بعد ثـــــورة 14 تــــــموز 1958
بادر الحزب ومنذ الساعات الاولى للثورة بتشكيل لجان الدفاع عن الجمهورية والمساهمة في المقاومة الشعبية ، وتوجه العمال لتشكيل نقاباتهم ومنهم عمال النفط ، حيث قدمنا طلبا لتأسيس نقابة النفط وكنت ضمن الهيئة المؤسسة ، وقد اجيزت النقابة واصبح الرفيق عبد الرحيم اسحق رئيسا واصبحت انا سكرتيرا للهيئة الادارية. وعند تنسيب عبد الرحيم اسحق كنائب رئيس نقابة النفط المركزية ، تولى رئاسة النقابة بدلا عنه ، توفيق احمد وهو عامل نفط سابق اعتقل لنشاطه الشيوعي حتى ثورة 14 تموز حيث اطلق سراحه وعاد الى عمله في الشركة .

تميز نضال عمال النفط ونقابتهم في العراق بالصلابة ضد تعسف شركات النفط وضد هضم حقوقهم ، وبنضالهم العنيد انتزعوا مكاسب عدة ، مما اثار نقمة شركات النفط ضدهم وبدأت تمارس شتى السبل لكسر وحدة العمال ومن هذه السبل كانت محاولات شراء الذمم ، وخاصة مع الذين كانوا بمواقع قيادية في النقابة .

ضمت شركة نفط العراق آنذاك ثلاثة اصناف من العمال والموظفين :ـ
1 ـ الدرحة الأولى first clas) ) وهم الموظفون المتعاقدون ، الذين يتعاقدون مع الشركة سنويا وبإمتيازات أسوة بالموظفين الانكليز: رواتب عالية ، سكن جيد . في حين لايجوز لهم الانتماء الى النقابة كونهم موظفين وليسوا عمالا .
2 ـ الدرجة الثانية (second class) وهم عمال برواتب شهرية ويشمل الكتبة والفنيين والملاحظين ..الخ .
3 ـ الدرجة الثالثة (weekly paid) عمال ذوي الاجور الاسبوعية ويشمل باقي العمال في الشركة .

كانت علاقة الهيئة الادارية لنقابة النفط مع الشركة من خلال مدير العلاقات الصناعية (مستر لانكَلي) وهو سياسي محنك ، مرن في تعامله مع الاخرين ، ورجل مخابرات مر في عدة دورات في معهد ( شملان ) في لبنان . في احدى المرات كنت والاخ عبد الرحيم اسحق في لقاء معه ، طرح علينا رغبة المدير العام للشركة بترفيعنا الى درجة الموظفين المتعاقدين ( Staff ) وبراتب لايقل عن (300 ) دينار شهريا ، وكان ذلك مبلغا كبيرا آنذاك ، الا اننا لم نبد الاستعداد او الموافقة على المقترح لعلمنا ان الغاية من هذا الترفيع ، هي محاولة سحبنا من نقابة النفط حيث انتخب احدنا رئيسا للنقابة والاخر سكرتيرا .

وبعد فترة وكنت خارج الهيئة الادارية للنقابة بعد فوز العمال الاحرار ، حررنا طلبا بأسم مجموعة من الفنيين في حقل الخزانات K1 الى المدير العام للشركة ، من اجل ترفيعنا الى موظف ( الدرجة الاولى ) لان العمل الذي نقوم به يستحق هذه الدرجة ولان رواتبنا تجاوزت الدرجة السادسة بعلاوتين ، ومع ذلك فقد رفض طلبنا.

لم تستطيع قيادة الحزب الاستفادة من النهوض والمد الثوري الذي حدث بعد ثورة 14 تموز ولم تستغل الامكانيات المتوفرة للحفاظ على الجمهورية وترسيخ توجهها الديمقراطي رغم توسع نشاط الحزب بين مختلف قطاعات الشعب وبين المنظمات الديمقراطية والجماهيرية والجيش . وكان للموقف المتردد والتراجع الذي اتخذته قيادة الحزب وانتقادها لنفسها دون حق ، قد فسح المجال امام قاسم وبضغط من القوى القومية والرجعية لتحجيم دور الحزب بإستغلال بعض اخطائنا اثناء مؤامرة الشواف في الموصل وحوادث كركوك في سنة 1959 .

تهيأت اغلب مدن العراق للاحتفال شعبيا بالذكرى السنوية الاولى لثورة 14 تموز وجرت الاحتفالات في كل مكان بأجواء من الحماس والفرح ، بأستثناء ما حدث في مدينة كركوك . ففي هذه المدينة - كما هو معروف - تنوع قومي واضح ، اذ يقطنها العرب والكرد والتركمان والكلدان والاشوريين والارمن ..الخ ، وهي تعج بالتناقضات والصراعات ، التي كان عملاء الانكليز يبدعون في تأجيجها ، خاصة وان المقر الرئيسي لشركات النفط في العراق ، كان فيها .

نظمت نقابة نفط كركوك المسيرة يوم 15/7/1959 لتطوف شوارع كركوك ، وتقدمت الهيئة الادارية لنقابة النفط الجموع في تلك المسيرة ، وبعد ان اجتازت مقهى احمد آغا ، ودخلت شارع اطلس متوجهة نحو مديرية شرطة اللواء ، وفي منتصف الشارع انهالت عليها الحجارة من المقهى ومن اسطح بعض البنايات ، مما ادى الى تفرق المسيرة دون ان يتمكن احد من السيطرة عليها، اذ هجم بعض المتظاهرين على المقهى وبدأوا بضرب من يشكّون بهم . وقد زاد الوضع سوءًا حينما استنفر الجنود من سرية الحراسة وهجموا على رواد المقهى وبدأوا يعتدون عليهم دون تمييز . وتطورت تلك الاحداث بشكل متسارع لتشمل النهب وفرهدة السوق والاعتداء على كل من هو تركماني ، ولم يعد بالامكان السيطرة على الوضع الا بتدخل الجيش . لكن الامر لم ينتهي عند هذا الحد ، بل تعداه، بعد ان قامت عناصر مشاغبة ومن جميع الاحزاب ، مستغلة الوضع غير الطبيعي، للانتقام من الاخوة التركمان حيث سقط العديد من الضحايا قتلى وجرحى نتيجة ذلك . ولايمكن ان نستثني بعض رفاقنا من الاشتراك بتلك الاحداث مع منتسبي الاحزاب الكردية وبأشراف قياديين من تلك الاحزاب في كركوك. ومنذ اللحظة الاولى وقفنا ضد تلك التجاوزات ، واذكر منها ، كنا في مقر النقابة عندما اتصل بنا السيد شامل اليعقوبي ( الشخصية التركمانية المعروفة في كركوك ) تلفونيا، من داره القريبة من النقابة، طالبا تدخلنا لفك الحصار الذي ضربته عناصر مسلحة حول داره في محاولة لاقتحامه، تساندهم سيارة مسلحة اخذت بقصف الدار فعلا. توجه الاخ عبد الرحيم اسحق رئيس نقابة النفط الى هناك ومنع الضابط من قصف الدار والانصراف والا فسيتحمل المسؤولية ، وتم طرد العناصر المسلحة من المنطقة .

وفي يوم الحادث ايضا ساعدنا السيد كامل علي التكريتي مسؤول العمال الاحرار، وهو تكريتي ومحسوب على التركمان ، في الوصول الى داره بسلام دون ان يصاب بأذى من قبل تلك الجماهير الهائجة التي كانت مستعدة للانتقام .
ان شهــــــــادة الزعيم محمود عبد الرزاق قائد الفرقة الثانية امام المحكمة الخاصة والذي قال فيها : ( لولا الشيوعيين لجرت مذابح في كركوك يذهب ضحيتها الاف من الفقراء ) . تؤكد بجلاء عدم مسؤولية الحزب الشيوعي .

نجحت المؤامرة التي حيكت ضد الحزب بدقة ، واستغلت لضـرب الشيوعيين واصدقائهم ومهدت الطريق لعبد الكريم قاسم لوضع حد للحزب والقيام بحملة اعتقالات وتمهيد السبيل للرجعية من الانتقام. وشنت حملة اغتيالات شملت كل التقدميين والديمقراطيين . اما في الموصل فقد اخذت الهجمة مديات أبعد وأوسع ، واضطرت الكثير من العوائل ، وخاصة من الاقليات القومية ، الى مغادرة المدينة أسوة بالشيوعيين واصدقائهم خوفا من الإنتقام.

والغريب ان ( اتحاد الشعب ) استحسنت ما جرى في كركوك حيث اعتبرته عقابا لعملاء شركة النفط ، ملصقة - دون ان تنتبه - التهمة بالحزب .
وتلى ذلك صدور تقرير اللجنة المركزية حيث كان واضحا فيه اسلوب جلد الذات ، ليعطي الذريعة لعملاء شركة النفط لالصاق مسؤولية تلك الاحداث بالحزب .
وبدلا من ان يتخذ قاسم اجراءات وقائية للحفاظ على الثورة، اخذ يتراجع امام القوى الرجعية من خلال تسليمها المواقع الحساسة في الجيش والدولة وابعاد الشيوعيين والعناصر الوطنية منها واحالة الضباط الوطنيين على التقاعد .

الهجمــــــة ـ اعتقالات للشيوعيين من عمال النفط
في سياق تراجع عبد الكريم قاسم امام القوى القومية والرجعية جرى انتزاع المنظمات الديمقراطية والمهنية والجماهيرية من الحزب الشيوعي وتسليم قيادتها لتلك القوى ، وإنبرت نقابة النفط ( وبتحريض من شركة النفط ، اذ رأت ان الوقت مناسب لذلك ) للايعاز لاجهزة الامن بالقيام بحملة اعتقالات ضد العمال الشيوعيين في تموز سنة 1961، حيث اعتقل جميع اعضاء لجنة العمال التي كنت اقودها، وقد استطعت الحصول على اجازة لمدة يومين من العمل وسافرت الى القوش للتأكد من موقف الامن مني.

عدت الى كركوك وذهبت صباحا لاستلام راتبي من المحاسبة، وكان دوامي ذلك اليوم في الساعة الواحدة بعد الظهر ، فانتبهت الى أن السيد قاسم ( الذي يعمل في دائرتنا ) قد ترك المحاسبة فورا ليستقل سيارته ودون ان يستلم راتبه، فتوقعت بأنه ذهب ليخبر الامن بوجودي ، فقررت العودة الى القوش وعدم الالتحاق بالعمل. واخبرت مدير دائرتنا طالبا اجازة لمدة اربعة ايام لاكمال معالجة ولدي ، فوافق السيد بهنام جورج عليها وعدت فورا الى الموصل، بعد ان اوصيت ابن اختي بمراقبة الوضع وان يأتي الى القوش لاخباري بأية تطورات . وفعلا كانت توقعاتي في محلها حيث وصل ابن اختي واخبرني ، بأن رجال الامن طوقوا محل عملي في الشركة ، في الساعة الواحدة بعد الظهر ، وداهموا بيت اختي القريب من محل عملي وفتشوه بحثا عني ، فقررت عدم الالتحاق بالشركة حيث قدمت استقالتي برقيا .

في القوش قررت القيام بعمل حر ، فأسست معملا للثلج وحقل دواجن في قرية شرفية ( تقع جنوب القوش بمسافة (5) كيلومترات ) بالاشتراك مع زوج اختي وصرفنا عليه كل مستحقاتنا لقاء خدمتنا في شركة النفط . بدأ المعمل بالانتاج صيف سنة 1962 وتطور مشروع الدجاج بشكل ملحوظ .

ثـــــورة 11 ايلـــــول 1961
قاد عبد الكريم قاسم ثورة 14 تموز بإتجاه معاكس لاهدافها حينما تراجع امام القوى القومية والرجعية ، وابعد المخلصين من ابناء الشعب عنه ، مما خلق جوا مساعدا ومشجعا لقوى الردة لضرب ثورة 14 تموز ،اضافة الى موقفه من حل المسألة الكردية وعدم مبادرته للحل السلمي بما يخدم مصلحة ثورة الشعب.

رفع حزبنا شعار ( السلم في كردستان ) لكنه لم يلق ترحيبا لا عند الملا مصطفى البارزاني ولا عند الزعيـــــم عبد الكريم ، بل قاد الى حملة اعتقالات جديدة للشيوعيين .
وعندما شن مسلحوا الاكراد هجماتهم الاولى ضد حكومة قاسم ، كان البارزاني حينها في بارزان ، واعتقد البعض بأن لاعلاقة له بما يجري ، في تلك الظروف وقف فرع حزبنا في كردستان ضد القتال.
وجاء رد حكومة قاسم عنيفا ، اذ شنت القوة الجوية غارة على برزان وانزلت خسائر فادحة بالسكان مما دفع حزبنا الى الاحتجاج على ذلك ، وعلى إثر تلك الغارة ، تحرك البارزاني الى بهدينان لكسب عشائرها الى جانب الثورة ، ووصل برواري بالا حيث تمت تصفية المنطقة من المعادين له ، والتحق به المزوريين من عائلة حجي ملو ، في حين وقف شيوخ بيرفكا (وهم مزوريين ايضا ) وبسبب خلافات سابقة بينهم وبين عائلة حجي ملو، ضد الثورة مما قاد ذلك الى تدمير قراهم وحرقها وتهجير اهاليها الى الموصل ، ليسجلوا في القوة العشائرية ضد الثورة .

وبعد الالتحاق بالثورة ، تصرف عبد الواحد حجي ملو واخيه غازي وجماعتهما ، تصرفا لاإنسانيا عندما سفكوا دماء 25 شخصا اثوريا من اهالي برواري بالا ، بحجة ان احدهم كان قد دل قوات الشرطة على مخبأ اخيهما عبد العزيز ، عندما كان هاربا وقد جرح نتيجة ذلك ، ولم تكن تلك الحجة لتبرر فعلتهم . وكان من بين الذيــن قتلوا احد رجال الدين ، وهو القس داود من اهالي قريــة كاني ماسي ، والد الرفيق توما القس داود .

حاول عبد الكريم قاسم اغتيال البارزاني عندما ارسل اليه العقيد حسن عبود مفاوضا ، وفي نفس الوقت هيأ للقيام بغارة جوية على محل الاجتماع منتقما منه ومضحيا بالعقيد حسن عبود واعضاء الوفد المفاوض ، لكن البارزاني كان اكثر دهاءًا منه ، اذ طلب تغيير مكان اللقاء في اللحظة الاخيرة.

كلف الحزب الرفيق حسن البرزنجي عضو فرع كردستان ، في صيف سنة 1962 وكان منسبا لمكتب محلية الموصل لاجراء لقاء مع البارزاني في مقر تواجده في باكرمان (عقرة) ، جاءني الرفيق يحمل رسالة من سكرتير محلية نينوى يطلب فيها ايصاله الى البارزاني فأخذته الى خيري بك سعيد بك في باغدرة الذي كلف اخيه فاروق مع مجموعة لترافقه .

كان لموقف حزبنا غير المؤيد للحركة الكردية المسلحة في بدايتها ، ووصفها بحركة رجعية تأثير على تنظيماتنا في كردستان حيث اتخذت بعض تنظيماتنا في العمادية ودهوك موقفا معارضا لذلك الموقف ، وترك عدد من اعضاء هذه التنظيمات صفوف الحزب والتحقوا بالحزب الديمقراطي الكردستاني وبالحركة المسلحة ، الا ان هذا الموقف لم يكن يعبر عن السياسة الحقيقية للحزب ، ازاء القضية الكردية ،اذ وقف الحزب وفي كل الظروف موقفا مؤيدا للحقوق القومية للاكراد ودعا في كل الاوقات الاحزاب الشيوعية في العالم لمساندة الشعب الكردي وتأييد قضيته العادلة والوقوف ضد الحرب الشوفينية التي كانت تشنها الانظمة المختلفة في العراق .



أوراق توما توماس
( 3 )



انقلاب شباط 1963
نقلت تنظيميا الى الموصل ، عضوا في المحلية وكان يقودها آنذاك الرفيق طالب عبد الجبار وعضوية كل من ستار خضـــــير ويوسف القس حنا وابو منير والمرشحين عجيل وعابدين احمد وعادل الصبحة (1). وبعد نقل الرفاق ستار خضـــير ويوسف القس حنا من المحلية ، نسب اليها مصلح الجلالي (2) بعد ان عوقب ونحي من عضوية الفرع ، وجميل الرحبي . نسبت لقيادة لجنة قضاء الشيخان ، وكانت تقود بدورها ثلاث لجان في النواحي ( كان قضاء الشيخان - وهو اكبر قضاء في لواء الموصل - يضم ناحية عين سفني و ناحية القــوش و ناحية تلكيف ) ، بالاضافة الى لجنة اخرى للريف . ويتجاوزعدد اعضاء لجنة قضاء الشيخان (600) رفيق وتكونت اللجنة القيادية من الرفاق : دنخا شمعون ، علي الجمل ، زاهدة مختار ، شيخ ازدين ، علي خليل ، ادور شمعون ، فليب داود .

بعد احداث الشواف وقيام القوى الرجعية في الموصل بتشجيع الامن وتحريكهم ضد الشيوعيين ، واتبعت سياسة افراغ مدينة الموصل من العوائل المسيحية التي كانت تؤيد الحزب ، ومن الديمقراطيين وتم تعيين بعض المجرمين بمواقع ادارية في الموصل كتعيـــين المجرم اسماعيل عباوي مديرا لشرطة اللواء وهو المعروف بجرائمه البشعة ضد الاثوريين بمجزرة سميل سنة 1933 ، ( اذ تم بأمر منه تجميع الاهالي واللاجئين من المناطق القريبة ، على تل في القرية ( سميل ) ، ثم أمر بأعدامهم جميعا مبتدئا الرمي بنفسه ، ولم ينجو من تلك المجزرة سوى فتاة احتفظ بها لنفسه ) .
ونتيجة لذلك انحسر نفوذ الحزب واصبح العمل الحزبي صعبا جدا ، واقتصرت عضوية المحلية - في تلك الفترة - على الرفاق من خارج اللواء ، ولكن تدريجيا ، تحسن الوضع وتم ترشيح 6 رفاق جدد الى المحلية من ابناء اللواء .

لم يكن انقلاب 8 شباط حادث طاريء ، وانما نتيجة سلسلة من المؤامرات حاكتها القوى السوداء ضد ثـــورة 14 تموز منذ اليوم الاول لقيامها . ان تراجع عبد الكريم قاسم امام القوى المعادية للديمقراطية من القوميين والرجعيين وتخوفه من الحزب الشيوعي وكذلك موقفه الخاطئ من حل المسالة الكردية وتسليم المواقع الحساسة في الجيش ومرافق الدولة المهمة الى الرجعيين ، كان قد مهد السبيل امام قوى الشر للاطاحة بحكمه.

وبسبب تخوفه ( قاسم ) من سيطرة الشيوعيين على الحكم حتى في آخر يوم له ، عندما حوصر في وزارة الدفاع ، جعله يموت على ايدي اعدائه ، بدلا من تسليح الجماهير للدفاع عنه ، ومهد الطريق امام البعث ليستولى على الحكم بمباركة القوى الامبريالية كما صرح أحد قادة البعث (علي صالح السعدي ) - لقد جئنا بقطار أمريكي .

كانت محلية الموصل مجتمعة يوم الجمعة 8 شباط 1963 في دارالرفيق محمد سلو في شارع النبي جرجيس راس الكور في الموصل ، في الساعة التاسعة صباحا كانت زوجة الرفيق في السوق لشراء الفطور لنا ، عادت واخبرتنا بأن الوضع غير طبيعي وهناك تجمعات في الشارع والناس يستمعون للراديو ، الا انها لم تتمكن من معرفة ما الذي حدث ، فتح الرفيق طالب عبد الجبار الراديو واذا بصوت كريه يذيع بيانا للانقلابيين ، عندها قرر السكرتير التخلي عن جدول العمل المقرر واعتبار موضوع الانقلاب نقطة مهمة للدراسة واتخاذ ما يلزم من الاجراءات الوقائية وانتظار توجيهات قيادة الحزب في بغداد .
لاحظ الاجتماع هبوطا في معنويات الرفيق عابدين احمد ( وهو مرشح محلية ) ، مما تطلب اتخاذ ما يلزم لابعاده عن ايدي الامن ونقله كخطوة اولى الى الجانب الايسرمن المدينة تمهيدا لأرساله الى الريف للأختفاء ، اما الرفيق جميل الرحبي (عضو المكتب ) ، فقد طرح رأيه بالانقلاب ، وضرورة تأييده وعدم الوقوف ضده بإعتباره خطوة وطنية ضد الحكم الفردي وعلى الحزب اتخاذ موقف مؤيد والمساهمة في الحكم ايضا ، ولم يحظى هذا الرأي بتأييد احد ، ثم تقررانهاء الاجتماع وعودة الرفاق الى مناطقهم وان يبقوا على صلة مع مركز اللواء لاستلام التوجيهات .

كان موقف الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يقود الحركة المسلحة ، هو مباركة وتأييد الانقلاب ، وارسلت برقية تأييد الى الانقلابيين وهي المعروفة ب ( التحام الثورتين ) ، وتم الاتفاق على الهدنة والمباشرة بالمفاوضات على مشروع ( اللامركزية ) الذي تقدم به البعث ، في محاولة لكسب الوقت وتركيز الحكم الاستبدادي . وعليه فقد تقرر ايقاف القتال ، واصبحت بذلك منطقة دهوك ونوعا ما ، القوش ايضا وريفها ، بعيدة عن سيطرة البعث .

تقدم حسو ميرخان (3) آمر هيز عقرة والشيخان واحتل جبل مقلوب ليقيم مقرا له في دير مارمتي ، مما ساعد في لجوء العديد من رفاق منظماتنا في مدينة الموصل واطرافها اليه ومنهم مصلــــح الجلالي ، عادل الصبحة ، امين زنكَنة ، حسن عقراوي ، ورفاق تلعفر وكَبة وشريخان والقاضية واغلبهم من التركمان .
وفي دهوك ايضا توجه الرفاق الى الريف ، الا ان عبد الواحد حجي ملو (4) أمر بأعتقالهم وحجزهم في قرية ( صوريا ) حتى استئناف القتال ثانية في 6/6/63 .

حافظت منظمة قضاء الشيخان على تنظيماتها لفترة دون ان تتعرض لاية اعتقالات واصبحت القوش ملجأ للرفاق والاصدقاء من جميع المحافظات خاصة من بغداد ، ومركزا قياديا تجمع فيها مئات الشيوعيون واصدقائهم يباتون فيها ليلا تحت حراسات مشددة وفي النهار يتركونها الى سفح الجبل بعيدا عن متناول ايدي البعث ، إضافة الى ذلك فأن وجود مسلحي الحزب الديمقراطي الكردستاني في المنطقة ، حال دون وصول سلطات الامن الى هؤلاء الرفاق والاصدقاء ، وهكذا استمرت الحال ، حتى تأزم الوضع بين البعث والحزب الديمقراطي الكردستاني ، وقبل ان يستأنف القتال كنا قد اوجدنا لنا امكنتنا الخاصة للاحتماء بها .

حركة فايـــــدة ـ 27 / شباط 1963
لم يلاحق البعث العديد من ضباط ومراتب الجيش المتواجدين في كردستان ، تحسبا من التحاقهم بالحركة المسلحة الكردية ، وبهذا كانت اغلب تنظيماتنا في الجيش أسوة بتنظيماتنا المدنية في الاقضية ( خاصة قضاء الشيخان ) ، قد سلمت من الضربة ، وبقيت تمارس نشاطها ولكن بحذر شديد .
وكان لاختفاء بعض الرفاق القياديين في بغداد مبعث امل كبيرلدينا ، دفعنا للتحرك ضد الانقلابيين قبل ان تستقر سيطرتهم على البلاد ، وتم فعلا التخطيط للقيام بعمل عسكري وهو المعروف بأسم ( حركة فايدة )، التي كانت في حالة نجاح خطواتها الاولى بالسيطرة على معسكر الغزلاني في الموصل ، ستمهد السبيل لتحريك قطعات عسكرية اخرى للتقدم نحو بغداد من الموصل وكركوك .
تقرر ان يقود اللواء 14 المعسكر في دهوك الانطلاقة الاولى ، وبعد ان يتم تطهيره من العناصر البعثية - وعددها قليل آنذاك - يتقدم للسيطرة على الموصل عبر فايدة التي يتواجد فيها اللواء الخامس .
يتحرك اللواء 14 من دهوك الى فايدة مع الآليات ، وتم الاتفاق على اشارة استقبال اللواء مع رفاقنا في فايدة ، بأشارة ضوئية من مقدمة الرتل ومؤخرته فقط ، عند اقتراب القوة ، يقوم الرفاق بأعتقال آمر اللواء الخامس ( سعيد حمو ) والضباط المعادين . ثم تتحرك القوتان ( اللواء 14 و اللواء 5 ) بأتجاه الموصل ، وسيكون بأتنظارها عدد من الضباط الشيوعيين في معسكر الغزلاني لتسهيل مهمة السيطرة عليه .. كان هذا العمل العسكري سريا للغاية ومحصورا بين الرفيق طالب عبد الجبار والرفيق مسؤول الخط العسكري ، ومجموعة الضباط المكلفين بمهمات اثناء التحرك ، وكلف الرفيق مسؤول الخط العسكري بمهمة الاتصال بالضباط الشيوعيين في الموصل وكركوك .
وتم تكليف المنظمات الحزبية للمساهمة بالحركة ، حيث كلفت منظمة الشيخان وبعشيقة بتهيئة ( 300 ) رفيق مسلح يتحركون ( بعد نجاح الخطوة الاولى بالسيطرة على اللواء الخامس ) بأتجاه الموصل لدعم الجيش عبر محورين ، الاول ( القوش – تلكيف – الموصل ) والثاني ( عين سفني – بعشيقة – الموصل ) وقوام كل محور ( 150 ) مسلح . وصدرت التوجيهات لمنظمتي سنجار وتلعفر بالسيطرة على مراكز الشرطة حال اشعارهم بنجاح العملية .

طلب الرفيق طالب عبد الجبار أرسال مجموعة من الرفاق ليلة 26 - 27 / شباط 1963 الى جبل داكان ، في مكان قريب من معسكر فايدة ، وفي الساعة الواحدة بعد منتصف الليل ، لاستلام السلاح من احد الضباط . كلفنا مجموعة من الرفاق بقيادة الرفيق ادور شمعون عضو لجنة الشيخان ، وانتظرت المجموعة ، في الموعد المحدد دون ان يتحقق اللقاء .وكررنا ذلك في اليوم التالي ، ولم تكن النتيجة افضل من اليوم الاول .

استلمت رسالة من الرفيق طالب يخبرني بفشل الحركة قبل انطلاقها ، بسبب قيام احد ضباط الصف بتنظيف وتهيئة سلاحه في الساعة الحادية عشر ليلا ، في معسكر فايدة ، مما اثار شكوكا لدى الضابط الخفر ، الذي امر بأعتقاله والتحقيق معه ، ليعترف بكل شئ .
واعتقل اثر تلك الاعترافات الضابط المسؤول عن الحركة في دهوك وعدد من ضباط الصف والجنود منهم :
1 ـ نائب عريف سامي داود
2- ن.ع عبد الامير مجيد
3ـ ج.م حسين يوسف
4 ـ ج.م عبد الرزاق كاظم
5 ـ ج.م مكي جواد
6 ـ ج.م كاظم صمصام
7 ـ ج.م اسماعيل عبد الكريم
8 ـ ج.م مهدي شيخ فلاح
9 ـ ج.ط حبيب داود
واعتقل ايضا الرفيق بنيامين يوسف (5) مسؤول الخط العسكري والرفيق اسماعيل ميكائيل محمد .

قبل اعتقاله وصلتني رسالة من الرفيق طالب عبد الجبار، يقول فيها بأنه سيتوجه الينا بعد تأمين صلة مع المركز في بغداد ، لكنه وقع بيد قوى الأمن من خلال كمين في احد البيوت الحزبية ، وقد استشهد الرفيق تحت تعذيب بشع .

إنقطاع محلية الموصل عن المركز القيادي للحزب
بعد اعتقال الرفيق طالب عبد الجبار ، انقطعنا كليا عن المركز القيادي ، خاصة بعد فشل انتفاضة 3 تموز 1963 في معسكر الرشيد التي قادها البطل حسن سريع ورفاقه ، واعتقال الرفاق جمال الحيدري والعبلي وعوينة على اثرها . اما الرفاق في قيادة الفرع الكردي فإنهم كانوا قد تركوا المدن بأتجاه الجبال، ومن الصعب ان نجد طريقنا اليهم ، هكذا اصبحنا منقطعين عن المركز، منظمة مستقلة بحد ذاتها تضع خططها التنظيمية والسياسية والعسكرية وفق الظروف الناشئة في العراق وفي كردستان .

كان متوقعا استئناف القتال بين الحركة المسلحة والبعث لتعثر المفاوضات بينهما ونتيجة ذلك تجمع العديد من الرفاق والاصدقاء الذين هربوا من المدن وهم عزل من السلاح ، في القوش ومن ضمن من وصل الينا ، كان مصلح الجلالي ( كاكة احمد) وجميل الرحبي .
لم تكن الظروف السياسية لصالحنا حيث كان التحالف بين البعث والحركة المسلحة الكردية يعيق تحركنا . في مثل هذا الوضع المعقد طرح مصلح الجلالي ( كاكة احمد ) مقترح القيام بعملية اقتحام لمركزالشرطة في القوش ، جوبه المقترح بالرفض ، كونه سيؤدي الى نتائج وخيمة على الرفاق والاهالي ، ولم يتفق معه الا رفيقين من القوش هما ( رحيم القس يونان ) و ( يوسف زرا ) .
قررنا التوجه لشراء السلاح بشكل شخصي ، والعمل من اجل ايجاد مكان مناسب للاحتماء فيه للحفاظ على حياة الرفاق ، خاصة بعد ان وردتنا انباء عن انشاء رفاقنا في الفرع الكردي قاعدة لهم في ( كلكا سماق ) ، التجأ اليها العديد من الرفاق من مختلف المحافظات .
كان موقف المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني ( جماعة ايراهيم احمد ) سيئا ،اذ قاموا بإعتقال رفاقنا ومصادرة ارزاقهم ، الا ان هذا الموقف لم يستمر بعد تدخل البارزاني ومنعه تلك التصرفات .
اما في منطقتنا فقد كانت علاقتنا مع المزوريين وخاصة مع عبد الواحد حجي ملو واخيه غازي جيدة بشكل عام ، ولم نلاحظ منهم اي موقف معادي لنا وربما يعود ذلك للعلاقة الطيبة التي تربطهم بالقوش لايوائها اخيهم عبد العزيز ومعالجته عند مصادمته مع الشرطة في وقت سابق .

كنا في قرية بندوة (6) يوم 8 اذار 1963 ، عندما اذيع نبأ استلام حزب البعث للسلطة في سوريا ، مما يعني ترسيخ سلطة البعث في العراق ، وتحسبا لاي هجوم مسلح والذي اصبح متوقعا اكثر من ذي قبل ، قررنا ارسال مجموعة من الرفاق لاستطلاع كلي قرية بندوة ، الا انهم فوجئوا بمسلحي الحزب الديمقراطي الكردستاني ، وكانوا بقيادة علي دشتاني ، يمنعونهم من التواجد في تلك المنطقة . ولم تثننا تلك التهديدات حيث قررنا في 13 /3/ 1963 الانتقال الى كلي زيوكا - بسقين (7) وتقع خلف جبل القوش ، لنؤسس اول قاعدة لنا ولتصبح بعد ذلك مقرا للانصار الشيوعيين واصدقائهم ، ولعدد من المحسوبين على ملاك الحزب الديمقراطي الكردستاني المتواجدين في دير الرهبان هرمز(8) بحماية عبد الواحد حجي ملو. كانت البداية صعبة للغاية ، فالجميع لم يمروا بمثل تلك الظروف القاسية ، حيث الشحة في الارزاق والافرشة ، وتحت رحمة الامطار والبرد ، وبلا اسلحة كافية لندافع بها عن انفسنا .

وتحملت منظمة القوش اعالة القاعدة ، رغم عددنا الكبير حيث تجاوز ال 500 شخص نتيجة الالتحاقات الكثيرة في الايام الاولى . وتدريجيا خفت الالتحاقات واخذت تنحسر وتتقلص اثر عودة العديد من الملتحقين الى قراهم .

منذ الايام الاولى ، حاول مصلح الجلالي تحريض الرفاق التركمان ضد رفاقهم الاشوريين او الايزيديين . وفي محاولة منه لتجميع الرفاق في جبل القوش كلف في يوم 1 /4/ 1963 ودون ان يشعرني الرفيقين عادل الصبحة ( عضو محلية الموصل ) و فؤاد شمعون ، برفقة احد اصدقائنا من القوش ، للتوجه الى جبل مقلوب ، لنقل رسالة يطلب فيها من الرفاق ، ترك اماكنهم والالتحاق بجبل القوش .
كان يتحتم على هذه المجموعة الصغيرة اجتياز ارض مكشوفة ( دشت ) مرورا بقرية ( الممان ) (9) والتي تسكنها عشائر عربية معادية ، وهناك تصدت لهم مجموعة مسلحة من القرية فأستشهد في الحال الرفيق فؤاد شمعون ، وانسحب عادل الصبحة وصديقه دون ان يطلقا طلقة واحدة ، تاركين الشهيد في مكانه . وكان اول شهيد يسقط لنا .

يتبع

(1) عادل الصبحة ، من الموصل اعتقل سنة 1965 واسقط ، حاليا سكرتير نقابة الغزل والنسيج في الموصل .

(2) مصلح الجلالي من اهالي كركوك ، عضو الفرع الكردي ، قاد محلية الموصل بعد استشهاد الرفيق طالب عبد الجبار واحدث انقساما فيها ، سحب من الموصل سنة 1965 ، في الكونفرنس الثالث 1967 ترك الحزب والتحق بالقيادة المركزية ، شكل الحزب الاشتراكي الكردي سنة 1974 ، التحق مع البعث وعين معاون مدير الثقافة الكردية في بغداد .

(3) حسو ميرخان ، من عشائر بارزان ، اهالي قرية خردن ( دولة ميري ) شمال شرق ميركه سور ، التحق مع البرزاني وعمره 17 سنة والتجأ معه الى الاتحاد السوفيتي ، عينه البارزاني امرا لهيز عقرة والشيخان حتى انهيار الحركة الكردية عام 1975 ، لازال مع كاك مسعود ، يتصف بالهدوء والمرونة في تعامله ، كانت علاقته جيدة مع قوتنا .

(4) من عائلة حجي ملو ( بيدة ) عشيرة مزوري ، يوجد خلاف لهم مع شيوخ بريفكا الموزورين بسبب خطف ابنتهم من قبــــــل علي حجي ملو ، مؤيدين منذ الايام الاولى للبارزاني . ساهم في الثورة مع اخيه غازي كمسؤولين عن المزوريين ، بعد ان توفى عبد الواحد هاجر غازي الى امريكا .
(5) بنيامين يوسف ، من اهالي كاني ماسي ، برواري بالا - مرشح محلية الموصل مسؤول الخط العسكري ، اعتقل وعذب في مديرية الامن واعدم مع اسماعيل ميكائيل محمد من اهالي العشائر ، بعد فشل حركة فايدة .
(6) بندوة ، قرية غرب القوش مسافة 3 كيلومتر على امتداد سفح جبل القوش ، فيها نهر في وسط الوادي كانت محطة استراحة ، هجر البعث سكانها واسكنوا العرب محلهم .
(7) كلي زيوكا - بسقين : وادي فيه عين ماء عذب ، ملك لعائلة القوشية ، كان ملجأ للهاربين من الحكومة ومكان لتقطير العرق يبعد نصف ساعة وراء جبل القوش ، كان يزرع فيه اشجار الرمان والخضروات .
(8) دير الرهبان هرمز دير قديم يقع شمال شرق القوش بمسافة نصف ساعة موقعه منيع استخدمه الانصار مقرا لهم .ا
(9) الممان ، قرية في ريف عين سفني سكانها سابقا من اهالي القوش تركوها بسبب حادث قتل وسكنها بعدئذ عرب حديديين.


أوراق توما توماس
( 4 )


القتال يستأنف ضد الحركة المسلحة
تعثرت المباحثات بين البعث والحركة المسلحة الكردية ، ولم يتم التوصل الى الاتفاق على مشروع اللامركزية المطروح من قبل البعث ، ولم يكن خافيا على احد ،ان الغاية من طرحه ، كانت لاستغلال الهدنة بين الطرفين لغرض تثبيت وتقوية نظام البعث المعزول عن الجماهير ، ولتصفية الحساب مع الحركة الكردية بعد ذلك .
ففي يوم 9/6/1963 بدأت القوات العراقية هجومها على مواقع البيش مركَة وبمختلف الاسلحة ، ومنذ الفجر كانت اصوات المدافع تسمع في قصف مدفعي متواصل معلنة إنتهاء الهدنة ، وبدأت الطائرات الحربية ، تحلق في سماء كردستان لتقوم بإستطلاعاتها وقصفها لمواقع الثوار .
يوم 30/6/1963 أغارت طائرتان من نوع ميغ 21 ، على مقرنا في زيوكا ، وجرح نتيجة القصف الرفيق سليمان حنا تيكا . وكان لتلك الغارة اثرها السلبي على معنويات بعض الرفاق والاصدقاء ، وبدأ قسم منهم يترك القاعدة ، باحثين عن أماكن اكثر أمنا في القرى الايزيدية لحين توفر الامكانية لعودتهم الى مدنهم ، وهكذا بدأ العدد يتقلص في القاعدة واقتصر على الملتزمين حزبيا واصدقائهم والهاربين من الخدمة العسكرية .
واستمرت السلطة بالهجوم على المناطق الواقعة تحت سيطرة الثوار ، وخاصة تلك التي تواجدوا فيها اثناء فترة المفاوضات . واول عملية عسكرية كبيرة قام بها الجيش والمرتزقة من الجحوش كانت للسيطرة على جبل مقلوب يوم 26/6/1963 بشن هجوم واسع على مواقع البيشمركَة فيه ، فقرر حسو ميرخان الأنسحاب الى منطقة شمكان على سفح جبل بي خير . تبع ذلك قيام القطعات العسكرية ، بتمشيط دشت عين سفني والسيطرة على المنافذ التي قد يسلكها البيشمركة في طريقهم نحو الدشت .

احتلال جبل القوش واستباحتها من قبل الحرس القومي
يوم 30 حزيران 1963 وصلت قوة كبيرة من الجحوش بقيادة الزعيم خليل جاسم (1) ، الى القوش في حملة تأديبية !! ، فأمر بتجميع رجال البلدة في ساحة امام مركز الشرطة الواقع شمال البلدة عند سفح الجبل ، ثم بدأ وجلاوزته من رؤوساء الجحوش ، بالاعتداء على الاهالي بالضرب والاهانات في محاولة لادخال الرعب الى قلوبهم ، وفي مسعى لقطع مساعداتهم للانصار ، كنا في مواقعنا بالجبل نرصد هذه القوة منذ دخولها القوش ، فتحركنا الى موقع يشرف على المركز مباشرة ، واطلقنا الناربأتجاههم لتخويفهم ليتركوا الاهالي ، وفعلا تركوا الاهالي وولوا هاربين الى سياراتهم تاركين البلدة نحو الموصل . الا ان تلك الهزيمة لم تكن سوى بداية لهذا الزعيم للانتقام لشرفه العسكري من الانصار فهيأ حملة جديدة يوم 7/7/1963 وتقدم الى القوش .
كانت القوة هذه المرة تتكون من جحوش الريكانيين المتمرسين بفنون القتال في الجبال وهم يتشكلون من الاكراد والمسيحيين من منطقة ( نروة وريكان ) .
وبمجرد ان علمت القوش بالخبر ، انطلق عدد من الشباب والاهالي يتركونها بأتجاه الجبل ومنه نحو القرى الواقعة خلفه قبل وصول القوة خوفا من الاعتداء عليهم .
كنت مع الرفيق ابو نصير، ومجموعة من الرفاق في مهمة في مكان غير بعيد عن جبل القوش ، فكنا نسمع تبادلا كثيفا لاطلاق النار ، ومنذ الفجرتوجهنا الى قرية ستكي (2) ، وفيها علمنا بتفاصيل معركة نشبت بين رفاقنا وبين الجحوش الريكانيين .
كانت قوتنا ما تزال ضعيفة ولم تتمرس بقتال مباشر ، واغلب أسلحتنا كانت قديمة ، وبادر بعض الرفاق مع عدد من الاهالي بالانتشارعلى القمة للتصدي لاي تقدم محتمل للجحوش لاحتلال الجبل .
وبعد غروب الشمس بدأ الجحوش بالتقدم نحو الجبل واثناء صعودهم ، كانوا يتحدثون باللغة الاشورية لايهام الانصار والاهالي بأنهم من القوش ، وتمكنوا بهذه الخدعة من الوصول الى القمة دون ان ينتبه الانصار ، الى انهم قد حوصروا تماما . وخلال المعركة استشهد الرفيقين بطرس هرمز جركو(3) وكوريال اوراها (4) حيث كانا في ربيئة واحدة ، وقاتلا ببسالة وتمكنا من قتل عدد من الجحوش ، قبل ان يحكم عليهما الحصار وليستشهدا معا ، وكذلك اسر من الاهالي الصديق كريم يلدا (5) بعد ان تركه اصدقاءه لوحده ، ليواجهة مجموعة من الجحوش ، وقد قام المجرمون بإعدامه حالا في الموقع الذي اسر فيه .
سحل الشهداء الى داخل القوش ، بعد ان مثّل الجحوش بجثثهم ، وتم دفنهم في مقبرة البلدية دون اية مراسيم دينية (6) .
في اليوم التالي ذهبت مع عدد من الرفاق الى ضواحي القوش لتعزية والدة الشهيد بطرس ( راحيل شمينا ) ، كنت اتوقع ان ارى امامي امرأة منهارة ، وافكر بالطريقة التي افاتحها وكيفية الحديث معها . فوجئت بتلك المعنويات العالية وهي تستمع الى كيفية استشهاد ولدها البطل وتوصي الانصار ، الاقتداء به والاستمرار في النضال ضد الفاشيين وعملائهم ، لاخذ الثأر لولدها الشهيد .
قالت : ( لي الفخر ان يكون ابني اول شهيد في درب الحرية ) واوصت ابنها الاكبر لزكَين جركو ان يستمر مقاتلا في صفوف الانصار الشيوعيين ، وان يقتدي بأخيه بطرس .
لم يمر يومان على ما قام به الجحوش من الاعتداء علـى البلدة واستشهاد ثلاثة رفاق من الانصار حتى هيأ الحرس القومي في الموصل حملة دنيئة أخرى لاستهداف شباب القوش لكسر شوكتهم والانتقام منهم لمقاومتهم الجحوش .

يوم 9 تموز 1963 لاحظت نقطة المراقبة على قمة الجبل رتلا من السيارات الكبيرة قادما من الموصل بأتجاه القوش ، ولم تمض فترة حتى وصل الينا عدد من الشباب واخبرونا بوصول سالم ملا علو (7) مع قطيع من الحرس القومي ، مهمتهم اعتقال الشيوعيين وعوائلهم واستباحة البلدة ، قام هؤلاء المجرمون حال دخولهم القوش ، بقتل الحمال بولص ، وياقو قوقا ، وهما كبيرا السن في بيتيهما دون ان يكون لهما اية علاقة بالسياسة ولم يكن احد من اقاربهما مع الحزب او مع الانصار كما اصابوا السيد حبيب ممو نيسان في وجهه وهو في طريقه متوجها الى بيته ، وحاولوا الاعتداء على السيدة حياة عيسى بللو زوجة الرفيق رحيم القس يونان .
كان وصول القوة فرصة مناسبة لنا للانتقام لشهدائنا . ولتلقين قطعان الحرس القومي درسا لن ينسوه ، وقتها لم يكن في البلدة اية قوة عدا الشرطة المحلية التي لن تسطيع انقاذهم ، فقررنا الانطلاق فورا ، فتم تقسيم الانصار الى قوتين ، الاولى تحت قيادتي تدخل القوش من شمال شرقها من كَلي قاشا حنا وتحتل السفح المسيطر على المركز ، والثانية تحت قيادة الرفيق عبد جمعة تدخل من شمال غرب البلدة وتحتل السفح الغربي المسيطر على المركز ومحلة سينا لنظمن تطويق البلدة ثم نخوض المعركة معهم بعد شل حركة المركز وتبقى قوة المزوريين حوالي 30 بيش مركة في الجبل ، لتغطية انسحابنا اذا تطلب الامر .
تحرك الانصار بسرعة فائقة وقبل احكام الطوق ، اصطدمت قوتنا مع الشرطة الذين اتصلوا بالفوج المعسكر في عين سفني طالبين نجدة فورية ، لم نتمكن من الوصول الى اهدافنا لسرعة وصول المدرعات وقوة كبيرة من الجحوش ، وحال وصولهم باشروا بقصف الجبل بمدافع الدبابات والهاونات ثم تقدم الجحوش نحو مواقعنا ، مما اضطرنا ذلك للانسحاب الى مواقع جديدة في الجبل لصد الجحوش .
جرى قتال عنيف دون ان يحرز الجحوش أي نجاح او تقدم ، واستبسل الرفاق في الدفاع عن مواقعهم وكان لقوة المزوريين دور فعال في صد الهجوم ، كونهم من البيشمركة القدماء ومن اهالي المنطقة .
في المساء استطاعت مجموعة من الجحوش التسلل وبغفلة من رفاقنا واحتلوا احدى ربايانا على قمة كَلي قاشا حنا بعد انسحاب الرفاق منها وكانت بمسؤولية الرفيق رحيم القس يونان (8) ، وبذلك سيطر الجحوش على مواقع رفاقنا في الوادي الواقع بين القمتين ، فأستشهد الرفيق شمو سعيد (9) وجــــرح الرفــــــاق علي خليل ( ابو ماجد ) و محمد حجي خالد (10) .
وللحال تحركت قوة من الانصار وبيشمركَة المزوريين وشنوا هجوما معاكسا ومباغتا واعادوا السيطرة على الربيئة وطرد الجحوش منها ، وطاردهم الانصار الى داخل القوش ، فهربوا بدون نظام وعادوا الى الشيخان . اعتقل الانصار اثنان من الشرطة داخل القوش ، ولاسباب خاصة اخلي سبيلهما ، وخلال انشغالنا بالمعركة مع الجحوش ، كانت قطعان الحرس القومي قد هربت ، ولا نعرف متى وكيف هربت .

تسليح الانصار
لم يكن سهلا وممكنا تسليح كافة انصارنا ، بسبب الوضع المالي المتردي للحزب نتيجة الضربة التي تلقاها على ايدي الانقلابيين ، وضعف امكانيات الانصار لتأمين السلاح بأنفسهم ، وكان لابد من التفكير بطرق اخرى للحصول على السلاح ، فقررنا ان يكون تسليح رفاقنا واصدقائنا من السلطة نفسها ، من خلال القيام بتجريد سلاح القرى الموالية للسلطة او احتلال مراكز الشرطة .
فتم التخطيط لتجريد سلاح قرية خربة صالح الواقعة على الضفة الشرقية لنهر دجلة وتبعد حوالي 20 كيلو مترا من فايدة .
تشكلت مفرزة من الانصار وتوجهت الى القرية وعند الوصول اليها ليلا تم تطويقها من جميع الجهات وطلب مسؤول المفرزة ، من المختار تسليم السلاح ، رفض قسم من الاهالي ، فنشب قتال ادى الى استشهاد الرفيق عبد القادر سعيد (11) ، وتمكنت القوة من السيطرة على الوضع واستولت على ( 6 ) بنادق انكليزي .
وفي منطقة عين سفني وضعت مفرزة من الانصار يقودها الرفيق ابو نصير ( لازر ميخو ) كمينا قرب قريــــــة ( بيت نار ) على طريق عين سفني ـ مريبا ، وقعت سيارة كاز قيادة فيه وتم اسر من فيها ( ملازم وخمســــة جنود ) ، وتم تجريدهم من السلاح حيث غنمت المفرزة ( مسدس توكاريف وخمسة بنادق كلاشنكوف اخمص حديد ) وكانت المرة الاولى التي يحصل فيها الانصار او البيشمركَة على هذا النوع من السلاح ، ولم تكن الثورة الكردية تملك منه شيئا حينذاك ، ثم اطلق سراح الاسرى ، وانسحب الرفاق بسلام .
وفي وقت سابق كان بعض اهالي القوش قد ساعدونا بأيداع اسلحتهم كأمانة لدى الانصار ( قسم من الاهالي قام بذلك خوفا من ان يستولي عليه غيرنا !! ) ، وقد اعدنا للاهالي اسلحتهم سنة 1964 ، بعد ان توفر لدى انصارنا ، سلاح كاف يساعدهم في الدفاع عن أنفسهم .

دور مصلح الجلالي في تقسيم قوتنا
بعد تطهير جبل مقلوب وانسحاب حسو ميرخان الى منطقة شركان ، التحق جميع رفاقنا الموجودين عنده مع قوتنا في جبل القوش فتشكلت لدينا قوة كبيرة ومن كل القوميات والاديان (عربية ، كردية ، اشورية ، تركمانية ، آيزيدية ) . واستقرت في قرية ستكي .
لعب مصلح الجلالي ( كاكا احمد ) دورا تخريبيا في محاولة منه للانفراد بالقيادة ، حيث بدأ بتغذية النعرات القومية بين الانصار مستغلا تواجد الرفاق التركمان ، من خلال تحريضهم ضد الكلدان خاصة من اهالي القوش ، حتى اوصل الحالة بينهم الى خلافات لامبدأية قادت الى انقسام قوتنا ، فأخذ معه الرفاق التركمان وكان معه جميل الرحبي وعادل الصحبة اعضاء المحلية ليفتح مقرا له في قرية شكفتي لاجئا عند عبدي آغا الزيدكي ، وبدأ بحملة تشهيرية ضدنا مدعيا بأننا منشقين ومطرودين من الحزب .
كان مصلح الجلالي عضوا في الفرع الكردي وسكرتيرا لمحلية كركوك ، عوقب ونحي من الفرع ونسب عضوا في محلية الموصل . بعد اعتقال الرفيق طالب عبد الجبار لم يبقى من اعضاء المحلية سوى اربعة رفاق ، فتم الاتفاق على تكليفه بمسؤولية المحلية مؤقتا لحين اعادة الاتصال بالحزب .
وبعد انشقاقه وانتقاله الى مقره الجديد ، قام بتقديم بعض الرفاق الى المحلية دون قرار او دراسة وهم ( محمد سواري ، جمعة كنجي ، رشاد بالطة ، شمعون جما ).
ولم تقتصر اساءة مصلح على التنظيم الحزبي فقط ، بل اساء الى نفسه ايضا بسبب تصرفاته الصبيانية او تصريحاته الاستفزازية ، وكثيرا ما تدخلت شخصيا لايقاف ملاحقته ، ففي منطقة الدوسكي مثلا اثناء احدى جولاته كاد علي خليل خوشقي أن يعتقله لولا هربه الى منطقتنا ، وحاول غازي حجي ملو اعتقاله ايضا ، لكن بحكم علاقتي القوية مع غازي طلبت انهاء الموضوع .

اثناء الهدنة عام 1964 ، التقيت - وكانت المرة الأولى منذ انقطاعنا - بالرفاق في فرع كردستان واطلعتهم على اوضاعنا وما آلت اليه بعد خطوة مصلح الاخيرة .
وفي سنة 1966 نسب الرفيق شيخ علي البرزنجي مسؤولا لمحلية الموصل والرفيق ابراهيم صوفي مسؤولا لمنظمة مدينة الموصل . ولاول مرة جرى توحيد الشيوعيين في بهدينان عسكريا وحزبيا بعد ان عانينا كثيرا من التشتت والتمزق الذي خلفه مصلح الجلالي .

وبعد فترة قصيرة تمكنا من ترتيب وضعنا التنظيمي والانصاري ، ومن اجل انتخاب لجنة لمحلية الموصل وبشكل شرعي تقررعقد كونفرنس للمحلية ، وكان ذلك في سنة 1966 وبإشراف من لجنة الفرع الكردي ، في قرية بريفكا ، وحضر الكونفرنس 27 رفيقا ، تم فيه انتخاب اللجنة المحلية من الرفاق :
شيخ علي البرزنجي ، توما صادق توماس ، ابراهيم حاج محمود ، محمد صــالح سواري ، جمعة حجي كنجي ، عبد حنا جمعة ، عبد دنحا عنكاوي ، توما القس داود ، لازار ميخو حنا ، صديق درويش عقراوي ، يوخنا توما باكوز .. كأعضاء ، والرفاق : شعيــا اسرائيل ، سالم يوسف اسطيفان . كمرشحين .
وبعد ان اجتمعت اللجنة انتخبت سكرتيرا لها ومكتبا :
شيخ علي البرزنجي ـ سكرتيرا المحلية
توما صادق توماس عضو المكتب
محمد صالح سواري عضو المكتب
ابراهيم حاجي محمود عضو المكتب لقيادة مدينة الموصل
جمعة حاجي كنجي عضو المكتب

(1) الزعيم خليل جاسم ، تعرفت عليه وهو برتبة نقيب سنة 1953 في كركوك وبعد ثورة 14تموز كان برتبة مقدم ، انتهازي ، بعد انقلاب البعث عيّن قائدا للافواج الخفيفة ( الجحوش ) كان يتقاسم مع رؤوساء الجحوش ما يحصلون عليه من الغنائم وبيع العتاد.. الخ .

(2) قرية وراء جبل القوش غربا وهي عبارة عن كهوف يسكنها اكراد ( كوجر ) ، اتخذها الانصار مقرا لهم كونها مهجرة .
(3) مواليد 1946 من اهالي القوش ، طالب اعدادية ، عضو في الحزب ، التحق بالانصار ومعه شقيقه لزكين .
(4) خريج معهد المعلمين لسنة 1962 من اهالي تللسقف ، عضو في الحزب ، التحق بالانصار في جبل القوش ، متزوج وكانت زوجته حاملا حين استشهد ، وقد رزقت بتؤام اسميا ( كوريال و بطرس ) .
(5) من اصدقاء حزبنا من اهالي القوش .
(6) في سنة 1964 اثناء الهدنة قام انصارنا بنقل جثامينهم بموكب مهيب الى مقبرة الشهداء في دير الرهبان هرمز حيث دفنت هناك .
(7) سالم ملا علو . من اهالي الموصل ، بعثي متقدم ، امر احد قطاعات الحرس القومي ، قام بتعذيب العديد من رفاقنا بعد انقلاب شباط 1963 ، انشق عن البعث وانضم الى البعث السوري وسافر الى سوريا وبقي فترة فيها ثم عاد الى العراق .
(8) من اهالي القوش ، رفيق شيوعي ، كان مسؤولا عن الربيئة عندما احتلها الجحوش اثارهذا الموضوع مصلح الجلالي واعتبرها خيانة طالبا اعدامه ، وقد اثر هذا على رحيم حيث تركنا والتحق مع الحزب الديمقراطي الكردستاني . استقر في ديترويت ، توفي فيها بداية سنة 1995 .
(9) من اهالي قرية دوغات ريف ناحية القوش عضو في الحزب ، قدم الى القوش لمشاركة الرفاق في الدفاع عن القوش بعد سماعه بأجتياح الحرس القومي لها .
(10) من اهالي العمادية ، وهو من الشخصيات المعروفة ، التحق بالانصار بعد انقلاب شباط 1963 ترك الحزب ويعمل حاليا مقاول في دهوك .
(11) رفيق شيوعي من اهالي دهوك من عشيرة المزوري ، التحق بالانصار مع مجموعة من رفاق دهوك بعد استئناف القتال في 9/6/ 1963 .



أوراق توما توماس
( 5 )



التعاون بين قوتنـــا وهرمز مالك جكــــــو
على اثر الانقسام الذي سببه مصلح الجلالي توصلنا الى إتفاق تعاون مع هرمز ملك جكو الذي كان يقود مجموعة من المقاتلين الآثوريين ، وتشكلت على أثرالاتفاق قوة مشتركة ، إنطلقت في المنطقة تحت قيادة آمر الهيز حسو ميرخان .
الا ان بعض الاطراف في المنطقة لم ترحب بهذا الاتفاق ، بل اعتبرته تجاوزا عليها ، فحاولت نسفه منذ البداية ، ومن أبرزهم كان غازي حجي ملو ، الذي عمل على ابعاد هرمز من منطقتنا بشتى السبل ، وتمكن اخيرا من اقناع حسو ميرخان ، الذي قررنقل هرمز الى منطقة ( شرمن ) في عقرة ، محققا بذلك رغبة غازي من جهة ، ومعززا تواجد قواته في منطقة عقرة من جهة اخرى ، خاصة وان الزيباريين كانوا يسيطرون على هذه المنطقة دون ان يتمكن احد من مواجهتهم .
كان العديد من أفراد قوتنا المشتركة مصابين بالملاريا ، وكان لابد من إيجاد مادة الكينين لمعالجتهم قبل مغادرة المنطقة ، لذا قررنا القيام بعملية للاستيلاء على أحد المستوصفات في المنطقة ، ووقع الاختيار على مستوصف تللسقف ، فأرسلنا مفرزة بقيادة هرمز الى تللسقف ، إستولت على كميات من الادوية بينها قرابة (5) كيلوغرامات من حبوب الكينين ، تسلمها الدكتور حنا حيث عالج بها جميع المصابين بالمرض ، وبعد شفائهم ترأس هرمز قوة مشتركة من جماعته وبعض من رفاقنا ، وتوجه الى منطقة عقرة ، فيما استقرت بقية قوتنا في بيرموس .
يبدو إن أسبابا قوية فرضت إبعاد هرمز وقوته من المنطقة ، إذ لوحظ نشاط محموم لسلطة البعث بين العشائر الكردية الموالية للثورة المسلحة ، تحاول بمختلف الطرق تغيير ولائها لصالح السلطة ، وفعلا جرت محاولات جدية مع عبد الواحد حجي ملو ، أسفرت عن إنتقاله بشكل سري الى جانب السلطة ، حيث كلف بمهمة إقناع آغوات برواري ژيري لتغيير موقفهم والقيام بعد ذلك بعصيان ضد الثورة للسيطرة على المنطقة . وجرى إغراء الاغوات بالمال والسلاح وطمأنتهم بسرعة التدخل العسكري من قبل السلطة لمساعدتهم ، سيما وان منطقة عبد الواحد كانت محاددة لمناطق تسيطر عليها السلطة . وتلخصت الخطة بتقدم الجيش والجحوش لاحتلال منطقة المزوري على ان يسحب عبد الواحد قوته دون قتال الى ما وراء أتروش ، ثم يعلن إستسلامه للسلطة ، فيتم تشكيل قوة جحوش جديدة من جماعته ، ويصبح مسؤولا عن المنطقة ، وبمجرد نجاح الخطة ، يتمرد محمود آغا جمانكي ، ليلتحق بدوره بالسلطة ، بعد ان يسيطر على منطقة برواري ژيري المحاددة لمنطقة المزوري .
صبـــــاح يوم 9/11/1963 وبشكل مفاجيء تقدمت قطعات من الجيش العراقي وجحوش من الزيباريين وجماعة البريفكانيين ولواء اليرموك السوري (1) .
ولم نكن نعلم ان تلك القوات قد تحركت من عدة محاور : 1 ـ محور بيـــدة ـ أتروش 2 ـ محور آلوكا ـ سينا ـ بيرموس 3 ـ محور فايدة - عين سفني . ووصل لواء اليرموك الى قرية بيرموس وعسكر فيها ووضع رباياه على جبل دهوك . اما الجحوش فقد تقدموا من فايدة حتى عين سفني للسيطرة على المنطقة والجبال المشرفة عليها وتشمل منطقـــة القـــوش ـ باعذرة ـ عين سفني . أما الجيش العراقي فقد تقدم من دهوك بإتجاه قرية بيدة التي تم احتلالها وحرقها ، وواصل تقدمه نحو اتروش .
راودتنا بعض الشكوك من عدم تصدي بيشمركة المزوريين ( جماعة عبد الواحد ) للجيش وإنسحابهم امامه دون اية مقاومة حتى احتلاله اتروش ، الا ان شكوكنا لم تصل الى حد تصور ان ما يجري هو تنفيذ لخطة سرية متفق عليها بين الطرفين .
كان مقرنا في دير الربان هرمز ومقرات البيش مركة المزوريين منتشرة في قرى المنطقة ، ومقر رفاقنا من جماعة مصلح في قيصرية (2) قرب قرية كافاره ، وجميع هذه المقرات لم تهتم كثيرا بهذا التقدم ولم نعطه بدورنا اية اهمية استثنائية ، بل اعتبرناه تقدما عاديا سوف لن يفضي لشئ . كانت قوتنا مع البيش مركة المزوريين والكوجر في اليوم الاول تسيطر على قمة جبل ديرالربان هرمز ولم يتمكن الجيش والجحوش من التقدم بأتجاهنا لثلاثة ايام ، لذلك لم يخطر ببالنا ان اتفاقا جرى ويجري بين السلطة وقادة المزوريين ، ولم نعر اي اهتمام لعدم جدية البيش مركة المزوريين في الدفاع عن المنطقة وتراجعهم بأتجاه اتروش ، والحاحهم علينا بضرورة الانسحاب واللحاق بهم ، حيث رفضنا ذلك بشكل قطعي بأعتباره خيانة واضحة !!!
في اليوم الثالث لم يبقى على قمة جبل الدير سوى انصارنا ، وعندها وصل الينا (هيرو جفريكي ) ارسله غازي حجي ملو ليخبرنا بأن الجيش احتل ( بيده ) واحرقها وهو في طريقه الى اتروش وبوصولها سيقطع الطريق على انسحابنا ، لذا فهو ( غازي ) يناشدنا للانسحاب حالا ، لم نرى أي مبرر للاصرار على البقاء وعدم الانسحاب ، فأرسلنا فورا الى رفاقنا ( جماعة مصلح ) في قيصرية ليستعدوا للانسحاب معنا ومغادرة المنطقة .
تحركنا مساءًا الى قرية شيخ هسن والجيش السوري في بيرموس والجحوش يحتلون قرية خوركي مما يحول دون عبورنا منها ، لذا توجهنا الى قرية بالطة تحت نيران الجحوش ومنها توجهنا الى قرية بريفكا ، ثم الى قرية كلي رمان وبعد استراحة قصيرة واصلنا سيرنا نحو قرية بيبوزي (3) شمال غرب اتروش وبقينا تلك الليلة خارج القرية ، لندخلها صباحا وكانت مزدحمة بالبيشمركة ، ولم يكن ممكنا البقاء فيها او التزود بطعام من بيوتها ، سبقنا رفيقان الى الى قرية هسنكة (4) ، لشراء بعض الاحتياجات وتهئية الطعام قبل وصولنا اليها مساءًا وكان برفقتنا الرفاق من جماعة مصلح .
وصلنا هسنكة وكانت هي الاخرى اكثر ازدحاما بالبيشمركة وهم بإنتظار قرار من عبد الواحد الموجود في اتروش ، كان ذلك يوم 13/11/1963 وما هي الا ايام معدودة ليحسم عبد السلام عارف خلافاته مع البعث بأنقلابه في 18/11/1963 .
بدروه كان عبد الواحد في اتروش ينتظر قرار الحكومة للموافقة على تشكيل فوجه ، وفي المساء وصل مراسل منه ليخبر البيش مركة المزوريين ، نبأ التوصل الى اتفاق مع الحكومة وطالبا منهم التوجه الى دهوك وانتظار التعليمات هناك .
وعلى اثر هكذا تطورات لم يعد ممكنا لنا البقاء قريبا من جماعة عبد الواحد ، لذا قررنا ان نتحرك صباحا الى قرية بيركيات (5) حيث يتواجد حسو ميرخان مع قوة هناك .
وحال وصولنا لاحظت علامات الارتياح على حسو ، كان عنده جوهر عبدال شيخكي واخوته وتيتان كوخي ومحمود آغا جمانكي وجماعته ، وجاء بعــدها صادق عقراوي ومعه (25) مسلحا ، رحب بنا حسو بحرارة ، معتبرا مجيئنا اليه دعما معنويا وعسكريا له ولمن معـــــه.
كان لالتحاق عبد الواحد بالسلطة مع جميع مسلحيه تقريبا ضربة قوية للثورة المسلحة خاصة بعد سقوط البعث على يد عبد السلام عارف ، ومن اجل اعادة الاعتبار للحركة المسلحة وثقة الجماهير بها ولاثبات قدرتها على التصدي لكل من يفكر بالخيانة قرر حسو ميرخان القيام بعمل عسكري ضد السلطة ، فوقع اختياره على احتلال قرية بلان (6) التي يسيطر عليها علي مجيد آغا المسمى ( علي خاتون) ويتخذها مقرا له في منطقة شمكان ولديه قوة من الجحوش يقدرعددهم ب ( 200 ) مسلح ، وكانت رباياهم تحيط بالقرية من كل جهاتها .
في ذلك الوقت كان الاغا قد جمع محصول الرز واحتفظ به في جامع القرية ، كانت فكرة ضرب قوة الاغا والاستيلاء على كميات كبيرة من الرز وتوزيعها بالتالي على الجياع ستترك اثرا كبيرا وطيبا لدى ابناء المنطقة بلا ادنى شك.

صباح يوم 19/11/1963 توجهنا حسو وانا ومعنا مجموعة من البيش مركة الى الجبل المشرف على قرية ( بلان ) للاستطلاع ووضع خطة للهجوم ، وحددنا المجاميع ، وكانت مجموعة الهجوم الرئيسية من رفاقنا وحرس حسو الخاص ، وكلفت مجموعة من بيش مركة صادق عقراوي بمهمة الاسناد شمال القرية .
تم تحديد ساعة الصفر في الرابعة عصرا ، بعد ان قسمت القوة الى ثلاثة مجاميع ، المجموعة الاولى كانت من انصارنا ( صباح ومجموعته ) ومعهم ساكو وجوهر دودي وجماعتهما ، مهمتها الهجوم من الوسط على الربيئة الرئيسية المشرفة على القرية ، و المجموعة الثانية من انصارنا (عبد جمعة ومجموعته ) برفقة دليل من البيش مركة المزوريين ( كان قد بقي قسم منهم الى جانب الثورة ) تتوجه الى الجنوب الغربي من القرية قرب الطاحونة لاسناد المهاجمين ، المجموعة الثالثة مع رشاش برن يحمله الرفيق لزكَين جركو تتوجه الى شمال القرية لاسناد المهاجمين اذا تعرضوا لهجوم مضاد ، اما حسو ميرخان وجماعة العقراويين فقد كانت مهمتهم التمركز على الجبل شمال القرية كقوة احتياطية . في الساعة الرابعة مساءًا اطلق حسو طلقة البدء بالهجوم ، فأنطلق الانصار كالاسود نحو اهدافهم وهم يطلقون النار على الربيئة الرئيسية وبحركة سريعة تمكنوا من السيطرة عليها واحتلالها ، وقامت المجموعتان الثانية والثالثة بأحتلال المواقع التي حددت لها في الخطة ، فأصبحت القرية تحت رحمة نيران الانصار ، حاول الجحوش اتخاذ البيوت متاريس لهم ، الا ان اندفاعة الانصار كانت حاسمة ، وبدأ الجحوش بالتراجع ، ومن ثم بالهرب بأتجاه ( جبل مريبا ) ، وفي الساعة السادسة والربع كانت طلائع الانصار تدخل القرية .
التزم الانصار كعادتهم بأحترام العوائل والمحافظة عليهم وتأمين انسحابهم الى مريبا ، اما حسو فقد وصل القرية في السادسة والنصف .
كان الجامع مملوءًا بالشلب ( الرز ) قدرت كميته بمائة وخمسون طغار ( حوالي 40 طن ) ، تم تسليم القرية حسب الخطة الى صادق عقراوي ، وانسحبنا جميعا الى قرية ( ملبركي ) حيث يتواجد حسو ميرخان مع هرمز ملك جكو الذي كان قد وصل من ( شرمن ) ومعه بقية رفاقنا .
يوم 21/11/1963 ، اي بعد اقل من يوم واحد فقط على تسليم القرية الى صادق عقراوي ، وكنا ما نزال في قرية ملبركي ، وصل احد مسلحي صادق عقراوي ، ليبلغ حسو من ان فوجا من الجيش تدعمه الدبابات يتقدم نحو ( بلان ) لاستردادها ، وان صادق وجماعته قد تركوا القرية الى التلال المحيطة بها ، تحركنا جميعا على الفور بأتجاه ( بلان ) ، وكان امامنا ساعتين من المسير ، وعند اقترابنا من القرية ، قرر حسو فجأة ، الانسحاب مقترحا علينا ( هرمز وانا ) ان يرافقه احدنا ، اما الاخر فعليه اختيار الوجهة التي يرتئيها ، رد عليه هرمز بحدة : اذهب انت لوحدك اينما تريد ، اما نحن فسنواجه سوية وسنقاتل لوقف تقدم هذه القطعات ، لم يتردد حسو في قراره فأمر البيش مركة ومعه صادق عقراوي بالانسحاب بأتجاه الجبل المطل على القرية من ناحية الشمال ، وتركنا لوحدنا نواجه التقدم العسكري .
فقررنا مواجهة القطعات من خلال مجموعتين ، الأولى معي تحركت بسرعة بأتجاه السلسلة الجبلية المطلة على القرية وتم احتلالها ، والثانية مع هرمز توجهت مباشرة الى القرية من ناحية الشمال فأشتبكت مع الجيش حال اقترابه. وبمجرد احتلال قوتنا للسلسلة الجبلية المسيطرة على القرية ، اصبح الجيش تحت رحمة نيران اسلحتنا فدخلنا فورا بمعركة ضارية ، تحت قصف المدفعية ودوشكات الدبابات ، في تلك الاثناء لمحت ستة مقاتلين يشتبكون في قتال عنيف مع الدبابات وهي تتقدم نحوهم ، وتبين انه هرمز مع خمسة من المقاتلين فقط وصلوا الى موقع قريب ، دون ان تتمكن بقية قوته من اللحاق به ، عندها تم توجيه انصارنا بتكثيف الرمي على الجيش لمنعه من التقدم نحو هرمز ومحموعته . وفعلا تم انقاذ الموقف . كانت المعركة بضراوتها تدور لصالح الجيش ، لكن حينما بدأت الشمس بالمغيب عجل الجيش في الانسحاب الى عين سفني ، وهكذا حسمت المعركة لصالحنا ، فدخلنا القرية وعثرنا على جثة عريف تركت في ارض المعركة ومعها بندقية سمينوف ، لم تكن لنا اية خسائر سوى اصابة الرفيق هرمز صليوا .

العودة الى المنطقة
كان لالتحاق عبد الواحد حجي ملو بالسلطة تأثيرا سلبيا كبيرا على المنطقة اذ ترك فراغا واسعا فيها ابتداءًا من جبل القوش جنوبا حتى جبل كَارة شمالا ، وتركت عشيرة المزوري جميع قراها وانتقل الاهالي الى دهوك وعين سفني ، واضطرت عشيرة ( ارتوش ) الكوجر والايزيدية الى ترك المنطقة ايضا ، فأصبحت خالية الا من بعض العوائل الفقيرة التي لاتملك شيئا لتخاف عليه خاصة في قرى سينا وشيخ خدر بالاضافة الى عدد من الرعاة .
لم يكن الرجوع الى المنطقة ، امرا سهلا ، اذ يحتاج لمقاتلين اشداء لهم كامل الاستعداد للتواجد الدائم فيها والدفاع عنها في وضع معاشي بائس لاتتوفر فيه الارزاق لعدم وجود الفلاحين في قرى المنطقة ، وتدبير الارزاق يتطلب تضحيات كبيرة لصعوبة نقلها من مناطق بعيدة ، وكالعادة وقع الاختيار على قوة هرمز ملك جكو وقوتنا للرجوع والتواجد في المنطقة ، وقد بلغ عدد افراد القوة بحدود 150 مقاتلا اذا اضيف اليها من تبقى من البيش مركة المزوريين ، ولم يكن عددهم حينها يتجاوز ال 50 مقاتلا .
تحركت قوتنا من ( ملبركي ) ، ووصلت ليلا قرية ( شاهية ) المهجرة ( تقع على السفح الجنوبي للجبل المقابل لاتروش ) بقينا فيها نهارا وواصلنا المسير ليلا عبر ربايا الجيش في كَلي شيخ عادي حتى فجر اليوم التالي حيث وصلنا كَلي ديرك شمال قرية باعذرة ، تقرر الانتشار في الكَلي بعيدا عن الانظار، ووضعنا عدة نقاط للسيطرة لضمان بقاء القوة منتشرة بشكل سري ودون ان تلاحظ حتى من الرعاة .
ابلغنا تحسين بك امير الايزيدية بوجودنا ، مع رسالة له من حسو ميرخان يطلب فيها مساعدتنا بالطعام والعتاد ، وقد لبى طلبنا اذ استلمنا الطعام وقليلا من العتاد لعدم توفره حسب ادعائه ، في المساء تحركنا نحو الغرب سالكين الطريق بمحاذاة الجبل بإتجاه القوش متحاشين القرى حتى وصلنا ليلا قرية بوزان ( تبعد ثلاثة كيلومترات شرق القوش ) وبذلك حققنا الخطوة الاولى وهي الوصول الى المنطقة دون ان يشعر بنا احد .

المحاولة الفاشلة للسيطرة على مركز القوش
ليلة 26 - 27 /11/1963 قررنا دخول القوش والسيطرة على مركز الشرطة فيها لاعادة نفوذ الحركة في المنطقة ، ولم يبلغ ايا من الانصار بالعملية حتى وصولنا دير السيدة ، دخلنا البلدة بشكل مفاجيء في الساعة الثامنة والنصف مساءًا ، كان مدير الناحية سيروان الجاف (7) قد توجه الى مركز الشرطة ، ولم يجده الانصار الذين كلفوا بمهمة اعتقاله في بيته . توجهنا نحو مركز الشرطة حيث تم تطويقه في التاسعة مساءًا دون ان يشعر احد من الشرطة بنا ، كان خطأ من هرمز ملك جكو حينما كلف الرفيق عبد جمعة بمناداة الشرطة والطلب منهم تسليم انفسهم ، بدأ الرفيق عبد بمناداتهم [ ايتها الشرطة الوطنية ، سلموا انفسكم للثوار، وسنضمن لكم حياتكم ] ، كان جوابهم الشتائم واطلاق النار بإتجاهنا بعد ان احكموا غلق الباب الرئيسي وتوزعوا على الاسطح وقرب الشبابيك . لم نكن نملك اسلحة ساندة عدا مدفع هاون 2 عقدة مع 6 قنابل فقط ، فتقدم الرفاق والبيشمركة في خطوة جريئة وخطرة بالهجوم على الباب الرئيسي عبر ساحة مكشوفة معرضين انفسهم لنيران الرشاشات وتمكنوا من الوصول الى الباب الرئيسي المقفل .
بدأ عتاد الانصار والبيش مركة بالنفاذ ولم نفلح في دخول المركز ، وبعد ان تجاوزت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل قررنا الانسحاب والخروج من القوش بعد فشل خطتنــا بالسيطرة على المركز ، استشهد في المعركة احد بيش مركة هرمز وجرح اخر ، ووجد الانصار عريفا للشرطة مقتولا في سيارته امام المركز ، فأخذوا سلاحه .
وفي طريق الانسحاب عبر سوق البلدة حاول البيش مركة كسر ابواب الدكاكين لنهبها ، فأثار ذلك حفيظة الانصار الشيوعيين من اهل البلدة ، وكاد الامر ان يتطور الى صدام مسلح بينهم ، لولا تدخل هرمز وقيامه بمنع مقاتليه من النهب ، ومع ذلك فقد تعرضت بعض الدكاكين للنهب . واصلنا سيرنا عبر الجبل الى قرية سينا عند سفح جبل دهوك ، قررنا ان يكون مقرنا فيها وكانت مهجرة ولم يبقى فيها الا عدة عوائل فقيرة .

استشهاد هرمز ملك جكو
بنى هرمز امالا كبيرة على عملية السيطرة على مركز شرطة القوش في رفع سمعته بين الجماهير ، فكان لفشلها تأثيرا نفسيا سيئا عليه اذ شعر بخجل غير مبرر ، وحاول ايجاد اي بديل يعوض به فشله .
بعد ثلاثة ايام ، في الواحدة ظهرا وكنت قد رجعت توا مع مفرزة صغيرة ، من قرية خربة صالح ، البعيدة ست ساعات عن سينا ، وفي نيتي اخذ قسط من الراحة ، واذا به ( هرمز) يبادرني بطلب مساعدته بثمانية من الانصار لمرافقته الى جبل دهوك تمهيدا لاستطلاع اتفقنا على القيام به لاحقا ، لم اكن مطمئنا لهذا الطلب بسبب الوضع النفسي الذي كان يمر به اضافة لاصابته بالانفلونزا ، وابديت له قلقي ، مذكرا بأن موعد الاستطلاع غدا وليس اليوم ، والمفترض ان نكون معا ، اكد بأنه لن يذهب الى اي مكان سوى جبل دهوك فقط .
في العاشرة ليلا من نفس اليوم ( 30 /11/ 1963) ، وصل اثنان من بيش مركة هرمز ليخبراني بنبأ الكارثة ...
توجهت فورا الى موقع المعركة ورأيت جثث الشهداء الواحدة قرب الاخرى ، وهي على بعد 50 مترا عن شارع دهوك - الموصل ... كانت الخسارة كبيرة وكبيرة جدا ، فقدنا ذلك اليوم هرمز وخمسة مقاتلين ، كان بينهم رفيقنا حنا عوديش عقراوي (8) ، واسر مقاتل اخر هو حسن تركي ، قام الجيش بأعدامه وتعليق جثته على طريق دهوك - الموصل .
تبين ان هرمز لم يذهب الى الجبل كما اكد ظهرا ، انما توجه الى الشارع العام الرابط بين دهوك والموصل ، وقام بنصب كمين في منطقة تقع جنوب غرب قرية زاوه ، في نقطة لا تبعد سوى 5 كيلومترات ، عن معسكر آلوكا الذي يعسكر فيه لواء اليرموك السوري .
وقعت في الكمين ثلاث سيارات زيل كبيرة على متنها حوالي ( 40 ) جنديا مسلحا عائدين من اجازاتهم ، واحدى السيارات كانت محملة بمواد غذائية للحانوت ، سيطر البيشمركَة على الموقف وتم اسر الجنود وتجريدهم من السلاح ، و توجهت بهم مفرزة صغيرة نحو المقر ، انشغل بقية البيش مركة بحمولة سيارة الحانوت ، في تلك الاثناء مرت سيارة تاكسي متوجهة الى دهوك لم تقف عند الحاجز عندما اشير لها ، بل واصلت سيرها حتى آلوكا ، ليقوم السائق بالابلاغ عن الكمين وعن السيارات العسكرية الثلاث .
كان هرمز يحث البيشمركَة للاسراع ولترك المكان ، ولم يشعرالبيش مركة الا والمدرعات السورية وناقلات الجنود تتقدم نحوهم وتضرب طوقا حولهم ، فنشبت معركة غير متكافئة بين الطرفين ، وخلالها استطاع الاسرى من الهرب ولم يبقى منهم سوى نائب ضابط وجنديين مع سلاحهم وصلوا الى مقرنا برفقة انصارنا .
وبسبب غروب الشمس لم يجرئ الجيش على البحث عن جثث الشهداء فتركت في ارض المعركة .
قمنا بنقل الشهداء الى قرية سينا ، حيث دفن هرمز فيها ، فيما دفن الاخرين في مقبرة الشهداء في دير الربان هرمز .
وكانت هذه الخسارة هي الاخرى غير مبررة ، فلم يكن اي شئ من العملية مدروسا ، ومخططا بشكل واقعي ، لم يفكر هرمز بأمكانية قيادة تلك السيارات الثلاث بعيدا عن الموقع خاصة وان في المفرزة اكثر من سائق ،( الشهيد حنا عوديش ، سعيد موقا ، عبد شمعون كردي ) كان بأمكانهم قيادة السيارات بمن فيها من اسرى وبيش مركة وغنائم ، والتوجه بها الى سينا مباشرة ، سيما وان الطريق كان مناسبا لذلك .

انقطعت علاقتنا مع مجموعة هرمز بعد استلام قيادتها من قبل المدعو ابرم ، لكن في اثناء هدنة سنة 1964 تسلم قيادتها الاخ طليا سيبو ، عندها عادت علاقتنا لتصبح طبيعية .

يتبع

(1) كانت الحكومة السورية قد ارسلت هذا اللواء بأمرة فهد الشاعر ، لمساعدة الجيش العراقي على اثر اتفاق نيسان ) ، وكان يضم العديد من الشباب الاشوريين من منطقة الجزيرة في سوريا .
(2) تقع قيصرية في كَلي كَافارة ويوجد فيها عين ماء عذب ، فيها كهوف اثرية منحوتة على شكل غرف وتعتبر من الاثار التاريخية في المنطقة اتخذها الرفاق مقرا لهم .
(3) قرية يسكنها المسيحيين شمال غرب اتروش ، تركها اهلها بسبب اضطهاد المزوريين لهم .
(4) هسنكة ، قرية كبيرة نسبيا ، يسكنها المزوريين تقع شمال اتروش .
(5) قرية بيركيات ، شمال شرقي اتروش ، سكانها من البرواريين اتخذها حسو ميرخان مقرا مؤقتا له بعد التحاق عبد الواحد حجي ملو بالسلطة .
(6) قرية في سفح جبل بي خير ، منطقة شمكان ، كان سكانها من المسيحيين ، استولى عليها علي مجيد آغا واسكن فيها جماعته من الاكراد ، وشمكان منطقة خصبة وفيها مياه وفيرة تكفي لاسقاء مزارعها تقع في السهل بين جيابانك ـ بي خير ، تجاورها قرى مسيحية اخرى منها تلان ، بيري ، باصفري .
(7) من اهالي السليمانية ، عين مديرا لناحية القوش ، بعثي متعجرف ، تقلد مراكز عدة منها محافظ السليمانية ، ورئيس المجلس التنفيذي لاقليم كردستان .
(8) عضو في الحزب الشيوعي العراقي ، من اهالي عقرة ، التحق بالانصار بعد انقلاب شباط 1963 ، استشهد يوم 30 /11/ 1963.

أوراق توما توماس
( 5 )


التعاون بين قوتنـــا وهرمز مالك جكــــــو
على اثر الانقسام الذي سببه مصلح الجلالي توصلنا الى إتفاق تعاون مع هرمز ملك جكو الذي كان يقود مجموعة من المقاتلين الآثوريين ، وتشكلت على أثرالاتفاق قوة مشتركة ، إنطلقت في المنطقة تحت قيادة آمر الهيز حسو ميرخان .
الا ان بعض الاطراف في المنطقة لم ترحب بهذا الاتفاق ، بل اعتبرته تجاوزا عليها ، فحاولت نسفه منذ البداية ، ومن أبرزهم كان غازي حجي ملو ، الذي عمل على ابعاد هرمز من منطقتنا بشتى السبل ، وتمكن اخيرا من اقناع حسو ميرخان ، الذي قررنقل هرمز الى منطقة ( شرمن ) في عقرة ، محققا بذلك رغبة غازي من جهة ، ومعززا تواجد قواته في منطقة عقرة من جهة اخرى ، خاصة وان الزيباريين كانوا يسيطرون على هذه المنطقة دون ان يتمكن احد من مواجهتهم .
كان العديد من أفراد قوتنا المشتركة مصابين بالملاريا ، وكان لابد من إيجاد مادة الكينين لمعالجتهم قبل مغادرة المنطقة ، لذا قررنا القيام بعملية للاستيلاء على أحد المستوصفات في المنطقة ، ووقع الاختيار على مستوصف تللسقف ، فأرسلنا مفرزة بقيادة هرمز الى تللسقف ، إستولت على كميات من الادوية بينها قرابة (5) كيلوغرامات من حبوب الكينين ، تسلمها الدكتور حنا حيث عالج بها جميع المصابين بالمرض ، وبعد شفائهم ترأس هرمز قوة مشتركة من جماعته وبعض من رفاقنا ، وتوجه الى منطقة عقرة ، فيما استقرت بقية قوتنا في بيرموس .
يبدو إن أسبابا قوية فرضت إبعاد هرمز وقوته من المنطقة ، إذ لوحظ نشاط محموم لسلطة البعث بين العشائر الكردية الموالية للثورة المسلحة ، تحاول بمختلف الطرق تغيير ولائها لصالح السلطة ، وفعلا جرت محاولات جدية مع عبد الواحد حجي ملو ، أسفرت عن إنتقاله بشكل سري الى جانب السلطة ، حيث كلف بمهمة إقناع آغوات برواري ژيري لتغيير موقفهم والقيام بعد ذلك بعصيان ضد الثورة للسيطرة على المنطقة . وجرى إغراء الاغوات بالمال والسلاح وطمأنتهم بسرعة التدخل العسكري من قبل السلطة لمساعدتهم ، سيما وان منطقة عبد الواحد كانت محاددة لمناطق تسيطر عليها السلطة . وتلخصت الخطة بتقدم الجيش والجحوش لاحتلال منطقة المزوري على ان يسحب عبد الواحد قوته دون قتال الى ما وراء أتروش ، ثم يعلن إستسلامه للسلطة ، فيتم تشكيل قوة جحوش جديدة من جماعته ، ويصبح مسؤولا عن المنطقة ، وبمجرد نجاح الخطة ، يتمرد محمود آغا جمانكي ، ليلتحق بدوره بالسلطة ، بعد ان يسيطر على منطقة برواري ژيري المحاددة لمنطقة المزوري .
صبـــــاح يوم 9/11/1963 وبشكل مفاجيء تقدمت قطعات من الجيش العراقي وجحوش من الزيباريين وجماعة البريفكانيين ولواء اليرموك السوري (1) .
ولم نكن نعلم ان تلك القوات قد تحركت من عدة محاور : 1 ـ محور بيـــدة ـ أتروش 2 ـ محور آلوكا ـ سينا ـ بيرموس 3 ـ محور فايدة - عين سفني . ووصل لواء اليرموك الى قرية بيرموس وعسكر فيها ووضع رباياه على جبل دهوك . اما الجحوش فقد تقدموا من فايدة حتى عين سفني للسيطرة على المنطقة والجبال المشرفة عليها وتشمل منطقـــة القـــوش ـ باعذرة ـ عين سفني . أما الجيش العراقي فقد تقدم من دهوك بإتجاه قرية بيدة التي تم احتلالها وحرقها ، وواصل تقدمه نحو اتروش .
راودتنا بعض الشكوك من عدم تصدي بيشمركة المزوريين ( جماعة عبد الواحد ) للجيش وإنسحابهم امامه دون اية مقاومة حتى احتلاله اتروش ، الا ان شكوكنا لم تصل الى حد تصور ان ما يجري هو تنفيذ لخطة سرية متفق عليها بين الطرفين .
كان مقرنا في دير الربان هرمز ومقرات البيش مركة المزوريين منتشرة في قرى المنطقة ، ومقر رفاقنا من جماعة مصلح في قيصرية (2) قرب قرية كافاره ، وجميع هذه المقرات لم تهتم كثيرا بهذا التقدم ولم نعطه بدورنا اية اهمية استثنائية ، بل اعتبرناه تقدما عاديا سوف لن يفضي لشئ . كانت قوتنا مع البيش مركة المزوريين والكوجر في اليوم الاول تسيطر على قمة جبل ديرالربان هرمز ولم يتمكن الجيش والجحوش من التقدم بأتجاهنا لثلاثة ايام ، لذلك لم يخطر ببالنا ان اتفاقا جرى ويجري بين السلطة وقادة المزوريين ، ولم نعر اي اهتمام لعدم جدية البيش مركة المزوريين في الدفاع عن المنطقة وتراجعهم بأتجاه اتروش ، والحاحهم علينا بضرورة الانسحاب واللحاق بهم ، حيث رفضنا ذلك بشكل قطعي بأعتباره خيانة واضحة !!!
في اليوم الثالث لم يبقى على قمة جبل الدير سوى انصارنا ، وعندها وصل الينا (هيرو جفريكي ) ارسله غازي حجي ملو ليخبرنا بأن الجيش احتل ( بيده ) واحرقها وهو في طريقه الى اتروش وبوصولها سيقطع الطريق على انسحابنا ، لذا فهو ( غازي ) يناشدنا للانسحاب حالا ، لم نرى أي مبرر للاصرار على البقاء وعدم الانسحاب ، فأرسلنا فورا الى رفاقنا ( جماعة مصلح ) في قيصرية ليستعدوا للانسحاب معنا ومغادرة المنطقة .
تحركنا مساءًا الى قرية شيخ هسن والجيش السوري في بيرموس والجحوش يحتلون قرية خوركي مما يحول دون عبورنا منها ، لذا توجهنا الى قرية بالطة تحت نيران الجحوش ومنها توجهنا الى قرية بريفكا ، ثم الى قرية كلي رمان وبعد استراحة قصيرة واصلنا سيرنا نحو قرية بيبوزي (3) شمال غرب اتروش وبقينا تلك الليلة خارج القرية ، لندخلها صباحا وكانت مزدحمة بالبيشمركة ، ولم يكن ممكنا البقاء فيها او التزود بطعام من بيوتها ، سبقنا رفيقان الى الى قرية هسنكة (4) ، لشراء بعض الاحتياجات وتهئية الطعام قبل وصولنا اليها مساءًا وكان برفقتنا الرفاق من جماعة مصلح .
وصلنا هسنكة وكانت هي الاخرى اكثر ازدحاما بالبيشمركة وهم بإنتظار قرار من عبد الواحد الموجود في اتروش ، كان ذلك يوم 13/11/1963 وما هي الا ايام معدودة ليحسم عبد السلام عارف خلافاته مع البعث بأنقلابه في 18/11/1963 .
بدروه كان عبد الواحد في اتروش ينتظر قرار الحكومة للموافقة على تشكيل فوجه ، وفي المساء وصل مراسل منه ليخبر البيش مركة المزوريين ، نبأ التوصل الى اتفاق مع الحكومة وطالبا منهم التوجه الى دهوك وانتظار التعليمات هناك .
وعلى اثر هكذا تطورات لم يعد ممكنا لنا البقاء قريبا من جماعة عبد الواحد ، لذا قررنا ان نتحرك صباحا الى قرية بيركيات (5) حيث يتواجد حسو ميرخان مع قوة هناك .
وحال وصولنا لاحظت علامات الارتياح على حسو ، كان عنده جوهر عبدال شيخكي واخوته وتيتان كوخي ومحمود آغا جمانكي وجماعته ، وجاء بعــدها صادق عقراوي ومعه (25) مسلحا ، رحب بنا حسو بحرارة ، معتبرا مجيئنا اليه دعما معنويا وعسكريا له ولمن معـــــه.
كان لالتحاق عبد الواحد بالسلطة مع جميع مسلحيه تقريبا ضربة قوية للثورة المسلحة خاصة بعد سقوط البعث على يد عبد السلام عارف ، ومن اجل اعادة الاعتبار للحركة المسلحة وثقة الجماهير بها ولاثبات قدرتها على التصدي لكل من يفكر بالخيانة قرر حسو ميرخان القيام بعمل عسكري ضد السلطة ، فوقع اختياره على احتلال قرية بلان (6) التي يسيطر عليها علي مجيد آغا المسمى ( علي خاتون) ويتخذها مقرا له في منطقة شمكان ولديه قوة من الجحوش يقدرعددهم ب ( 200 ) مسلح ، وكانت رباياهم تحيط بالقرية من كل جهاتها .
في ذلك الوقت كان الاغا قد جمع محصول الرز واحتفظ به في جامع القرية ، كانت فكرة ضرب قوة الاغا والاستيلاء على كميات كبيرة من الرز وتوزيعها بالتالي على الجياع ستترك اثرا كبيرا وطيبا لدى ابناء المنطقة بلا ادنى شك.

صباح يوم 19/11/1963 توجهنا حسو وانا ومعنا مجموعة من البيش مركة الى الجبل المشرف على قرية ( بلان ) للاستطلاع ووضع خطة للهجوم ، وحددنا المجاميع ، وكانت مجموعة الهجوم الرئيسية من رفاقنا وحرس حسو الخاص ، وكلفت مجموعة من بيش مركة صادق عقراوي بمهمة الاسناد شمال القرية .
تم تحديد ساعة الصفر في الرابعة عصرا ، بعد ان قسمت القوة الى ثلاثة مجاميع ، المجموعة الاولى كانت من انصارنا ( صباح ومجموعته ) ومعهم ساكو وجوهر دودي وجماعتهما ، مهمتها الهجوم من الوسط على الربيئة الرئيسية المشرفة على القرية ، و المجموعة الثانية من انصارنا (عبد جمعة ومجموعته ) برفقة دليل من البيش مركة المزوريين ( كان قد بقي قسم منهم الى جانب الثورة ) تتوجه الى الجنوب الغربي من القرية قرب الطاحونة لاسناد المهاجمين ، المجموعة الثالثة مع رشاش برن يحمله الرفيق لزكَين جركو تتوجه الى شمال القرية لاسناد المهاجمين اذا تعرضوا لهجوم مضاد ، اما حسو ميرخان وجماعة العقراويين فقد كانت مهمتهم التمركز على الجبل شمال القرية كقوة احتياطية . في الساعة الرابعة مساءًا اطلق حسو طلقة البدء بالهجوم ، فأنطلق الانصار كالاسود نحو اهدافهم وهم يطلقون النار على الربيئة الرئيسية وبحركة سريعة تمكنوا من السيطرة عليها واحتلالها ، وقامت المجموعتان الثانية والثالثة بأحتلال المواقع التي حددت لها في الخطة ، فأصبحت القرية تحت رحمة نيران الانصار ، حاول الجحوش اتخاذ البيوت متاريس لهم ، الا ان اندفاعة الانصار كانت حاسمة ، وبدأ الجحوش بالتراجع ، ومن ثم بالهرب بأتجاه ( جبل مريبا ) ، وفي الساعة السادسة والربع كانت طلائع الانصار تدخل القرية .
التزم الانصار كعادتهم بأحترام العوائل والمحافظة عليهم وتأمين انسحابهم الى مريبا ، اما حسو فقد وصل القرية في السادسة والنصف .
كان الجامع مملوءًا بالشلب ( الرز ) قدرت كميته بمائة وخمسون طغار ( حوالي 40 طن ) ، تم تسليم القرية حسب الخطة الى صادق عقراوي ، وانسحبنا جميعا الى قرية ( ملبركي ) حيث يتواجد حسو ميرخان مع هرمز ملك جكو الذي كان قد وصل من ( شرمن ) ومعه بقية رفاقنا .
يوم 21/11/1963 ، اي بعد اقل من يوم واحد فقط على تسليم القرية الى صادق عقراوي ، وكنا ما نزال في قرية ملبركي ، وصل احد مسلحي صادق عقراوي ، ليبلغ حسو من ان فوجا من الجيش تدعمه الدبابات يتقدم نحو ( بلان ) لاستردادها ، وان صادق وجماعته قد تركوا القرية الى التلال المحيطة بها ، تحركنا جميعا على الفور بأتجاه ( بلان ) ، وكان امامنا ساعتين من المسير ، وعند اقترابنا من القرية ، قرر حسو فجأة ، الانسحاب مقترحا علينا ( هرمز وانا ) ان يرافقه احدنا ، اما الاخر فعليه اختيار الوجهة التي يرتئيها ، رد عليه هرمز بحدة : اذهب انت لوحدك اينما تريد ، اما نحن فسنواجه سوية وسنقاتل لوقف تقدم هذه القطعات ، لم يتردد حسو في قراره فأمر البيش مركة ومعه صادق عقراوي بالانسحاب بأتجاه الجبل المطل على القرية من ناحية الشمال ، وتركنا لوحدنا نواجه التقدم العسكري .
فقررنا مواجهة القطعات من خلال مجموعتين ، الأولى معي تحركت بسرعة بأتجاه السلسلة الجبلية المطلة على القرية وتم احتلالها ، والثانية مع هرمز توجهت مباشرة الى القرية من ناحية الشمال فأشتبكت مع الجيش حال اقترابه. وبمجرد احتلال قوتنا للسلسلة الجبلية المسيطرة على القرية ، اصبح الجيش تحت رحمة نيران اسلحتنا فدخلنا فورا بمعركة ضارية ، تحت قصف المدفعية ودوشكات الدبابات ، في تلك الاثناء لمحت ستة مقاتلين يشتبكون في قتال عنيف مع الدبابات وهي تتقدم نحوهم ، وتبين انه هرمز مع خمسة من المقاتلين فقط وصلوا الى موقع قريب ، دون ان تتمكن بقية قوته من اللحاق به ، عندها تم توجيه انصارنا بتكثيف الرمي على الجيش لمنعه من التقدم نحو هرمز ومحموعته . وفعلا تم انقاذ الموقف . كانت المعركة بضراوتها تدور لصالح الجيش ، لكن حينما بدأت الشمس بالمغيب عجل الجيش في الانسحاب الى عين سفني ، وهكذا حسمت المعركة لصالحنا ، فدخلنا القرية وعثرنا على جثة عريف تركت في ارض المعركة ومعها بندقية سمينوف ، لم تكن لنا اية خسائر سوى اصابة الرفيق هرمز صليوا .

العودة الى المنطقة
كان لالتحاق عبد الواحد حجي ملو بالسلطة تأثيرا سلبيا كبيرا على المنطقة اذ ترك فراغا واسعا فيها ابتداءًا من جبل القوش جنوبا حتى جبل كَارة شمالا ، وتركت عشيرة المزوري جميع قراها وانتقل الاهالي الى دهوك وعين سفني ، واضطرت عشيرة ( ارتوش ) الكوجر والايزيدية الى ترك المنطقة ايضا ، فأصبحت خالية الا من بعض العوائل الفقيرة التي لاتملك شيئا لتخاف عليه خاصة في قرى سينا وشيخ خدر بالاضافة الى عدد من الرعاة .
لم يكن الرجوع الى المنطقة ، امرا سهلا ، اذ يحتاج لمقاتلين اشداء لهم كامل الاستعداد للتواجد الدائم فيها والدفاع عنها في وضع معاشي بائس لاتتوفر فيه الارزاق لعدم وجود الفلاحين في قرى المنطقة ، وتدبير الارزاق يتطلب تضحيات كبيرة لصعوبة نقلها من مناطق بعيدة ، وكالعادة وقع الاختيار على قوة هرمز ملك جكو وقوتنا للرجوع والتواجد في المنطقة ، وقد بلغ عدد افراد القوة بحدود 150 مقاتلا اذا اضيف اليها من تبقى من البيش مركة المزوريين ، ولم يكن عددهم حينها يتجاوز ال 50 مقاتلا .
تحركت قوتنا من ( ملبركي ) ، ووصلت ليلا قرية ( شاهية ) المهجرة ( تقع على السفح الجنوبي للجبل المقابل لاتروش ) بقينا فيها نهارا وواصلنا المسير ليلا عبر ربايا الجيش في كَلي شيخ عادي حتى فجر اليوم التالي حيث وصلنا كَلي ديرك شمال قرية باعذرة ، تقرر الانتشار في الكَلي بعيدا عن الانظار، ووضعنا عدة نقاط للسيطرة لضمان بقاء القوة منتشرة بشكل سري ودون ان تلاحظ حتى من الرعاة .
ابلغنا تحسين بك امير الايزيدية بوجودنا ، مع رسالة له من حسو ميرخان يطلب فيها مساعدتنا بالطعام والعتاد ، وقد لبى طلبنا اذ استلمنا الطعام وقليلا من العتاد لعدم توفره حسب ادعائه ، في المساء تحركنا نحو الغرب سالكين الطريق بمحاذاة الجبل بإتجاه القوش متحاشين القرى حتى وصلنا ليلا قرية بوزان ( تبعد ثلاثة كيلومترات شرق القوش ) وبذلك حققنا الخطوة الاولى وهي الوصول الى المنطقة دون ان يشعر بنا احد .

المحاولة الفاشلة للسيطرة على مركز القوش
ليلة 26 - 27 /11/1963 قررنا دخول القوش والسيطرة على مركز الشرطة فيها لاعادة نفوذ الحركة في المنطقة ، ولم يبلغ ايا من الانصار بالعملية حتى وصولنا دير السيدة ، دخلنا البلدة بشكل مفاجيء في الساعة الثامنة والنصف مساءًا ، كان مدير الناحية سيروان الجاف (7) قد توجه الى مركز الشرطة ، ولم يجده الانصار الذين كلفوا بمهمة اعتقاله في بيته . توجهنا نحو مركز الشرطة حيث تم تطويقه في التاسعة مساءًا دون ان يشعر احد من الشرطة بنا ، كان خطأ من هرمز ملك جكو حينما كلف الرفيق عبد جمعة بمناداة الشرطة والطلب منهم تسليم انفسهم ، بدأ الرفيق عبد بمناداتهم [ ايتها الشرطة الوطنية ، سلموا انفسكم للثوار، وسنضمن لكم حياتكم ] ، كان جوابهم الشتائم واطلاق النار بإتجاهنا بعد ان احكموا غلق الباب الرئيسي وتوزعوا على الاسطح وقرب الشبابيك . لم نكن نملك اسلحة ساندة عدا مدفع هاون 2 عقدة مع 6 قنابل فقط ، فتقدم الرفاق والبيشمركة في خطوة جريئة وخطرة بالهجوم على الباب الرئيسي عبر ساحة مكشوفة معرضين انفسهم لنيران الرشاشات وتمكنوا من الوصول الى الباب الرئيسي المقفل .
بدأ عتاد الانصار والبيش مركة بالنفاذ ولم نفلح في دخول المركز ، وبعد ان تجاوزت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل قررنا الانسحاب والخروج من القوش بعد فشل خطتنــا بالسيطرة على المركز ، استشهد في المعركة احد بيش مركة هرمز وجرح اخر ، ووجد الانصار عريفا للشرطة مقتولا في سيارته امام المركز ، فأخذوا سلاحه .
وفي طريق الانسحاب عبر سوق البلدة حاول البيش مركة كسر ابواب الدكاكين لنهبها ، فأثار ذلك حفيظة الانصار الشيوعيين من اهل البلدة ، وكاد الامر ان يتطور الى صدام مسلح بينهم ، لولا تدخل هرمز وقيامه بمنع مقاتليه من النهب ، ومع ذلك فقد تعرضت بعض الدكاكين للنهب . واصلنا سيرنا عبر الجبل الى قرية سينا عند سفح جبل دهوك ، قررنا ان يكون مقرنا فيها وكانت مهجرة ولم يبقى فيها الا عدة عوائل فقيرة .

استشهاد هرمز ملك جكو
بنى هرمز امالا كبيرة على عملية السيطرة على مركز شرطة القوش في رفع سمعته بين الجماهير ، فكان لفشلها تأثيرا نفسيا سيئا عليه اذ شعر بخجل غير مبرر ، وحاول ايجاد اي بديل يعوض به فشله .
بعد ثلاثة ايام ، في الواحدة ظهرا وكنت قد رجعت توا مع مفرزة صغيرة ، من قرية خربة صالح ، البعيدة ست ساعات عن سينا ، وفي نيتي اخذ قسط من الراحة ، واذا به ( هرمز) يبادرني بطلب مساعدته بثمانية من الانصار لمرافقته الى جبل دهوك تمهيدا لاستطلاع اتفقنا على القيام به لاحقا ، لم اكن مطمئنا لهذا الطلب بسبب الوضع النفسي الذي كان يمر به اضافة لاصابته بالانفلونزا ، وابديت له قلقي ، مذكرا بأن موعد الاستطلاع غدا وليس اليوم ، والمفترض ان نكون معا ، اكد بأنه لن يذهب الى اي مكان سوى جبل دهوك فقط .
في العاشرة ليلا من نفس اليوم ( 30 /11/ 1963) ، وصل اثنان من بيش مركة هرمز ليخبراني بنبأ الكارثة ...
توجهت فورا الى موقع المعركة ورأيت جثث الشهداء الواحدة قرب الاخرى ، وهي على بعد 50 مترا عن شارع دهوك - الموصل ... كانت الخسارة كبيرة وكبيرة جدا ، فقدنا ذلك اليوم هرمز وخمسة مقاتلين ، كان بينهم رفيقنا حنا عوديش عقراوي (8) ، واسر مقاتل اخر هو حسن تركي ، قام الجيش بأعدامه وتعليق جثته على طريق دهوك - الموصل .
تبين ان هرمز لم يذهب الى الجبل كما اكد ظهرا ، انما توجه الى الشارع العام الرابط بين دهوك والموصل ، وقام بنصب كمين في منطقة تقع جنوب غرب قرية زاوه ، في نقطة لا تبعد سوى 5 كيلومترات ، عن معسكر آلوكا الذي يعسكر فيه لواء اليرموك السوري .
وقعت في الكمين ثلاث سيارات زيل كبيرة على متنها حوالي ( 40 ) جنديا مسلحا عائدين من اجازاتهم ، واحدى السيارات كانت محملة بمواد غذائية للحانوت ، سيطر البيشمركَة على الموقف وتم اسر الجنود وتجريدهم من السلاح ، و توجهت بهم مفرزة صغيرة نحو المقر ، انشغل بقية البيش مركة بحمولة سيارة الحانوت ، في تلك الاثناء مرت سيارة تاكسي متوجهة الى دهوك لم تقف عند الحاجز عندما اشير لها ، بل واصلت سيرها حتى آلوكا ، ليقوم السائق بالابلاغ عن الكمين وعن السيارات العسكرية الثلاث .
كان هرمز يحث البيشمركَة للاسراع ولترك المكان ، ولم يشعرالبيش مركة الا والمدرعات السورية وناقلات الجنود تتقدم نحوهم وتضرب طوقا حولهم ، فنشبت معركة غير متكافئة بين الطرفين ، وخلالها استطاع الاسرى من الهرب ولم يبقى منهم سوى نائب ضابط وجنديين مع سلاحهم وصلوا الى مقرنا برفقة انصارنا .
وبسبب غروب الشمس لم يجرئ الجيش على البحث عن جثث الشهداء فتركت في ارض المعركة .
قمنا بنقل الشهداء الى قرية سينا ، حيث دفن هرمز فيها ، فيما دفن الاخرين في مقبرة الشهداء في دير الربان هرمز .
وكانت هذه الخسارة هي الاخرى غير مبررة ، فلم يكن اي شئ من العملية مدروسا ، ومخططا بشكل واقعي ، لم يفكر هرمز بأمكانية قيادة تلك السيارات الثلاث بعيدا عن الموقع خاصة وان في المفرزة اكثر من سائق ،( الشهيد حنا عوديش ، سعيد موقا ، عبد شمعون كردي ) كان بأمكانهم قيادة السيارات بمن فيها من اسرى وبيش مركة وغنائم ، والتوجه بها الى سينا مباشرة ، سيما وان الطريق كان مناسبا لذلك .

انقطعت علاقتنا مع مجموعة هرمز بعد استلام قيادتها من قبل المدعو ابرم ، لكن في اثناء هدنة سنة 1964 تسلم قيادتها الاخ طليا سيبو ، عندها عادت علاقتنا لتصبح طبيعية .

يتبع

(1) كانت الحكومة السورية قد ارسلت هذا اللواء بأمرة فهد الشاعر ، لمساعدة الجيش العراقي على اثر اتفاق نيسان ) ، وكان يضم العديد من الشباب الاشوريين من منطقة الجزيرة في سوريا .
(2) تقع قيصرية في كَلي كَافارة ويوجد فيها عين ماء عذب ، فيها كهوف اثرية منحوتة على شكل غرف وتعتبر من الاثار التاريخية في المنطقة اتخذها الرفاق مقرا لهم .
(3) قرية يسكنها المسيحيين شمال غرب اتروش ، تركها اهلها بسبب اضطهاد المزوريين لهم .
(4) هسنكة ، قرية كبيرة نسبيا ، يسكنها المزوريين تقع شمال اتروش .
(5) قرية بيركيات ، شمال شرقي اتروش ، سكانها من البرواريين اتخذها حسو ميرخان مقرا مؤقتا له بعد التحاق عبد الواحد حجي ملو بالسلطة .
(6) قرية في سفح جبل بي خير ، منطقة شمكان ، كان سكانها من المسيحيين ، استولى عليها علي مجيد آغا واسكن فيها جماعته من الاكراد ، وشمكان منطقة خصبة وفيها مياه وفيرة تكفي لاسقاء مزارعها تقع في السهل بين جيابانك ـ بي خير ، تجاورها قرى مسيحية اخرى منها تلان ، بيري ، باصفري .
(7) من اهالي السليمانية ، عين مديرا لناحية القوش ، بعثي متعجرف ، تقلد مراكز عدة منها محافظ السليمانية ، ورئيس المجلس التنفيذي لاقليم كردستان .
(8) عضو في الحزب الشيوعي العراقي ، من اهالي عقرة ، التحق بالانصار بعد انقلاب شباط 1963 ، استشهد يوم 30 /11/ 1963.

أوراق توما توماس
( 6 )


لقائي الاول مع الملا مصطفى البـــــــارزاني
في خريف عام 1964 اثناء الهدنة بين الحركة المسلحة وبين حكومة عبد السلام عارف ذهبت الى رانية والتقيت بالرفاق في قيادة فرع كردستان لبحث العديد من القضايا التي تخص منظمتنا وانصارنا ومستقبل عملنا ، ومن اجل حل مشاكلنا الداخلية ، خاصة تلك التي تسبب بها مصلح الجلالي. اقترح الرفاق استغلال تواجدي هناك لعقد لقاء مع البارزاني ولطرح مشاكل الانصار عليه وطلب المساعدة لهم. كانت تلك اول مقابلة لي مع البارزاني وقد رأيته رجلا قويا ذو هيبة ، بسيط في حديثه وتعامله مع من يثق بهم ، طرحت عليه اوضاع قوتنا الانصارية وحاجتنا للمساعدة . استمع بأنتباه وتواضع واحترام لكل ما طرحته ، وقد لمست منه تفهما كبيرا و تجاوبا مشجعا. طلب اثناء اللقاء حضور ولديه ادريس ومسعود ، فحضر شابان بمقتبل العمر ، وقفا موقف الاستعداد وهما يستمعان الى تعليماته ، وقد نفذا كل ما طلب منهما تنفيذه .

اثناء عودتي مررت في منطقة برزان ، فألتقيت الشيخ احمد البارازاني ، وتعرفت على ابنه الشيخ عثمان (1) لاول مرة ، وكان شابا متواضعا ، يكنّ له البرزانيون حبا واحتراما كبيرين ، وقد انتخبته عشيرة البارزاني - بعد وفاة والده الشيخ احمد البارزاني - شيخا للعشيرة ، بدلا من اخيه الاكبر الشيخ محمد خالد .

واصل الشيخ عثمان نهج ابيه الراحل ، واتخذ موقفا محايدا من الحركة المسلحة الكردية وكان لاخيه الشيخ محمد خالد حينها قوة مسلحة تقدر بسبعمائة مسلح تتعاون مع الحكومة للحفاظ على منطقة بارزان ، دون ان تحارب الانصار والبيشمركَة ، بل كانت في اغلب الاحيان تساعدهم في تنقلاتهم بالمنطقة .

استئناف القتال
انتهت فترة الهدنة المحددة بسنة واحدة دون التوصل الى اتفاق بين البارزاني وعبد السلام عارف فأستؤنف القتال مجددا. قررنا ترك القوش مع قوة طليا شينو ( المقاتلين الاثوريين ) الى دير الربان هرمز ، ومتابعة الوضع الجديد. ولم نترك البلدة دون ان نجرد سيطرة الشرطة الواقعة جنوب البلدة ، من السلاح ، فحصلنا على ( 4 ) بنادق انكليزية مع عتادها .

اراد عبد السلام ، عبر استئناف المعارك ، ان يجرب حظه هو الاخر بالحل العسكري للقضية الكردية .. حيث قامت القطعات العسكرية بشن حملة كبيرة على منطقة عقرة لفصل بهدينان عن السوران عبر السيطرة على جبل بيرس - بارزان وصولا الى الحدود التركية .
كانت القوات العسكرية تتقدم بأتجاه الزيبار ، حينما ارسل حسو ميرخان بطلبنا للمساعدة في ايقاف التقدم .
وصلنا منطقة نهلة (2) وكانت طلائع الجيش قد تجاوزتها ، ووصلت الى قرية شهي على سفح جبل بيرس ، وحاول البيشمركَة ومعهم انصارنا عبثا ايقاف الجيش والجحوش ، المستمرين في تقدمهم ، فقررنا المقاومة لوقف التقدم نحو مقراتنا في منطقة برواري .
واثناء المعركة ، وفجأة في حوالي الساعة الثانية ظهرا تبدل الموقف العسكري ، فبدلا من تقدمهم بدأ الجنود والجحوش بالتقهقر والتراجع بلا نظام ، ومن دون ان نشكل اي ضغط حقيقي عليهم ، حينها لم نكن نعرف تفسيرا لهذه الحالة ، لكن مساءا علمنا بسقوط طائرة عبد السلام عارف ، في منطقة القرنة في البصرة ، وعليه فقد صدرت الاوامر بوقف الهجوم وسحب القطعات العسكرية .

في سنة 1965 وعلى اثر علاقات متينة مع ايران بدأت الحركة المسلحة الكردية ، بأستلام بعض الاسلحة المتطورة من رشاشات متوسطة وقاذفات الصواريخ ( بازوكا ) والدوشكا المضادة للطائرات . وقد تم فتح دورات عسكرية لتدريب مقاتلين اكفاء لاستخدام هذه الاسلحة ، كانت احداها ، تلك التي طلب حسو ميرخان منا تشخيص رفيقين للتدريب على سلاح ال ( بازوكا ) في كاني ماسي (3) فتم ايفاد الرفيقين سالم اسطيفان وكوريال بللو ، واستمرت الدورة شهرا كاملا. خصص بعدها لقوتنا الانصارية قاذف بازوكا واحد ، وبذلك كنا اول فصيل من البيشمركَة في بهدينان نحصل على هذا السلاح . وانيطت مسؤولية استخدامه بالرفيق كوريال بللو لاجادته اصابة الاهداف بدقة متناهية .

***
الأفواج الخفيفة ( الجحوش )
كانت الحركة المسلحة التي اندلعت في ايلول 1961 ، تأخذ في بدايتها وبوضوح الطابع العشائري وبالذات ( البارزاني ) ، قبل ان تتحول ، الى حركة شعبية تحررية للشعب الكردي .

وتشكلت ازاءها ، قوات مناوئة لها سميت بالافواج الخفيفة ، واقتصرت في البدء على ابناء العشائر المناوئة لعشيرة البارزاني ، ومن ابرز تلك العشائر التي وقفت بالضد من البارزاني وثورته ، كانت عشيرة ( الزيبار ) بسبب العداوة بينهما ، وكذلك الريكانيين والسورجيين وهم من الاعداء التقليديين لعشائر البارزاني . ولازالت مواقفها معادية للحركة المسلحة الكردية وتعيش في محافظة الموصل .
تميزت هذه الافواج بنشاطات تخريبية ضد شعب كردستان حيث مارست شتى انواع الاعتداءات على المواطنين وحرقت الكثير من القرى في كردستان ونهبت الممتلكات. ولم تقتصر تجاوزاتهم على القرى الكردية فحسب، بل وشملت القرى المسيحية ايضا ، فقد قام منتسبو هذه الافواج من الزيباريين بإقتحام مطرانية الكلدان في العمادية ونهب محتوياتها المقدسة والعبث بها ، كما قاموا في ( ارادن ) بنهب ممتلكات الاهالي وبيعها في الموصل والاعتداء على اربعة راهبات فيها. وتلى ذلك الاعتداء على راهبات دير السيدة في القوش وقتل خادمهم ونهب ممتلكات كنيسة الدير المقدسة .
وقد ادى اتساع زخم الثورة وشمولها لقطاعات واسعة من الشعب الكردي الى توسيع مقابل في هذه الافواج بإنضمام اعداد جديدة لغرض الارتزاق ، وتمكن بعضها من مد الجسور مع الحركة المسلحة الكردية للحفاظ على مصالحها مع الطرفين .

وخصت الحكومات العراقية المتعاقبة عشيرة الزيبار بمعاملة متميزة ، بسبب مالمسته من اخلاص واندفاع في تنفيذ المهمات ، فكانت تكلفهم بالمهمات الهجومية والتقدم على القرى والمقرات ، وتعفيهم من الحراسات والمراباة.

الا ان قسما من عشيرة الزيبار من الذين تربطهم مع البارزاني علاقة القربى لزواجه من ابنة الشيخ محمود قد التحقوا بالثورة ولازالوا في مواقع المسؤولية . واثناء الهدنة 1970-1974 قامت السلطة باغتيال عميد اسرتهم زبير اغا الزيباري بدس السم له .

ولحاجة الحكومات للمزيد من هذه الافواج ، اخذت بتجنيد العديد من العشائر الكردية، ومنها من استغل ذلك لبيع خدماته للطرفين المتحاربين. واصبحت تلك العشائر تنتقل من طرف الى آخر ، بالشكل الذي يضمن حياتها ومعيشتها. وتكونت قوة وسطية من هذه العشائر اطلق عليها ً ( الجحوش الوطنية !!) وكانت قيادة الثورة الكردية حريصة على مراعاة مصالح هؤلاء .

وابان هدنة عام 1964 ، تم تسريح العديد من فصائل ( الجحوش الوطنية ) فألتحق بعضهم بالحركة المسلحة .

في احد الايام كنت عند حسو ميرخان وكان بعض من رؤساء تلك الفصائل موجودا هناك وانبرى احدهم ( احمد ميرخان برواري ) قائلا : ( اننا مخلصون للشعب وثورته ولهذا تركنا سلك الجحوش والتحقنا بالثورة ) ، فرد عليه معاوية بك اليزيدي موجها كلامه الى حسو وقال ( لاتصدقه ، والله لو كان قد بقى لدينا خبز عندهم لما كنا قد جئنا عندكم ، ولكن قطعوا رواتبنا فلهذا التجأنا اليكم ) .

اهم ما كانت تتميز به هذه العشائر هو عدم استعدادها للقتال الجدي وكانت تقوم بعقد اتفاقات مع مسؤولي البيشمركة في حالة اجبارها من قبل الحكومة ، للقيام بهجوم على المقرات او للتقدم الى منطقة معينة. عندها كانت تجري عملية مساومة مع البيشمركَة ، كي ينسحبوا مؤقتا ويسمحوا لهم بالتقدم نحو المقرات ليتم دخولها وحرق بعض الاجزاء غير المهمة ومن ثم الانسحاب ويتم بعدها تقاسم العتاد او المبالغ مع البيشمركَة ، ومقابل فسح المجال أمام البيشمركَة في تنقلاتهم وعدم التحرش بهم اثناء الدخول الى المدن .

سنة 1965 ، استؤنف القتال مجددا وكلف تحسين بك بطرد الانصار من القوش. عندها طلب تحسين اللقاء معي في الدير بشكل سري ، والتقينا فجر نفس اليوم المحدد لاحتلاله القوش وطلب مني ان نلعب نفس اللعبة ليدخل منتصرا ومحتلا لها ، قلت له ، رغم ان هذه اللعبة تتناقض مع مبادئنا ، الا اننا مستعدون للخروج من القوش دون قتال ، فقط لنضمن سلامة البلدة ، ولحسن الجوار معكم ، وعلى شرط عدم الاعتداء على العوائل ، ، يبدو ان جلال بك ( شقيق تحسين ) ابدى تذمره من موقفي ، مما حدا بتحسين بشتمه وطرده من الاجتماع .
الا انهم نقضوا اتفاقهم ، اذ هجم فاروق ( شقيق تحسين ) على دارنا مطلقا وابلا من الرصاص في الهواء ، دون ان يراعي اي اتفاق .
وبالمقابل كانت هناك عشائر شكلت منها فصائل الافواج الخفيفة ، لم تمارس هذه اللعبة ، بل ظلت ملتزمة بتنفيذ كل المهمات القذرة التي كانت تكلف بها ، ومنهم فصائل الاشوريين . فقد تشكلت منهم سرية في عين سفني بقيادة شيبا شيبا ، كانت متفانية في خدمة النظام ، مما ادى الى اغتيال شيبا في كمين نصبه مسلحو حسو بين عين سفني والموصل .

***
الجلاليون يشكلون قوة لهـــــــم
سنة 1966 واثناء تولي عارف الثاني لمقاليد رئاسة الجمهورية وعبد الرحمن البزاز لرئاسة الوزراء ، فسح المجال امام الجلاليين لتشكيل قوتهم المناوئة للحركة المسلحة الكردية .
لم يكن الخلاف بين البارزاني والمكتب السياسي ( جماعة ابراهيم احمد ) بالامر الجديد او المفاجئ ، انما كان قد بدأ اثر التحول في سياسة عبد الكريم قاسم تجاه الاحزاب الوطنية منذ سنة 1961 وعلى اثر انطلاق الحركة المسلحة الكردية في 11 ايلول 1961 اذ وقف المكتب السياسي ضدها ... وتعمق الخلاف حينما جرى الاتفاق على الهدنة مع حكومة عبد السلام عارف في 10 /2/ 1964 وبغياب ابراهيم احمد . وعند عودته عارض الاتفاق وانضم اليه جلال الطالباني ، وعلى اثر ذلك دعى ابراهيم احمد الى اجتماع حزبي وعسكري للحزب الديمقراطي الكردستاني لدراسة الوضع واتخاذ الموقف من البارزاني، مما حدا بالأخير الى عقد المؤتمر السادس للحزب ، وقرر فيه طرد ابراهيم احمد وجماعته من الحزب وانتخاب لجنة مركزية جديدة .

شن ابراهيـــــــــــم احــــمد وجماعته حملــــــــة عسكرية ضد البارزاني بتحريض وتأييد من ايران ، فأستقدم البارزاني قوة كبيرة من بهدينان ، اخرجتهم من الاراضي العراقية ، فتمركزوا على الحدود الايرانية ، ومن هناك استمروا في شن هجماتهم على قوات البارزاني ، مما حدا به الى تهديد ايران ، بنقل القتال الى اراضي كردستان ايران اذا لم تستجب لمطاليبه في ابعاد ابراهيم احمد وجماعته عن منطقة الحدود ، وفعلا تم له ذلك ، حيث تم ابعادهم الى منطقة همدان .
وحينما اصدر البارزاني عفوا عن جماعة ابراهيم احمد عام 1965 ، عاد جلال الى صفوف الثورة حتى شباط عام 1966 وكان آنذاك على اتصال مع عبدالرحمن البزاز ، وتم الاتفاق بينهما على تشكيل الافواج الخفيفة ( الجحوش ) وقد عرفت تلك القوة في كردستان ب ( جاش 66 ) ، وكانت مهماتها مواجهة الثورة المسلحة في كردستان .
ثم نشطت هذه القوة وسط رؤساء العشائر الموالين للبارزاني ، في محاولة لسحب تأييدهم من الثورة الكردية وتجنيدهم ضمن الافواج الخفيفة ، حيث التحقت بهم من بهدينان ( عائلة حجي شعبان ) [ أحمد و سعيد ] ، وتشكل فوج منهم بقيادة علي حجي شعبان في العمادية واستقر في قرية ديري . والتحق بهم ايضا تيلي الدوسكي في قرية ( قرقراوة ) القريبة من زاويته ، وكذلك عارف بادي ، وبعض الطلبة والشباب في مدينة دهوك .
يوم 21 /6/ 1966 تحركنا مع البيشمركَة المزوريين الى منطقة ( بري ?اره ) لمواجهة الجلاليين وافشال محاولاتهم لتشكيل قوى جديدة لهم في العمادية ، حيث علمنا بتشكيل سرية لهم بقيادة ميرخان احمد استقرت في قرية باروكي كفر .
قررنا السيطرة على القرية ، وضرب تلك السرية ، فتحركت مع الاخ محمد شيخ احمد المزوري بأتجاهها ، وقرابة الساعة السادسة مساءا ، تمكنت قواتنا من احكام سيطرتها على جميع منافذ القرية ، فتم اسر جميع افراد السرية ، وكان عددهم 60 مسلحا ومن ضمنهم مسؤولهم ميرخان احمد ، جردناهم من السلاح وارسلوا الى مقر حسو ميرخان .
بعدها اتجهنا نحو بنكلي ، لملاقاة حسو اذ كان قد سبقنا اليها ، وعلمنا منه انه قد ارسل مفرزة الى قرية كوركو لاعتقال احمد وسعيد حجي شعبان ، وعند احضارهما ارسلا الى عيسى سوار في زاخو ، وارسلهما الاخير بدوره الى سجن سناط (4) .
لم يكن من السهل توجيه ضربة محكمة لقوة علي شعبان ، بسبب قربها من العمادية ، حيث تحيط بها الربايا العسكرية . لذلك قررنا التوجه الى منطقة الدوسكي لمواجهة تيلي الدوسكي .
في تلك الليلة وكنا في قرية ( اسبندارة ) ، اذيع بيان 29 / حزيران / 1966 لحل المشكلة الكردية. وكان في البيان مجموعة من الشروط ينبغي على الثورة الكردية دراستها واعلان الموقف بشأنها .
وردتنا برقية من البارزاني بضرورة توجهنا الى زاويته لعقد لقاء مع ممثلي السلطة للاتفاق على شروط وقف القتال في منطقة بهدينان ، وقد عقد اللقاء في النادي السياحي في زاويته ، وحضرة من جانب الجيش العقيد بشير الطالب ( امر اللواء في دهوك ) والمقدم محمد علي سعيد ( امر فوج زاويته ) و ديوالي اغا الدوسكي ، ومن الحركة المسلحة الكردية ، حسو ميرخان وعلي جوقي وانا .
واتفقنا على ايقاف اطلاق النار ، والتوقف عن ملاحقة الجلاليين لانجاح المفاوضات بين الثورة والحكومة ، وهكذا توقفت مؤقتا العمليات العسكرية ضد الجلاليين وعاد الانصار الى مقراتهم .

الا ان الهدنة لم تستمر طويلا ، واستأنف القتال مجددا وبدأت الافواج الخفيفة الجلالية بحملاتها ضد البيشمركَة والانصار ، الا ان هذه الحملات كانت مقتصرة على المدن ، لعدم تمكنهم من الخروج منها لضعف امكانياتهم القتالية ولمعاداة الجماهير لهم .

يتبع

(1) في سنة 1974 وحينها كنا في تحالف مع البعث ، سلم الشيخ عثمان نفسه الى السلطة مع من التحق به من عشيرة بارزان ونقلوا الى مجمعات سكنية مثل كَورة تو وقوش تبة ... الخ . وعند وصوله الى الموصل ، زرته والتقيت به في الفندق ، لكن لم نستطع التحدث عن اي شئ ، بحرية بسبب ملازمة مدير الامن في الموصل له ، طوال مدة زيارتي ، اذ لم يتركوه لوحده اثناء لقاءاته بالاصدقاء والمعارف .
في سنة 1983 عندما دخل الايرانيون منطقة حاج عمران ، اتهمت السلطة البارزانيين بمساعدة الجيش الايراني كأدلاء له فشنت عليهم حملة اعتقالات شملت كل من تجاوز عمره 14 سنة من الذكور ، وبلغ عدد المعتقلين 8 الاف شخص مع ( 37 ) من الامراء وابناء شيوخ العشيرة ولايعرف مصيرهم حتى الان .
ومعروف ان عزة الدوري في اثناء الحوار مع وفد الجبهة الكردستانية قد اعترف بإنهم غير احياء ويمكن تنظيم طلبات التقاعد لهم من قبل عوائلهم .
(2) منطقة نهلة تقع بين جبل بيرس شمالا وجبل عقرة يمر بها نهر يسقي الاراضي المنبسطة ، فيها عشرة قرى آثورية ، أستحوذ الزيباريون على قسم منها مثل كريش العليا والسفلى ، سيان ، باشمش ، جم سني ، ديفري ، جم جماله ،جم شرتي وغيرها.
(3) كاني ماسي ، مركز ناحية برواري بالا تقع على الحدود مع تركيا ، عدد سكانها حوالي 800 شخص من الاشوريين تتبع لها 35 قرية اشورية ، كانت مقرا لاسعد خوشقي .
(4) سناط قرية مسيحية سكانها حوالي 40 عائلة تقع على الحدود التركية شمال غرب زاخو في منطقة جبلية منيعة ، اتخذها عيس سوار كسجن للمناوئين للثورة وعملاء السلطة .

أوراق توما توماس
( 7 )


محاولات لانهاء نفوذ انصارنا بين الجماهير في منطقة بهدنان - 1

وجدت قوتنا الانصارية الوليدة امامها اطرافا عديدة تناصبها العداء، وتحاول وضع العراقيل امام تطورها وإتساع نفوذها وجماهيريتها كحركة مسلحة للحزب الشيوعي العراقي. واستخدمت اشرس واخبث الوسائل ضد الشيوعيين وعوائلهم . ولم تتوقف يوما تلك المحاولات ولم تقتصر على فترات القتال بيننا وبين السلطة ، بل تواصلت حتى في اوقات الهدنة وتوقف القتال والمفاوضات .
فالى جانب الملاحقة عسكريا ، دأبت سلطة البعث ، عبر اساليب متنوعة، بالضغط على الانصار وعلى عوائلهم لابعادنا عن خيارنا بمقاومة السلطة ، مستخدمة في ذلك أيضا اساليب الاغراء بالاموال او بالوظائف .

ولم يقتصر الامرعلى السلطة وقواتها ومرتزقتها ، بل ناصبنا العداء اناس من الطرف الاخر؛ أي الطرف المحسوب على الثورة المسلحة. وكان في مقدمة هؤلاء بعض الاشخاص في القوش ، ممن كانوا يرتبطون بالحزب الديمقراطي الكردستاني الى جانب ارتباطهم بشكل من الاشكال بالاجهزة الامنية والمخابرات العراقية وبدفع وتشجيع من بعض رجال الكنيسة .

كانت البداية على يد احد معتمدي قصر امير الأيزيدية وعضو محلية الشيخان للحزب الديمقراطي الكردستاني المدعو صالح نرمو. وكان حسو ميرخان قد نسب صالح نرمو مسؤولا اقتصاديا في الدشت، حيث يقوم بجمع الواردات للثورة على مرأى ومسمع من السلطة العراقية دون ان يعترضه احد. وقد توفرت لديه امكانيات مالية ضخمة بسبب مركزه هذا، إضافة الى نفوذه السياسي لكونه عضو محلية الحزب. كما كسب نفوذاً اجتماعياً لكونه معتمد القصر الاميري .استطاع هذا الشخص أن يستميل عدداً من الرفاق والاصدقاء الانصار ، مستغلا حالة الفقر لسد احتياجات عوائلهم . كما إستغل البعض من ذوي الانفس الضعيفة، حيث تمكن من كسبهم الى جانبه ، وفي مقدمتهم حسن عقراوي الذي كان قد جلب عائلته واسكنها في المنطقة وباشرت بأستلام ارزاقها من صالح نرمو. واستطاع حسن بدوره كسب عدد من الرفاق الايزيديين والاكراد مثل شيخ آزدين ونافخوش وكَندل علي .. وأخرين .

خطط صالح نرمو وحسن عقراوي لاحداث انشقاق في قاعدتنا العسكرية. واستطاع هؤلاء فعلا من اقناع مجموعة مكونة من 15 نصيرا، حيث قاموا ليلا بكسر باب المشجب والاستيلاء على اربع بنادق انكليزية بمساعدة الحارس توران عبد الحكيم، وهربوا الى مقر حسو ميرخان. لم اكن في تلك الليلة موجودا في المقر. وعند عودتي صباحا الى ديرالربان هرمز علمت بالحادث، فقررت فورا توقيف الحارس .

توجهت مع مفرزة، قوامها 25 نصيرا، واخذت معي الرفيقين ابو نصير وابو جاسم ( محمد سواري ) الى قرية نصيرية حيث يتواجد صالح نرمو، فلم نعثر عليه. ثم واصلنا مسيرتنا الى مقر حسو ميرخان في قرية شكفتي منطقة برواري ريري. وعند وصولنا المقر علمنا بوجود المجموعة الهاربة هناك. تركنا المفرزة خارج المقر وذهبت برفقة ابو نصير و ابوجاسم الى حسو ميرخان لمعرفة سبب لجوء هؤلاء اليه، وضرورة اعادة الاسلحة المسروقة من المشجب. اخذ حسو موضوع السرقة بجدية واهتمام وباشر التحقيق معهم واستطاع اكتشاف جريمتهم تلك واعاد لنا البنادق المسروقة. اما اسلحتهم ، فقد رفض اعادتها بحجة ان المسألة تحتاج الى موافقة من البارزاني مباشرة ، حيث اعتبروهم ملتحقين جدد بالثورة مع اسلحتهم ، مؤكدا بذلك علاقته بمخطط انشقاق هذه المجموعة وتشجيعه لها. ولربما كان المسؤول الاعلى من حسو على علم بالمخطط الذي يهدف الى تحجيم قوتنا الانصارية او كما يقال ، قص اجنحتها .

الواقفون من اليسار الملازم اول يوسف بطرس البازي ، توما توماس ، سعيد هاشم ، الجالسون من اليسار صبحي اسماعيل ، جلال البدري - جبل جيا بانك 1967

قررت اعادة المفرزة الى المقر، على ان اغادر نحو مقر الملا مصطفى البارزاني لغرض الحصول على موافقته بإعادة جميع الاسلحة التي كانت بحوزة الهاربين .
في ?لاله التقيت البارزاني، وتحدثت معه بخصوص الموضوع. فقرر تزويدنا مباشرة بخمسة عشر ( 15 ) بندقية انكليزية ، وطلب من حسو برسالة خاصة اعادة بندقية كلاشنكوف كانت مع الهاربين، لانه لم يكن بحوزته هذا السلاح ليعوضنا به .
وفي طريق العودة طالبت حسو بأرجاع البندقية حسب توصية البارزاني ، فأعتذر عن سحبها من حسن عقراوي ، وسلمنا مبلغ 300 دينار لشراء بندقية كلاشنكوف بدلا عنها .

*****
كانت تربطنا علاقات جيدة بغازي حجي ملو ، ومع المزوريين بشكل عام بحكم الجيرة والنضال المشترك لسنوات عديدة. وبعد التحاق اخيه عبد الواحد بالسلطة، تم نقل غازي مع من تبقى من جماعته الى سوران وحل محله هاشم ميروزي (1).

كان مقرنا يقع في دير الربان هرمز عندما فاجأنا هاشم مع قوة كبيرة من اتباعه وهي تحيط بمقرنا. طلب منا ترك المقر والمنطقة، وقد اثار استغرابي لانه يعتبرها منطقته في الوقت الذي ولدت انا فيها وجاء هو من الحدود التركية. كان موجوداً في غرقتي حينما ابلغني بقراره. فأحتدم النقاش وإحتد بيننا وكاد ان يؤدي الى صدام مباشر بيني وبينه. فأحتكمت الى العقل بعد ان تبين لي ان فخا قد نصب لنا. ولتفادي الانجرار لقتال لن يؤدي الا الى إلحاق خسارة كبيرة بالطرفين ، قررنا مغادرة المقر والتوجه فورا الى مقرآمر الهيز حسو ميرخان . وللمرة الثانية شجعني حسو بمراجعة البارزاني مباشرة. وعلمت بأنه كان يُسعى بهذه المؤامرة الى تحقيق هدف آخر وهو نقله من المنطقة واحلال هاشم وغازي حجي ملو محله، بإعتبار أنهما مزوريين. و قد ذكر بأنه لا يتمتع بأية صلاحيات لمواجهة هاشم او اتخاذ اي اجراء بحقه .

سافرت الى بالك ومن هناك الى ?لالة ، والتقيت البارزاني وشرحت له ملابسات المشكلة. تفهم البارزاني الموضوع ووعدني خيرا وتسلمت منه رسالة موجهة الى حسو .
حينما عدت الى المنطقة كانت المشكلة قد انتهت ، اذ كان الجيش قد تقدم واحتل اتروش. وافرغت المنطقة من ال?يش مرﮔة. وكان هاشم ميروزى قد قتل في ربيئته في جبل اتروش، ولكن أشيع ان مقتله كان على يد ابن اخته.

وللمرة الثانية أصبحت منطقة المزوري خالية من ال?يش مرﮔة وقراها مهجورة. درسنا، حسو وانا، الوضع الجديد وقررنا عودة ال?يش مر?ة وفتح المقرات لمساعدة الاهالي في العودة الى قراهم . تحركنا سويــة الى المنطقة ووصلنا قرية خوركي المهجورة ، وابقينا فيها مجموعة مسلحة من المزوريين كمقر لل?يش مرﮔه. اما قوتنا فقد قامت بأستطلاع قمة جبل الدير واستقرت هناك، واعطينا اشارة بأيقاد النار، كنا قد اتفقنا عليها مع حسو، كي نبلغه بأن الطريق سالكة ويمكنه التوجه الى مقره .

واصلنا تقدمنا نحو جبل القوش، ولاحظنا وجود ربيئتين فوق القمة. اقتربنا اكثر في استطلاعنا، اذ كنا بحاجة لمعرفة كل المستجدات التي حدثت خلال فترة ابتعادنا عن منطقتنا. وجلب انتباهنا شخصان يتقدمان بأتجاهنا. كانا اثنان من الجحوش المتمركزين في الربيئتين الجديدتين. رحبا بنا واخبرانا بانهما من جماعة عبد الله الشرفاني، وان افراد الربيئتين ، حسب توصية الاغا الشرفاني ، على استعداد تام لتقديم كل المساعدات لنا شريطة تركهم بسلام وعدم التحرش بهم . كنا فعلا في وضع نحتاج فيه للمساعدات، خاصة وان منطقتنا اصبحت خالية من الاهالي، فوعدناهم خيراً .

عدنا الى جبل الدير حيث اقمنا مقراً وراء الجبل وعند صهاريج الماء . وبما ان كل القرى المجاورة كانت مهجورة، فلم يتمكن الانصار من الحصول على اي شئ من الارزاق خلال تجولهم في المنطقة لمدة ثلاثة ايام متواصلة. ووفقاً لاتفاقنا مع جماعة الشرفاني، بدأت ارزاقنا اليومية تصل الينا، الى ان باشر اهالي المنطقة بالعودة الى قراهم تدريجيا. ولم تقتصر خدمات جماعة الشرفاني على توفير الارزاق لنا فحسب، بل قدموا لنا يد المساعدة ايضا بغالبية ما كنا نطلبه منهم. وبدورنا ساعدناهم بعدم التحرش بهم .

*****
كانت هذه المحاولة، وهي واحدة من محاولات إنهاء نفوذ الشيوعيين، محكمة اكثر من غيرها. ودبرت مباشرة بعد تعيين مردان حسن زكر (2) مديراً لناحية القوش. وبحكم علاقة مردان بالحزب الديمقراطي الكردستاني فقد جرى التنسيق بينه وبين صالح نرمو لحياكة المؤامرات ضدنا .

في تموز عام 1966 وكنا في مقرنا في بيرموس، وصلتني رسالة من حسو ميرخان ، يطلب فيها إرسال 15 نصيرا للبقاء معه لحين عودة حرسه الخاص من الاجازة . وكأي طلب مشروع من مسؤول المنطقة، هيئنا العدد المطلوب من رفاق جيدين ومسلحين بأفضل الاسلحة وبأمرة صباح ( ابو ليلى ). ولم يؤثر هذا العدد على قوتنا الانصارية بسبب توقف العمليات العسكرية اثر الهدنة التي أعلنت بين الحركة الكردية المسلحة وبين حكومة عبد الرحمن البزاز منذ بيان 29 / حزيران .

بعد فترة ، استلمت رسالة اخرى من حسو يطلـب فيها حضوري بشكل عاجل ولامر هام .وصلت مقره في قرية شكفتي ومعي الرفيقين أبو نصير ومحمد سواري. رحب بنا حسو كثيرا وبشكل غيراعتيادي ، وبعد الغداء انفردنا لوحدنا ، فبادر الى تكرار شكره على تلبيتنا لطلبه بسرعة إرسال ال 15 رفيق ، واوضح ان مهمتهم قد انتهت ويمكنهم العودة الى مقرنا. ثم اردف قائلا : " لقد اقتنعت الان بعدم صحة الاخبارية الواردة ضدكم في حينها، لانكم لبيتم طلبي ذاك ، وكان في مقدمة الانصار المرسلين الينا ابن اخيك صباح " .

استغربت من حديثه وطلبت منه توضيح الامر، وقلت له: " انني في حينها لم اقم الا بالواجب تجاهكم ، وعن اية اخبارية تتحدث ؟ "

اجاب حسو : " لقد وصلتنا رسالة مستعجلة يُطلب فيها اعتقالك ومن معك من الانصار الشيوعيين لانكم قد اتفقتم مع السلطة للأستسلام جميعا، وان سيارات عسكرية ستقوم بنقلكم من دير السيدة الى الموصل بعد ان تقوموا بأعتقال المعارضين لكم ".

وتبين ان الرسالة مرسلة من مردان حسن زكر مديرناحية القوش، واكد فيها وبحكم مركزه الاداري ، انه مسؤول عن تنفيذ هذه العملية السرية وهي تحت اشرافه المباشر!!

وذكر حسو : " لقد فكرت جيدا وبحكم معرفتي بإخلاصكم ، وقعت في حيرة من امري ، فقررت ان لا استعجل بإتخاذ اية اجراءات، وعليه فقد اردت إمتحانكم حينما طلبت منكم ارسال 15 نصيرا مسلحا. وقد فوجئت بسرعة وصولهم فأقتنعت ان تلك الرسالة لم تكن الا بداية لخيط من خيوط مؤامرة حاكها صالح نرمو وبالاتفاق مع مروان حسن زكر."

ذ ّكرت حسو برسالة وصلته مرة من علي جوقي عضو محلية الشيخان للحزب الديمقراطي الكردستاني، وكنا حينها، حسو وانا، على رأس قوة مشتركة فوق جبل ( جيا بانك ) المشرف على قرية مريبا، من أجل احكام السيطرة عليها ولفرض حصار على عبد الله آغا الشرفاني . طلب علي جوقي في رسالته تلك من حسو ميرخان توجيه قوة من ال?يش مرﮔة وبشكل عاجل الى مقرالانصار الشيوعيين لاعتقالي ، بزعم أنني سألتحق بالسلطة. حينها ضحك حسو كثيرا وكال الشتائم وسلمني الرسالة كي اطلع عليها !!!.

قلت له : " تصور لو ان الرسالة الأخيرة كانت قد وصلت الى شخص اخر غيرك ، الى عيسى سوار مثلا ، فما الذي كان يمكن ان يحدث ؟!!.

يتبع

(1) من قرية ميروز ، عشيرة مزوري بالا ( العليا ) وهي احدى عشائر المنضوية تحت حماية بارزان ، تقع شمال شرق روبارشين على الحدود التركية تجاور منطقة الريكانيين ، كان عمه مصطفى ميروزي رئيس جاش ومناوئا للبارزاني .

(2) مردان حسن زكر، من اكراد سنجار ، يدّعي بأنه عضو في الحزب الديمقراطي الكردستاني ، شخصية انتهازية ، عين مديرا لناحية القوش .



أوراق توما توماس
( 8 )


محاولات لانهاء نفوذ انصارنا بين الجماهير في منطقة بهدنان - 2

في يوم 15 آيار 1967 وجرياً على ما يحصل كل عام ، اقيم الاحتفال بعيد مريم العذراء ( شيرا ) في دير السيدة ـ القوش. إن الاحتفال اشبه بكرنفال شعبي تحضره الاف العوائل المسيحية من مختلف انحاء العراق. وتنتشرحول الدير العوائل وهي مزودة بمختلف انواع الاطعمة. وتسود معالم الفرح وترتسم البهجة على الوجوه. أما الدبكات الشعبية فتستقطب مجاميع الشباب والشابات، ويتحول المكان الى لوحة فنية تتراقص فيها الوان الملابس وضحكات الاطفال . وتجمع الانصار الشيوعيون برفقة عوائلهم ومجاميع من الاصدقاء في مكان واحد، وكنت مع عائلتي اشارك الاخرين هذا الاحتفال .

جاء احد ازلام مردان حسن زكر ليخبرني ان مدير الناحية يريد اللقاء بي، وهو ينتظرني في الوادي امام الدير. استغربت من طلبه ، اذ لم يكن بيننا اي معرفة مسبقة. فقلت للمراسل، اخبر سيدك بأن خيمتنا واسعة والجميع سيرحبون به اذا جاء بنفسه. اما انا فلن اذهب الى حيث يريدني شخص لا اعرفه. اقترح الرفيق عبد جمعة تلبية الطلب لمعرفة ما الذي يريده. رفضت ذلك بشكل قاطع ، واوضحت للرفاق انه يريد ان يري للجميع لقائي به ، وبالتالي يمكنه ان يلفق مزيدا من التهم ، ويدعمها بهذا اللقاء .

*****
لم تفل عزيمة مردان حسن واستمر في محاولاته الدنيئة ضدنا. واستطاع في احدى تلك المحاولات الايقاع برفاقنا لغفلتهم مما يحاك ضدهم في الخفاء. ففي صيف عام 1967 كان مردان حسن و كاتب ناحيته انطوان في بيبان ضيفان على شيخ ميرزا(3) بمناسبة ( طوفان بيبان )(4). قام المدعو صاحب، وهو نصير سابق ترك الانصار، وبدفع من صالح نرمو وتشجيعه، بمحاولة اعتداء على الرفيق اسماعيل كجل وأهانته اثناء مروره بالقرية في طريقه الى المقر في دير الربان هرمز. وقد تحمل الرفيق اسماعيل تلك الاهانة و تمكن من مغادرة القرية، وحال وصوله الى المقر قدم تقريرا موجزا عن الموضوع. وبأنفعال متعجل اقترح بعض الرفاق، ومنهم شعيا اسرائيل وصباح ياقو واخرون، التحرك مباشرة الى القرية لاعتقال المدعو صاحب. لم اوافق على مقترح الرفاق لانني كنت واثقا من ان محاولة الاعتداء على رفيقنا ما هي الا فخ واضح لجرنا نحو الاسؤ. وان من قاموا بها يتوقعون رد فعلنا ومتهيئين له تماما. وقلت " علينا التريث واتخاذ القرارات بحكمة وبهدؤ بعيدا عن اي تصرف غير مدروس غير محسوب النتائج ". واضافة لذلك فأن مجموعة الرفاق اصحاب المقترح كانوا اكثر الرفاق بعدا عن ضبط انفسهم في مثل هذه المواقف. الا أن تمسك رفاقنا بالمقترح واصرارهم على تنفيذه، اضطرنا اخيرا الى طرح الموضوع على اللجنة الحزبية في المقر، والتي وافقت على تحريك مفرزة من الانصار الى القرية ولكن من اجل التحقيق في الموضوع فقط والعودة بسرعة .
قاد المفرزة الرفيق شعيا اسرائيل. وعند وصولهم الى القرية توجهوا فورا الى دار شيخ ميرزا. كان مدير الناحية وكاتبه انطوان ما زالا هناك. وبمجرد أن دخل رفاقنا، استنفر مسلحو صالح نرمو واحتلوا الاسطح المحيطة بالدار. وانتبه الرفاق لهذه الحركة غير الاعتيادية فقرروا الخروج من الدار. الا ان مسلحو صالح اطلقوا النار عليهم، فما كان من رفاقنا الا الدفاع عن انفسهم والرد على الاعتداء. و على اثر تبادل اطلاق النار سقط احد مسلحي صالح ويدعى ( داؤود ) قتيلا .

انسحب الرفاق بسرعة متوجهين نحو بوزان في طريقهم الى المقر. الا ان مجموعة من المسلحين قادها مشكو خمي وصلت قبلهم بواسطة تراكتور الى بوزان. وكان هناك كمين لهم على طرف منها، واصطدم رفاقنا مع أفراد الكمين فجرح منهم ستة رفاق .

وهكذا وجدنا انفسنا وسط مشكلة عويصة نتيجة لفخ محكم نصبه صالح نرمو ومروان حسن. وزج رفاقنا انفسهم فيه بسبب تسرعهم ، وبذلك قدموا للمعادين لنا مبررات مقنعة لتحريض قيادة الثورة الكردية ضدنا. كما توحدت جهود عدة قوى معادية لنا في مسعى لتصفية نشاطنا اولا، ثم الانقضاض علينا .

تحرك صالح نرمو وبدعم من بيت المير ومحلية الشيخان للحزب الديمقراطي الكردستاني المتكونة اساسا من الايزيديين، وتمكنوا من تحريض الفلاحين في القرى ضد الشيوعيين وضد المسيحيين. ولم تكن السلطة بعيدة عما كان يحصل، بل كانت تؤجج الصراع من خلال ممثلها مدير الناحية.

وفرض حصار على مقرنا في دير الربان هرمز. فقد وضعت الكمائن في اطراف القوش لقطع الطريق امام انصارنا لمنعهم من دخول القوش والتزود بالارزاق. كما فرض حصار مماثل على عوائلنا لمنعهم من الخروج من القوش. واخيرا دونت عريضة وقعها مختارو القرى وقصر المير واعضاء لجنة الشيخان للحزب الديمقراطي الكردستاني ، ورفعت الى قيادة الثورة الكردية ،وتشترط الآتي :
1 ـ محاكمة الشيوعيين المتسببين بمقتل داؤود.
2 ـ طرد الانصار الشيوعيين من بهدينان ونقلهم الى سوران.

وفي حالة عدم موافقة قيادة الثورة الكردية على المطلبين، فإن الموقعون سينسحبون مع مسلحيهم من الثورة ويلتحقون بالسلطة .
اوعز البارزاني الى آمر الهيز حسو ميرخان بالتحقيق في المشكلة. فوصل الى مقرنا ولاحظ الحصار المفروض علينا من جهة القوش. ولاحظ ايضا مجموعة شباب يتقدمهم إبني جوزيف يقودون بغالا محملة بالارزاق ويسلكون طرقا عصية عبر الجبل تجنبا للكمائن. ثم توجه حسو الى بيادر القوش للالتقاء بممثلين عن الاهالي لاستطلاع رأيهم. وتبين لحسو ميرخان ان الاهالي ليس لديهم اية شكوى ضدنا اطلاقا، وانما العكس تماما. ولم يوقع العريضة اهالي القوش بإستثناء اعضاء الحزب الديمقراطي الكردستاني فقط .

بعد اسبوع كامل من التحقيقات، تنقل حسو خلاله بين مقرنا وبين ( بيبان )، قرر تحميل الرفاق شعيا اسرائيل وصباح واسماعيل كجل وعلي خليل وسيدو خلو مسؤولية الحادث، فأخذهم معه الى مقره واودعهم السجن .

مع ذلك لم يستقر الوضع، حيث استمر الايزيديون في المنطقة بدعم من منظمات الحزب الديمقراطي الكردستاني بمحاربة رفاقنا ومنعهم من دخول قراهم. وشمل المنع رفاقنا الايزيدية ايضا، اذ لم يسمح لهم بزيارة عوائلهم في تلك القرى .

واخيرا وتحت ضغط كبير من الايزيدية استجاب البارزاني للضغوط، وطلب من حسو ميرخان نقلنا الى منطقة سوران .

درست اللجنة المحلية ولجنة الانصار قرار النقل ووافقت عليه لاجهاض المؤامرة المحاكة ضدنا، على ان نشترط على حسو الموافقة على بقاء مكتب المحلية ومن لا يصلح للعمل الانصاري في قرية جمانه (5) لتمشية الشؤون الحزبية في المنطقة. وقد استجاب انصارنا لذلك القرار بشكل جيد، ولم يتخلف عن السفر الا عدد قليل جدا ولاسباب صحية .

وصلنا الى مقر حسو ميرخان وعدد انصارنا 45 نصيرا، ويرافقنا الرفيق احمد كريم (ماجد) سكرتير محلية الموصل. رحب بنا حسو بحرارة، مستغربا حماسنا للسفر بعيدا عن منطقتنا وعن عوائلنا، ومعجبا بنفس الوقت بأخلاص الشيوعيين وصدقهم. كان حسو قلقا، يبدو عليه وكأنه مغلوب على امره، بسبب الوضع الجديد والمتأزم في منطقة الزيبارعلى اثرالتحاق مصطفى دوستكي وجماعته بالسلطة. اذ لم يتبق لحسو في هذه المنطقة الخطرة سوى مفرزة لا تتجاوز 15 مسلحا من البارزانيين، اضافة الى 12 مسلحا بقيادة عبد الرحمن الذي لم يكن ?يش مرﮔة، وانما كان هارباً من عقرة. حاول حسو ايجاد طريقة مناسبة للحديث حول الموضوع، و فاتحنا أخيراً، الرفيق ماجد وانا، بمقترح البقاء في منطقة الزيبار بدلا من السفر الى سوران. ولم يكن حسو يجهل بأن ذلك يتطلب قرارا مباشرا من البارزاني .

لم نعطه جوابا، بل طلبنا منه وقتا لاستطلاع اراء الانصار بالمقترح. ووافق الجميع بأعتبار ان بقاءنا في منطقة الزيبار سيكون حلا وسطيا يمكّننا من العودة ثانية الى منطقتنا. كنا على ثقة ان حسو بحاجة لقوتنا الانصارية، وهو على استعداد لايقاف تنفيذ قرار البارزاني، وله مبررات مقنعة سيقدمها لقيادة الثورة. إنه لم يطلب منا البقاء في الزيبارالا بسبب عدم وجود قوة اخرى بديلة يعتمد عليها .
وعليه قررنا الموافقة على البقاء في الزيبار، على أن يقترن ذلك بتعزيز مكانة قوتنا الانصارية، وعلى الاخرين ان يعترفوا بهذه المكانة، وان يفهموا اننا لم نحمل السلاح لكوننا مجرد هاربين من السلطة، بل لكوننا انصاراً مسلحين للحزب الشيوعي العراقي ، ولنا مكانتنا المشهودة وسط الجماهير .

اخبرنا حسو بالموافقة ولكن بشروط : اطلاق سراح رفاقنا المحتجزين عنده، و ارسال الرفاق المحتجزين مع مفرزة الى منطقتنا لاثبات وجود قوتنا الانصارية، وفي خطوة كتحدي لكل من تسبب في تلك المشكلة. كما إشترطنا ابقاء فصيل حماية من 15 نصيرا برفقة مكتب المحلية .

وافق حسو وبسرعة على شروطنا، فأطلق سراح رفاقنا، وأرسلناهم مباشرة الى منطقتنا .
ثم قررنا التوجه الى منطقة الزيبار، وأرجئنا التوجه لمقابلة البارزاني لغرض الحصول على قرار بإلغاء نقلنا الى سوران الى ما بعد الانتهاء من اختيار مقر جديد لنا واستقرار انصارنا فيه .

اتخذنا من قرية ديڤري (6) مقرا لنا، وتوفرت فيها لانصارنا ولاول مرة الفواكهة والخضراوات التي خلفها الزيباريون بعد تركهم للمنطقة. وبات الانصار يمتلكون الشاي والسكر والطحين والرز ايضا. وكان لقوتنا الانصارية صدى قويا في منطقة عقرة نتيجة الدعايات التي بثها الاصدقاء والاعداء عنا وعن سلاحنا الفتاك (البازوكا).
بقيت قوتنا في ديفري صيف 1967 وحتى عام 1968، حيث رجعنا الى منطقتنا لان كل التوقعات كانت تشير الى استعدادات غازي حجي ملو للالتحاق بالسلطة. وكان من غير الممكن ترك المنطقة فارغة من البيشمركة. واتخذنا بيرموس مقرا لنا، في الوقت الذي كانت حدة التوتر بيننا وبين اهالي المنطقة قد خفت كثيرا .

(3) شيخ ميرزا رجل دين ايزيدي من بيبان ، كانت له مكانة مرموقة في الوسط الجماهيري ، كان بعد ثورة 14 تموز عضوا في الحزب الشيوعي العراقي ، ترك العمل السياسي بعد تأزم الاوضاع وملاحقة الحزب من قبل رجال الامن .
(4) من اعياد الأيزيدية ، وهو اشبه بمهرجانات شعبية احتفالا بمقدم الربيع ، وتبدأ عمليا من بعشيقة في نيسان لتنتهي في سنجار .
(5) قرية جمانه ، قرب بيرموس مقرنا الانصاري اتخذناها مقرا لمكتب المحلية للتنظيم المحلي .
(6) ديفري ، قرية في منطقة نهلة قرب دينارته مركز ناحية نهلة ، تقع على سفح جبل بيرس جنوبا ، كان سكانها من الاثوريين هجّرهم الزيباريون وحلوا محلهم ، فيها نهر صغير ينبع من بيرس ، اراضيها خصبة ، اصبحت مقرنا اثناء ابعادنا من المنطقة .

أوراق توما توماس
( 9 )

السيطرة على مركز شرطة تللسقف

كان من الضروري بين فترة واخرى القيام بعمل عسكري خاص بنا لاثبات وجود قوتنا الانصارية امام الجماهير وامام القوى المسلحة التي نعمل معها. وكان امتلاكنا لسلاح البازوكا عامل تشجيع لنا. وردتنا معلومات تشير الى التعامل السيئ لاحد مسؤولي مركز الشرطة في تللسقف رئيس عرفاء حسين مع الاهالي. فقررنا القيام بعملية عسكرية للسيطرة على المركز واعتقال ذلك الشرطي .

إن المركز عبارة عن قلعة صغيرة ليس لها اية منافذ سوى الباب الرئيسي المدعوم بحراسة مشددة بأستمرار .

احلنا المقترح الى منظمة حزبنا في ريف الشيخان لدراسته، ولجمع المعلومات عن المركز واستطلاعه، وتوفير ما قد يحتاجه الانصار من ادلاء او ارزاق. واخيرا تقرر تنفيذ العملية في شباط 1966 .

تحركت مفرزة الانصار الى المنطقة، حيث قمنا بجولة فيها. ثم توجهنا الى قرية بيبان، وقضينا ليلة فيها. وعند الفجر تركناها بأتجاه الجبل، للتمويه وكأننا متوجهون للعودة الى مقرنا. ولكن بعد فترة قصيرة انحرفنا عن مسارنا وإتجهنا صوب الجنوب بأتجاه قرية مكنان المهجورة والواقعة بجوار قرية دوغات. بقينا هناك مختفين، حيث زودنا رفاقنا من منظمة دوغات بالطعام بشكل سري، ودون ان يعلموا شيئا عن وجهتنا .

مساءا تحركنا نحو تللسقف، فدخلناها في الساعة الثامنة. كان هدفنا مركز الشرطة شرقي البلدة . تم وضع نقاط حراسة لمنع الاهالي من الاقتراب من موقع المعركة، كما تم السيطرة على الطريق المؤدي الى المركز

شعر بوجودنا احد الفلاحين وكانت داره بجوار المركز. فبدأ هذا الفلاح يولول ويصرخ، مما اثار الكلاب التي بدأت بالنباح بشكل غير اعتيادي، الامر الذي لفت انتباه افراد الشرطة. فأتخذوا لهم مواقع حصينة فوق سطح المركز ذي الجدار المحكم والمناسب للاحتماء به والدفاع عنه، ومنع اي مجموعة مهاجمة من الاقتراب .

اصر الرفيق امين عبدالله (1) على احتلال سطح الدار المجاورة للمركز، رغم انه منخفظ قياسا بموقع الشرطة. وعلى حين غرة ، اطلقت النار بأتجاه الانصار وهم في موقع مكشوف تماما لنيران بنادق الشرطة، فسقط الرفيق امين شهيدا منذ اللحظة الاولى .

كانت الصدمة كبيرة للجميع. اذ لم تكن المعركة قد بدأت بعد. ولتلافي اي تأثير سلبي على مسار العملية، قررنا التريث في الهجوم حتى يتم سحب الشهيد. وكلفنا الرفيق الملازم امين زنكنه بمرافقة جثمان الشهيد الى قرية كرسافا والانتظار هناك حتى انتهائنا من المعركة .

انطلق الانصار في مهمتهم للسيطرة على المركز مستخدمين قاذفة البازوكا لقصف الجدار العلوي حيث يحتمي افراد الشرطة، الذين أضطروا الى ترك مواقعهم والنزول الى داخل المركز والاحتماء بأحدى الغرف .

حينها تقدم الانصاربسرعة وسيطروا على الباب الرئيسي للمركز، ووضعوا رشاش دكتاريوف في الكوة الصغيرة والوحيدة في الباب الحديدي للمركز، مما اجبر افراد الشرطة على البقاء في غرفتهم وتجنبوا الظهور في الباحة الرئيسية .

ومع ذلك لم يكن ممكنا الدخول لفرض السيطرة التامة. فبدأنا بتهديد الشرطة بألقاء القنابل اليدوية في حالة عدم استسلامهم ، متعهدين لهم بالمحافظة على حياتهم. وبعد قليل، خرجوا من مخبأهم وفتحوا الباب مستسلمين

الا اننا لم نجد رئيس العرفاء ، بسبب إحتمائه في احد بيوت البلدة عند بدء العملية. غنمنا في تلك العملية ثمانية 8 بنادق انكليزية ورشاش برن مع صندوق عتاد ومسدس تنوير .

تركت تلك العملية صدى كبيرا وسط الجماهير، وخاصة موقفنا وتعاملنا مع الاسرى ومنع بعض الاهالي من الانتقام منهم. وعلى اثر تلك العملية بدأ مسؤولوا مراكز الشرطة يحسبون الحساب لانصارنا. وغالباً ما كانوا يطلبون منا حمايتهم ، مقابل عدم تحرشهم بالانصار وغض النظر عن تحركاتهم .

توجهنا بعد العملية الى كرسافا حيث جرى تشييع الشهيد، حيث شاركت فيه عائلته واقاربه، وتوجه الموكب الى بيرموس حيث دفن فيها .

اقتحام الربايا ـ قمة جبل جيابانك (2)

بعد انقلاب 17 تموز 1968، قام البعث كما هو معروف ببعض الاجراءات التكتيكية كأطلاق سراح المعتقلين وإعادة المفصولين السياسيين الى وظائفهم ... الخ لغرض تثبيت سلطته الضعيفة والمعزولة عن الجماهير.

ونتيجة لذلك عاد العديد من رفاقنا من اعضاء اللجنة المحلية الى وظائفهم ومنهم الرفاق عبد جمعة و توما القس داود و جمعة حجي كنجي ومحمد صالح سواري (كمعلمين)، ومن الانصار : سالم يوسف و سعيد موقا و يوسف بودو واخرين . وهدأت المعارك ضد الحركة المسلحة الكردية نسبيا ، الا ان الوضع لم يستمر كذلك ، اذ بدأت السلطة بتحريك القطعات العسكرية ، وجرت مناوشات متفرقة بين الطرفين، وكان منها استهداف مقر حسو ميرخان في شمكان ( باصفري ) (3) .

يشرف جبل ( جيابانك ) على مقر حسو من جهة الجنوب ويرابي فيه جحوش الكَوران (4) وقد تمركزوا في عشرة ربايا موزعة في قمته وسفوحه. وبالاضافة الى القصف المدفعي المستمر على المقر، فقد شكلت تلك الربايا عائقا حقيقيا امام حركة البيشمركة من والى المقر.

كنت اتهيأ للتوجه خلال ايام الى سوران لحضور المؤتمر الاول لمنظمة الاقليم، عندما وصلتني رسالة مستعجلة من حسو ميرخان يطلب حضوري الى مقره .

كان الموضوع دراسة القيام بعملية عسكرية لتطهير جيابانك من ربايا الكوران ووضع ربايا للبيشمركة محلها لغرض السيطرة على دشت مريبا وعين سفني .

لم يوافق احد من مسؤولي البيشمركة على القيام بتلك المهمة لصعوبتها، إلا أنني أبديت استعداد الانصار الشيوعيون للقيام بالمهمة، شريطة ان نقوم بها لوحدنا، دون تدخل من ايا كان، وان ننسحب بعد سيطرتنا على الجبل، وعلى حسو ان يختار احد مسؤولي البيشمركة لنسلمه الجبل للمراباة فيه .

بدأنا بالاعداد للعملية، فشكلنا قوة الهجوم الاساسية من انصارنا ومن جماعة الاثوريين التي كانت بقيادة الاخ (يوخنا دهي). و تدخل حسو بشكل غريب ليفرض مشاركة 30 مسلحا من ال?يش مرﮔه الكَوران. فأضطررنا لقبول ذلك بسبب الحاحه. فأصبح قوام القوة (100) مسلح . وتقرر تسليم الجبل الى تيمور شيخكي بعد ابلاغ حسو بأشارة انتهاء العملية، وهي اشعال النار على القمة .

تحركت القوة المهاجمة بقيادتي من مقر حسو في تمام الساعة الثامنة مساءًا بنسق واحد نحو الجبل. وكلف الاخ (يوخنا دهي) بقيادة مجموعة الهجوم على الربيئة الشرقية. اما مهمة الهجوم على الربيئة الاساسية فقد تكفل بها انصارنا. وكنت حريصا على ابعاد ال?يش مرﮔه الكوران قدر المستطاع، فتم تكليفهم بأسناد الهجوم من جهة الشرق، دون السماح لهم بالمساهمة بمهمة الهجوم. وحددت ساعة التنفيذ في الثانية عشر ليلا .

اخطأ دليلنا الطريق الى الربيئة الاساسية لمدة خمسة دقائق. وحينما وجدناها، كانت قاذفات المقاتلين الاثوريين تدك الربيئة الشرقية .

اطلق كوريال بللو قذيفتين دون ان تصيبا الهدف. فأضطررنا الى الهجوم بشكل كاسح وسريع، وتمكنا من السيطرة على الربيئة واسر كل من فيها ( 12 جحشا وجندي مخابر)، وغنمنا 13 بندقية انكليزية وجهاز لاسلكي (105) روسي .

اثناء اندفاعنا بالهجوم جرح احد انصارنا (موسى قرقوشي) بطلق ناري من جهة الشرق حيث تمركز الكوران.

في تمام الواحدة ليلا اعطينا اشارة نجاح العملية، بعد ان هرب بقية الجحوش من رباياهم وتشتتوا في كل الاتجاهات. وقبل انسحابنا، سلمنا الموقع الى تيمور شيخكي حسب الاتفاق .

وفي العاشرة صباحا ، طلب حسو من الجندي المخابر ( الاسير ) الاتصال بقيادته لابلاغهم بالعملية. ولم تمض فترة الا وكانت طائرتا ميغ 21 تقصف مواقع الجبل قصفا عشوائيا كثيفا .

ولم يدم نصرنا الا يوما واحدا، ففي الساعة الخامسة فجراليوم التالي كان حسو يراقب الجبل بالناظور، حين استيقاظه فجرا لمراقبة الجبل. ناولني الناظور لافاجأ برتل طويل من الجنود يتقدمون الى قمة الجبل دون ان يواجههم احد.

قلت له : ولكن اين تيمور شيخكي ؟

رد بسخرية : لقد باع الجبل الى عبد الله آغا. وهو الان نائم في بيته ، بعد ان قبض الثمن.

ورغم ان ما حصل لم يكن يحصل للمرة الاولى ، الا أنني تألمت كثيرا من وضعنا، وشعرت كأن جبلا من الألم بحجم جبل ( جيا بانك ) يتركز على كاهلي . فلولا امكانياتنا الضعيفة من ناحية العدد والتسليح لما كان لهؤلاء ان يقامروا بحياتنا بهذه الطريقة .

نعم .. كان بأمكان اثنان من رؤساء العشائر، احدهما مع السلطة والاخر مع الثورة، ان يلعبا مثل هذه اللعبة او غيرها .

وهكذا تم استرجاع السيطرة على الجبل ، مما اضطر حسو بعد فترة قصيرة الى ترك المنطقة واختيار قرية (شكفتي) وراء جبل بي خير في برواري ژيري مقرا جديدا له .

*******************

فاروق سعيد بك (5) ـ يحاول احتلال القوش

في ايار عام 1969، وكنت ما ازال في شمكان عند حسو ميرخان بعد اقتحام ربايا جبل جيابانك، عندما قاد فاروق بك حملته ضد القوش وبتشجيع من السلطة.

يظهر ان مشادة كلامية كانت قد حصلت بين احد الطلبة الايزيديين وبين احد المدرسين ( وكان من اهالي القوش )، فقام ذلك الطالب وبمساعدة من زملائه الطلبة الآيزيديون بمحاولة اعتداء على المدرس، الامر الذي دفع بالطلبة من اهالي القوش للدفاع عن المدرس. وتطورت تلك المشكلة البسيطة الى شجار بين الطرفين .

ونتيجة الشكوى التي تقدم بها الطالب الأيزيدي الى فاروق بك، وبدلا من الدعوة لحل المشكلة عبر ادارة المدرسة او حتى عبر الشرطة ، اندفع الاخير الى عمل عسكري غير مبرر إطلاقا من خلال استخدام القوة ، في محاولة لاخضاع القوش لنفوذه ونفوذ مسؤولي السلطة وازلام البعث الذين أيدوا خطوته وقدموا له المساعدة ايضا .

لم يكلف فاروق بك نفسه بالاستفسار اوالتحقيق ، بل وجد في هذه المشكلة فرصته المناسبة ليفصح عما في دواخله من حقد وغرور. كما أراد بخطوته خلق عداء بين الايزيديين واهالي القوش، وارهاب الطلبة والشباب المؤيدين للشيوعيين وانصارهم، اذ كانت كل الاطراف تتحين الفرص لضرب النفوذ المتنامي لاتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية في ثانوية القوش .

وبـأعتباره مسؤولا عن الجحوش في المنطقة، وعضوا في اللجنة المحلية للحزب الديمقراطي الكردستاني - الشيخان في نفس الوقت، فقد اوعزفاروق بك الى القيام بغزو القوش. وتم حشد كل جحوش فاروق بك ، ونقلوا الى ( بوزان ) تمهيدا للخطوة التالية.

لم يكن في القوش حينذاك الا عدد قليل من الانصار المجازين عند عوائلهم. فتصدوا للجحوش على مشارف البلدة، بعد ان اتخذوا من التلال المحيطة بأبار الماء في الشمال الشرقي، مواقعا دفاعية. فتمكنوا من صد التقدم واجبروا الجحوش على التراجع والاحتماء في دير السيدة، بعد ان اغتالوا بخسة احد الرعاة (عبد المسيح عوصجي ) وهو في طريقة الى البلدة لارجاع الأغنام وتوزيعها على اصحابها .

ومن دير السيدة استمر الجحوش بإطلاق النار على القوش بشكل عشوائي. فهب الاهالي شبابهم وشيوخهم وهم يتسابقون لاتخاذ مواقع على اطراف البلدة للدفاع عنها. وكانت الالقوشيات في حركة مستمرة لنقل الماء والطعام للمدافعين. دام الحصار اسبوعا كاملا، حيث لم يستطع خلالها الفلاحون الوصول الى حقولهم .

تأكد فاروق من صعوبة التقدم بسبب صمود وبسالة الاهالي، فقرر الاستعانة بالجيش لانقاذه من ورطته. وبسرعة لبت قيادة موقع الموصل طلبه وأرسلت سرية من الجيش. اعتقد الاهالي ان هذه السرية هي نجدة لهم لطرد الجحوش من دير السيدة، متوقعين حدوث صداما مسلحا بين الطرفين. الا ان تلك الامال خابت سريعا، اذ فوجئوا بالتعاون بين الجيش والجحوش وتقدمهم ، وتسهيل وصول فاروق وجحوشه الى مركز الشرطة داخل القوش .

وعلى الفور تحركت ( الماس زلفا ) ( زوجتي ) وهي تحمل مسدسا، على رأس تظاهرة عارمة الى مركز الشرطة ، وتوجه الشتائم الى فاروق وازلامه وتطالبهم بمغادرة القوش حالا .

وكان لمختار البلدة ( جوكا غزالة ) دورا مشهودا حينما هدد ازلام السلطة بأنه سوف يلتحق وجميع الشباب بالانصار إن لم يغادروا المكان. الا ان كل ذلك لم يؤثر على فاروق، بل واصر على التقدم من مركز الشرطة لاحتلال كل القوش .

ونظراً لحراجة الوضع وخطورته، ارسل مطران القوش (عبد الاحد حنا صنا ) احد الاهالي ( سمو ?ـُلا ) الى مقرنا في بيروس يطلب حضوري فورا لانقاذ القوش من شرور فاروق لانه مصمم على تدنيسه .

ومن حسن الصدف، أنني كنت عائدا للتو من شمكان. وعلى الفور توجهت على رأس قوة من الانصار مسلحة بأسلحة خفيفة ومتوسطة (هاون عقدة 2 ، قاذفة صواريخ بازوكة مع رشاش برن )، وتوجهنا فورا صوب القوش. وصلت البلدة وكانت في حالة هيجان، وكان الخوري عبد الاحد عوديش والقس هرمز يحاولان تهدئة الجماهير دون فائدة. وقد إتخذ الجيش مواقعه فوق اسطح الدور، وتمركز فاروق في مركز الشرطة مع مجموعة كبيرة من جحوشه .

لم يكن هناك اي مجال للانتظار، فأتخذ الانصار مواقعهم قرب مركز الشرطة لضربه بالصواريخ. وكان الخوري يحاول تهدئة الوضع، إلا أنني أبلغته بأن يطلب من فاروق الخروج من القوش بحلول الساعة الثانية بعد الظهر، وإلا سنهدم المركز على رأسه .

كان الانصار في مواقعهم ينتظرون مني الاشارة .

في تمام الثانية بعد الظهر، خطا فاروق خطوته خارج مركز الشرطة مطأطأ رأسه، و يزحف وراءه جحوشه وسط سخرية الاطفال واستهزاء الاهالي. وبعد خروجه من القوش انسحبت سرية الجيش الى الموصل .

عزز هذا الانتصار من مكانة اهالي القوش وانصارنا الشيوعيين في المنطقة، اذ كانت مأثرة حقيقية للاهالي في الدفاع عن بلدتهم، وهذا هو ديدنهم طوال تاريخها. وطغت على القوش تلك الليلة مشاعر الفرح الجماهيري العارم ... وفي الصباح انسحبنا الى مقرنا بيرموس.

(1) امين عبدالله المزوري من اهالي قرية بيرموس شيوعي منذ اواسط الخمسينات التحق بالانصار اوائل عام 1963 ، قائد عسكري شجاع ، كان معاون آمر الانصار في مقر بيرموس .

(2) جبل جيابانك ـ تبدأ سلسلته من عين سفني حتى كفر سور شرق مريبا وهو اول جبل يلي جبل مقلوب الذي يشرف على بعشيقة ودشت الشيخان .

(3) باصفري ، قرية مسيحية في سفح جبل بي خير في شمكان ، اتخذها حسو مقرا له .

(4) عشيرة كَوران ، من العشائر السبعة تسكن في منطقة مندان ـ بردة ره ش مابين عقرة والحمدانية .

(5) فاروق سعيد بك ، الابن الاصغر لامير الايزيدية سعيد بك ، انتهازي وحاقد على الديمقراطيين ، عضو اللجنة المحلية في الشيخان للحزب الديمقراطي الكردستاني ورئيس الجحوش الايزيدية في المنطقة ، كانت مواقفه ضدنا دائما ، عام 1965 بعد انسحابنا من القوش حسب اتفاقنا مع اخيه الكبير تحسين بك اقتحم دارنا مع عملاء السلطة بحجة القاء القبض علي وعربد في الدار واطلق الرصاص فيه لتخويف العائلة .


أوراق توما توماس
( 10 )


خطة السلطة لاعتقالي في القوش

بعد اصدار قرار اعادة المفصولين السياسيين الى وظائفهم، عاد بعض انصارنا الى احضان عوائلهم ومن بينهم ( كوريال بللو ) ، دون ان يقطع صلته بشكل نهائي مع الانصار. فقد كان يشارك في المعارك عند الحاجة، وكانت اخر معركة شارك فيها هي السيطرة على ربايا جبل ( جيا بانك ). وعند عودته من تلك المعركة قرر الزواج والاستقرار في القوش بعد ان سلم نفسه الى السلطة .
كان هذا الشخص اكثر المتطرفين تشدداً تجاه من يشتبه بهم كعملاء ومتعاونين مع السلطة، في مسعى لتأديب الاخرين واخضاعهم. وكان ممن ينتقدون مرونتي في التعامل مع حالات عديدة كانت بحاجة فعلا للمرونة والدراسة بتأني وتمحيص .
كان من المهم عندي هو عدم الضعف في اتخاذ القرارات الهامة والخطيرة، ولكن الاهم كان عدم التسرع والتهور في اتخاذها .
وكان من المهم ايضا الابتعاد قدر المستطاع عن كل ما يثير العداء بين ابناء القوش. لان ذلك هو بالضبط ما يريده المتربصون بها، وستفقد المدينة امكانية المحافظة على امنها ووحدتها، مما يفسح المجال للاخرين للتدخل في شؤونها الخاصة .
و كان هناك بلا شك وعلى الدوام اناس تحولوا الى خدم مخلصين للسلطة، ينفذون توجيهاتها لقاء دريهمات .
عندما ساهمت في النضال الوطني من اجل سعادة الشعب العراقي ، كنت مؤمنا بأن بلدتي القوش هي جزء من هذا الوطن واهلها جزء من هذا الشعب .
فالتريث والمرونة بمعاقبة المتعاونين مع السلطة لا يعود الى كون هؤلاء المتعاونين هم من اهالي القوش. انما كان الغرض منه محاولة اصلاح هؤلاء. وعند إستنفاذ المحاولات، يمكن اتخاذ الاجراءات الاخرى بحقهم وبما يستحقونه فعلا .
ان التعامل مع الاهالي بوسائل العنف واتخاذ اجراءات القمع والقتل والترهيب ، لاتخدم حركتنا بل ربما تتسبب في سقوط ضحايا ابرياء. وبما إننا نعمل من اجل كسب الجماهير بالاقناع ، فإن القوة لم تكن يوما وسيلتنا في ذلك .

كانت السلطة قد تمكنت من جمع معلومات وافية من بعض الذين سلموا انفسهم عن تحركاتي، وعن عدد الانصار في المقر، وعدد الذين يرافقوني اثناء توجهي الى القوش، وعن اسلحتنا ..الخ. وبسبب الاوضاع السياسية الجديدة اصبحت احتياطاتنا ضعيفة بعض الشئ، وفي اغلب الاحيان تقتصر على مبيت نصير واحد في البيت اثناء المبيت ليلا. كل ذلك شجع السلطة على القيام بمحاولة لاعتقالي في القوش .

في يوم 26/7/1969، كنت في زيارة للعائلة وبرفقة (15) نصير من اهالي القوش توزعوا في دورهم ولم يبقى معي سوى نصير واحد هو ( حبيب جيجو). وفي المساء وصلتنا بعض المعلومات بأن المدعو ( سعيد حسقيال تيزي )(1). فقد اتصل هذا الشخص هاتفيا بالموصل، ليؤكد وجود توما توماس والانصار في البلدة .
في البدء اخذت الموضوع على درجة من الاهمية. فقررنا ترك القوش والتوجه الى قرية بندوه للمبيت فيها، ومواصلة السير صباحا الى المقر في بيرموس ، تجنبا للكمائن ليلا. الا انه طرح مقترح آخر من الانصار في البقاء حتى الساعة الرابعة صباحا، ومن ثم الخروج بأتجاه المقر مباشرة. وافقت على المقترح، وكان ذلك خطأ كبيرا.
في الساعة الثالثة فجر يوم 27/7/19/1969 ايقضتنا احدى جاراتنا وأخبرتنا أنها تسمع اصوات اطلاقات من جهة الجبل. صعدت الى سطح الدار، فتأكد لي ان الرمي كان من الشرق بأتجاه قمة جبل القوش، اضافة الى اطلاق نار من مركز الشرطة بأتجاه الجبل ايضا. وبدا للوهلة الاولى ان قتالا يتواصل بين المركز ومجموعة ما في الجبل. اذ لا يخطر على البال ان لا يكون للشرطة اي علم بتقدم عسكري على القوش .
ولكن من خلال التمعن بما يجري، وارتباطا بمعلومات مساء امس، تأكد لي انه تقدم عسكري يستهدف اعتقالي. لذا قررت الخروج حالا من القوش، وكان من المتوقع جدا بقاء الانصار في البلدة مختفين في سراديبها .
في الرابعة فجرا تجاوزت عتبة الدار، فشعرت بحالة من الراحة والتحرر من قيد، حيث اصبحت حرا في اختيار موقع للقتال. توجهت مع النصير حبيب بأتجاه بندوه من الطريق الوسطي، وبعيدا قليلا عن سفح الجبل تجنبا لكمائن الجحوش. كان صوت اطلاق النار مستمرا. وقبل الانتهاء من البلدة شاهدنا الاخ ( عابد القس يونان ) على تراكتور في طريقه الى البيادر . وفي مقابل بيت ( ياقو كرجي ) انتبهت لاصوات وتحركات غير طبيعية تأتي من وراء بستان للعنب. في البداية تصورت انهم جحوشا من الايزيديون جاءوا للانتقام بسبب حملتهم الاولى الفاشلة. إلا أن احدهم نادى ( تعال هنا ابو خليل)، فعلمت انهم قوة من الجيش. ومن على تل قريبة اطلقنا عدة رشقات بأتجاه تجمع للجنود فتحركوا بسرعة نحو الجبل لاحكام الطوق على البلدة .

كانت الخطة متقنة ودقيقة جدا، ورسمت في دوائر المخابرات لتنفذ من قبل قيادة الجيش في الموصل ، بحيث لا تترك لي اي مجال للخلاص من الطوق. الا انها الصدفة مرة اخرى .
لقد نصت الخطة على :
1- نقل اكثر من الف من جحوش الهركيين من الموصل الى منطقة ( نهيل )(2) قرب فايدة ليلا. ثم يتقدم هؤلاء سيرا على الاقدام نحو جبل القوش، متجنبين قرى ركافة وتل خشف عرب وتل خشف اكراد ، الى كَلي بندوة ، ومنه نحو جبل القوش دون ان يراهم احد. وفعلا تمكنوا من احتلال جميع القمم المشرفة على البلدة واطرافها .
2 - يتقدم فوج من الجيش تدعمه المدرعات من الموصل الى قرية شرفية التي تبعد عن القوش حوالي خمسة كيلو مترات في الساعة الثانية والنصف فجرا. وبعدها يتقدم الجنود سيرا على الاقدام الى جنوب البلدة ويتم تطويقها من الجهة الغربية وخلق جميع المنافذ فيها .
3 - يرافق جحوش الزيباريين أفراد الجيش بالسيارات حتى شرفية بعدد يتجاوزالالف، ثم يتوجهون الى القوش ومنها الى دير السيدة ودير الربان هرمز لتطويق القرية من الشرق .

يبدو ان مركز الشرطة لم يكن على علم بالعملية. وحينما كان الجحوش يواصلون تقدمهم الى قمة الجبل، وقع عدد من فلاحي المناطق المجاورة في كمين لهم، وكانوا في طريقهم يقودون دوابهم المحملة بمنتوجاتهم الزراعية لغرض بيعها في القوش. ترك الفلاحون دوابهم وهربوا بعد اطلاق النار عليهم. عندها تصور الجحوش في مؤخرة الرتل ان مقدمتهم قد تعرضت لكمين، فبدأوا بأطلاق الناربأتجاة المقدمة. وهذا ما دفع الشرطة للرد بأتجاه الجبل. وهكذا اختلط الحابل بالنابل ، وايقضتنا تلك الضجة .
حاول بعض الانصار الخروج من الجهة الغربية. الا انهم بمجرد الوصول الى البيادر امطرهم الجحوش والجيش بوابل من الرصاص، فأضطروا الى التراجع والاختفاء في السراديب .
اما الشهيد صبري الياس دكالي ( جندو )(3) فقد كان قد توجه الى دارنا، ليتأكد من خروجي، ثم قرر ترك البلدة. ولكنه وقع في كمين للجنود. وبعد مقاومة بطولية استشهد، وظهر ان تجمع الجنود هو الذي اطلق النار بأتجاه الشهيد .
لم يتوقع احد من الاهالي او من القوات المحاصرة، تمكني من مغادرة البلدة. فتوقعاتهم كانت تشير الى انني ما زلت محاصرا، بعد ان احكم الجيش والجحوش سيطرتهم على البلدة واغلقوا كل منافذها .
توجه قائد الفرقة وهو منتصر الى مقر المطرانية وطلب من المطران تسليمي له مع باقي الانصار دون ان يتجرأ على الاقتراب من داري للبحث عني، وهدد المطران بأنه سيقوم بدك البلدة في حالة عثوره علي اذا فتش البلدة. وقع سيادة المطران في حيرة من امره، ولم ينقذه من تلك الورطة غير الاخ عابد القس يونان حيث اكد له خروجنا صباحا .
عندها تشجع المطران واكد على عدم وجودنا، وطلب من قائد الفرقة الايعاز بالتفتيش، وسيتحمل هو (المطران) مسؤولية النتائج .
رأى ذلك القائد ملامح الثقة على وجه المطران عند حديثه، فقرر سحب قواته الى الموصل قبل ظهر اليوم نفسه.
في بيرموس استنفر رفاقنا عند سماعهم اصوات اطلاق النار في القوش، فتقدموا الى جبل الدير لمساعدتنا. ولكنهم وقبل وصولهم قمة الجبل وقعوا في وسط كمائن الجحوش الذين امطروهم بالرصاص، فتراجعوا بعد قتال مرير. وجرح في هذه المناوشات الرفيق نرسي جرحا خفيفا، فانسحب الرفاق الى بيرموس لعدم امكانية وصولهم الينا .

(1) سعيد تيزي ، معلم من اهالي القوش من عائلة معروفة بمواقفها المناوئة للبلدة والمؤيدة للحكومات المتعاقبة ، عدد منهم ارتبطوا بالحزب الديمقراطي الكردستاني ، وبالبعث فيما بعد 1968، كان عضوا نشطا في حزب البعث .
(2) نهيل .منطقة بين فايدة ومجمع كَريهن ، لايسكنها احد ولا تبعد كثيرا عن المجمع .
(3) صبري الياس دكالي ، من اهالي القوش ، عضو في الحزب الشيوعي العراقي .كان هاربا من الخدمة العسكرية ومختفيا في القوش .



أوراق توما توماس
( 11 )


عزيز الحاج يعود من الخارج ويقود انشقاقا في الحزب

في اواسط عام 1966 وصل الرفيقان زكي خيري وكريم احمد الى مقرنا في بيرفكا قادمين من سوريا، ويرافقهما الرفيق علي البرزنجي، وكانوا في طريقهم الى مقر الاقليم في بالك . تأمل الانصار في المقر خيرا، حينما لمحوا مع الرفاق بغلين، فتوقعوا ان حمولتهما سلاح وعتاد بلا شك !! ولكن سرعان ما خابت آمال الجميع ، حيث لم نستلم الا ناظور ميداني متوسط .

شكلت مفرزة وانطلقنا، وكلفنا الرفيق وردة حنا (1) للاهتمام بالرفيق زكي ومساعدته خاصة وان الطرق التي نسلكها جبلية ووعرة. ومع ذلك فقد تدحرج الرفيق مرات عديدة كانت اخطرها في الطريق الى دشت زيبار عبر ﮔلي بانيا .
واستغرقت تلك الرحلة ثمانية ايام ، حيث وصلنا مقر الاقليم ، وكان حينذاك بقيادة بهاء الدين نوري .

وفي اواخرعام 1966 بلغني الرفاق في قيادة الحزب، بالتهيؤ لاستلام عزيزالحاج العائد عبر سوريا ، وايصاله الى سوران. فأرسلت مفرزة الى الحدود لاستلامه ومرافقته حتى مقرنا في بيرموس .
بعدها تهيأت مفرزة اخرى لمرافقته في الطريق الى سوران، لكنه رفض التوجه الى الاقليم، حينما علم بوجود بهاء الدين نوري هناك. وقال عزيز الحاج انه لايرغب بالعمل مع مهندس خط آب، وطلب ارساله الى بغداد مباشرة .

اخذته معي وبحماية مفرزة مسلحة مكونة من 15 رفيقا من الانصار الى دارنا في القوش، بغية تأمين سفره الى بغداد. ولم يكن الوصول الى بغداد بالامر الصعب، فقد كان احد سواق ( النيرن ) من اصدقائنا المعتمدين، وسبق له ان نقل العديد من الرفاق القياديين الى بغداد ومنهم الرفاق زكي خيري و كريم احمد و توفيق احمد .. واخرين.
في تلك الليلة كان القلق من الرحلة المرتقبة واضحا على عزيز الحاج. ومنذ الصباح الباكر اصر على مغادرة البلدة، فأضطررنا الى الانتقال الى دير السيدة والبقاء فيه حتى غروب الشمس .

طلب عزيز مقابلة السائق مرة اخرى ليتأكد بنفسه من سلامة الطريق، وبدأ بطرح سيل من الاسئلة ، فلم يتحمل السائق ، فأنتفض مذكرا الجميع بأنها ليست المرة الاولى ، فقد سبق له ان نقل اغلب قادة الحزب. ونظراً لذلك فقد تغيرت الخطة، حيث تقرر أن يتظاهرعزيز كمساعد للسائق ( سكن )، وزودناه ببدلة زرقاء متسخة ليلبسها، وكان عليه النزول بسرعة كلما تتوقف السيارة، وخاصة في نقاط التفتيش، للانشغال بفحص الاطارات ، أو بوضع خشبة صغيرة امامها، لحين انتهاء التفتيش . وافق عزيز، وفعلا اوصله ذلك السائق الى الدار التي ارادها .

فوجئنا ببيان اصدره الحزب واذيع من اذاعة صوت الشعب العراقي يندد بالمنشقين ويدعو المغرر بهم من رفاق الحزب للتخلي عن المنشقين والعودة الى حزبهم .
كانت محلية نينوى ودهوك بعيدة عما يجري في منظمات الحزب الاخرى من صراعات لانشغال معظم الرفاق بالاوضاع في كردستان ومتطلبات العمل المسلح من خلال تواجد اغلبهم ضمن تشكيلة الانصار، حتى حدوث الانشقاق وتشكيل القيادة المركزية .
وبالنسبة لوحدات الانصار، تشكل الانشقاقات مخاطر وخيمة جدا، قد تؤدي الى صدامات مسلحة والمزيد من المآسي . كما انها تؤدي الى تراجع في امكانيات الانصار وبالتالي الى نهايتها تماما .
لذا كان لابد من اتباع اقصى درجات المرونة في التعامل مع حالات عديدة تعكس اختلافات فكرية. هذه المرونة ربما ندر حدوثها في منظمات الحزب الاخرى.

لم يكن الوضع الفكري في الحزب مستقرا. فسياسة خط اب 64 تركت اثارا سيئة. وكرد فعل على تلك السياسة سادت منظمات الحزب افكار يسارية متطرفة. اذ راح البعض يدعو الى القيام بأغتيالات فردية او بتنفيذ تفجيرات، كانت ستؤدي الى عزل الحزب عن الجماهير. ورغم قناعتنا بأن الصراع الفكري لم يجر احتواءه بشكل مناسب ومبدئي داخل الحزب، الا ان ذلك لا يبرر الانشقاق، كوسيلة لحسم الخلافات الفكرية .

لقد كان الحزب حينذاك، القوة السياسية البارزة المهددة لسلطة عارف الثاني. ولم يكن للحزب منافس في الساحة السياسية للبلاد. فقد انتعشت الحركة الطلابية وحققت انتصارات غير قليلة. اذ نظم فرع اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية في كلية الاداب احتجاجا على تعيين الخريجين معلمين في المدارس الابتدائية. وقمعت الحكومة هذا الاحتجاج بإطلاق النار على الطلبة مما ادى الى مساندة باقي الطلبة لهم والقيام بإضراب عام ساندته الجماهير ودام (13) يوما، حيث رضخت الحكومة على اجراء الانتخابات الطلابية عام 1967 . وجاءت قائمة التحالف الشيوعي الديمقراطي في مقدمة جميع القوائم الاخرى من القوميين وغيرهم.
ان هذا التطور الذي حصل في الساحة السياسية والتقدم الذي احرزه الشيوعيون والديمقراطيون ارعب السلطة، التي اعتبرت ان الانتخابات غير شرعية وقامت بإلغائها. ولم تقتصر تلك النجاحات على الطلبة وانما شملت المنظمات المهنية كالمعلمين والمهندسين والمحامين رغم الضغط والتزوير الذي مارسته اجهزة السلطة ضدهم والجو الارهابي الذي فرضته تلك الاجهــــــزة ضد الديمقراطييـــــــــن . كما عمت العراق انتفاضات ضد الاقطاع وتجاوزات الملاكين، وجرت صدامات مسلحة بين الشرطة والفلاحين في الحي قتل فيها عدد من افراد الشرطة. وتصاعدت في نفس الفترة الاضرابات العمالية ومنها اضراب الالاف من عمال معامل النسيج ومعامل شهداء الجيش والمشروبات الغازية ... الخ .

ان تصاعد النضال الجماهيري، وتصّدر الشيوعيين له كان ينبئ بإنهيار حاسم في السلطة. ولم يكن للبعث حينها اي دور ملحوظ ، بل كانت سمعة البعث السيئة نقطة ضعف تلاحقه دائما. الا ان البعثيين وبما عرف عنهم من قدرة على التآمر، تمكنوا اعتمادا على مجموعة من ضباط القصر من الاطاحة بعبد الرحمن عارف في انقلابهم في 17 تموز 1968 ، ولينفردوا بالسلطة في 30 تموز اثر الغدر بحلفائهم من الضباط .

أدت تلك المغامرة اليسارية التي قادها عزيز الحاج الى إلحاق افدح الخسائر بالحزب، واودت بالتالي بحياة المئات من خيرة الكوادر الشيوعية.
وبالمقابل لا يمكن تبرير الموقف الذي اتخذه الحزب ازاء الحملة الشرسة التي شنها نظام البعث ضد المناضلين الشيوعيين. اذ لم يبد الحزب اي موقف احتجاجي واضح ضد تلك الحملة، في وقت كان بالامكان اعتبارهم قوة ديمقراطية معارضة تتعرض للقمع والموت على يد حكام فاشيين، ما زالت انهارالدماء التي تسببوا بها في شباط 1963 لم تجف بعد .
وقد عاد العديد من الرفاق الذين التحقوا بالقيادة المركزية الى حزبهم، ومازالوا يواصلون نضالهم. وتبوء قسم منهم المراكز القيادية، وشارك قسم اخر في النضال في صفوف الانصار الشيوعيين، ومنهم من استشهد في كردستان .

كان قرار تبني الكفاح المسلح الذي إتخذه المنشقون في الاهوار قراراً ارتجاليا، ودون حساب للظروف الذاتية والموضوعية. فلم تكن هنالك امكانية واقعية لاستمراره وتطويره. فطبيعة المنطقة هناك لا تماثل كردستان، اضافة الى الجانب القومي الذي كان اساسيا في انطلاق الثورة الكردية وديمومتها من خلال رفدها على الدوام بالدم الجديد .
كان القرارمجرد مجازفة ادى فشلها الى نكسة حقيقية للحزب، ومهدت الطريق امام قوى الردة بالوصول الى الحكم ثانية .

قبل الانشقاق لم تكن تخلو محلية نينوى ودهوك من الافكار اليسارية. فالرفيق احمد كريم سكرتير اللجنة المحلية كان من حاملي تلك الافكار، وكنت انا كذلك من المتعاطفين معها، إضافة الى الرفاق توما القس وسالم يوسف وحبيب يوسف تومي واخرين في بعض الاقضية. الا ان الالتزام بالوحدة الفكرية والتنظيمية للحزب كان في مقدمة توجهاتنا. ولذا لم يلتحق بالمنشقين سوى رفيق واحد من الانصار وهو الرفيق حبيب يوسف تومي، وهيئة قاعدية من ( 5 ) رفاق في قضاء الحمدانية ( برطلة ) .

ارسل عزيز الحاج رسلاً الى اغلب المنظمات الحزبية داعيا للالتحاق بتنظيمه. ولم يستثني الانصار من دعوته تلك . فقد ارسل لي رسالة خاصة عبر احد اقاربي، يطلب فيها ارسال خمسة عشر (15 ) نصيرا الى بغداد مع اسلحتهم ( بنادق اوتوماتيكية ) لدعم الكفاح المسلح. استغربت هذا الاسلوب الفج، فعلى اية اسس اعتقد عزيز الحاج انني متفق مع الانشقاق؟ ومتى كنت تابعا له لانفذ اوامره؟ وقد قدمت تلك الرسالة الى اللجنة المحلية التي ادانتها، ثم تم ارسالها الى مكتب الاقليم.
درست اللجنة المحلية في اجتماعها اوائل تشرين الاول 1967 في مكتب المحلية في قرية ( جمانه ) المزوري موضوع الانشقاق وادانته، واستنكرت سلوك قادته بعدم الرجوع الى الطرق المبدئية في معالجة الخلافات داخل الحزب. ولم يتخلف عن ذلك الاجتماع الا الرفيق توما القس لموقفه المتردد تجاه الانشقاق.

(1) رفيق من اهالي مانكَيش ، عمل في مقر اللجنة المركزية ببغداد اثناء فترة الجبهة ، حاول اللجوء الى اليونان مع ( 28 ) شخصا من مسيحيي العراق ، الا ان زورقهم تعرض لعاصفة بحرية وغرقوا جميعا قبالة احدى الجزر اليونانية .

وراق توما توماس
( 12 )


محلية نينوى ودهوك عشية انقلاب البعث

في شباط 1968 وصل الرفيقان زكي خيري وعمر علي الشيخ الى القوش في طريقهما الى سوريا. كنت حينها في البلدة حيث بتنا فيها تلك الليلة، وغادرنا صباحا نحو مقرنا في بيرموس. كانت رحلة شاقة ، فالطريق التي اعتدنا قطعها بساعتين ، قطعناها هذه المرة بست ساعات لصعوبة الطريق على الرفيقين وخاصة الرفيق زكي.
وجدتها فرصة ثمينة لافاتح الرفيق عمر الشيخ بفكرة مساعدتنا لتطوير عملنا الانصاري، وكالعادة لم احصل على اي رد او حتى رأي خاص بهذا الموضوع.
لكنه سألني : كم نصيرا نحتاج ؟ اجبته : 200 نصير سيشكلون قوة لا يستهان بها. وبأمكان هذه القوة تطوير تنظيماتنا الحزبية ، ويكون لها تأثير ودور فعال في حالة حدوث اية انعطافات في الوضع السياسي، خاصة وان هناك الكثير من المعطيات التي تشير الى ان الوضع لا يمكن ان يبقى على ما هو عليه. سكت الرفيق ولم يعلق بأي شئ .
كانت الاسئلة تتزاحم على مخيلتي. ألم يكن لنا دور في اقناع السوفييت لدعم الثورة المسلحة الكردية ؟ فما المانع في مفاتحتهم لدعمنا بالقليل مما يقدمونه للكثيرين ؟ هل حقا أننا لم نصل الى قناعة نحسم بها اي الطرق الواجب ان نسلكها في نضالنا ؟
ومن بيرموس خصصنا مفرزة وحيوانات لنقل الرفيقين الى فيشخابور، وارسلنا معهم الرفيق صباح للعلاج بعد اصابته بطلق ناري في عينه.

لعب الانصار الشيوعيون دورا اساسيا في استنهاض العمل الحزبي، في محلية نينوى ودهوك وحققوا نجاحات كبيرة في دهوك وزاخو. ففي خلال فترة قياسية اعيد بناء تنظيمات مدينة الموصل واقضيتها ونواحيها كالشيخان والقوش وتلكيف والحمدانية وبحزاني وتللعفر وسنجار.
وبعد الكونفرنس الثالث للحزب تم سحب الرفيق احمد كريم من مهمته كسكرتير للمحلية، بسبب مواقفه من الانشقاق، وترك للجنة المحلية انتخاب سكرتير لها من بين اعضائها، فتم في بداية عام 1968 انتخاب الرفيق عادل سليم ( ابو شوان ) وكان حينها عضوا في مكتب المحلية، سكرتيرا لمحلية نينوى ودهوك .


الرفيق عادل سليم ( ابو شوان ) سكرتير محلية نينوى ودهوك

***********
على ضوء توجيهات الحزب الى لجان المناطق والمحليات لعقد كونفرانساتها المحلية لانتخاب اللجان القيادية من خلالها ، عقدت كونفرنسات للاقضية كي يُنتخب فيها مندوبين لكونفرانسات المحليات .
كانت لنا حينذاك قاعدتان للانصار تم توحيدهما. وعقد كونفرانس لقوتنا الانصارية جرى فيه انتخاب لجنة عسكرية وحزبية قيادية للانصار، حيث تم انتخابي مسؤولا عسكريا للانصاروشعيا اسرائيل مساعدا للمسؤول وعلي اصفر جرجيس مسؤولا للمالية والادارة وشمعون ككونا مسؤولا سياسيا ودنخا البازي عضوا في اللجنة، اضافة الى رمزي بولص مسؤولا سياسيا للفصيل الاول وهاشم عناز مسؤولا سياسيا للفصيل الثاني .
وعقدت جميع اللجان في الاقضية كونفرانساتها وانتخبت لجانها القيادية ومندوبيها الى الكونفرانس الثاني لمحلية نينوى ودهوك، والذي عقد في اب 1968 بأشراف الرفيق احمد بانيخيلاني ممثلا عن مكتب اقليم كردستان. وقد حضر ذلك الكونفرانس (24) رفيقا مندوبين عن لجان الاقضية في نينوى ودهوك، هم الرفاق عادل سليم و محمد سواري وعبد جمعة وتوما القس وشعيا اسرائيل ولازار ميخو وعلي خليل ودنخا البازي ويوخنا توما وشمعون ككونا وعلي اصفر وحسين كنجي والياس الصفار وصديق عقراوي وسالم يوسف وعارف رشيد وصديق بامرني وعزت عمادي وخليل خدر وجوقي سعدون اضافة لثلاثة رفاق من الداخل وكاتب هذي السطور .
ناقش الكونفرنس طبيعة انقلاب 17 تموز والعلاقة مع قيادة الحركة المسلحة الكردية والحزب الديمقراطـــــي الكردستاني وضرورة تعزيزها، ورفع المندوبون توصية لقيادة الحزب بأهمية استمرار التعاون مع الحركة وقائدها البارزاني وتأييدها ودعمها بأعتبارها حركة تناضل من اجل الحقوق القومية للشعب الكردي ومن اجل الديمقراطية للعراق .
وتم انتخاب اللجنة المحلية الجديدة وتكونت من الرفاق : عادل سليم ـ سكرتيرا وتوما توماس ومحمد سواري ـ كعضويّ مكتب ، وتوما القس وعبد جمعة ولازار ميخو وصديق درويش و دنخا البازي ويوخنا توما وشعيا اسرائيل كأعضاء للجنة المحلية وعلي خليل كمرشح للمحلية .
بعد الكونفرنس ارسل الرفيق شعيا اسرائيل للدراسة في الاتحاد السوفياتي لمدة سنة .

بعد ذلك وعلى ضوء قراراللجنة المركزية بعقد المؤتمر الثاني قبل نهاية عام 1970 ، تقرر عقد كونفرانسات لدراسة الوثائق (النظام الداخلي والبرنامج والتقرير السياسي ) وانتخاب المندوبين الى المؤتمر حسب النسبة المقررة. وقد تم عقد كونفرانس المحلية في مقر الانصار في بيرموس وبأشراف الرفيق توفيق احمد ممثلا عن اللجنة المركزية للحزب ، تم فيه انتخاب الرفاق حازم جميل وتوما توماس ولازار ميخو كمندوبين وشعيا اسرائيل كمراقب، اما الرفيق عادل سليم فقد حضر المؤتمر مندوبا عن لجنة الاقليم .

وفي حزيران 1969 عقدت لجنة اقليم كوردستان مؤتمرها الثاني. وكان من المقرر ان احضره كمندوب عن محلية نينوى ودهوك مع الرفاق عادل سليم ومحمد سواري وتوما القس. ولكن التزاماتي العسكرية حالت دون ذلك.
في هذا المؤتمر تم ترشيحي لعضوية لجنة الاقليم، وتقرر ارسالي مع الرفيق عادل سليم للدراسة الحزبية الى الاتحاد السوفياتي لمدة سنة. و نسب الرفيق حاجي سليمان (ابو سيروان ) لقيادة اللجنة المحلية في نينوى ودهوك والرفيق شعيا اسرائيل لقيادة القوة الانصارية ، بعد رجوعهما من الدراسة الحزبية .
في 13/8/1969سافرت الى موسكو للدراسة الحزبية لمدة سنة. وفي طريقنا الى ديرابون بغية العبور الى سوريا ونحن في السيارة، وقعنا في كمين لمسلحي مجموعة جلال الطالباني ما بين قرية باختمي وبدلية، حيث اوقفوا سيارتنا وكنا خمسة رفاق بملابس مدينة وسألوا السائق عنا فأجابهم بأننا معلمون نلتحق بمدارسنا فسمحوا لنا بالمرور .

التحاق غازي حجي ملو بالسلطة عام (1968)
تنتشرعشيرة المزوري في القرى المحيطة بدهوك خاصة من جهة الشرق. ويقود هذه العشيرة شيوخ بريفكا وعائلة حجي ملو.
وأدى خطف علي حجي ملو لابنة الشيخ نوري والزواج منها الى إندلاع خلاف دموي بينهما ، تسبب في سقوط ضحايا من الطرفين. وتمكنت عائلة الشيخ من اغتيال عبد العزيز حجي ملو في كمين نصب له قرب قرية بيدول .وعند ألتحاق عائلة حجي ملو ومن يتبعها من المزوريين بالثورة المسلحة الكردية منذ انطلاقتها، التحقت عائلة الشيخ ومن يتبعها ، كرد فعل، بالسلطة وجُندوا في الافواج الخفيفة (الجحوش ). وقد ذكرت سابقا ان البارزاني امر بحرق قريتهم بريفكا ، فأنتقلوا الى الموصل منذ عام 1962 .
في عام 1967 قرر الشيخ جلال والشيخ صديق الالتحاق بالثورة الكردية، وانتقلا للاستقرار في قرية تل خشف (1)، الامر الذي دفع بغازي حجي ملو لاتخاذ قرار الالتحاق بالسلطة .
ولم تفلح جهود مسؤولي ال?يش مرﮔة في المنطقة، خاصة حسو ميرخان وعيسى سوار، في اقناع غازي للتراجع عن قراره . فانتقل غازي مع مقاتليه الى قريةً دزي (2) القريبة من اتروش، واتخذ احتياطاته بحفر الخنادق والمواضع العسكرية ، واقام عدة ربايا احاطت بمقره ، كانت مهمتها ادامة الاتصال بينه وبين سرية الجيش المعسكرة قرب جسر اتروش - عين سفني .
وبأستقرار مقاتلي غازي في قرية دزي عُزلت منطقة الدشت عن مقر حسو، الا انهم لم يحاولوا التصادم مع ال?يش مرﮔة او حتى مع اعدائهم من مسلحي الشيخ .

ارسل غازي لي رسالة يقول فيها : " اننا اولاد العم يجب ان يساعد احدنا الاخر "، ويطلب منّا الالتحاق به . درست المحلية تلك الرسالة وتقرر الاجابة عليها بأسلوب مرن، حيث اكدنا بأننا نعتز بعلاقتنا به ، لكن حينما يتعلق الامر بالثورة والشعب، فنحن لانحيد قيد شعرة عن مبادئنا وسنعمل بما يخدم المصلحة العامة، واننا مستعدون للمساعدة في حل الخلاف بينه وبين الحركة المسلحة.

اصبحنا القوة الوحيدة في المنطقة بالاضافة الى مجموعة من الكوجر وجماعة الشيخ المستقرة في قرية تل خشف ، وهي بعيدة عنا قرابة ساعتين سيرا على الاقدام .
ابلغنا حسو ميرخان بالوضع الجديد ورأينا الانسحاب من المنطقة. ونظراً لتأخر جوابه، قررنا التوجه الى مقره عبر دهوك. وصل الى علمنا ونحن في الطريق في قرية دوستكا ان حسو متوجه الى مقرنا في بيرموس، ويطلب منا انتظاره .
لم يتأخر وصول حسو ، وحل ضيفا على مقرنا لمدة اسبوع التقى خلاله مع جميع مسوؤلي البيشمركة ورؤساء العشائر ومختاري القرى في المنطقة ثم توجهنا الى منطقة دزي حيث قوة غازي .
تقرر التحرك بأتجاه دزي لطرد مقاتلي غازي ولغرض فتح الطريق امام البيش مركة في تحركهم نحو منطقة الدشت .
اتخذنا مواقعنا في الجبل المطل والمسيطر على دزي من جهة الجنوب، اما عيسى سوار فقد كان بإنتظارنا مع ال?يشمرﮔة في قرية بيبوزي شمال غرب اتروش.

توجهنا ( حسو وانا ) نحو بيبوزي، حيث عبرنا الجسر ليلا من قرية بيدول شمال غرب دزي .
كان الحرس الخاص يحيط بعيسى سوار على شاكلة الاغوات. وكان عيسى سوار في تصرفاته وتعامله مع الاخرين يختلف كليا عن حسو ميرخان الذي يتميز ببساطته. وحينما قدم لنا العشاء، وكان يكفي لفصيل كامل من ال?يشمرﮔة ، لم يشارك سوى حسو وانا واثنان من المقربين من عيسى. وبعد انتهائنا اخذ المتبقي من الطعام الى غرفة الحرس الخاص. وبعد انتهاء هؤلاء تم تقديم المتبقي الى ال?يشمرﮔة. استغربت من تلك التصرفات، وشعر حسو بما افكر فيه، فأكتفى بأن ابتسم لي بطريقة تشير الى إستغرابه هو الاخر من هذا التصرف .

في صباح اليوم التالي، قمنا بأستطلاع اخير لمواقع مقاتلي غازي. اذ كانت لهم ربيئة تشرف على مقرهم مباشرة من ناحية الجنوب ويوجد فيها 12 مسلحا، وربيئة اخرى على تل مخروطي فوق النهر بأتجاه الشرق وتشرف على طريق اتروش. اقترحت بأن ننطلق للسيطرة على الربيئتين وتطويق أفرادها واجبارهم على الاستسلام. رفض كل من حسو وعيسى المقترح، على اعتبار ان فرض الحصار عليهم سيجبرهم على القتال. كانت رغبة حسو وعيسى غير ذلك ، وربما كانت التوجيهات العليا لهما، تنص على إزاحة مقاتلي غازي من المنطقة وفسح المجال لهم للالتحاق بالسلطة وبأقل الخسائر.

ولهذا السبب تغيرت خطتنا، واقتصرت على فرض السيطرة على الربيئة الرئيسية المشرفة على مواقعهم والمباشرة من هناك بقصفهم بالمدفعية مع ترك الجبهة الشرقية مفتوحة لهم كي يتسربوا منها نحو اتروش بدون قتال .

عقد حسو في المساء اجتماعاً عسكرياً حضره حسب ما اتذكر كل من مهدي وفيصل نزاركي ونعمو صمد وشيخ محمد ربتكي وفارس كوره ماركي وغيرهم .
تحدث حسو حول الخطة بإحتلال الربيئة وفرض الانسحاب على مقاتلي غازي من دزي بالقصف المدفعي. رفض بعض الحاضرين المشاركة في العملية لرغبتهم في إبقاء علاقاتهم مع عشيرة المزوري على وضعها، الامر الذي اثار امتعاض حسو وأنهى الاجتماع بسرعة وصرفهم جميعا .
بقيت انا وشيخ محمد ونعمو. فأعلن حسو بأنه سيقوم بالعملية لوحده، وطلب مني مساعدته فقط بقاذفتي البازوكا مع رماتها. اجبته لابأس ان تأخذ القاذفتين ام الرماة فأنا لا اوافق، لاني متأكد بأنك غير جاد بقرارك، انما هو لاحراجنا. واستطردت أنه لا مانع لدينا من تنفيذ العملية فهي بسيطة جدا والربيئة المقصودة معزولة ولا تحتاج للسيطرة عليها اكثر من 15 مقاتلا .
بدا الارتياح واضحا على حسو وقال : ان حرسي الخاص تحت تصرفك .
وابدى نعمو وشيخ محمد ربتكي رغبتهما بالمشاركة ايضا. وزعت العمل بإرسال شيخ محمد ومجموعته الى قمة الجبل جنوب موقع غازي لمنع وصول اي دعم لهم من السلطة. اما نعمو ومجموعته فأبقيتها للاحتياط ، لتتقدم ، بعد سيطرتنا على الربيئة ، الى السلسلة الجبلية المشرفة على مواقع غازي للضغط عليها .

في الساعة الرابعة والنصف فجر ليلة ماطرة وحالكة الظلام، تحركنا لتنفيذ العملية وكنا 15 نصيرا فقط. وفي الساعة الخامسة، انطلقت اول قذيفة بازوكا لتصيب الساتر الامامي للربيئة فقلبت التراب على رؤسنا. ثم توالت القذائف لتصيب احداها جانبا من الربيئة التي كانوا يستخدمونها كموقع استراحة فأشتعلت فيها النار. عندها انطلقنا بأتجاه الربيئة لاجبارهم على تركها والانسحاب الى مقرهم في دزي دون خسائر.
انتهت مهمتنا بعد أقل من نصف ساعة. وبدأت مهمة الاخرين، إذ تحرك نعمو صمد ومجموعته وحسو ومجموعته وعيسى سوار ومجموعته من جوانب متفرقة، فتم تضييق الحصار عليهم. وحينما باشرت المدفعية بقصف مواقعهم في القرية، بدأ المزوريون بالانسحاب في الساعة السادسة صباحا نحو الشرق الى اتروش .
بعدها دخلنا مقرهم ، ولم نمكث فيه الا وقتا قصيرا . ثم توجه عيسى سوار الى مقره في زاخو. وانطلقنا بدورنا الى مقرنا في بيرموس .

على مدى سنوات طويلة وقاسية، تحتم علينا نحن الانصار الشيوعيون العمل تحت أمرة مسؤولي الحركة المسلحة الكردية في مناطق تواجدنا، بسبب ضعف امكانيات الحزب في مجال العمل الانصاري، والاقتناع بما كان موجودا فعلا، دون التفكير جديا بتطويره وتعزيزه بالرفاق والسلاح .
فلم يكن يحق لاي كان تأسيس مقر لمجرد الاحتماء فيه، بدون قرار من قيادة الحركة المسلحة الكردية. فما بالك بتشكيل مفارز انصارية متحركة في المنطقة وتتصل بجماهيرها وتدعم تنظيماتها الحزبية .

ولكوننا قوة عسكرية تابعة لمسؤول المنطقة، كان علينا الاشتراك في العمليات العسكرية التي يحتاجوننا فيها دون ان يكون لنا خيار اخر.

وليس سرا فإن عدداً من المعارك لم يكن لها أية دوافع او مبررات سوى الخلافات العشائرية التي لا ناقة لنا فيها ولا جمل. وكانت الخلافات وما يتبعها من صراعات كنتيجة لإنتقال عشيرة من العشائر ، من احد طرفي الصراع الى الطرف الاخر ، وكان هذا يحصل بأستمرار. إضافة الى ذلك ، فقد حدثت صدامات مسلحة في بعض الاحيان اثر اتفاق مسبق بين مسؤولي عشيرتين احدهما مع السلطة والاخر ضدها. وفي كل الحالات كانت قوتنا الانصارية تُستدعى لتشارك في اعادة موازين القوى لصالح الثورة.

(1) تل خشف تقع في السهل بين فايدة وخوركي وكلي بندوة .
(2) تقع دزي في دشت اتروش في جنوب غربها على طريق دهوك ـ اتروش الجديد تعتبر من املاك عشيرة حجي ملو ، تسكنها عوائل مسيحية من اهالي ميركَة ، احرقتها السلطة لعدة مرات .



أوراق توما توماس
( 13 )


عشية بيان 11 آذار
كان على البعث بعد مجيئه الى السلطة ثانية ان يواجه الحركة المسلحة الكردية، وقد تنامت امكانياتها وباتت تشكل خطرا حقيقياً. كما انها تحظى بتأييد شعبي كبير وبدعم واسناد من الحزب الشيوعي العراقي .
وخلال قرابة عام ونصف وهي تعاني من ضعف التأييد الشعبي، حاولت سلطة البعث حسم الصراع عسكرياً، حيث شنت العديد من الهجمات العسكرية، وشاركت فيها صنوف الجيش والافواج الخفيفة ( الجحوش ). واستمرت السلطة بسياسة الارض المحروقة في القرى والقصبات في منطقة كردستان. الا ان كل ذلك اصطدم بصمود بطولي من الشعب الكردي ومن ال?يشمرﮔة والانصار .
يذكر حردان التكريتي في مذكراته قائلاً(1) " في الواقع ان الاكراد استطاعوا بصمودهم البطولي خلال قرن كامل أن يركعوا الحكم الى درجة بتنا نخشى أن يؤدي استمرار الحرب الى سقوط بغداد بأدي الملا مصطفى البرزاني . وقد بلغ معدل ضحايا الجيش العراقي قبل شهور من بيان 11 آذار الى 325 بين قتيل وجريح اسبوعياً. وبعد أن قمنا بمحاولة أخيرة للقضاء على المقاومة قبل 11 آذار بشهرين فقط، وفشلنا فيها قررنا إجراء مفاوضات مع الملا، لأنهاء القتال لأن ذلك كان سيعطينا فرصة طويلة للبقاء في الحكم .
وكان القصد من المفاوضات اعطاء الملا كل التنازلات التي يريدها، في محاولة لاحتوائه أو تنظيم انقلاب عسكري ضده. ولكنه كان اقوى واذكى وأكثر تمرسا بالأساليب السياسية والعسكرية. ولذلك فقد اشترط في بند سري من بنود البيان بقاء (( 25 )) الف جندي من ال?يشمرﮔة تحت السلاح. وقد اعطيناه ذلك. ولكن قررنا أن نستغل فترة إنهاء الحرب لادخال عناصر من جماعة جلال الطالباني، وهو عدو تقليدي للملا في جماعة الملا، والقيام بأغتياله عند اللزوم. فالحزب لايمكن أن يطبق بيان 11 آذار بكامل بنوده لأن ذلك يعني اعطاء أضخم حقول البترول العراقية للأكراد، وهو حقل كركوك، وذلك يعني إفلاس الحكومة تقريبا. من هنا ، فقد قرر الحزب القيام بإحدى الخطتين :
1- أما اعلان الغاء اتفاقية آذار ضمن حملة عسكرية ضخمة تقوم بها القوات العراقية، وانهاء قضية الحكومة اللامركزية التي يطالب بها الملا .
2- أو القيام بتوطين عائلات عربية في المناطق الكردية قبل اجراء احصاء عام فيها، الأمر الذي سيمكن الحزب من بقاء سيطرته قانونيا في تلك المناطق . وللحقيقة فان حكمنا لم يكن مخلصا للاكراد في اي يوم ولن يستطيع ان يصبح مخاصا لهم في المستقبل اطلاقا. وسيكتشف الاكراد ذلك ان لم يكن قد اكتشفوه فعلا . "

من الواضح ان بيان 11 اذار 1970 لم يأت وليد صدفة او برغبة صادقة من البعث لمنح الشعب الكردي حقوقه القومية. فالبعث حزب قومي عربي لايعترف بوجود قوميات الاخرى في الوطن العربي، ويعتبرها مجاميع بشرية دخيلة عليه يتوجب صهرها في المجتمع وتعريبها.

و لولا فشل السلطة في تعاملها مع القضية القومية واقتصار حلولها على الحسم العسكري لما كانت قد اذعنت ووافقت على اغلب شروط الحركة المسلحة الكردية .
كانت القطعات العسكرية تواجه بمقاومة جبارة حتى اواخر عام 1969. وكان الطرفان في سباق مع الزمن لتحقيق انتصارات على الارض. فقد حرصت الثورة الكردية على ان تدخل في اية مفاوضات متوقعة من موقع المنتصر. أما السلطة فهي حاولت أيضاً بأقصى امكانياتها انزال خسائر بالاهالي العزل انتقاما لخسائرها في المواجهات العسكرية. و اقترفت السلطة في تلك الفترة جريمة ابادة قرية صوريا المسيحية وقرية ده كان الكردية .

*****
مذبحة قرية صوريا ـ 16/ 9/ 1969
تقع قرية صوريا على ضفة نهر دجلة وهي تابعة لقضاء زاخو، وتبعد كيلومترات قليلة عن قرية فيشخابور الحدودية مع سوريا. ويسكنها قرابة عشرون عائلة مسيحية تعمل بزراعة الحنطة والشعير وتربية الحيوانات.

في صباح يوم 16/9/1969، انفجر لغم مضاد للاليات تحت ناقلة عسكرية، وقتل واصيب على اثره عدد من العسكريين وكان بينهم احد المسؤولين. وونظراً لان قرية صوريا هي الاقرب من غيرها الى محل الانفجار، فقد اختارها الفاشيون هدفاً لهم كي ينتقموا ويستعرضوا قوتهم وبأسهم .

شاهد اهالي القرية قافلة عسكرية تتقدم نحوهم القرية، فخرج المختارخمو مروكي والقس حنا الذي كان في زيارة لاجراء الطقوس الدينية ومعهما حسين محمد وهو سائق سيارة استأجرها القس، خرج جميع هؤلاء لاستقبال القافلة العسكرية والترحيب بها عند مشارف القرية. ترجلت القوة العسكرية وكانت بأمرة الملازم (عبد الكريم محمد الجحيش ) من الفوج الرابع التابع للواء الثالث والعشرين. وبدون سابق انذار، بادر افراد القوة بفتح النار فقتل الثلاثة في الحال. ثم طوقت القوة العسكرية القرية وقام الجنود بإخراج جميع الاهالي قسرا من دورهم، وتم تجميعهم واطلاق النار عليهم وبقرار عدم ترك اي جريح. بعدها قام القتلة بتفيش القرية فوجدوا خمسة صبيان قتلوهم دون رحمة، ثم قاموا بأحراق القرية حيث احترق عدد من الاطفال الرضع كانوا قد تركوا داخل البيوت .
وبعد ان مٌثّل بالجثث بحثا عن الخواتم وعن حلي النساء طمرت في حفرتين داخل القرية .

******
مجزرة كهف ده كان ـ 18/8/1969
تقع قرية ده كان في منطقة شمكان على سفح جبل بي خير من جهة الشرق وبالقرب من قرية خورت. وتشتهر القرية بزراعة الزيتون والليمون، وتسكنها حوالي 30 عائلة كردية. وقد تم حرق هذه القرية عدة مرات، وضمن سياسة الأرض المحروقة التي مارسها النظام منذ اليوم الاول لرجوعه الى السلطة في تموز 1968. تعرضت هذه القرية مثلها مثل آلاف القرى الكردية الى الحرق من قبل قطعات الجيش والجحوش .
وفي احدى الحملات العسكرية ضد الحركة المسلحة الكردية، كان احد محاور العمليات في منطقة عقرة والشيخان وبأمرة قائد الفرقة عبد الجبار الاسدي .

اعتاد اهالي القرى الكردية على ترك قراهم كلما تكثف القصف المدفعي اوالجوي في مناطقهم. فيلجأ الاهالي الى سفوح الجبال او الكهوف القريبة. وهذا ما فعله اهالي قرية ده كان، إذ توجهوا الى كهف كبير قرب قريتهم، وكان عددهم 67 شخصاً جلهم من النساء والفتيات والصبيان. بعد نهب ممتلكات الاهالي ، قام الفاشيون بحرق القرية .
كان الاهالي وفي مسعى لزيادة تمويه مكان اختفائهم، قد وضعوا الاغصان والاعشاب على مدخل الكهف الذي اختبأوا فيه. الا ان ذلك لم ينقذهم ، اذ عُثر عليهم ، فقام الجحوش وافراد الجيش بحرق الاغصان والاعشاب في مدخل الكهف مع اطلاق النار بكثافة صوب داخل الكهف في محاولة لمنع خروج اي من الاهالي. فتعالى صراخ النساء والاطفال طالبين الرحمة ولكن دون جدوى. وهكذا احترق الجميع وتحول الكهف الى قبر جماعي ضم 24 امرأة و5 فتيات و21 طفلة و16 طفلا وشيخا واحدا .

******
وبعد صدور بيان 11 اذار 1970 وتوقيع الاتفاق، لعب حزبنا دورا متميزا في تقريب وجهات النظر بين الطرفين وكان للرفيق عزيز شريف دور مشهود في ذلك .

كان الاتفاق بين السلطة والحزب الديمقراطي الكردستاني قد حدد مدة 4 سنوات ليتم فيها تنفيذ بنود اتفاقية 11 اذار. وساهم الحزب الديمقراطي الكردستاني في الحكومة بخمسة وزراء. وتم تعيين 12 فوجا من ال?يشمرﮔة كحرس للحدود تدفع السلطة رواتبهم. كما تم تعيين محافظين واداريين لمحافظات اربيل وسليمانية ودهوك ونائب للمحافظ في نينوى من الاكراد .

حرصت السلطة على تحييد الحزب الديمقراطي الكردستاني ، في حين كانت توجه ضرباتها ضد حزبنا. ولكن لم تؤدي اتفاقية اذار، التي لعب حزبنا دورا مشهودا في التوصل اليها، في تقريب وجهات النظر بين الطرفين. ولم تفرز الإتفاقية اي تغيير في موقف السلطة تجاه الحزب الشيوعي، إذ واصلت مسلسل الاعتقالات والملاحقات والاغتيالات ضد الشيوعيين. فقد جرى إغتيال محمد الخضري ليلة 20 اذار 1970 وهو في طريقه لحضور احتفال بمناسبة صدور بيان اذار. كما جرت تصفية العديد من الرفاق تحت التعذيب في قصر النهاية ومنهم الرفاق كاظم الجاسم وعلي البرزنجي وعزيز حميد وعبد الامير سعيد واغتيال الرفاق شاكر محمود وستار خضير وصالح احمد ومصطفى ظاهر .. الخ .

ومنذ مطلع عام 1971، شنت الاجهزة الامنية حملة ملاحقات شرسة ضد منظمات الحزب وكوادره ، فأضطر عدد من الرفاق الى ترك مدنهم والتوجه الى مقرات الانصار في بالك ( برسرين ). اما في مدينة الموصل وبرطلة وبحزاني، فقد ترك عشرات الرفاق عوائلهم والتجأوا الى مقر الانصار في بيرموس ، وتجاوز عددهم ستين ( 60 ) رفيقا. وفي نفس الوقت شنت السلطة حملة عسكرية على رفاقنا في القوش ولم يتدخل منتسبو الحزب الديمقراطي الكردستاني في المواجهة المسلحة التي حدثت بيننا وبين السلطة ، بأعتبارهم كانوا حلفاء لها ويساهمون في الحكومة . بعد ذلك الصدام، فرض على انصارنا الكف عن زيارة عوائلهم في القوش الا نادراً وفي الليل .

في اب 1970 عدت من موسكو بعد انتهاء الدراسة الحزبية. وكانت حركة رفاقنا وتنقلهم بين المدن والمحافظات بقدر لا بأس به الحرية والامان. وتوجهت برفقة الرفيقين لازار ميخو ( ابو نصير ) وشعيا اسرائيل الى دركله لحضور المؤتمر الثاني ، بعد ان تم تزويدنا بهويات مزوره كمعلمين .

وفي اوائل ايلول 1970 انعقد المؤتمر في منطقة قريبة من دركَلة، حيث شيدت ( كبرات ) للرفاق تحت حماية ورعاية الانصار من قاطع بالك. وجاء انعقاد المؤتمر كتتويجاً لنشاطات تحضيرية واسعة شملت الميادين السياسية والتنظيمية والفكرية. وكان قد سبقه المؤتمر الاول لمنظمة اقليم كردستان 1969، وانتخبتُ فيه مرشحا للجنة الاقليم .
حضر المؤتمر( 102 ) مندوبا. وقبل انعقاده استشهد احد المندوبين تحت التعذيب وهو الرفيق عبد الامير سعيد. استمرت اعمال المؤتمر ثمانية ايام نوقش فيه العديد من القضايا المهمة .
اثناء إنعقاد المؤتمر، ابلغت بقرار سحب الرفيق شعيا اسرائيل، وكان نائبا لامر قوتنا الانصارية، للعمل ضمن تنظيمات الخط العسكري ( الخاص ) في الفرقة الثانية في كركوك .

اعتبرت ذلك القرار ارتجاليا، حيث إتُخذ دون استشارة الرفاق ذوي العلاقة المباشرة بالرفيق شعيا. واستغربت حينها الاصرار على تكليف رفيق مكشوف ومعروف ونشط لسنوات طويلة في مجال العمل الانصاري ، بمهمة تتطلب السرية العالية. ان البقاء في مدينة مثل كركوك بلا اي عمل سيثير لوحده الشكوك ، اضافة الى ان نسبة كبيرة من سكنة المدينة هم من الاثوريين ومن معارف الرفيق شعيا، ولاغلبهم معلومات وافية عنه .
قيل لي لا مجال للنقاش ، وان قرار الخط العسكري ملزم التنفيذ. لم تمض فترة، حتى كثرت الاحاديث في كركوك عن شخص يدعى شعيا يعمل مع العسكر دون ان يعرفوا عنوانه .

كتبت رسالة الى الرفاق في المكتب السياسي ، وكنت قبل ذلك قد نبهت احد الرفاق من قيادة العمل في الخط العسكري حول هذا الموضوع، اوضحت في الرسالة وضع شعيا وانكشاف امره عند جماهير كركوك وخطورة بقائه ضمن الخط العسكري واقترحت نقله فورا دون أي تردد قبل فوات الاوان. إلا أنه لم تتخذ أية اجراءات وقائية.
تمكنت المخابرات من نصب كمين للرفيق شعيا واعتقلته. ولم يستطع تحمل التعذيب، ولقلة تجربته انهار وسلم مالديه من معلومات. وعلى اثرها اعتقل العديد من العسكريين منهم ن.ض. بولص هرمز وصليوا بويا علي بك وهم من اهالي عينكاوة ، واعتقل الرفيق علي البرزنجي ( عضو ل.م ) حيث استشهد تحت التعذيب .

وفي حديث لي مع الرفيق المسؤول عن الخط العسكـــري، وهو عضو المكتب السياسي ، بعد اعتقال شعيا من قبل المخابرات، قال الرفيق كنا على وشك نقله ولكن المخابرات سبقتنا !!. وبهذه البساطة برر هذا الرفيق وقوع تلك الكارثة .

وهكذا تتكرر اخطاؤنا. ولعدم اجراء محاسبة للمسؤولين عن تلك الاخطاء، تبقى النتائج المأساوية تلاحقنا بأستمرار. إن اسلوب تبرير الاخطاء في الحياة اليومية الاعتيادية هي عادة سيئة، الا انه في العمل السياسي وخاصة السري منه فهي عادة قاتلة .

(1) الفريق حردان التكريتي ، وزير الدفاع في اول تشكيلة وزارية بعد انقلاب تموز 1968 اغتيل من قبل مخابرات صدام في الكويت . صدرت مذكراته في بيروت .
( الفصل الخامس والاخير من الجزء الاول من مذكرات حردان عبد الغفار التكريتي ، يمكن الاطلاع على المذكرات من موقع الارشيف العراقي في الدانمارك ) ( موقع الناس ) .


أوراق توما توماس
( 14 )



محاولة اغتيال البارزاني

إن كيفية التخلص من قادة الحركة المسلحة الكردية وبالتالي القضاء عليها كان كل مايشغل بال البعث وحكومته. ففي اثناء المفاوضات في بغداد، حاولت السلطة اغتيال ادريس ( نجل البارزاني )، الذي كان مسؤولا عن الوفد المفاوض، الا انه تمكن من الفرار من بغداد سراً.
اما فكرة اغتيال البارزاني فقد راودت السلطة وخططت لها منذ اليوم الاول لدعوتهم لانهاء الاقتتال، ومن خلال اعلى هيئة حزبية وامنية لدى البعث، وبأشراف وتوجيه مباشرين من صدام حسين. وعهد امر تنفيذ الخطة الى المخابرات العامة.
وقامت السلطة بتشكيل وفد من تسعة رجال دين معروفين في العراق، وتم ارسالهم الى حاج عمران للالتقاء مع البارزاني بهدف تقريب وجهات النظر وحل الخلافات التي كانت تتفاقم يوماً بعد اخر. ونقل الوفد رغبة الحكومة العراقية في فتح صفحة جديدة من التعاون لازالة الخلافات. وقد رحب البارزاني بمبادرة الحكومة، وأكد حرصه على استمرار المساعي الصادقة لحل القضية الكردية بالطرق السلمية. بعد ذلك رجع الوفد الى بغداد على امل اللقاء مجددا في حاج عمران بعد فترة قصيرة، على اعتبار ان الوفد بحاجة لاستشارة السلطة في بعض الامور الاساسية.
وفي 29 /7/ 1971 وصل الوفد ثانية الى حاج عمران بسيارتين. وكانت السلطة قد زجت في هذه المرة مع الوفد بأثنان من افراد المخابرات العراقية تنكرا بزي رجال الدين، ودون ان يثير ذلك اية شكوك لدى اعضاء الوفد الاخرين. كان احدهما ويدعى ( ابراهيم الخزاعي ) يربط على جسده آلة تسجيل مفخخة بمادة متفجرة، دون ان يعلم شيئاً عنها، إذ كان قد بُلغ بأنها آلة لتسجيل الحديث بين البارزاني واعضاء الوفد. وفي نفس الوقت كلف سائق احدى السيارتين بأستخدام جهاز الكتروني يتحكم بآلة التسجيل لتفجيرها.
في الساعة الرابعة وخمس واربعين دقيقة عصراً، استقبل البارزاني ضيوفه مرحباً بهم. وبعد ان استلم نسخة من القرآن كهدية، دوّي صوت انفجار هائل فتناثرت اشلاء ابراهيم الخزاعي، وقتل على الفور اربعة من اعضاء الوفد كانوا جالسين الى يمين البارزاني .
وفي نفس الوقت حاول السائقان، وهما ايضا من رجال المخابرات، الهرب. الا ان حرس البارزاني عاجلاهما بأطلاق النار عليهما، وتمكن احدهما من القاء عدة قنابل يدوية في اللحظة التي كان البارزاني قد خرج ليطلب من حراسه عدم اطلاق النار. فأصيب البارزاني على أثرها ببعض الشظايا برأسه وجنبه. عندها اطلق حراسه النار على جميع اعضاء الوفد بلا استثناء معتقدين انهم جميعا مشاركون في محاولة الاغتيال. فقتل رجال المخابرات في الحال، كما قتل ايضا اثنان من حرس البارزاني واصيب 14 اخرين بضمنهم البارزاني.

ملاحقة الامن لانصارنا في القوش

استمرت السلطة في ملاحقة منظماتنا ورفاقنا وانصارنا اثناء فترة الهدنة إثر اتفاقية اذار بينها وبين الحزب الديمقراطي الكردستاني. وتمادت السلطة في قمعها واضطهادها للشيوعيين وعوائلهم، في الوقت الذي اتخذ الحزب الديمقراطي الكردستاني موقفا محايدا، حفاظا على تحالفه مع السلطة.
في اواخر تموز 1971 كنت برفقة عدد من انصارنا في مقهى شعبي في القوش، فدخل معاون الشرطة ( ابو ياسر ) ومعه احد افراد الامن عزيز عيسى قاقا (1) واثنان من افراد الشرطة. واخذوا بتفتيش المقهى، ثم اوعز معاون الشرطة الى مرافقيه بتفتيش رواد المقهى، واشار متعمداً بأتجاهي . حاول الشرطيان التقرب فنهرتهما فعادا ادراجهما حالا. وقف ( ابو ياسر ) في باب المقهى ، وناداني لألحق به الى مركز الشرطة. اوقفته وكان مازال في السوق، وقلت له : "اذا كنت رجل وشجاع ، يمكنك اعتقالي" .
اثناء ذلك تجمع الطلبة والاهالي وضربوا طوقا حول معاون الشرطة، وبالكاد وجد طريقه الى المركز. بعد نصف ساعة جاء الشرطيان الى السوق وطلبا مني مرافقتهما الى المركز. فحاول الطلبة الاعتداء عليهما ونزع سلاحهما، فمنعتهم من ذلك .
حاول مسؤول مقر الحزب الديمقراطي الكردستاني ( محمد رشيد ربتكي ) اقناعي بالذهاب الى المركز فقلت له: " هل تدرك ما يريدونه مني ؟ هل لك امكانية لمنع احتجازي في المركز؟". واراد ربتكي ان يقنعني ، مدافعاً عن معاون الشرطة. فأخبرته : " بأنني لست تابعا لك ، وعليك ان تعرف حدودك ، وما هو موقعك وموقعي في الثورة الكردية، فأنت تعرف جيدا ان صلتي بالبارزاني مباشرة ". عندها اعتذر وابلغ المعاون بعدم قدرته على اقناعي. وهكذا كان الحال ايضا مع محاولة علي بالطة عضو محلية الشيخان، الذي زارني في البيت لذات الغرض.
واخيرا حاولوا بطريقة اخرى اكثر دقة ومرونة. فقد وصل الى القوش فجأة كل من جبرائيل اسحق (2) عضو فرع نينوى لحزب البعث و احمد الجبوري (3) عضو فرع نينوى وقائمقام قضاء تلكيف ومعاون شرطة قضاء تلكيف ومعهم طبعا ابو ياسر من أجل حل ذلك الخلاف. وتم تكليف محمد رشيد ربتكي بمرافقتي الى المركز لعقد اجتماع للمصالحة. رفضت ان يكون المركز محلا للاجتماع واقترحت مقر الحزب الديمقراطي الكردستاني بديلا عنه، ووافق وفد البعث على امل استدراجي.
وضع رفاقنا الانصار حراسة مشددة على مقر الديمقراطي الكردستاني في القوش. وكان ?يشمر?ة حدك اكثر حرصاً وإستعداداً من مسؤوليهم في الدفاع عني، وحضرت الاجتماع بسلاحي الشخصي ( كلاشنكوف ).
تحدث جبرائيل اسحق عن التعاون بين حزبينا !! وضرورة تجاوز ما جرى من خلاف مؤكدا على انتقاده لمعاون مركز شرطة القوش. بعد ذلك اعتذر المعاون عما بدر منه وابدى استعداده لبناء علاقة جديدة بيننا، ولاستقبالي في المركز وقت ما اشاء ( هكذا .. ).
كنت على دراية من غايتهم. ولم يكن لدي اي وهم من انهم سيعتقلوني في حالة دخولي الى المركز، وعندها لن تنفع قوة الانصار بشئ ولن تتمكن من اطلاق سراحي.
وعند مغادرة الوفد لمقر حدك، تأخر احمد الجبوري قليلا، واختلى معي، وقال : " لا تصدق كلام الوفد واياك من الذهاب الى المركز. يوجد لدينا قرار في قيادة الفرع لاعتقالك وتسفيرك فورا الى بغداد "، ثم تركني ليلحق بالوفد.
وواصل البعث واجهزته مختلف اشكال التضييق والملاحقات على انصارنا ورفاقنا. ففي خريف عام 1971، وكانت الاوضاع ما تزال متوترة، نقل الى القوش المدعو سعد منصور ليتولى مهمة ضابط أمن، وهو من تلكيف اصلا ويسكن في بغداد و يتصف بالغرور والجبن والغدر. كان يدّعي امام اهالي القوش بأنه يلاحق الانصار الشيوعيين لاعتقالهم ، لكنه وما ان يصل الانصار يختفي ولا يظهر له اي اثر الا بعد مغادرة اخر نصير للبلدة.
كان معه اثنان من افراد الامن احدهما ويدعى حبيب من اهالي قرقوش والاخر شاب من الموصل، معروفين بشراستهما وكلفا بملاحقة رفاقنا باستمرار وبمحاولات لخلق المشاكل داخل البلدة.
كنت في احد الايام في السوق ويرافقني سالم يوسف عند دكان احد الاصدقاء عندما مر الرفيقان هرمز بوكا ورحيم قودا في طريقهما الى خارج السوق. وانتبهنا الى انهما كانا ملاحقين من قبل رجل الامن حبيب ورفيقه. وعند عودة رجلي الامن بادرهما سالم بالسؤال : لماذا تلاحقان رفاقنا ؟. فرد عليه حبيب : هذا واجبنا ولا تتدخل، وعلى حين غرة تلقى سالم صفعة قوية وخاطفة على خده اضاعت صوابه ، وكأن الامر كان مبيتاً ومخططا له لتفجير الموقف.
وفي الحال هجم الاهالي على رجلي الامن، وانهالوا عليهما بالضرب واخذوا مسدس احدهما. ولولا تدخلي وايقاف الضرب لكانا قد قتلا في السوق.
كان الذي حصل هو ما ينتظره المعاون وضابط الامن، الذين قاما حالا بإبلاغ رؤسائهم عن الحادث. وعلى إثر ذلك، تم احتلال السوق واستنفر افراد الامن والشرطة. وتفاديا للاصطدام بهم وللحفاظ على البلدة، قررنا الخروج الى سفح الجبل .

وكما هي العادة توجهت قوة من الشرطة والامن الى دارنا لاعتقالي. و طوقوا الداربشكل استفزازي دون ان يتجرأ احدا منهم للدخول. وعندما طلب احد أفراد الشرطة من ام جوزيف استدعائي ، قالت له : " حاول طالما بيدك كلاشنكوف ان تتقرب من باب الدار، وسترى ماذا سيكون مصيرك ".
في تلك اللحظة وصل ابني منير* وكان فتى في السادسة عشر من عمره، وكنت قد ارسلته ليبلغ والدته بعدم السماح للشرطة بدخول الدار. فطلبت منه الرجوع لابلاغي بأنها سوف لن تسمح لهم بتدنيس عتبة الدار. فلمحه احد افراد الشرطة ويدعى نيسان، من اهالي قرية آزخ، وصاح بالاخرين : " هذا ابنه لنعتقله كرهينة بدلا عنه ... ".
عاد منير الى الوراء راكضا ومعه احد اصدقائه ( جاسم القس يونان ) لينطلق افراد من الشرطة في اثرهما. وقبل وصولهما الى الوادي القريب من مكان وجودنا، كادت الشرطة ان تمسك بهما، فأطلقت صرخة من مكاني على المطاردين، الذين تفاجأوا من وجودي بذلك القرب، وتبعتها بطلقة برنو بين ارجلهم، فولوا هاربين.
بعد الظهر تأزم الوضع بوصول تعزيزات عسكرية من الموصل قوامها فوج من الجيش قام بأحتلال البلدة، وبدأوا بمحاولة للتقدم بأتجاهنا. ولتفادي الاصطدام قررنا الانسحاب غربا الى ما وراء الجبل.

كنا نأمل أن يتفهم مسؤولي الحزب الديمقراطي الكردستاني في المنطقة موقفنا، الا انهم واصلوا موقفهم بعدم التدخل وكأنما الامر لا يعني ابرز حلفائهم في الحركة المسلحة. وقد طلبت من مسؤول مقرهم في القوش (جندو – وهو مسيحي من اهالي قرية كيرانجو ) التدخل ، فأعتذر قائلا : " نحن في تحالف مع البعث ".

ورغبة منا بعدم تطوير الخلاف، آخذين بنظر الاعتبار وضع عوائل الانصار وموقف حليفنا (حدك )، قررنا سحب قوتنا ورفاقنا في التنظيم المحلي الى قرية بندوه تمهيدا للانسحاب الى بيرموس وتحديد زيارة العوائل في القوش ليلاً وعدم بقاء الانصار نهاراً فيها .

البعث يتبع تكتيكات جديدة مع المعارضة

لقد باءت بالفشل كل محاولات البعث في القضاء على الحركة المسلحة الكردية، اضافة الى فشله في إثارة خلافات حادة بيننا وبين الحزب الديمقراطي الكردستاني . فأستبعد الحل العسكري واتبع تكتيكا جديدا دشنه بطرح "مشروع الميثاق الوطني "، كخطوة اولى لتشكيل التحالف الجبهوي. وقد وجد حزبنا في مشروع الميثاق ما يمكن مناقشته وما يمكن الاتفاق عليه ايضا من اجل قيام جبهة موحدة تقود البلاد.
وإثر ذلك خفف البعث من ضغطه على الشيوعيين، واطلق سراح من تبقى منهم في السجون ، علماً إن كثيرين منهم كانوا قد استشهدوا تحت التعذيب.
وأزاء الحاح البعث، استجاب الحزب الشيوعي في 2 /5/ 1972 الى الدعوة للمشاركة بوزيرين في وقت كان لحدك خمسة وزراء ، وذلك بهدف تطوير التعاون. وقد شفع حزبنا استجابته تلك بتشكيل مجلس للوزراء. وقد وافق البعث على ذلك الشرط. وبعد تأميم النفط في 1 /6/ 1972 سُمح لحزبنا بإصدار جريدة اسبوعية عربية ( الفكر الجديد ) باللغتين العربية والكردية، الى جانب الثقافة الجديدة.

وقد تحولت الفكر الجديد في 18/6/1972 الى جريدة سياسية لتعكس وجهة نظر الحزب في المعركة ضد الاحتكارات النفطية .
لقد أخطأ بعض الرفاق في قيادة الحزب حينما اعتقدوا ان بالامكان المضي بهذا التعاون قدما نحو الاشتراكية يدا بيد مع البعث. فالتجاوزات لم تتوقف مطلقا، والاعتداءات كانت مستمرة حتى في اثناء التجمعات والتظاهرات المؤيدة لخطوات البعث نفسه.
وفي الوقت الذي بقيت مقرات انصارنا في مناطقها، واستمرت علاقاتنا الجيدة مع الحركة المسلحة الكردية، كانت العلاقة بينها وبين البعث تتوتر يوما بعد اخر بسبب الخلافات في تحديد منطقة الحكم الذاتي. وقد تم الاتفاق على اجراء احصاء عام للسكان لتحديد مناطق الحكم الذاتي، مع استمرار الخلاف على مناطق مثل الشيخان وخانقين وسنجار وكركوك.
ولجأ البعث الى سياسة التعريب، وبدأ بالضغط على القوميات الاخرى لتسجيلها ضمن القومية العربية مع ابقاء الاختلاف على الديانة فقط ، كأن يجري تسجيل للكلدان والآشوريين كعرب مسيحيين !! .
وفي نفس الوقت حاول الاكراد بدورهم اتباع نفس الاسلوب ونفس السياسة وإعتبار الكلدان والاشوريين اكراداً مسيحيين!!. الا اننا وقفنا بأصرار ضد المحاولتين بلا تمييز.
استدعاني البارزاني لمقابلته في حاج عمران، ليفاتحني قائلا : " لماذا تقفون ضد الحركة الكردية بجانب البعث عند تسجيل الاهالي كلداناً واشوريين وليس اكرادا؟ ".
قلت له : " تماما كما تقول ، نحن نسجل كما يجب ان نكون. إننا كلدان واشوريون ولسنا عرباً او كرداً". وإستطردت قائلاً " من غير الصحيح ان ننكر انتمائنا القومي، فقد كنا وسنبقى الى جانب الحركة الكردية اثناء الاستفتاء ، ولكن لا يمكن ان يكون ذلك على حساب قوميتنا ".
ومن المؤكد ان البارزاني قد تفهّم وجهة نظري وايدها، لانه كان قد اوعز الى المسؤولين الاكراد بالكف عن التدخل في شؤوننا.

و بدأت العلاقة بين البعث والحركة الكردية تتدهور اكثر من السابق. ولم يجر اي احصاء للسكان، واتبع البعث سياسة الانفتاح تجاه القوميات الصغيرة لكسبها الى جانبه بالضد من الاكراد. فقد اصدر مرسوماً يقضي بمنح الناطقين بالسريانية، من الكلدان والاشوريين والسريان، الحقوق الادارية والثقافية. واتخذت عدة قرارات بتعيين بعض مدراء النواحي والقائمقامين من الناطقين بالسريانية في المناطق التي يسكنها الكلدان والاشوريين مثل قضاء تلكيف وقرقوش ونواحي برطلة وعين كاوة والقوش و تلكيف ..الخ. و تم تعيين من كان منتمياً لحزب البعث بأستثناء مدير ناحية القوش عبد الياس رمو (4). كذلك منح امتياز لمجلة قالا سوريايا ( الصوت السرياني)، وأسس المجمع العلمي السرياني، واجيز عدد من النوادي والجمعيات الرياضية والاجتماعية .

(1) عزيز عيسى توما هومو ( عزو قاقا) من اهالي القوش ، كان بعد ثورة تموز (14) مرشحا في الحزب الشيوعي ، عاطل ومقامر ، بعد انقلاب شباط 1963التحق مع الحزب الديمقراطي مع عدد من ابناء عمومته ولعبوا دورا سيئا تجاه اهلهم وبلدتهم ، جند نفسه بالامن وبعد الانقلاب الثاني للبعث سنة 1968انتمى لحزب البعث اضافة الى عمله كرجل امن وكان في نفس الوقت يتودد الى البارت ، كان انتهازي ويعمل بشكل هادئ كاي رجل امن محترف،اعتقله الانصار سنة 1987(وكنت حينها خارج كردستان) وسجن حتى حملة الانفال واطلق سراحه اثناء انسحاب الانصار الى تركيا . يعيش حاليا في القوش .
(2) جبرائيل اسحق ، من اهالي بحزاني ، بعد ثورة 14 تموز انتمى للبعث وتدرج حتى اصبح عضو فرع الحزب في نينوى ، بعد الانتفاضة ارسل ممثلا عن البعث لحل المشاكل في دهوك اعتقله البيشمركة مع ابنه وابعد من المحافظة .
(3) من اهالي محافظة الموصل ، معلم ابتدائية كان يدرس في برزان ويعيش في القوش مبعد سياسي كونه من جماعة البكر ، سنة 1965راجعني رفاقنا من المعلمين طالبين حمايته لان رشيد عارف يحاول اعتقاله وهو صديق لهم وسلوكه جيد .طلبت من الاخ رشيد عارف الاتروشي بالكف عن ملاحقته لاننا نكفله وليس لديه شيء وقد اوعز الاخ رشيد الى البيشمركة عدم التحرش به ، بعد انقلاب البعث سنة 1968 اصبح عضو فرع نينوى. يبدو انه اراد رد الجميل لي منطلقا من النخوة العشائرية .
* وجد اسمه ضمن قائمة من 16 شيوعيا اعدموا في الموصل اواخرعام 1984 ولم يعثر على اي اثر منهم ، عثر على الوثيقة بعد سقوط النظام ( موقع الناس )
(4) عبد الياس رمو ، من اهالي القوش تم ترشيحه بمقترح مني ، خريج حقوق كان يعمل في مديرية تسجيل الاراضي ، نقل بعدئذ الى مديرية ناحية برطلة .




أوراق توما توماس
( 15 )


الجبهة وموقف الحزب الديمقراطي الكردستاني

في اجتماعها يوم 6 /4/ 1973 (1) ، قررت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي وبفارق صوت واحد، دخول حزبنا للجبهة مع البعث. وتم إبلاغ البعث بذلك، الا انه لم يبد حماساً كبيرا للتوقيع. وبدوره لم يقدم حزبنا على مناقشة جوانب هامة في الميثاق وفي مقدمتها قيادة البعث للجبهة. وعلى اثر احتدام الصراع بين قادة البعث وتحوله الى صراع دموي خلال حركة ناظم كزار في 30 /6/ 1973 وما رافق فشلها من تصفيات، اُبلغ سكرتير حزبنا بشكل مفاجئ للحضور لتوقيع ميثاق الجبهة يوم 17 /7/ 1973 واعلن عن ذلك في وسائل الاعلام .
في تلك الظروف كان حزبنا يواصل مساعيه لانظمام الحزب الديمقراطي الكردستاني الى الجبهة لما له من ثقل سياسي وعسكري ، وبذل جهودا كبيرة لدى البارزاني وقيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني لاقناعهم بأهمية الانظمام الى تلك الجبهة لزيادة وزن القوى الديمقراطية لصالح النضال من اجل الحقوق القومية للشعب الكردي وانهاء فترة الانتقال واقامة حكومة دستورية وبناء المؤسسات التشريعية والتنفيذية على اسس ديمقراطية .

وقد وقفت قيادة الحركة والحزب الديمقراطي الكردستاني موقفا سلبيا من مساهمة حزبنا في الحوار الذي كان جاريا بينهم وبين السلطة مما اضعف من دورهم وتأثيرهم في التفاوض .
وسرعان ما ترجم ذلك الموقف الى ممارسات على ارض الواقع . ففي مناطق نفوذه بالذات، قام ?يشمر?ة حدك بملاحقة رفاقنا واغتيال عدد منهم . فقد استشهد احد عشر رفيقا من الشباب العائدين من الدراسة في الاتحاد السوفيتي، اذ جرى اعتقالهم بعد عبورهم الحدود من سوريا واعدامهم بأوامر من عيسى سوار.

كنا نحن الشيوعيون نشعر بقوة حينما جمعنا خيار التعاون مع رفاقنا في الحزب الديمقراطي الكردستاني في سنوات النضال المشترك . الا ان ما يؤسف له اتخاذ الاخوة في قيادة الحركة المسلحة مسارا مضادا لذلك التعاون وفضلوا عليه التعاون مع شاه ايران وامريكا ، وقد الحقت العلاقة بين الحركة المسلحة وشاه ايران اضراراً كبيرة بالحركة وبمجمل الحركة الديمقراطية العراقية.

واليوم اذ نعيد الذكريات نرى مدى الخسارة التي اصابت القوى الديمقراطية ، والفرصة التي تحققت للبعث لينفرد بالسلطة ، ويلجأ الى الطرق الخسيسة بتنازله لشاه ايران عن مياه واراضي عراقية لقاء التخلي عن دعم الحركة المسلحة ، واقامة مجازر الابادة للشعب الكردي ومن بعدها للشعب العراقي بجميع قومياته واحزابه السياسية .

وبدأ البعث بالتراجع بشكل واضح عن كل ما كان يطرحه بخصوص الحكم الذاتي، وقام بربط محافظات كردستان بوزارة الداخلية مباشرة وشكل المجلسين التنفيذي والتشريعي لمنطقة كردستان من عناصر موالية للبعث. وحُدد لحزبنا ثمانية مقاعد في المجلس التشريعي ومقعدين في المجلس التنفيذي.

كل هذه التطورات اثرت على محتوى قانون الحكم الذاتي. وقد ساهم رفاقنا في التقليل من سيئاته خلافا لحدك الذي رفض الاشتراك في المفاوضات، مما اضعف موقف حزبينا ازاء البعث. واستؤنف القتال في 11 / اذار / 1974 رغم كل محاولات حزبنا لدرء ذلك.

أدى موقف الحزب الديمقراطي الكردستاني إلى إضعاف موقفه امام البعث، الذي تمكن وبنجاح من دق اسفين بين حزبينا الحليفين منذ سنوات، أي الحزب الشيوعي والحزب الديمقراطي الكردستاني. واعتبر حدك دخولنا الى الجبهة موقفا معاديا له. في نفس الوقت كان التصور السائد لدى الكثير من رفاقنا واصدقائنا، ان حزب البعث يسلك في علاقته معنا تكتيكا مرحليا، لضرب حدك بعد تجريده من دعم اهم حلفائه ( حزبنا )، ولابد انه سينفرد بنا لاحقاً بعد تصفية الحركة المسلحة الكردية .

وفي ظل تعقيدات الاوضاع ، بات من الصعب على رفاقنا البقاء في مناطق نفوذ حدك. الا ان انصارنا لم يتركوا مقراتهم حتى تم اجبارهم من قبل حزبنا على تركها بعد ان تم تجريدهم من اسلحتهم. وهذا الاجراء لوحده يؤكد بأن تكتيكات البعث كانت تخفي وراءها النيات السيئة تجاه حزبنا. ومع ذلك استمرت قيادة الحزب في تعاملها مع البعث دون ان تفكر بأجراءات وقائية لصيانة الحزب.

توتر العلاقة مع الحركة المسلحة الكردية ـ شن الهجمات على رفاقنا

رغم استمرار العلاقة الرسمية بين حزبنا والحركة المسلحة الكردية، الا ان الاعتداءات على رفاقنا لم تنقطع حتى اواخر عام 1973، حيث تم اغتيال الكادر الشيوعي طه ملا أحمد (2) في ريف زاخو بتوجيهات مباشرة من عيسى سوار الذي شن حملة تصفية لمنظمتنا الحزبية في زاخو. وتوج عيسى سوار حملته تلك بأبشع جريمة اقترفها ضد الحزب بأصداره الاوامر لمسؤول فيشخابور ( سيد حميد ) بأعتقال احد عشر رفيقا قدموا من الاتحاد السوفيتي، ثم سلموا الى محمود حمري الذي اعدمهم قرب قرية ( بي بزن ) على سفح الجبل الابيض. وتمكن احدهم وكان جريحا من الهرب الا ان احد الفلاحين قبض عليه وسلمه الى عيسى سوار فأمر بأعدامه ايضا.
وبدأت منظمات حدك تصّعد من ملاحقاتها لرفاقنا. فقد اعتقل رفاقنا العاملين في العلاقات الوطنية في عين سفني وسجنوا في سجن سرسنك. واجبر رفاقنا على ترك مساكنهم في الشيخان والتجأوا الى ريف القوش.
ومن المفارقات الغريبة، ان يلتحق مع حسو ميرخان، عزيز كشمولة وكان هاربا من السلطة بتهمة تهريب المخدرات، وتحول بين ليلة وضحاها الى مدافع عن الثورة الكردية. وقد حاول حسو ارضاءاً لكشمولة إعتقال بعض رفاقنا ومنهم عمر الياس وعبد الرحمن القصاب وعادل سفر، الا اننا تمكنا من ابعادهم. وسحبنا انصارنا من مقر بيرموس قبل وصول مفرزة من حدك لمهاجمتهم ، ولم نترك في مقرنا الا قاذفة واحدة بلا عتاد كانت عائدة لحدك.
وقام حسو بأبلاغنا عبر الرفيق دنخا البازي بضرورة ارجاع ما بذمتنا من اسلحة حدك. وبعد ابلاغي مكتب الاقليم بهذا الطلب ابدى الرفاق موافقتهم على ارجاع الاسلحة.

جاءني الى القوش علي بالطه عضو محلية الشيخان ومعه مفرزة مسلحة يطلب تسليمه السلاح. فأبلغته بأننا سنسلمه ما بذمتنا في القوش وسأزوده برسائل الى رفاقنا في المناطق الاخرى لتسليم ما بذمتهم. رفض ذلك وطالبني بالتسليم فورا وفي القوش، وبدوري رفضت هذه الشروط . حينها تأكدت من نواياهم في البحث عن اية مبررات لضرب القوش .

كنت في الموصل عندما حضر الرفيق رحيم قودا لابلاغي بنبأ احتلال ?يشمر?ة حدك لجبل القوش ودير السيدة، وانذروا مدير الناحية بأنهم سيحتلون البلدة اذا لم يسلم الشيوعيون الاسلحة التي بذمتهم. وبدأوا فعلا بأطلاق النار بأتجاه محلة سينا وقتلوا احدى النساء المسنات. وبسبب سريان مفعول الهدنة بين السلطة وحدك، لم يتخذ مدير الناحية اية اجراءات، حيث اكتفى بأستدعاء سرية من الشرطة للمحافظة على مركز شرطة القوش .
لم يكن خافيا علينا موقف السلطة الانتهازي ، ومحاولاتها لدفع الخلاف بيننا وبين حدك الى حد الاصطدام ، لكن تمادي ?يشمر?ة حدك، جعلنا نتخذ الاجراءات الوقائية لصيانة رفاقنا وعوائلنا. فأوعزت الى منظمة القوش والريف بتوزيع السلاح فورا على الرفاق والاصدقاء من الاهالي واتخاذ مواقع دفاعية لحماية القوش.

كان مسلحو حدك بقيادة عضو محلية الشيخان عبد جبرائيل رزوقي (3) قد تمركزوا على السفح الشمالي اضافة لاحتلالهم دير السيدة. ولانه لم يكن من ضمن سياستنا ولا من مصلحتنا توسيع العمليات العسكرية مع حدك، فأننا لم نقم بأية عمليات هجومية ضدهم. وفعلا تمكن انصارنا والطلبة المتطوعون من الدفاع عن القوش وتحرير جبلها وطرد ال?يشمر?ة بعيدا .

وهكذا فقد ارتكب حدك خطأ فادحا حينما اتخذ موقفا معاديا من حزبنا، واجبرنا بالتالي لدخول معارك للدفاع عن حياة رفاقنا وعوائلهم. وبهجماته تأزمت العلاقة بيننا جدا، ولم يكن المستفيد من ذلك التأزم سوى النظام.

وفي 11/ آذار/ 1974، انتهت الهدنة واستأنفت العمليات العسكرية بين حدك والبعث. ولم نكن نتوقع ان تقدم الحركة المسلحة وقبل اي شئ اخر بحملات انتقامية ضدنا. فقد حشدت الحركة قوات كبيرة من ?يشمر?ة حسو ميرخان وبضمنهم فوج المسيحيين بقيادة شعيا اسرائيل وقوات عيسى سوار لتطويق القوش من الجهات الشرقية والغربية والشمالية. وكان ادلاء هذه الحملة هم كل من عبد جبرائيل رزوقي وسعيد موقا وكوريال بللو مندفعين بحماس لاجتياح بلدتهم واستباحتها وقتل ابنائها، حيث كانت صواريخ البازوكا التي يطلقها كوريال بللو تنهال على الاهالي ومساكنهم بكثافة.
احكم ال?يشمر?ة حصارهم على ألقوش من كل الجهات عدا الجهة الجنوبية حيث يعسكر فوج من الجيش على مسافة ثلاثة كيلومترات فقط . استمرت المعارك ليلا لمدة اسبوع، ضرب الانصار خلالها اروع صور البطولة دفاعا عن بلدتهم.
ولانهاء هذا الوضع قررنا القيام بهجوم معاكس لازاحة ال?يشمر?ة بعيدا عن الجبل المطل على القوش. ولم يكن عدد انصارنا كافيا لتلك المهمة، فأضطررنا الى تسليح الطلبة المتطوعين ، حيث تم تسليح 150 طالبا مع بعض رفاق منظمة الريف.
اسندت قيادة العملية للرفيق دنخا البازي ( ابو باز ) ويساعده الرفيق هاشم العناز ( ابو جاسم ). وفي التاسعة مساءاً، تحركت قوتنا من ألقوش بأتجاه الجبل. وبدون اثارة اية ضجة، وصلت القوة الى مواقع ال?يشمر?ة وهم نيام ولما إستيقظوا، وجدوا أن انصارنا يحيطون بهم، فهربوا تاركين مواقعهم دون اطلاق النار. ساعد فرارهم رفاقنا على الوصول الى قمة جبل الربان هرمز، وانهاء الحصار المفروض على ألقوش، حيث عادت حركة الاهالي داخل البلدة من جديد الى طبيعتها، وفتحت الطرق من القوش واليها. وقد استشهد في تلك العملية الرفيق علي سيسو.
في صباح نفس اليوم، تقدمت مفرزة من الطلبة واقتحمت قرية بوزان وسيطرت عليها بعد هرب ال?يشمر?ة منها. وبدون اي سابق انذار او تنسيق، وصلت دبابتان الى بوزان واطلقت احداها قذيفتان بأتجاه ربيئة شرقي القرية وكان فيها مجموعة من رفاقنا بعد السيطرة عليها. فأستشهد على الفور الطالب ايليا جرجيس حيدو وجرح الرفيق علي تيلو. ثم تقدم الطلبة نحو خورزان وكرسافا ومنها الى سلسلة من قرى المنطقة، حيث تمت السيطرة عليها حتى باعذره.

تسليم سلاحنا لحكومة البعث ـ تشكيل السرايا

لم يستوعب الرفاق والانصار بوجه خاص قرار قيادة الحزب بتسليم سلاحنا لحكومة البعث. إذ وبكل بساطة تنازل الحزب عن ما كان يمكن ان يدعم مواقفه. تُرى كيف يمكن الدفاع عن قرار خطير يقطع الطريق امام الحزب اذا ما اضطر يوما لمواجهة ارتدادات محتملة جدا من نظام البعث؟ وبماذا سندافع عن كيان الحزب ونصون تنظيماتنا ورفاقنا؟
هكذا وبكل بساطة وبقرار متعجل بات الشيوعيون عُزل تماماً.
اتذكر انه في كل جولة مفاوضات دخلتها الحركة المسلحة الكردية مع الحكومات العراقية، كان البارزاني يصّر على شرط واحد لا نقاش فيه لدخول المفاوضات، وهو الاحتفاظ بأعداد من المسلحين كي يكون إنخراطه في المفاوضات مدعوماً بالسلاح ومن موقع القوة.
ان التبريرات التي طرحت بخصوص قرار الحزب من ان البعث سيقوم بتزويدنا بسلاح بدل سلاحنا، لا يمكن ان تقنع احداً، لأن سلاح السلطة لابد وان يسحب يوماً ما ، بعد انتهاء الحاجة من حمله. اضافة الى ذلك، كان على من يستلم السلاح من السلطة التوقيع على قوائم وشروط تنص احدى فقراتها على السجن لمدة عشرين عاماً لكل من يتخلف عن ارجاع قطعة السلاح التي استلمها.
فكيف يمكن التبرير ان لا فرق بين حمل سلاح الحزب وبين حمل سلاح السلطة ؟؟
لقد ساد اعتقاد لدى الرفاق وخاصة في المكتب السياسي بأن عهد السلاح قد ولى. وهذا بالضبط ما صرح به احد الرفاق في اشرافه على اجتماع لجنة اقليم كردستان، حيث أشار الى أننا سوف لا نناضل بالسلاح وانما سنبدأ النضال بالقلم .
ولم اكن وحدي من المعارضين لذلك القرار، بل شاركني فيه أغلب رفاق محلية نينوى.
بعد عودتي من سفرة قصيرة الى بلغاريا، علمت بأن المكتب السياسي كان قد طلب من الرفاق في اللجنة المحلية تقديم قوائم بجميع قطع السلاح الى دائرة الامن. لكننا عند تسليم الاسلحة تمكنا من اخفاء 15 قطعة منه دون علم قيادة الحزب.
وبعد استئناف القتال تشكلت لحزبنا وفق قرار البعث عشرون سرية مسلحة، 7 منها في السليمانية وكركوك و6 في اربيل و4 في دهوك و3 سرايا في نينوى لم يتم تشكيلها وسحب السلاح المخصص لها، علماً بأن تلك السرايا جهزت ببنادق كلاشنكوف فقط.
كانت الغاية الاساسية من تشكيل السرايا هي زج حزبنا في مواجهة مباشرة مع الحركة المسلحة الكردية لقطع الطريق امام اي تقارب في المستقبل.
وبنفس الوقت لم يكن رفاقنا متحمسون للقتال، بل كانوا يتجنبون الدخول في معارك مع الب?يشمر?ة. ولم يكن ضمن برامجنا القيام بأية مهمات عسكرية ضد مقرات حدك. الا ان المسؤولين في الحركة المسلحة تابعوا هجماتهم واعتداءاتهم على رفاقنا. ففي قرية ( بيروزاوا ) تصدى رفاقنا لهجوم ال?يشمر?ة ودحروه لتنسحب القوة المهاجمة وتخلف وراءها عدداً من القتلى. وفي هجومهم على باعذره، تمكن مقاتلو حدك من السيطرة على القرية في البداية، بعد انسحاب رفاقنا الى اطرافها، ولكنهم واصلوا قتالهم واستطاعوا دحر الهجوم.

(1) تم في نفس الاجتماع ترشيح الرفاق ( رحيم عجينة وكاظم حبيب وعادل حبة وفاتح رسول و نائب عبد الله و توما توماس) كمرشحين لعضوية اللجنة المركزية .
(2) طه ملا احمد مرشح محلية الموصل ، اعتقل بعد انقلاب 1963 في الموصل ، من اهالي زاخو ، بعد اطلاق سراحه استقر في زاخو وعاد الى صفوف الحزب ، عمل في ريف زاخو ككادر حزبي .
(3) عبد جبرائيل رزوقي، من القوش ، معلم ابتدائية ، عضو في محلية الشيخان لحدك اثناء الهدنة بعد بيان اذار 1970 ، ترك حدك ، واستقر في القوش تحت مظلة البعث .




أوراق توما توماس
( 16 )


تطور منظمات محلية نينوى ودهوك

كان لاتفاقية اذار عام 1970 تأثيرا ايجابيا كبيرا في تغيير المزاج الجماهيري، حيث أندفع الالاف من المواطنين يبحثون عن الحزب على الرغم من ان السلطة لم تكن تسمح لحزبنا بممارسة أي نشاط علني وسط الجماهير، بل وانها باشرت مجددا بشن حملة الملاحقات والاعتقالات بحق رفاق الحزب واصدقاءه، الا ان الحملة خفت قليلا بعد تأزم العلاقة بين السلطة والحركة الكردية اثرالمحاولة الفاشلة لاغتيال البارزاني .

كانت المنظمة الحزبية في نينوى تتكون من ( 11 ) لجنة قضاء، عدا المنظمات المهنية والديمقراطية الاخرى، لذا كان من الضروري التفكير بتوسيع لجنتها القيادية ( المحلية ). فتقرر تقديم الرفيقين دنخا البازي وعلي خليل الى عضويتها، كما وصل الى مقرنا في بيرموس قادمين من الاتحاد السوفيتي الرفاق عمر الياس وعبد الرحمن القصاب وعادل سفر وتقرر ضمهم الى اللجنة المحلية بأعتبارهم من ابناء مدينة الموصل .

في عام 1972 تم سحب الرفيق عادل سليم من محلية نينوى، فأصبحت المحلية تحت اشراف مكتب الاقليم مباشرة. ونسب الرفيق يوسف سليمان مشرفا مسؤولا عنها، وبعد ان تم تثبيت عضويتي في لجنة الاقليم ، وفي اجتماع عقدته المحلية انتخبتُ سكرتيرا للمحلية. وتم تعزيز اللجنة المحلية برفاق جدد هم حسين كنجي وكمال اسماعيل وسالم اسطيفان وعلي اصفر جرجيس ونوري بطرس نعمان .

وانطلق الرفاق بنشاط وحماس لإقامة الصلات مع الجماهير ورصد مشاكلها ومعاناتها وتبني مطاليبها. وأخذت جريدة الحزب طريقها للتوزيع بشكل جيد. وتمكنا ايضا من فتح مقررئيسي للمحلية في مدينة الموصل، وجرى اهتمام خاص بالشبيبة والطلبة، فشكلت العديد من اللجان لمتابعة مختلف النشاطات. ولعبت الرفيقات من الطالبات في جامعة الموصل دورا متميزا وفعالا في تنظيم الاحتفالات في مختلف المناسبات، واتذكر منهن الرفيقات سوسن وهناء ورجاء ونجلة وهدى و اخريات لا تسعفني الذاكرة بإستذكار أسمائهن .

وقد توسعت منظمات حزبنا في نينوى ودهوك لتشمل اغلب الاقضية والنواحي، الا ان الوضع الشاذ الذي ساد العلاقة بين حزبنا والحزب الديمقراطي الكردستاني اثر سلبا على المنظمات الحزبية في بعض المناطق التي كانت تحت سيطرة الحزب الديمقراطي .
ان تطور وضع الحزب التنظيمي بشكل عام برر الحاجة لاتباع الاساليب الديمقراطية في اختيار اعضاء اللجان، وصدرت توجيهات بهذا الصدد الى اللجان المحلية لعقد كونفرنسات يدرس فيها وضع المنظمة المحليــــة ( التنظيمي ، والفكري والديمقراطي والجماهيري .. الخ )، وتنتخب اعضاء اللجان. وفي كانون الاول سنة 1974 عقدت اللجنة المحلية كونفرنسها الثالث في مقرها في شارع النبي جرجيس في الموصل، وحضره (39) رفيقا تم انتخابهم في كونفرنسات الاقضية. وقد ناقش المجتمعون التقارير المعدة لذلك وتم انتخاب اللجنة المحلية، والتي أنتخبت بدورها سكرتيرها واعضاء مكتبها.
حضر ذلك الكونفرنس كل من الرفاق حسين كنجي ، يوخنا توما ، دنخا البازي ، كمال اسماعيل ، سالم يوسف ، نوري بطرس ،امين ذيبان ، عبد الرحمن بامرني ، عبد الرحمن شعبان ، علي اصفـــــــر، خديدة حسين ، علي خليل، صديق بامرني، شمعون كاكو، غازي نجيــب ، جوقي سعدون، هاشم العناز، محمد زكي الصراف، سريوس اسحـــق ، صبحي خضر، خليل سمو، خليل خضر، جوقي عيدو، نجم متي، حكمت عبوش، محمود ملحم ،جمعة خضر، شعيب محمد ، اسحق متي، مؤيد حامد ، محمد عمر، محمد زكي نشأت ، نوفل سليمان ، هرمز بوكا، شيخ اسماعيل ، علاء احمد طه، خيري مسطو ، ماري داود وتوما توماس .

واشرف على الكونفرنس الرفيق عمر علي الشيخ عضو المكتب السياسي ممثلا عن اللجنة المركزية والرفيق سليمان يوسف ممثلا عن لجنة اقليم كردستان .

وبعد فترة، جرى فصل دهوك عن الموصل من خلال تشكيل وحدة ادارية مستقلة بأسم محافظة دهوك، وبدورنا درسنا الموضوع في لجنة الاقليم وجرت الموافقة على تشكيل لجنة محلية في دهوك ترتبط مباشرة بلجنة الاقليم. وتقرر ان اكون مشرفا دائميا عليها لفترة تحدد بمدى امكانية لجنتها من قيادتها .
وتشكلت اللجنة المحلية في دهوك من الرفاق يوخنا توما باكوز ـ سكرتير للمحلية وامين ذيبان وعبد الرحمن شعبان وعبد الرحمن بامرني وصديق بامرني وغازي محمد نجيب وهاشم عناز .

اما محلية الموصل فكانت تتكون من الرفاق :
توما توماس وسالم يوسف ودنخا شمعون وحسين كنجي وكمال عبد الباقي ونوري بطرس وعلي اصفر و
خديدة حسين وعلي خليل وشمعون كاكو و جوقي سعدون.

وتوسعت التنظيمات في محلية نينوى وخاصة في الاقضية والنواحي مما تطلب فصل بعض الاقضية المزدوجة وتشكيل لجان لكل منها. فقد تم فصل قضاء الحمدانية عن ناحية بعشيقة، اذ شكلت في الحمدانية لجنة يقودها الرفيق شمعون كاكو وفي بعشيقة، وفي بحزاني لجنة يقودها الرفيق جوقي برو. وتم فصل تنظيم الطلبة عن مدينة الموصل، وشكلت لجنة لقيادة الكليات والثانويات كلف بقيادتها الرفيق نوري بطرس، كما شكلت لجنة لقضاء شرقاط قادها الرفيق دنخا البازي .
وفي ذات الوقت تطور العمل الديمقراطي والمهني، مما تطلب تشكيل لجان خاصة لقيادة تلك المجالات. وبرزت الحاجة لتشخيص رفاق لقيادة تلك اللجان وسد الفراغ الذي حصل نتيجة سفر مجموعة من الرفاق للدراسة الحزبية .
فقد رشح الرفيق صبحي خضر لقيادة قضاء الشيخان، والرفيق شعيب محمد سعيد لقضاء تللعفر، والرفيق مؤيد حامد لتعزيز اللجنة العمالية، والرفيق علاء احمد طه لقيادة اللجنة الطلابية .

وبشكل عام يمكن القول ان فترة الجبهة كانت من افضل الفترات التي وجدت الجماهير فيها حزبنا الشيوعي العراقي امامها فاعلا ومؤثرا في الشارع. كما يمكن ايضا اعتبار ما حققته اغلب المنظمات الحزبية من توسع وتطور مقياسا اخرا لما كان يمكن ان يكون الوضع عليه في حالة بقاء تحالفنا السابق مع الحزب الديمقراطي الكردستاني .

لم يكن انظمام حزبنا للجبهة ليعني الوقوف ضد الحركة الكردية المسلحة وضد الحزب الديمقراطي الكردستاني على الاطلاق. فالحزب انطلق دائما في كل مواقفه من منطلق الدفاع عن حقوق الشعب الكردي وحقوق الاقليات القومية الاخرى. وكان الحزب يرتبط خلال سنوات طويلة بعلاقات متميزة مع قيادة الحركة الكردية، دون ان يتخلى عن حقه المشروع في اتخاذ قراراته وفق قناعاته وبما يخدم مصلحة الوطن والحزب، تماما كما كان الديمقراطي الكردستاني يتخذ قرارات ويعقد هدنات عديدة خلال فترات النضال المسلح منذ عام 1961 وحتى 1973. ولم يعترض حزبنا يوما ما على تلك القرارات رغم العديد من ملاحظاتنا عليها. ولم يتخذ الحزب الشيوعي اي موقف معاد للحركة الكردية نتيجة لاي قرار اتخذته قيادة الحركة. ومن هذا المنطلق لا يحق للديمقراطي الكردستاني أن يقرر ويفرض علينا التحالف او المعارضة وتوقيتهما.

واستمر موقف الحزب مرنا داعيا قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني الى عدم استئناف القتال وعدم انهاء الهدنة، والعمل من أجل المشاركة في الجبهة لتشكيل محور قوى يقف ضد نوايا ومناورات حزب البعث، محور يتشكل من حزبنا والقوى الديمقراطية الاخرى. وبدلا من التفاهم سلميا معنا وقبل انتهاء الهدنة، شن الحزب الديمقراطي الكردستاني وقيادة الحركة المسلحة هجمات على منظماتنا ورفاقنا في مناطق نفوذهم واعتقلوا من وقع بيدهم . و خسرنا منظمات بكاملها ولم ينج منها الا الرفاق الذين تركوا تلك المناطق والتجأوا الينا .

ومع ذلك واقولها للتاريخ، بأننا لو خيرنا بين الحركة المسلحة الكردية وبين البعث لكنا نختار وبوعي صف الحركة الكردية والحزب الديمقراطي الكردستاني من منطلق حل المسألة الكردية سلميا وفق قناعاتنا التي تكونت ( من خلال سنوات غير قليلة من النضال المسلح ) بأن الخيار العسكري غير قادر على حلها، وان من تعتمد عليهم الحركة المسلحة ليسوا ممن يعّول عليهم.
لقد حذر حزبنا من ان توّرط قيادة الحركة المسلحة في علاقات مع شاه ايران، سيفرض عليها الابتعاد عن حلفائها الثابتين كالحزب الشيوعي العراقي والفصائل الديمقراطية والجماهير الكادحة، ومعاداتها لهؤلاء الحلفاء، وسوف يعرّض مصالح الشعب الكردي الى عواقب مأساوية. وقد اكد التاريخ صحة ما ذهبت اليه استنتاجات الحزب.

ومنذ انهيار الحركة الكردية المسلحة، بدأت بوادر التراجع عند البعث اذ باشر بوضع الكثير من الشروط والتضييق على اغلب نشاطاتنا وخاصة في مجال العمل الديمقراطي. وقد وافق الرفاق في المكتب السياسي على طلب البعث بتجميد اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية، مما أثار استياءاً كبيرا لدى الطلاب، واستقال العديد منهم احتجاجا على هذا القرار .

ابدت اللجنة المحلية في نينوى اعتراضها على قرار المكتب السياسي ، وثبت ذلك في محضرها الى مكتب الاقليم .
إثر ذلك ازداد نشاط رجال الامن ضد رفاقنا بأتجاه خلق الذرائع للايقاع بهم. ففي القوش اعتقل الرفيق سالم يوسف عضو مكتب المحلية ومسؤول القوش وارسل الى سجن الموقف في الموصل بحجة تهجمه على البعث، ولم يطلق سراحه الا بعد تدخلي شخصيا لدى امين سر الفرع والمحافظ .
واثار البعث قضية مقتل احد موظفي الصحة ( وهو بعثي ) في قرية سريجكة، حيث اتهم بها رفاقنا وتم اعتقال الرفيق علي خليل عضو محلية و تمكن الرفيق جوقي سعدون ( عضو المحلية ) من الافلات من ايديهم والتجأ الى اربيل واختفى هناك، وبعدها سلم الرفيق جوقي نفسه واحيل هو كذلك الى المحكمة واخلي سبيله .

وبعد المؤتمر الثالث لحزبنا في ايار1976، قررحزب البعث سحب الاسلحة التي زوّد بها انصارنا قبل انهيار الحركة الكردية المسلحة وحل السرايا التي شكلت في حينها. واثيرت قضايا تافهة ضد رفاقنا مثل فقدان بندقيتين اثناء المعارك لم تسجل في المحضر واعتبار ذلك قضية قانونية ضد مسؤول الانصار تستوجب محاكمته .
كما اثيرت ايضا قضية قديمة وهي الصدام بين رفاقنا والشرطة وكان قد تم تسويتها سنة 1974، ولكن يبدو ان الظروف ساعدت على اثارتها ثانية. فصدر امر بالقاء القبض على الرفاق دنخا شمعون وصبحي خضر وجوقي برو اعضاء المحلية مما اضطرنا لسحبهم الى المقر، اما الرفيق دنخا الذي كان يدرس في بلغاريا فطلبنا منه عدم العودة. قام مكتب المحلية بإجراء تنقلات بين مسؤولي الاقضية بسبب الوضع الجديد. ونظراً للجوء الرفيق جوقي برو الى المقر، فقد تم ترشيح الرفيق شمدين خدر لقيادة قضاء الشيخان بدلا من صبحي خضر. ونقل الرفيق حسين من سنجار لقيادة تلكيف واستلم الرفيق علي اصفر جرجيس قضاء تلعفر، كما نسب الرفيق زكي نشأت لقيادة مدينة الموصل بدلا من الرفيق كمال عبد الباقي المرسل للدراسة في بلغاريا.

ومنذ اوائل عام 1977 باشرت اجهزة الامن القمعية بضرب اضعف حلقة من منظماتنا، وهي منظمة سنجار، مستخدمة اساليبها الخسيسة والمعروفة عنها في التهديد بالاعتداء الجنسي ضد من لا يتجاوب معها للتوقيع على صك البراءة من العمل السياسي تحت طائلة المادة رقم (200) السيئة الصيت والتي تقضي بإعدام من يعاود النشاط السياسي .
في تلك الظروف الحرجة قدم الرفيق مؤيد حامد عضو المحلية استقالته من الحزب، وقدم معلومات مهمة للامن. وكرد فعل على ذلك ومن أجل تعزيز اللجنة المحلية وخاصة اللجنة العمالية، تقرر ترشيح الرفيق عبد الرزاق عبد الرحمن ( ابو نجم ) للمحلية ونسب الى اللجنة العمالية وكذلك رشح الرفيق صالح مصطفى ونسب لنفس اللجنة .
إنتقلت منظمة نينوى في اواخر عام 1977 الى سياسة الدفاع عن منظماتها ازاء هجوم الامن ومحاولاته لاسقاط الشيوعيين. وقد اشارت التقارير السنوية في آواخر السنة الى تراجع واضح في عضوية المنظمة، وانعدام الكسب حيث ان المنظمة كانت تعاني من ملاحقة اجهزة الامن للرفاق واسقاطهم مستعملة شتى الطرق وكان من الصعب الصمود امام الارهاب واعتداءات السلطة واصبحت المنظمة تشرف على حافة الانهيار .

أوراق توما توماس
( 17 )


اتفاقية 6 آذار 1975 بين صدام و الشاه
شنت السلطة اكبر حملة عسكرية على منطقة كردستان ، مستخدمة جميع انواع الاسلحة بما فيها القنابل الفسفورية والنابالم ، في مسعى لاحراز نصر سريع على الحركة المسلحة الكردية. ولكنها كغيرها من الحملات العسكرية منيت هذه الحملة ايضا بالاندحار والانكسار واخذت معنويات الجيش العراقي بالهبوط بتسارع. وتأكد للسلطة عدم امكانية الجيش على انهاء هذه الحركة، وقد اعترف صدام حسين بنفسه عشية توقيعه لاتفاقية 1975 بأن ما تبقى للسلطة من صواريخ جو – ارض لا يزيد عن ثلاثة صواريخ فقط. ومن وراء الكواليس، دبرت المؤامرة ضد الحركة الكردية بعد تنازل سلطة البعث عن مجموعة حقوق في شط العرب لايران لقاء سحب تأييدها ودعمها للبارزاني ، بالاضافة لبنود اخرى سرية في الاتفاقية .
في كانون الثاني 1975 وفي اجتماع موسع للجنة الجبهة في محافظة نينوى القى صدام كلمته المعروفة ب " خندق ام خندقان "، اعلن بأن نهاية الحركة الكردية باتت قريبة جدا وان الملا مصطفى سيرفع " ?فية بيضا "، اي الراية البيضاء . لم نصدق في الحقيقة هذا الكلام واستبعدنا حدوثه واعتبرناه كغيره من الادعاءات، فالوقائع الميدانية كانت تسير بشكل اخر تماما. ففي كل الاشتباكات، كان يتضح صمود ال?يشمر?ة وتأييد الشعب الكردي للحركة المسلحة اضافة الى حصول الحركة على اسلحة جديدة ومتطورة كصواريخ هوك المضادة للطائرات. وفي الجانب الاخر توالت انكسارات الجيش العراقي من مواجهة الى اخرى. ولم نكن نتوقع موافقة الشاه السريعة على التخلي عن الحركة وقيادتها، وبمباركة وتشجيع من الولايات المتحدة الامريكية .
منذ البداية كان واضحاً من ان دعم الولايات المتحدة وايران للحركة الكردية لم يأت من منطلق المساعدة النزيهة. فالدولتان كانتا على استعداد تام لسحب هذا الدعم في حالة تعارضه مع مصالحهما وبسط نفوذهما. و لم تكتف ايران بالإمتيازات والنفوذ في شط العرب، بل إنها حصلت على ضمانات اكيدة من صدام حسين بالتعاون والتنسيق المشترك مستقبلا لتنفيذ المخططات الامبريالية في المنطقة، وان يصبح الحزب الشيوعي العراقي هدفا قادما لتصفيته بعد الانتهاء من الحركة الكردية .
واضافة لكل ذلك فأن ايران لم تكن لتسمح بأي نصر حاسم للحركة الكردية، لان ذلك سيوقض بلا ريب المزيد من المشاعر القومية لدى اكراد ايران. وعلى هذه الاسس اعلنت الاتفاقية في 6 /3/ 1975 برعاية من الرئيس الجزائري هواري بومدين .
وتلى ذلك مباشرة بوادر الانهيار الشامل للحركة الكردية المسلحة. فقد سيطر اليأس على ال?يشمر?ة، ولم يمض وقت طويل حتى اعلن البارزاني فشل وانهيار الحركة المسلحة الكردية ، على الرغم من وجود اراء جريئة لدى العديد من المقاتلين بالتحول الى مفارز صغيرة تتحرك في المناطق الحدودية مع تركيا وتتبّع اسلوب حرب العصابات ( اضرب واهرب ). لم نصدق الاخبار التي بدأت تتوالى عن اندحارات واستسلام جماعي لل?يشمر?ة. إنني اتذكر في احدى سفراتي الى اربيل قد شاهدت مجاميع غفيرة في معسكر فيلق اربيل تنتظر مصيرها المجهول .
عقد مكتب الاقليم اجتماعه الاسبوعي الاعتيادي، وكان الجميع بوضع نفسي سئ جدا. اذ عادت نقاشاتنا تتناول الاحتمالات والتوقعات التي كنا نحذر منها. وتأكدت شكوكنا بشكل اكثر من السابق ، من ان الانقضاض على حزبنا سيتبع المأساة التي كنا نراقب فصولها .
في هذه الفترة توضحت اكثر نوايا السلطة، وبدأت تظهر مفردات اصر البعث على استخدامها كمفردة "الحزب القائد "، وصدر قرار من "مجلس قيادة الثورة" بتحريم انظمام منتسبي الحركة المسلحة الكردية الذين سلموا انفسهم الى اي حزب سياسي عدا التنظيم الذي اطلق عليه "النشاط الوطني".
في احد اجتماعات لجنة الجبهة في نينوى ادعّى حبرائيل اسحق بأننا خرقنا القرار في محافظة دهوك ، وكان يقصد الرفيق احمد بيرموس .
قلت له : " انت مخطئ ، الرفيق احمد بيرموس عضو في الحزب الشيوعي العراقي منذ وقت طويل ، وحينما بقي مع الحركة الكردية كان بعلمنا ، ولم يعارض حدك ذلك لحاجتهم اليه بأعتباره مدرب لمدافع الهاون ، وبعد عودته الى بلدته ، فمن المنطقي ان يعود الى حزبه ".
استفزه كلامي فأجاب بحدة : " ان حزبنا القائد هو المسؤول الوحيد عن هؤلاء سواء كانوا احياءا ام اموات " .
قلت له : " انكم مخطئون بسياستكم هذه، حيث ستجبرون الاهالي على البقاء في الخارج، وحتى لو بقي خمسون مواطنا فلابد ان يأتي يوم ويقفون ضدكم ، انكم تجبرونهم للقيام مجددا بحركات مسلحة .
فرد بحدة اشد : " اذا كان احدا يفكر بأحياء التمرد فليجرب حظه ".
قلت : " لا حاجة لاية تأويلات او تهديدات ... المستقبل كفيل بالكشف عن ذلك ، واذا عشنا سنرى .. "
وبعد انهيار الحركة المسلحة كانت مشاهد نقل جثث الضحايا، الذين تعدمهم السلطة في سجن الموصل اسبوعيا، تزيد من انكسار الشعب الكردي. في ايار 1975 كنت عائدا من اربيل بعد اجتماع لمكتب الاقليم صادفت موكبا طويلا من سيارات التاكسي تحمل كل منها تابوتا او تابوتين، متوجهة الى اربيل وهي تنقل الضحايا المعدومين فجرا في الموصل. كانت نتف القطن الملطخ بالدم تتطاير في كل الاتجاهات ، وربما وضعت عمدا لتتطاير وتترك في النفوس مزيدا من المرارة والالم والرعب ايضا .
وبسبب تلك التطورات، سادت منظمات الحزب في منطقة كردستان اراء وتحليلات مختلفة. فعلى الرغم من الخلافات بيننا وبين قيادة الحركة الكردية، الا انها كانت ( الحركة الكردية ) تعتبر داعمة اساسية للديمقراطية في العراق ، وتشكل أملا للشعب الكردي في التحرر والانعتاق ، وقوة لا يستهان بها للحد من سطوة البعث وجرائمه .
ولم يكن من الغريب ان تتفاوت التحليلات والاستنتاجات لدى اغلبية الرفاق في كردستان وتختلف عن تحليلات رفاقنا في مناطق الوسط والجنوب. فالرفاق الذين ناضلوا لعشرات السنين كأنصار شيوعيين في صفوف الحركة الكردية كانت لهم تصوراتهم الخاصة حول الوضع القائم انذاك وآفاقه المستقبلية. و لذلك كان من الطبيعي ان تتبنى منظمة اقليم كردستان مواقف سياسية متباينة عن بقية منظمات الحزب. وسادت القناعة لدى اغلبية الرفاق في لجنة الاقليم بأن البعث سيبدأ بضرب الشيوعيين بشكل منظم حال انتهاءه من جمع السلاح منهم .
ومن اجل التوصل الى استنتاج ورأي موحد حول الموقف المفروض ان يتخذه الحزب، عقدت لجنة الاقليم وبكامل اعضائها (27) رفيقا وبحضور الرفيق زكي خيري عضو المكتب السياسي إجتماعاً خصصت الفقرة الاساسية منه لدراسة الوضع الناشئ في كردستان وتحديد موقفنا منه. واتفقت اللجنة على ضرورة اتخاذ الاحتياطات اللازمة لدرء المخاطر ووضع خطة طوارئ لمواجهة احتمال توجيه ضربة للحزب، ولم يعارض هذا الموقف سوى رفيق واحد هو ابو حكمت.
وعلى اثر دراسة المكتب السياسي وسكرتارية اللجنة المركزية لمحضر ذلك الاجتماع، تقرر تنسيب الرفيق ابو سرباز الى المكتب الفلاحي في بغداد ونسب الرفيق كريم احمد عضو المكتب السياسي للاشراف الدائم على لجنة الاقليم من أجل الحد من صلاحيات سكرتير لجنة الاقليم ومكتبها .
في احدى المرات، صرح احد قادة البعث بأن للحزب الشيوعي العراقي سياستان، سياسة بالضد من الجبهة تلتزم بها لجنة اقليم كردستان، وسياسة مع التعاون والتحالف تلتزم بها المنظمات الحزبية في المناطق الاخرى. وفي الحقيقة فإن ارأء لجنة الاقليم لم تكن الا انعكاسا عن مشاعر جماهير كردستان وقواعد الحزب فيها، وهي حصيلة لتلك الاراء المطروحة في الهيئات الحزبية. ولو كانت قيادة الحزب قد اصغت للبعض منها على اقل تقدير، لكانت خسائرنا اقل بكثير مما فقدناه .
كان الدور السياسي لحدك قد انتهى بأنهيار الحركة المسلحة ولجوء كوادرها الى ايران. فسارع البعث بالاعلان عن تشكيلات سياسية مسخة من العناصر التي ابدت الاستعداد للعمل تحت اشراف البعث مباشرة، ثم اضيفت هذه التشكيلات الى الجبهة في محافظات كردستان وبغداد لوجود مراكزها القيادية هناك، وهي :
1. الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة هاشم عقراوي (1) والعميد عزيز عقراوي (2) والسيد صالح الحيدري .
2. الحزب الثوري الكردستاني بقيادة عبد الستار طاهر شريف .
3. جماعة عبد الله اسماعيل ( ملا ماطور) .

المؤتمر الثالث للحزب 1976 ـ بداية النهاية مع البعث
عقد المؤتمر الثالث للحزب في ايار 1976 في خيمة كبيرة في مقر اللجنة المركزية ببغداد . وحضرالمؤتمر 320 مندوبا .
كان من المعتقد ( وحسب ما جرى التأكيد عليه ) من ان الاجراءات المتخذة لعقد المؤتمر سرية للغاية لدرجة ان البعث لم يكن مدعوا ولا يعرف محل انعقاده . ولكن اثناء الجلسة الاولى وفي حوالي الساعة العاشرة صباحا وصلت برقية القيادة القطرية تهنئ الحزب بعقد المؤتمر.

أما التقرير السياسي المقدم الى المؤتمر الثالث فقد خلف لدى كوادر واعضاء الحزب تصورا ضبابيا في تحليله للوضع القائم. فهو، اي التقرير، يتحدث عن جبهة تتكافئ خلالها حقوق اطرافها او على الاقل تضمن استقلالية تلك الاطراف سياسيا وتنظيميا وفكريا وتكون مهمتها الاساسية بناء الوطن بشكل مشترك. وفي الواقع يشير برنامج الجبهة الى تحالف لا يضمن حقا الا للبعث بأعتباره قائدا ومقررا لوجهة التطور، وما على الاطياف الاخرى الا القبول بذلك، لتتحول الى مجرد يافطات تابعة للبعث. وبدورنا ركزنا في نضالنا على جانب واحد من ذلك التحالف وهو الدفاع عن التجربة والتأكيد لرفاقنا ولابناء الشعب وللاصدقاء في العالم بأننا ماضون في الطريق الصحيح وان الافق واضح، وما علينا الا الانغمار في مهمة الدعاية والتبشير للجبهة. وفي حقيقة الامر كان نضالنا يصب في صالح البعث وسلطته وممارساته. وهكذا اهملنا الجانب الاهم في اي تحالف وهو حقنا في نقد اية توجهات او ممارسات خاطئة او خطرة تبدر من الذين نتحالف معهم حتى وان كانوا السلطة نفسها. ان اي خلل في حقنا هذا سيخل بحالة التوازن المفترض توفرها بين اطراف التحالف ويحوله بالتالي الى واجهة للدفاع عن السلطة وتبرير ممارساتها .

لقد كانت تحليلات الوضع السياسي الواردة في التقرير احدى اسباب وقوع الكادر الحزبي في المتاهات، اذ لم تأخذ تلك التحليلات احتمالات ارتداد السلطة بالجدية المطلوبة.

وبالاضافة الى تخلف التقرير عن ملاحظة بوادر التغيير في الطبيعة الطبقية للسلطة، فإنه بالعكس من ذلك راح يؤكد على امكانية تطوير العلاقة مع حزب البعث. فقد ورد في التقرير ما يلي:" ان الشيوعيين العراقيين لا ينظرون الى امكانيات تطور علاقتهم مع حزب البعث العربي الاشتراكي بأعتبارها محصورة بحدود العلاقة التحالفية الحالية ومهمة انجاز الميثاق الوطني على عظم هذه المهمة، بل انهم يؤمنون بأن هذه العلاقة يمكن ان تتطور وتتعمق وتصل بالبعثيين والشيوعيين ، بحزبينا المتحالفين في الجبهة الوطنية والقومية التقدمية سوية الى بناء الاشتراكية !!".
وفي مكان اخر يشير التقرير الى طبيعة الجبهة قائلاً:" كونها جبهة بناء وتتبنى برنامجا ثوريا يغطي بالاساس اهداف مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية وتملك افقا استراتيجيا لمواصلة التحالف حتى بناء الاشتراكية !!".
وكانت هذه المقولات معزولة تماما عن الظرف التاريخي الملموس، وغير دقيقة في تحديد طبيعة البعث الطبقية والايديولوجية وممارساته السياسية، وساعدت على خلق المزيد من الاوهام .

ولم يعد البعث يهتم بالجبهة، ولم تدرس اللجنة العليا ولجان المحافظات اية قضايا سياسية تهم البلد، وانما اصبحت اجتماعاتها مكرسة لدعم قرارات السلطة الارتجالية، واصبحت واجهة للبعث في المحافل الدولية خاصة في البلدان الاشتراكية. وحاول البعث زج الجبهة في صراعات مفتعلة مع الدول المجاورة وقواها السياسية، كما جرى اثناء الخلاف مع سوريا على تقسيم مياه الفرات. وقد امتنع رفاقنا من الانجرار الى تلك المواقف ورفضوا القاء الكلمات او الخطب او التصريحات ، وكانت اغلب الكلمات في فعاليات اقيمت لهذا الشأن تعد مسبقا وبأشراف البعث ضد سوريا وضد الرئيس حافظ الاسد. وواصل الحزب علاقاته مع الحزب الشيوعي الاسرائيلي ومع حركة فتح ومع حزب البعث في سوريا ومع الحزب الشيوعي الاسباني وجنوب افريقيا رغم معارضة البعث لهذه العلاقات.

وتحولت اجتماعات لجان الجبهة وبلاغاتها الى نكت يتداولها الناس،اذ كانت تصدر دائما بصيغة واحدة ( اجتمعت لجنة الجبهة في محافظة .... لدراسة سبل تعميق العمل الجبهوي .... الخ ). ولم تعد تتضمن جداول عمل تلك الاجتماعات سوى شكاوى رفاقنا من اعتداءات الامن ومحاولات اسقاط رفاق الحزب، الى جانب التهم الباطلة التي حاول البعث الصاقها برفاقنا لخلق اجواء من الرعب للحد من نشاطنا وسط الجماهير .
وبتشديد البعث محاولاته القديمة لمحاربة المنظمات الديمقراطية لتحجيم دورها ومن ثم تصفيتها من خلال الملاحقات وشتى اساليب الضغط وبالاغراءات وشراء الذمم ، تزعزعت الثقة اكثر فأكثر بين الحزب وبين البعث. وبدأت اجهزة الامن بتنظيم قوائم خاصة بمعلومات حول الشيوعيين في مناطق سكنهم او محلات عملهم او دراستهم. واصبحت الجبهة وسيلة مساعدة لاجهزة الامن للمضي بنشاطاتهم المخابراتية للوصول الى المزيد من المعلومات .

(1) هاشم عقراوي من اهالي عقرة مرشح في اللجنة المركزية للحزب الديمقراطي الكردستاني ، عين بعد بيان اذار محافظا لدهوك ، وكانت له خلافات مع قيادة الثورة ، بعد استئناف القتال سنة 1974 انفصل عن الحزب وشكل بأشراف من البعث حزب جديد . توفي في بغداد .
(2) عزيز رشيد عقراوي ، من اصدقاء الدراسة في متوسطة المثنى في الموصل ، التحق بالكلية العسكرية وتخرج ملازم في الجيش ، التحق بالحركة المسلحة الكردية سنة 1962 وكان حينها برتبة مقدم في المدفعية ، واصبح مسؤولا لقاطع سفين ، ، بعد استئناف القتال سنة 1974 ، التحق بالبعث وعين وزير دولة . هرب الى بيروت تاركا وظيفته كوزير.

أوراق توما توماس
( 18 )


منذ بداية عام 1977، لم يرد حزبنا على الهجوم الايديولوجي الذي دشنه ميشيل عفلق بطرحه مقولة ( الحزب الحاكم )، وكان هذا الهجوم بمثابة اشارة للبعث للعودة الى نهجه السافر بالعداء للشيوعية .
وكانت تقديرات قيادة الحزب وخاصة المكتب السياسي خاطئة بخصوص اشارات الارتداد تلك، مما ادى الى كشف المزيد من المنظمات الحزبية ورفاق الحزب من خلال زجهم في نشاطات علنية دون التفكير جديا بأتخاذ تدابير واجراءات وقائية تمكن الحزب بالانتقال الى اشكال اخرى من التنظيم .

و كانت قد تشكلت في ذلك الوقت احزاب قومية كردية في الخارج، ونقلت نشاطها الى كردستان لمباشرة كفاحها المسلح ومنها القيادة المؤقتة في بهدينان والاتحاد الوطني الكردستاني في منطقة سوران، وانتشرت مفارزها عام 1977 لتشمل مناطق عديدة من كردستان وسط تعتيم اعلامي من قبل السلطة .

وبالرغم من تعقيدات الوضع والتوترات الواضحة في العلاقة مع البعث وبوادر ارتداده، لم تقدم قيادة الحزب على مد اليد لتلك القوى الكردية لاعادة العلاقة معها ، بل بقيت صلتنا بها مقطوعة تماما .
كانت تسيطر على قيادة الحزب حالة من الخوف والتطيّر من ذكر كلمة ( السلاح ) ، وحتى مجرد التفكير به كان يعد من المحرمات .

اجتماع اللجنة المركزية - آذار 1978
في 10 / آذار 1978 انعقد الاجتماع الاعتيادي الكامل للجنة المركزية في ظروف بالغة التعقيد، حيث تفاقمت فيها حملة البعث لتصفية منظمات الحزب في المدن والارياف والتضييق على نشاطاته وصحافته. وقد تناول الاجتماع بالنقد سياسة وممارسات سلطة البعث. وابرز ما تم انتقاده :
• سياسة التبعيث القسري للمجتمع والدولة ، وتعريب المنطقة الكردية وتشويه مضامين الحكم الذاتي في كردستان .
• اتباع سياسة معادية للدول العربية وبالخصوص سوريا واليمن الديمقراطية .
وكان هذا النقد العلني بداية انعطاف واضح في سياسة حزبنا نحو المعارضة رغم تأكيد اللجنة المركزية وحرصها على صيانة واستمرار التحالف .
وسرعان ما جاء رد البعث عنيفا جدا، من خلال مهاجمة التقرير الصادر عن الاجتماع على صفحات جريدة الراصد في 5 آيار 1978 وليتبعه اصدار احكام الاعدام في 18 آيار 1978 بحق 31 مواطنا من الشيوعيين واصدقائهم ..
وكان الثمن باهظا، الا ان موقف الحزب اتسم بالتردد من منطلق الحرص على التحالف ، فلم يبادر الى سحب ممثليه من الوزارة او من المجلسين التنفيذي والتشريعي في منطقة اقليم كردستان . وواصلت صحافة الحزب صدورها وكأن شيئا لم يكن !!.
ولم يقم الحزب بالرد على ما نشرته جريدة الراصد ، مما ادى الى اضعاف محتوى التقرير. وكان واضحا ان اعدام كوكبة من الشيوعيين واصدقائهم واستفحال حملة الارهاب الشرسة والاعتقالات الواسعة والتي شملت جميع منظمات الحزب وخاصة في اواخر 1978، قد دلت بشكل لا يقبل الدحض على تقارب النظام من الدوائر الامبريالية ومن الانظمة الرجعية وكشفت عن رغبته في ان يكون منفذا ضمن المخططات الامبريالية في المنطقة .
ومع ذلك لم يجر توضيح قرار " وقف التدهور " الذي اتخذته اللجنة المركزية في اجتماعها اواخر حزيران 1978. فقد فسره الكثيرون كخطوة تراجع امام البعث، وضرورة عدم استفزازه. وترافق هذا التفسير مع عدم اتخاذ اية اجراءات احترازية لازمه لتطبيق القرار حسب ما فسرته ورأته اللجنة المركزية في مفهوم " وقف التدهور "..
لم ينفذ اي من المقترحات المتعلقة بإتخاذ الاحتياطات الكفيلة بتحول الحزب الى العمل السري، ووضع خطة طوارئ لتجنيب الحزب الخسائر الفادحة. وكان الرأي الغالب في اللجنة المركزية يرجّح كفة " وقف التدهور " وحث الكادر القيادي على مغادرة البلاد. وهكذا تركت المنظمات لتتخبط وتترنح وهي تتلقى الضربات تلو الضربات .
ولم يكتف البعث بما قام به من اعتقالات واعدامات، بل حاول اركاع الحزب من خلال املاء شروط لا يمكن لاي حزب ثوري ان يقبلها، ومن ضمنها فقدانه لاستقلاليته الفكرية والسياسية كي يغدو مجرد يافطة .
فقد طلبت قيادة البعث اثناء اجتماع اللجنة العليا للجبهة من ممثل حزبنا، ان تجتمع اللجنة المركزية ثانية، لاصدار قرار بالتراجع عن ما جاء في تقرير اجتماع 10 آذار 1978.
واعلنت قيادة الحزب رفضها القاطع لذلك الطلب، ورفضت اي حوار مع البعث ما دامت حملة القمع مستمرة، وما لم تعتذر قيادة البعث عن الاعدامات وتعلن اعادة الاعتبار للشهداء رسميا.

بعد اجتماع اللجنة المركزية في حزيران 1978 سافرت الى جيكوسلوفاكيا. وكان المكتب السياسي قد قرر عودة رفاق الكادر الحزبي الى البلاد، دون ان يستند ذلك القرار الى اية مبررات مقنعة، في وقت كان رجال الامن قد اعتقلوا الرفاق كاظم حبيب وعادل حبه وفخري كريم وهم اعضاء في اللجنة المركزية دون توجيه اية تهمة اليهم .
والتزاما بقرار المكتب السياسي قررت العودة الى بغداد، الا ان الرفيقة نزيهة الدليمي اعترضت وحاولت ثنيي عن تنفيذ ذلك القرار، وطلبت الانتظار لمعرفة رأي الرفيق عزيز محمد سكرتير الحزب وكان حينها في موسكو. وقد قام الرفيق عزيز بأحالة الموضوع الى المكتب السياسي في بغداد، الذي قرر عودتي كي لا تشعر السلطة بأننا نقاطع التحالف الجبهوي !! وبهذا ايضا يمكننا ان نتصور كيف كان يتم تفسير قرار " وقف التدهور " لصالح التراجع امام البعث .
وصلت بغداد في 4 /7/ 1978 والتقيت رفاق المكتب السياسي في مقر اللجنة المركزية. وكان قرارهم هو عودتي الى الموصل والمباشرة بمهماتي. وفعلا وصلت الموصل وكانت كبقية المحافظات تشهد اوضاعا صعبة على الشيوعيين، دون ان تكون هناك اية احتياطات تتخذ لدرء المخاطر عنهم. فتمّلك اليأس عدد كبير منهم وباتوا كمن يستسلم للامر الواقع .
كان نظام البعث يتبع سياسة تحددت بعدم التحرش بقيادة الحزب، واستثناءها مؤقتا من حملة الاعتقالات للانفراد بالقواعد الحزبية، وبالتالي اجبار القيادة على التنازل بعد ان تكون قد فقدت قواعدها وجماهيرها ، وتحولت الى مجرد كيان مهلهل يستفاد منه البعث في علاقاته الدولية وخاصة البلدان الاشتراكية.
لقد واصلت مشاركتي في لجنة الجبهة في وقت كنا نرى ونسمع كيف يتساقط الرفاق يوميا. ثم توسعت حملة البعث الى اعتقالات بالجملة ضد منظماتنا الحزبية .
وكانت الحملة في محافظة نينوى قد دشنت بإعتقال اعضاء من اللجنة المحلية بشكل هاديء واطلاق سراحهم بعد ان يتم اسقاطهم. فقد اعتقل اول الامر الرفيق نوري بطرس واطلق سراحه وبعده اعتقل الرفيق زكي الصراف وكمال عبد الباقي وشمعون كاكو واسقطوا، ومن ثم باشروا بالمنظمات الحزبية اذ تم شن حملة على جميع المنظمات خلال 24 ساعة واخذت من المعتقلين تعهدات بعدم العمل . ولكن مجموعة غير قليلة من الرفاق تمكنت من الافلات من قبضة رجال الامن والاختفاء عن الانظار حتى التحاق اغلبهم بحركة الانصار ومنهم الرفاق حسين كنجي و دنخا شمعون ( كان حينها في بلغاريا ) و صبحي خضر و خديدة حسين و علي خليل و جوقي سعدون وخليل سمو ( التحق بالانصار بعد اسقاطه وسقط شهيدا اثناء رحلته الى كردستان في قرية سماقولي ) وعلاء احمد طه . وإلتحق عدد اخر من الرفاق من الاقضية والنواحي ومنهم : خليل ابراهيم وامجد محمد علي و هرمز بوكا و رحيم قودا و صباح كنجي و خيري درمــــان و دخيل سلو و خديدة طيبان و سعيد دوغاتي و غانم اوراها وغيرهم .
وبذلك انهارت تنظيمات نينوى بعد ان اعيد بنائها بنضال شاق خلال عشر سنوات .
بقيت في الموصل لغاية 15 /12/ 1978 . وفي ذلك اليوم كنت في لقاء مع وليد الاعظمي امين سر فرع الموصل ( اعدم بعد استلام صدام حسين لمقاليد السلطة ) وحضر اللقاء عضو الفرع ابراهيم حقي الملقب ( ابراهيم الجحش ).
وإحتدم النقاش بيننا حول اجراءاتهم ضد حزبنا. فقد كان الاعظمي يدافع عن موقف البعث متهما الشيوعيين بتحريض الجماهير ضد السلطة، وان الحزب الشيوعي لم يلتزم ببنود وشروط التحالف .. الخ. وفجأة تدخل ابراهيم الجحش وكان واقفا بجانب الاعظمي واضعا يده على الكرسي وقال : " ابو جوزيف نحن لن ندعكم ان تأخذوا منا هذا الكخسي ( ويقصد كرسي الحكم )، وسوف لن نتركه لكم ".
قلت له : " المسألة حاليا ليست موضوع الكرسي ، انما هي التزامكم بما جرى الاتفاق عليه، انها الان مسألة اخلالكم بالجبهة والحملة التي تشنوها ضد منظماتنا وضد رفاقنا ".
في نفس اليوم 15 /12 غادرت الموصل الى بغداد، حيث التقيت بأحد الرفاق في المكتب السياسي وكان يتهيأ لمغادرة العراق. طلبت منه تزويدنا بتعليمات الحزب وما هي الوجهة، وهل يمكن التفكير جديا بإيجاد قواعد عسكرية في كردستان. وكالعادة لم احظ من الرفيق بأي جواب واضح ومقنع، بل اكتفى بأخباري " بأن الرفيق ابو سرباز في كردستان ، واذا ترغب اذهب اليه وتفاهم معه ". ابلغته بوجود ( 80 ) رفيقا في ريف القوش في قرية ( كند ) قرب دوغات، بأنتظار قرار الحزب بالمباشرة في العمل. فأستغرب الرفيق استعدادهم للقتال دون ان يملكوا اية اسلحة . قلت له " ان ثورة كوبا ابتدأت بأثني عشر مقاتلا فقط ، كل شئ ممكن . ما نحتاج اليه حاليا هو القرار ."
اما بخصوص الرفيق ابو سرباز فقد كان مكتب الاقليم قد ارسله نهاية 1978 الى المنطقة الحدودية للالتقاء مع جلال الطالباني لبحث امكانية تواجد رفاقنا هناك، في حالة اضطرار الحزب لذلك. ولنفس الغرض تم تكليف الرفيق يوخنا توما سكرتير محلية دهوك لايجاد صله مماثلة مع مسؤولي القيادة المؤقتة في منطقة الحدود مع تركيا ، الا انه لم يوفق بالالتقاء بأحد رغم ان قرارا من القيادة المؤقتة كان قد صدر الى مسؤول المنطقة محمود يزيدي بمساعدة الشيوعيين اذا توجهوا الى المنطقة، الا ان محمود يزيدي كان قد استشهد قبل وصول رفيقنا اليه .
بقيت في بغداد مختفيا، واقتصرت صلتي بالرفيق جاسم الحلوائي، الذي اوعز لي بضرورة المحاولة لمغادرة العراق. وحينما ارسلت جوازي للحصول على تأشيرة مغادرة ، تبين ان منع السفر كان قد صدر يوم 20 /12/ 1978 .
لم اكن قادرا على استيعاب الفكرة الداعية الى ان بقاءنا سيعني للبعث اننا حريصون على استمرار التحالف ، خاصة ونحن مختفون وكل تحركاتنا ولقاءاتنا كانت سرية للغاية. وكان واضحا عدم وجود وجهة ثابتة بهذا الامر الهام جدا، بل كانت هناك اجتهادات وتقديرات متباينة ومختلفة ، لدى هذا الرفيق او ذاك .

في ذلك الوقت طلب الرفيق عبد الرزاق الصافي اللقاء بي وفعلا تم اللقاء في احد شوارع بغداد، حيث اكد على ضرورة التريث وعدم مغادرة العراق، لان مكرم الطالباني وماجد عبد الرضا سيغادران الى موسكو للالتقاء بقيادة الحزب لغرض دراسة مقترح نظام البعث بأعادة العلاقات ضمن التحالف الجبهوي .
وقد رفضت قيادة الحزب ذلك المقترح ما لم تنفذ الشروط التي قدمت مسبقا، وبدون ذلك فإن العودة الى التحالف مستحيلة .

في لقاء مع الرفيق جاسم الحلوائي يوم 8 /3/ 1979 ، ابلغني الرفيق بضرورة السفر الى اربيل والاتصال بأبو حكمت لتهيئة الانتقال الى الجبال ، وذكر بأن الرفاق المتواجدين في الداخل يطالبون بأيجاد قاعدة لايوائهم في كردستان ، وكذلك من اجل الضغط على السلطة لتتراجع عن سياستها. وعلى الرغم من توضيحات الرفيق ابو شروق، الا ان القرار لم يكن واضحا ، هل في النية تأسيس قواعد لايواء الرفاق والكادر الحزبي ، ام هو توجه جاد لتشكيل فصائل مسلحة؟
تركت بغداد في منتصف الليل في 12 /3/ 1979، لاصل صباحا الى مقر الاقليم وكان حينها محاطا برجال الامن. والتقيت هناك مع مجموعة رفاق من لجنة نينوى كانوا قد وصلوا قبلي في طريقهم الى الرفيق كاويس رشيد الذي كان قد شكل مفرزة مسلحة تتجول في ريف كوي سنجق.
بقيت في اربيل حتى 19 /3 حيث توجهت بعدها مع الرفيق ابو ئاسوس، ورافقنا الرفيق خيري القاضي ( ابو زكي ) بأتجاه ( سنكسرد ) ومنها الى قرية بيدلان الايرانية لنصل الى مقر جلال الطالباني ، وكانت هي المرة الاولى التي التقيه. وبعد ترحيب حار ابلغنا جلال الطالباني بأن الرفيق ابو سرباز يتواجد في مقر قريب .


أوراق توما توماس
( 19 )


تشكيلات الانصار ـ الايام الصعبة الاولى
في ناوزنك (1) تجّمع رفاقنا في كوخ صغير بناه ال?يش مر?ة التابعبن لجلال الطالباني ليكون سجنا لعملاء السلطة، ولا يتسع لاكثر من ستة اشخاص، ولا يبعد عن المقر القيادي لجلال سوى مائة متر. ويحجب الكوخ مرتفع جبلي، فخصصه الرفاق سكنا للكادر الحزبي ، وسكنوا هم في خيام صغيرة لا تقيهم من المطر والبرد.
اعتبر الرفاق وصولنا خطوة هامة على طريق اهتمام الحزب بالمرحلة النضالية الجديدة. فوجود رفيقين من قيادة الحزب هو دليل على ذلك الاهتمام .
بقينا جميعا بلا اية افرشة وبلا تدفئة، واقتصرت التغذية على الخبز والبطاطس والقليل من التمر. ولم يكن بحوزتنا اي مبلغ من المال سوى ما تبرع به رفاق واصدقاء حزب توده في منطقتي سره دشت و مهاباد، اضافة لمبلغ 2400 دينار جلبتها معي.

كان عدد الرفاق يقرب من 80 رفيق وصديق، ولانملك من السلاح سوى 6 بنادق جلبها رفاق منطقة بشدر وبتوين معهم .
وتوالى وصول الرفاق من بغداد واربيل والموصل. وقد استشهد الرفيقين خليل سمو ( عضو المحلية ) وهو من اهالي بحزاني، وكواش خدر ( ابو سمرة ) الذي كان يعمل حارس في مقر اللجنة المركزية وهو من اهالي بحزاني ايضا، اثناء هجوم طائرتي هليكوبتر على قرية سماقولي وصادف وجود الرفيقين هناك وهما في طريقهما للالتحاق بنا نهاية اذار 1979 . وتم دفنهما في سماقولي .
ورغم المصاعب ، ورغم ما مرت به منظماتنا منذ عام 1978 من منعطفات حادة، الا ان اصرار الرفاق كان بأتجاه النضال المسلح لمواجهة عنف السلطة وانقاذ ما يمكن انقاذه من تنظيمات الحزب، و رد الاعتبار لمكانة الحزب وهيبته على الساحة السياسية.

كانت بداية التشكيلات الاولى للانصار اواخر عام 1978 عفوية، ولم تسبقها دراسة او تهيئة من قيادة الحزب. وواجه الرفاق اوضاعا صعبة وقاسية وخطيرة للغاية عند وصولهم الى ناوزنك، حتمت عليهم تنظيم انفسهم ، ودفعتهم للعمل من اجل الحصول على اية قطعة سلاح للدفاع عن حياتهم .

وهكذا تشكلت النواة الانصارية من رفاق قدموا من مختلف مناطق العراق ، ينقصهم السلاح والتموين والخبرة واهم من كل ذلك ينقصهم القرار الحزبي .

في اواخر شهر اذارعام 1979 ، كنت في ناوزنك ، عندما وصلتني رسالة من مهاباد يعلن مرسلها انه ( ابو سلام )، ويطلب فيها حضوري الى مهاباد. استغربت من ان الرسالة مرسلة من رفيق اخر غير الرفيق ابو سرباز، وهو المسؤول الاول في المنطقة وعضو مكتب الاقليم .

وصلت مهاباد وفوجئت بوجود بهاء الدين نوري ، و لم اكن اتوقع مجيئه لعدم اشعارنا بذلك من قبل قيادة الحزب، اضافة الى انه كان قد سبق الجميع بمغادرة العراق. ولم يكن بهاء يحمل اية رسالة من رفاق اللجنة المركزية الموجودين في سوريا، والاكثر غرابة من كل ذلك هو دعوته لنا للاجتماع. انتقدت الرفيق ابو سرباز على افساحه المجال لممارسة غير صحيحة، فكلانا ( ابو سرباز وانا ) اعضاء في مكتب الاقليم ولم تكن لبهاء اية صلة بالاقليم .

بعد ايام وصل الرفيق كريم احمد ( ابوسليم )، واعتبرنا وصوله خطوة اضافية اخرى على طريق تكريس توجهنا لتشكيل فصائل الانصار، رغم عدم وجود قرار حزبي بتشكيلها.

عقدنا اجتماعا قاده ابوسليم وبحضور( ابوسرباز وبهاء وانا )، ولم يدعى إليه ابو ئاسوس بسبب تجميد عضويته في اللجنة المركزية على ضوء التقرير المقدم من ابو حكمت ، كونه ( ابوئاسوس ) ترك منظمته واختفى وقطع اتصاله مع مكتب الاقليم لمدة شهر واعتبر تصرفه ذاك ضعفا منه.
تحدثت في الاجتماع عن تصرفات بهاء اللااصولية وطلبت تثبيت مسؤولية الرفيق ابو سرباز واتباع الاصول التنظيمية السليمة في عملنا. بعد الاجتماع طلب بهاء التوجه الى ناوزنك للالتقاء بالرفاق هناك ، فطلبنا منه التريث للذهاب معا برفقة ابو سليم ، لكنه لم يوافق وغادر رغم اعتراضنا الى ناوزنك.

وصل بهاء الدين نوري الى ناوزنك وقام بخرق تنظيمي آخر، اذ دعى الرفاق الى اجتماع موسع ، اجرى فيه انتخاب هيئات جديدة للقاعدة بعد ان حل التشكيلات القائمة انذاك ، وقام بعملية استطلاع مفتعلة في مناطق العمق الايراني لايجاد مواقع لاختفاء الرفاق في حالة اي هجوم عراقي، لان قيادة الحزب، حسب إدعاءاته، ليست جادة بتسليحهم، وانه يفضل انسحابهم بإتجاه الاراضي الايرانية. و كانت غاية بهاء في ذلك تحريض القواعد الحزبية ضد قيادة الحزب وخلق وضع فكري مرتبك يستفاد منه .
ولم يلتزم ايضا بقرارنا بإنتظار الرفيق ابو سليم للالتقاء ( جميعنا ) مع جلال الطالباني ، حيث اجتمع به بمفرده تاركا لديه انطباعا سيئا، نقله جلال للرفيق ابو سليم اثناء لقاءهما فيما بعد .

وحينما رجع بهاء الى مهاباد، عقدنا اجتماعاً شرح فيه ما قام به من اجراءات في ناوزنك، واقترح نقلي الى مهاباد كمسؤول للمالية ( ونحن لا نملك شيئا من المال ) وطرح افكارا لتغييرات في التشكيلات الاخرى. لم نوافق على ما قام به ، واعتبرنا ذلك خرقا للاصول التنظيمية ، وقررنا العمل وفق التشكيلات الاولى. ولم تكن غاية بهاء من كل تلك الخطوات سوى التحكم بقيادة الانصار.

عدنا الى ناوزنك حيث التقى ابو سليم بالرفاق هناك واطلع على تلك الظروف المأساوية التي يعيشون بها ، فلم يستطع السيطرة على مشاعره فأجهش بالبكاء. ربما اختلطت فرحة اللقاء بالرفاق مع الشعور بالتقصير سواء كان متعمدا او خارج الارادة.
كان وضع الرفاق مؤلما جدا، ولم يجلب لهم الرفيق ابو سليم شيئا على الاطلاق، ولكن رغم ذلك اعتبروا مجرد مجيئه بادرة طيبة.
وعقد الرفيق اجتماعا مع الرفاق تحدث فيه عن وضع الحزب بشكل عام وسياسته الجديدة على ضوء التطورات الاخيرة، وذكر بأن الحزب جاد بتسليح الرفاق تسليحا جيدا، بما في ذلك اسلحة مضادة للطائرات .
لكن كل تلك الوعود لم تتحقق الا بعد اكثر من سنة، في الوقت الذي كانت طائرات النظام خلاله تصول وتجول وتقذف حممها فوق رؤوسنا. ولم يصلنا من تلك الاسلحة سوى عدة رشاشات مقاومة الطائرات قديمة لا تصلح للعمل.

كان الرفاق المتواجدون في الداخل يأملون بعودة التعاون مع النظام. واستمرت جريدة الحزب بالصدور بأنتظام رغم تقليص عدد صفحاتها الى اربع ، وعلى صفحتها الاولى صورة رأس النظام ، واستمر الوزيران في بغداد واعضاء المجلسين التنفيذي والتشريعي في منطقة كردستان ، في مواقعهم شكليا. ونشرت طريق الشعب مقال لاحد اعضاء المكتب السياسي في الداخل، باقر ابراهيم، يؤكد فيها ضرورة تعميق سياسة التحالف الجبهوي.
وهكذا كان الحزب على مفترق طرق حاد ، او بين سياستين، احداهما تدعو لاعادة العلاقة مع البعث واخرى تتوجه بأندفاع نحو الكفاح المسلح .

ومع الأنقلاب الذي قام به صدام حسين واستلامه السلطة في تموز 1979، وقيامه بالتنكيل برفاقه في قيادة البعث والكادر المتقدم ، وخلق عداء مفتعل مع سوريا ، تبلور وضع جديد خيّب امال من كان يعتقد بأمكانية العودة والتواصل مع البعث. فأندفع الرفاق بشكل اكثر من السابق بالعمل بأمل اصدار قرار من قيادة الحزب بتبني خيار الكفاح المسلح بأعتباره الخيار المناسب ولربما الوحيد ضد عنف اجرامي لم يفلت منه احد حتى اعوان السلطة.
واخيرا تم إتخاذ ذلك القرار في اجتماع اللجنة المركزية في تموز 1979.

ولم يكن خافيا على الرفاق واصدقائهم ذلك الصراع الداخلي الحاد في الحزب، وخاصة بين قيادته في الخارج حول تبني اسلوب الكفاح المسلح، وبين الرفاق القياديين في الداخل الذين يعتبرون خيار الكفاح المسلح خيارا تدميريا لا يجوز تبنيه. وعلى النقيض من ذلك باشر الرفاق، قياديون كانوا ام اعضاءا عاديون، بالعمل المسلح وبأصرار كبير رغم المعارضة التي واجهتهم . وقد اثبتت السنوات التي مرت خطأ وخطورة ذلك التفكير لان الذي انقذ الحزب من التفتت والتشتت ووضعه في موقع متميز بين فصائل المعارضة العراقية هو الكفاح المسلح. لقد تمكن رفاق الحزب واصدقائه من رفع مكانة الحزب وسمعته عاليا بين جماهير كردستان وبين القوى السياسية في الداخل والخارج.

معركة الانصار الاولى في جوار قورنة (2)
استمر التحاق الرفاق بسبب استمرار حملة البعث القمعية وتفاقم شراستها ضد منظمات حزبنا ، فأزداد عددنا حتى تجاوز ال 180 رفيقا حينما وصل الرفيق ابو سليم .
حينها لم يكن لدينا سوى 14 قطعة سلاح، ثمانية منها فقط آلية ( كلاشنكوف ) استلمناها كهدية من جلال الطالباني ، اضافة لمدفع هاون 60 ملم واخر 81 ملم .
تقدم رفاق منطقة رانية بمقترح للمكتب العسكري لزيارة عوائلهم ولاثبات وجودهم كقوة عسكرية مسلحة امام السلطة وامام جماهير المنطقة. اعترضنا على المقترح لقلة الاسلحة، ولكن وبتدخل مباشر من الرفيق ابو سليم وتأييده للمقترح، اضطررنا الى الموافقة على تشكيل مفرزة من 11 رفيقا مزودين بسبعة بنادق ( اي بنصف ما لدينا من سلاح ).
توجهت المفرزة الى مجمع جوارقورنه بقيادة الرفيق علي حاجي (3) يوم 14 /4/1979. وقام الانصار بزيارة عوائلهم ، وقرروا الخروج من المجمع فجر يوم 15 /4.
كان الجيش قد علم بوجود المفرزة ، فنصب الكمائن في طريقها، وفعلا وقعت المفرزة في كماشة تلك الكمائن، واضطرت الى خوض قتال عنيف تمكن خلاله رفاقنا من قتل 12 عسكري بينهم ضابط، في حين سقط الرفيقان رسول شيخه علي وعلي. وتمكن بقية الرفاق من إختراق الطوق وعبور البحيرة الى الجهة الاخرى وتوجهوا بعدها نحو الجبل .
ورغم الخسارة الكبيرة، فقد كان للعملية صداها الواسع في المنطقة. واكدت على ان الحزب الشيوعي ما زال موجودا ويعمل لاسترداد هيبته وعافيته.
بعد ذلك بفترة قصيرة عاد الرفيق ابوسليم الى الخارج، بعد ان تم الانتهاء من فتح قاعدة جديدة لنا في منطقة حلبجه وارسل لقيادتها ملا علي .

(1) - ناوزنك ، منطقة حدودية بين ايران والعراق تقع وراء جبل ممند المشرف على قلعة دزه ، وهو جبل منيع . اتخذها جلال الطالباني مقرا لقيادته واستقر فيها رفاقنا في الايام الاولى .
(2) ـ جوار قورنة ـ قرية صغيرة تبعد عدة كيلومترات جنوب رانيا ، حولتها السلطة الى مجمع سكاني بعد انهيار الحركة المسلحة ، يسكنها العديد من انصارنا .
(3) ـ علي حاجي ، من اهالي جوار قورنة ، عضو في الحزب التحق مع اخيه محمود اوائل سنة 1979 ، شجاع نسب لقيادة سرية بتوين ، استشهد في اربيل سنة 1984 في معارك مع مسلحي اوك .

أوراق توما توماس
( 20 )


محطات بهاء الدين نوري
يصعب على بهاء الدين نوري العمل بشكل جماعي، فهو ينطلق بأستمرار في كل خطواته من منطلق الانفراد بالعمل. وتجلى اسلوبه هذا في مقترحه الجديد بتأسيس وزرع محطات في الاراضي التركية لاستلام السلاح من سوريا في وقت لم تصل الينا اية تعليمات من قيادة الحزب الموجودة في سوريا حول امكانية من هذا القبيل. كما اننا لم نكن نملك شيئا من المال لاعالة رفاقنا في حالة بقائهم في تلك المحطات، ومع ذلك فقد قررنا احالة المقترح الى المكتب السياسي لابداء الرأي والمساعدة المالية.
عدت الى ناوزنك ، وغادر الرفيق ابو سرباز الى حلبجة لزيارة الرفاق هناك. وما هي الا ايام حتى وصلتني رسالة من بهاء يطلب فيها وعلى جناح السرعة ارسال الرفيق علي خليل ( ابو ماجد ) مع خمسة رفاق بدون سلاح، بعد تزويدهم بمبلغ من المال ، كي يتوجهوا الى الأراضي التركية لفتح محطة لاستلام السلاح. ولم نكن نعرف مكان المحطة ولا كيفية وصول السلاح ومتى سيصل. لم البي طلبه واخبرته بضرورة انتظار عودة الرفيق ابو سرباز لدراسة الموضوع. واخيرا قررنا فتح مقر في الاراضي الايرانية على الحدود التركية في منطقة (سيرو)، وشخصنا الرفيق شيخ سعيد البرزنجي مسؤولا عنه. وانتظر الرفاق طويلا دون ان يصل شيئ من السلاح الموعود ، فأضطررنا لسحبهم.
........
توترت العلاقة مع البعث اكثر من السابق واغلقت طريق الشعب. كما اعفي الوزيران واعضاء المجلسين التشريعي والتنفيذي والتحق قسم منهم بقواعدنا، وبقي قسم اخر في الداخل بعد ان تعهد بعدم مواصلة النشاط في الحزب الشيوعي والاحزاب الاخرى ، ما عدا النشاط في صفوف البعث.

وصل ابو حكمت الى ناوزنك اوائل ايار 1979، واصبح عددنا اربعة رفاق من اعضاء اللجنة المركزية عدا ابو ئاسوس. وبعد فترة قصيرة طلب بهاء السفر الى سوريا للالتقاء برفاق اللجنة المركزية الاخرين في محاولة للحصول على مبلغ من قيادة الحزب لدعم الرفاق في كردستان. الا انه ذهب ولم يرجع ، ولم يرسل شيئا ، وبقينا بنفس الاوضاع فترة اخرى لحين استلامنا مبلغا من قيادة الحزب كان قد ارسل مع زوجة جلال الطالباني.

لم يستوعب حلفاؤنا ( في كردستان ) سياسة حزبنا ، فمنهم من يقول بأن الحزب غير جاد بالكفاح المسلح رغم تواجد انصار الحزب في كردستان ، مستندين في ذلك الى ما صدر من تصريحات وبيانات تحبذ العودة الى التعاون مع البعث. ففي احد اللقاءات مع الاحزاب الكردية ( العراقية والايرانية ) المتواجدة في المنطقة، تحدث الشيخ عزالدين الحسيني (1) حول هذا الموضوع، فأكدت له بأن حزبنا جاد بسياسته الجديدة. لكن جلال الطالباني ذكر بأن الحزب قد اصدر بيانا بهذا المضمون في الخارج ( أي العودة الى التحالف الجبهوي مع البعث )، وكان يعني عدم جدية الحزب بأنتهاج اسلوب الكفاح المسلح . لم نتفق معه لاننا وببساطة لم نستلم مثل هذا البيان ، لكننا علمنا فيما بعد بأن الرفاق في الداخل كانوا قد اصدروا شيئا من هذا القبيل.
ادت تلك المواقف الى خلق بلبلة فكرية،. وتعمقت اكثر هذه البلبلة بسبب تأخر اصدار قرار حزبي بتبني الكفاح المسلح، ذلك القرار الذي اكد على " انهاء الحكم الدكتاتوري " وليس اسقاطه. اذ لم تقتنع اغلب القواعد الحزبية بما بررته قيادة الحزب من ان " انهاء الدكتاتورية " في الحقيقة هو تعبير عن الدعوة لاسقاط الحكم. وبقناعتي، اذا كان تبرير القيادة صحيحا ، فلماذا لم تتبنى اذن " اسقاط الدكتاتورية " بدلا عن الانهاء الذي يحتمل تفسيرات اخرى ويحمل بين طياته الكثير من الضبابية، وكان القرار قد اتخذ في اجتماع اللجنة المركزية تموز 1979 ، والذي لم نستطع ابو سرباز وانا من حضوره بسبب عدم تمكننا من السفر.
ومع ذلك فقد رفع الحزب شعار الكفاح المسلح ، وتم دعم الانصار ماديا ، ووصلت طلائع الملتحقين من الخارج في بداية عام 1980 الى بهدينان . وفي ربيع تلك السنة وصلت اولى وجبات السلاح. وكان من اوائل الملتحقين الرفيق محمد يوسف من بشدر ( توفي عام 1994 بعد استشهاد ابنه بفترة قصيرة ).

تأسيس القواعد في بهدينان
قاعدة بهدينان الاولى ـ قاعدة كَوستا
تطلب تطوير حركة الانصار تضحيات جسيمة من قبل اولئك الرفاق الذين وضعوا اللبنات الاولى لمقرات الانصار في بهدينان، والذين كانوا هم بأمس الحاجة لابسط مقومات المعيشة، ولم يثنهم البرد والمخاطر عن انجاز مهمتهم. كان أولئك الرفاق بمعاناتهم ، محصورين بين مطرقة سلطة البعث وسندان السلطات التركية دون ان يملكوا سلاحا يدافعون به عن أنفسهم .

بتاريخ 5 /10/ 1979، وصلت مجموعة من سبعة رفاق يقودهم الرفيق دنخا البازي (ابو باز) الى الشريط الحدودي مع تركيا في منطقة تسمى ( كلي كوماته ) (2)، حيث يقع مقر الفرع الاول للحزب الديمقراطي الكردستاني (حدك) الذي استضافهم. وقد ساعدهم الدكتور جرجيس حسن (3) مسؤول المقر. كان الرفاق السبعة قد قدموا من مناطق مختلفة من العراق ، الا ان جميعهم لم يكونوا من منطقة كردستان ولم يكونوا اكرادا.

الأنصار في الأيام الاولى

لم تملك المفرزة شيئا من السلاح سوى 3 قطع من رشاش برتا الايطالي لا تصلح الا لقتال الشوارع ، ولم يكن بحوزتهم اي مبلغ من المال .
باشر الرفاق فور وصولهم ببناء غرفة لهم ، اصبحت فيما بعد البناية الاولى في موقع انصار بهدينان، حيث بدأت بإستقبال الرفاق الوافدين ومنها كان يجري توزيعهم الى باقي المقرات.
وواجهنا من جديد مواقف بهاء وقراراته الارتجالية والفردية، حيث اصدر دون علمنا اوامره من سوريا للرفاق في كلي كوماته بالتحرك الى منطقة هيركي لفتح قاعدة لهم هناك، دون ان يعرف اين تقع هيركي، ودون مفاتحة حدك او الاتفاق معهم حول ذلك.
وبدلا من ان يناقش الرفيق ابو باز هذا القرار ويدققه من جميع جوانبه، وان يأخذ الاحتياطات اللازمة لسلامة الرفاق ، شّكل مفرزة من 25 رفيقا وتحت قيادته مزودين برشاش برتا واحد لا غير وبمسدس ابو باز الشخصي ودون ان يملكوا اي مبلغ من المال او اي دليل للمنطقة. وتحركت المفرزة يوم 22 /11/ 1979 من كلي كوماته، ليصلوا بعد ثلاثة ايام الى المنطقة المعنية. الا ان مسؤولي حدك هناك لم يسمحوا لهم بالبقاء فيها او فتح مقر بحجة عدم حصولهم على تصريح من قيادة حدك للسماح لهم بفتح مقر في تلك المنطقة . وبدلا من العودة الى مقر كوماته، قرروا السير قدما نحو الشرق ... الى المجهول وبلا هدف محدد. وبعد مسيرة شاقة لعدة ايام في الاراضي التركية وصلوا الى منطقة (كوستا) قرب المثلث الحدودي العراقي الايراني التركي ، حيث يقع هناك مقر القيادة المؤقته التي ساعدتهم، كما أستفادوا من بعض الاكواخ المهجورة.
كان الخطر يهدد حياة الرفاق، فلا نقود لديهم لشراء الارزاق او الافرشة، إضافة الى ان احتمالات انقطاع الطرق واردة جدا بسبب موسم الشتاء.
ان التزام الرفيق ابو باز بتنفيذ قرار بهاء للتوجه الى هيركي يمكن تبريره، ولكن لا يمكن بأي حال من الاحوال تبريرالاستمرار بالسير شرقا بعد اعتراض حدك على البقاء في تلك المنطقة.
وفي النهاية، تمكن الرفاق من استدانة مبلغ من المال من احد اغوات المنطقة وتمكنوا من شراء الارزاق وبعض الافرشة لحين وصول النقود اليهم .
ففي شباط عام 1980 تمكنا من الاتصال مع مقر (كوستا)، حيث وصل مسؤولها الرفيق ابو باز الى (ناوزنك) وعرض وضع الرفاق هناك ومصاعبهم وحاجتهم الماسة للسلاح.
وقد اتخذ المكتب العسكري قرارا بدعم المقر ماديا وعسكريا، وتم تنسيب الرفيق مام خدر لقيادتها ويساعده الرفيق خضر حسين. وتم سحب الرفيق ابو باز لغرض اعادته الى بهدينان مع رفاق من ابناء المنطقة، وحددت علاقة مقر كوستا مع لجنة هندرين (4) مباشرة .

بعد وصول الرفيق عمر الشيخ (ابو فاروق ) تحسنت اوضاعنا المالية قليلا ، اذ جلب معه مبلغا جيدا فتمكنا حينها من شراء بعض قطع السلاح وباشرنا بدفع مخصصات شهرية للانصار.

تشكلت لجنة هندرين، كهيئة قيادية عليا، لقيادة عمل الانصار ومنظمات الحزب في كردستان بمعزل عن الانصار من الرفاق عمر الشيخ كسكرتير لها وعضوية الرفاق احمد باني خيلاني (ابو سرباز) ويوسف القس حنا (ابوحكمت) وتوما توماس (ابوجميل) مسؤولا للمكتب العسكري وسليمان شيخ محمد (ابوسيروان) ونسب الرفيق فاتح رسول (ابوئاسوس) مستشارا سياسيا للانصار وعضوا في المكتب العسكري .
وفي اوائل عام 1980 وصل الرفيق عبد الوهاب طاهر من الداخل ونسّب ايضا الى عضوية هندرين.

حينما وصل الرفيق ابو فاروق الى المنطقة، كانت فصائل الانصار قد تطورت وانتقلت الى ساحة العمل العسكري في اربيل والسليمانية، في وقت كان الرفيق عمر يتحفظ على اعلان الكفاح المسلح ويتجّنب رفع هذا الشعار في اعلامنا ويعمل على التعتيم على فعاليات انصارنا ويدعو الى عدم نشرها .
وحينما اعلنا عن عدة فعاليات عسكرية قام بها انصارنا في جوار قورنة وقزلر في صحيفة مردم لحزب تودة ايران، ابدى الرفيق اعتراضه، واعتبر ذلك خرقا وعملا ضد سياسة الحزب، لان شعارالكفاح المسلح لم يعلن بعد. واعترض الرفيق بشدة عندما اصدرنا جريدة (ريبازي بيشمركَة) (نهج الانصار)، وهي تحمل شعار الحزب على صدر صفحتها الاولى ، مبررا اعتراضه بكونها جريدة غير حزبية.

في تلك الفترة قررنا ارسال الرفاق الى بهدينان. وكنا بحاجة ماسّة لتزويدهم بالسلاح ، فطلبنا مساعدة (حدك) اثناء زيارة قمنا بها ( ابو حكمت وانا ) الى (راﮋان) عشية انعقاد مؤتمر حدك خريف 1979. و تحدثنا مع كاك مسعود البرزاني وبحضور سامي عبد الرحمن (5)، مقترحين اعارتنا (50) بندقية بشكل مؤقت على ان نعيدها لهم في بهدينان. فأشترطا علينا نقل مقرنا من منطقة تمركز جلال الطالباني الى منطقة تمركز (حدك). رفضنا ذلك الطلب، واوضحنا بأننا حينما قدمنا الى كردستان لم تكن لهم اية مقرات، وكان جلال الوحيد هنا وقد قدم لنا الكثير من المساعدات ، لكن هذا لا يعني اننا تابعون لاحد لكوننا قريبين من هذا المقر او ذاك.
وحينما طلب سامي عبد الرحمن وكحل وسط ابعاد مقرنا على الاقل، رفضنا لاننا لا نقبل التعامل بشروط، علما بأننا كنا قد ساعدنا (حدك) ب230 بندقية كلاشنكوف اخمص حديد مع مخازنها وعتادها ، على امل تسليمها لرفاقنا في سوران ، وما زالت بذمتهم حتى الان.
واخيرا اضطررنا الى ارسال رفاقنا الى بهدينان عبر الاراضي التركية دون ان نزودهم بأية قطعة سلاح.

(1) عزالدين الحسيني ، رجل دين ايراني من المعارضة كان مع اخوه ملا جلال يقودون مجموعة من المسلحين الاكراد الايرانيين في قرية شني العراقية الحدودية .
(2) كلي كوماتا ـ وادي يمر فيه نهر صغير يفصل العراق عن تركيا على مجرى الخابور وهي منطقة يحميها جبل عال ، اتخذها البيشمركة مقرا لهم .
(3) دكتور جرجيس حسن عضو ل.م ( م.س حاليا ) من سكنة قرية خنس الاثرية ( عين سفني ) انتقلت عائلته بسبب احداث كردستان الى عين سفني ، مزوري خريج الاتحاد السوفياتي دكتوراه في التاريخ الكردي .
(4) لجنة هندرين . هيئة قيادية حزبية عسكرية ، تشكلت من رفاق ل.م المتواجدين في كردستان ، استمرت في قيادة فصائل الانصار حتى استلام المهمة من قبل م . س اذ اقتصر عملها على التنظيم الحزبي داخل المدن الكرستانية .
(5) - تم حل القيادة المؤقتة بعد مؤتمر (حدك) ولم يفز احد من قيادتها في اللجنة المركزية الجديدة للحزب الديمقراطي الكردستاني ، فترك سامي عبد الرحمن المنطقة متوجها الى طهران في طريقه الى الخارج ، وتم توقيفه في طهران وبعد ان اطلق سراحه توجه الى سوريا وشكل حزبا جديدا من عناصر القيادة المؤقتة الذين لم ينظموا الى حدك تحت اسم (حزب الشعب الديمقراطي الكردستاني) ( حشدك ) ، وبقي في سوريا حيث لم يسمح له بالتواجد في بهدينان ، الا ان مفارزهم كانت تدخل سريا الى كردستان وكثيرا ما كانوا يلتجئون الى مقراتنا . وكثيرا ما كنا نحاول مع (حدك) لايجاد حل للمشكلة دون جدوى ، وكثيرا ما تعكر الجو بيننا وبين (حدك) بسبب ذلك وفي حالات كثيرة افلحنا في اخلاء سبيل العديد من بيش مركة (حشدك) عند اسرهم من قبل بيش مركة(حدك) .
في اواسط سنة 1982 قام (حشدك) مع قيادة قطر العراق بارسال قوة مشتركة تحت قيادة عبد الله صالح وكريم سنجاري عضوي المكتب السياسي ل (حشدك) في حملة غزو للمنطقة التي تحت قيادة (حدك) واحتلت القوة قرية سناط (على الحدود مع تركيا) وأقاموا الربايا على قمم الجبال المحيطة بها.
وقد اعتبر (حدك) ذلك ، خطرا على وجوده وطريقه من والى سوريا. وبحث تلك التطورات على لجنة الجبهة الوطنية الديمقراطية (جود) في بهدينان. وكان رأي اللجنة هو تحاشي الصدام ، والطلب من الاخوة في (حشدك) الانسحاب مقابل موافقة رسمية من (حدك) بالسماح ل(حشدك) بالتواجد في كردستان، وكتبت اللجنة رسالة لهم بهذا المفهوم ، الا انها لم تلقي الاستجابة منهم. واخيرا ارسل (حدك) قوة كبيرة من البيش مركة الى سناط حيث تمكنت من ازاحتهم واعتقال مجموعة منهم فأنسحبوا ثانية بأتجاه سوريا. وكان من ضمن الاسرى عدد من منتسبي حزب البعث ـ قيادة قطر العراق ـ. كما وقع بالاسر بأيدي السلطات التركية مجموعة من المسلحين من منتسبي جماعة الاسلاميين بقيادة عريف سلو الذي قامت تلك السلطات بأعدامه.

أوراق توما توماس
( 21 )


معركة قزلر ـ السليمانية
كان عدد من رفاق السليمانية قد التحقوا بقاعدة ناوزنك ، ومنهم من جاءوا مباشرة من قاعدة حلبجة لصعوبة الوضع المعيشي فيها خلافا لتحسن الوضع عندنا ، اذ كنا قد حصلنا على كمية لابأس بها من السلاح من اصدقائنا بما في ذلك بنادق رـ 3 الاوتوماتيكية التي خصصت للمفارز التي باشرت بالنزول الى عمق محافظة اربيل مما شجع رفاق السليمانية الى تقديم طلب للموافقة على ارسال مفرزة منهم الى ( شارباژير ) للاتصال بالجماهير والقيام بالدعاية من اجل رفع معنوياتها وايجاد العلاقة معها. وتم تشكيل مفرزة من 13 رفيق وصديق يقودها ملا حسين عسكريا وبمرافقة الرفيق فارس رحيم عضو محلية السليمانية مستشارا سياسيا لها، وكان في عدادها عدنان الطالقاني ( ابو هيمن ) (1) وهوعضو منطقة من الناصرية ومتزوج من ابنة نوري عثمان من اهالي السليمانية . وتم تسليح المفرزة بأسلحة قسم منها آلية وقسم اخرغير آلية. وقامت المفرزة بجولة في المنطقة لعدة ايام دون ان تصطدم بأية عراقيل.
وفي يوم 24/3/1980 إقتربت من قرية قزلر، فاتفق الرفاق على تناول طعامهم في القرية دون ان يعترض احد منهم رغم وجود قرار واضح بعدم دخولهم القرى نهارا. دخلت المفرزة الى القرية دون وضع حراسة مشددة لها، وتوجه الرفاق فورا الى الجامع وانتظروا ان يجلب لهم الطعام.
فوجئوا في تلك الاثناء بطائرات هليوكوبتر تهبط قرب الجامع وبعد ان افرغت حمولتها من المرتزقة الجحوش الذين باشروا بأطلاق كثيف للنار بأتجاه الجامع عادت سبع حوامات اخرى الى القرية وانزلت حمولتها من الجنود .
كانت مفاجئة قاتلة للانصار فأضطروا لدخول معركة غير متكافئة في محاولة منهم للانسحاب نحو الجبل ، فأستشهد اثناء القتال خمسة رفاق فيما استطاع بقية الانصار من الوصول الى الجبل حيث تحصنوا هناك.
تأخر ابو هيمن من اللحاق بهم اثناء تركهم القرية واعتبروه شهيدا لكنه التحق بهم بعد انسحاب المرتزقة والجيش ، وادعى انه اثناء القتال اختفى بدورة المياه حتى انسحاب تلك القوة .. وعلى الرغم من ان موقع اختفائه كان مكشوفا تماما ، وعدد افراد القوة المهاجمة كبير ويغطي معظم مناطق القرية ، الا ان تأخره في القرية وتبريره لذلك التأخر لم يثرا أي اهتمام واعتبرت المسألة اعتيادية .

كان الهجوم المباغت والمحكم بدقة وبذلك الشكل الخاطف ، بحد ذاته يثير شكوكا ، من ان العملية لم تكن عفوية وغير مدروسة ومخطط لها مسبقا ، ولا بد انها اعتمدت معلومات دقيقة عن تحركات المفرزة حتى دخولها تلك القرية. ولم ينتبه احد الى ربط كل ذلك بتأخر ابو هيمن في القرية في حينها .

لكن بعد حين تكشفت امور كثيرة عنه، اكدت علاقته بالمخابرات واجهزتها خلال تواجده في الداخل. الامر الذي عزز الشكوك بعلاقته بأشعارالسلطة بمعلومات عن تحركات المفرزة ودخولها قزلر .

في الساعة السابعة مساءًا، شرع اهالي القرية بالتحرك لتفقد الموقف بعد انسحاب الجيش والمرتزقة منها. ففي الجامع سقط الشهيد فلاح وعلى سفح الجبل كانت جثة البطل ملا حسين مثقبة برصاص طائرات الهيليوكوبتر وعلى مشارف القرية من الجهة الاخرى تناثرت اجساد شهدائنا الأبرار( شاهو، هژار، معتصم عبد الكريم ).
وهكذا فقدنا خمسة شهداء نتيجة اهمال قيادة المفرزة وعدم الالتزام بالقرارات .

تمت مراسيم الدفن بمساعدة اهل القرية ليلا. وفي الصباح، ودع الانصار اهل القرية شاكرين لهم مساعدتهم وضيافتهم . وعلمت المفرزة ان خسائر العدو كانت 6 قتلى و 12 جريح ، ويذكر ان المرتزقة عادوا الى القرية ونبشوا قبور الشهداء وحملوا الجثث معهم.

اعتقد بعض الرفاق بأن معركة قزلر والخسارة الجسيمة ستؤثر سلبا على الانصار وتحد من اندفاعهم في العمل المسلح ، ولكن ما لاحظناه كان عكس ذلك تماما ، حيث ازداد حماس الرفاق ، واصبحت كلمة قزلر تطلق على المنظمات الجهادية واعتبرت اول مأثرة بطولية يقدمها الانصار بعد معركة جوار قورنة.

لقد استغلت سلطة البعث الاوضاع الصعبة التي مر بها حزبنا وعدم امكانية سيطرته على الوضع الناشيء بسبب الضربات التي وجهتها لكل تنظيماته. فعندما توجه الحزب لتشكيل فصائل الانصار، باشرت السلطة بإعتماد اسلوب الاختراق والاندساس لمحاربة التشكيلات الأولى في بدء انطلاقتها قبل ان تترسخ وتتعزز فيها تقاليد عمل وضوابط وحتى قدرات ذاتية لدى الانصار تجعلها اكثر صلابة ومتانة من ان تخترق بأساليب باتت معروفة ومفضوحة ، وحينها تغيرت اساليب السلطة لتباشر من خلال عملائها ومرتزقتها القيام بالاغتيالات وبالاعمال التخريبية ضد مقراتنا ، طوال فترات لم تتمكن فيها من شن تقدمات عسكرية ضخمة على مناطق تلك المقرات .


التشكيلات الاولى للانصار والمفارز

تقرر تشكيل مفرزة مسلحة ( سرية ) للتوجه الى العمق تحت قيادة الرفيق (كاويس). وقدم الرفيق (ملا نفطه) طلبا بمرافقة السرية كمستشار سياسي بإعتباره كان عضوا في محلية اربيل. رفض الرفيق كاويس ذلك الطلب بسبب وضع الرفيق (ملا نفطه) الصحي وعدم امكانيته مواكبة مسير المفرزة خاصة وانها ستتوجه الى العمق وقد تتعرض لملاحقة السلطة.
وافقت هيئة ( هندرين ) على طلب (ملا نفطه) ليرافق السرية بعد ان هيأ له حصان لتسهيل تنقله. وفي طريقهم صادفهم شاب طلب منهم مرافقة مفرزتهم فلم يعترضوا وسلم (ملا نفطه) مقود حصانه للشاب الغريب ليصبح ملازما له حتى وصولهم الى احدى القرى التي استقر رأيهم على الاستراحة وتناول العشاء فيها.

توزع الانصار على البيوت ، عندها ترجل (ملا نفطه) وسلم الحصان الى مرافقه الشاب. كان الحصان محملا بهدايا الانصار لعوائلهم مع قاذفة صواريخ ـ بازوكة. وعند تهيؤ المفرزة للمغادرة ولمواصلة المسير لم يجدوا للحصان أي اثر ، بعدها علموا ان الشاب الذي رافقهم اخذ الحصان الى احدى ربايا الجيش وسلمه هناك. كانت السلطة توزع عملائها في المنطقة لملاحقة الانصار والكوادر الحزبية الذين كانوا يعملون في الريف. وكانت محلية اربيل قد شخصت احد رفاقها ( نظيف ) لمتابعة عمل الحزب في ريف كوي وان يكون ضمن السرايا وبحمايتها. ولم يلتزم (نظيف) بالقرار بل اخذ يتجول لوحده بين القرى وهيأ بذلك فرصة جيدة لازلام السلطة لاغتياله اثناء احدى جولاته في ريف كوي سنجق .

ومع ذلك فقد تطور عمل الانصار عددا وتسليحا واصبح ضروريا القيام بتنظيمهم ضمن وحدات انصارية ، فقد ارسل لنا رفاق حزب توده ايران، وخاصة منظمة الحزب في كردستان ايران، كميات من الاسلحة حسب طلب قيادة حزبهم بجمع الاسلحة من ثكنات الجيش الايراني بعد انهياره اثر انتصار الثورة الايرانية، وتقديم ما يتم مصادرته من الاسلحة الى الحزب الشيوعي العراقي .

واثر ذلك بات انصارنا يملكون قرابة (200) قطعة سلاح بالاضافة الى الدوشكات والمدافع...الخ، وجاءت خطوة رفاقنا في حزب توده في المساهمة في سد احياجاتنا من الاسلحة لتوفر للانصار وضعا افضل بكثير مما كانوا عليه ، خاصة وان الطرق الاخرى لوصول السلاح لم تكن مطروقة بعد . ولتسهيل مهمة قيادة عمل الانصار تم تشكيل السرايا حسب المناطق حيث تشكلت :

سرية بتوين :تشكلت من رفاق واصدقاء رانيه، وتعدادها (40) نصيرا، ومقرها في قرية (وه لي) ، ويقودها الرفيق (محمود حاجي) ويساعده (علي حاجي) ، ومسشارها السياسي الرفيق (عارف) ومنطقة عملها رانيه وريفها .

سرية بشدر : تشكلت من رفاق واصدقاء قلعة دزة ، وتجاوز عددها ( 40 ) نصيرا ، ومقرها في قرية (زه لي) ويقودها الرفيق (سليم سور)، ومستشارها السياسي الرفيق (محمود فقي خدر) ، ومنطقة عملها قلعة دزة (بشدر).

سرية بهدينان : تشكلت من رفاق بهدينان الملتحقين في منطقة اربيل وعددها ( 35 ) نصيرا ويقودها الرفيق (علي خليل) ، لم تقم بأية اعمال عسكرية ، بل تم ارسالها الى منطقة بهدينان .

السرية الرابعة : وتكونت من الرفاق من غير الاكراد الذين التحقوا من محافظات العراق وتجاوز عددها (50 ) رفيقا ويقودها الرفيق صبحي خضر( ابو سربست ) ومقرها في (ناوزنك) .

سرية الادارة : وهي سرية مختلطة ، وتقوم بمهمات الادارية كالتسوق والنقل والخبازة .. الخ وكان يقودها الرفيق (ابو احمد) (2) ، ويساعده الرفيق (ابو شاكر) (3) ، وعددها بحدود ( 15 ) رفيقا .

سرية الحماية : كانت تتكون من ( 20 ) رفيقا ، ومسؤولها الرفيق (ملازم ابو ميسون) وواجباتها حماية مقر المكتب العسكري ومرافقة الرفاق اعضاء المكتب عند تحركهم ، ومسشارها السياسي الرفيق (علي مالية) .

سرية حماية هندرين : وتقوم بحراسة مقر الاقليم في (توژه له) وتعدادها ( 40 ) رفيقا وواجباتها مرافقة الرفاق القياديين عند تحركهم .

وكانت هناك عدة سرايا اخرى، تتجول في المنطقة ولها قياداتها الخاصة بها ومستقلة عن بعضها البعض وكان عدد اعضائها بحدود ( 100 ) نصير .

تم تعزيز مقر كَوستا بارسال عدد من الانصار الى القاعدة، حيث قاموا بنشاطات عسكرية ناجحة في منطقة (سيده كان) و(كاني ره ش) وغيرها بعد ان تم دعمهم بالسلاح .

كان لدور قيادة سرية الادارة تأثيرا ايجابيا على الانصار بالحرص على توفير المواد الغذائية والتقليل من التبذير، وتم وضع جدول باستحقاقات الرفيق من الارزاق والوقود واتبع مسؤولها اسلوبا مقنعا للانصار للتقليل من تبذير المواد، فاصدر التعليمات بامكانية الاستفادة من المواد الفائضة عن استهلاك الرفاق بمواد اخرى يحتاجها ( وفق قيمتها ) مثلا يتم تبديل الكمية الموفرة من الطحين بما يقابلها من السكر والشاي .. الخ. وهكذا تم تشجيع الانصار على الاحتفاظ بالفائض من بعض المواد التي كانت تبذر ولا يستفاد منها الانصار.

ورغم الفترة القصيرة التي قضاها الرفيقان ابو احمد ، وابو شاكر في صفوف الانصار الا انهما قد تركا انطباعات رائعة عن التفاني الشيوعي.

في تلك الفترة لم تكن قيادة الانصار متمركزة في مكان محدد بسبب بعد المناطق عن بعضها وعدم وجود اجهزة الاتصال للربط فيما بينها وبين المركز. لذلك كان الوضع مرتبكاً، فمنطقة بهدينان مثلا كانت تقاد من قبل رفاقنا المتواجدين في سوريا.

ولكن بعد حصولنا على بعض اجهزة الأتصال بعيدة المدى كجهاز 109 روسي، تم ربط اربيل والسليمانية وكوستا مع هندرين واخيرا تم ربط بهدينان كذلك.

وبعد اجتماع ل.م في حزيران 1980، تم تشخيص لجنة مركزية لقيادة الانصار، وتوزيع العمل في مسعى لمركزة العمل العسكري. وقد لاقينا صعوبات جمة في هذا الجانب اي مركزة العمل العسكري بسبب قلة خبرة الرفاق وسيادة النزعة الفردية والتسلط لدى بعضهم ، والتدخل غير المبرر في شؤون الانصار وعدم فسح المجال وتوفير الفرص لمن لهم القدرة على القيادة ومن منطلقات ذاتية بحته ، وقد رافقتنا الكثير من تلك الصعوبات والنواقص حتى حملة الانفال .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) عدنان الطالقاني ـ ابو هيمن ـ التحق بقاعدة نوزنك صيف 1979 ( عضو منطقة ) ولم يجر التعامل معه وفق صفته الحزبية لاسباب نجهلها. ارسل للعمل في الداخل وكان ينتقل بحرية بين بغداد وكردستان. اثيرت حوله الشكوك على انه يعمل لحساب الامن. كانت اخر مرة جاء الى كردستان خريف 1985 بغية المشاركة في المؤتمر الرابع ، ولم يسمح له لاسباب امنية. ومع ذلك ارسل الى بغداد رغم ملاحظات العديد من الرفاق ، وكانت المرة الاخيرة لزيارته كردستان. تأكد عمله في الامن والمخابرات ، سافر ابنه اواخر سنة 1995عن طريق الحزب مارا من القامشلي بمساعدة الحزب وبتزكية من م.س ومسؤول العبور في القامشلي .
(2) عبد الرحمن القصاب ، عضو محلية الموصل ، من الرفاق القياديين ، لاحقته القوى الرجعية وحكم عليه بالاعدام بحوادث الموصل ( الشواف ) غادر العراق سنة 1960 وعاد سنة 971 .
(3) عادل سفر ، عضو محلية الموصل ، حكم عليه بالاعدام باحداث الموصل ( الشواف ) .


أوراق توما توماس
( 22 )


حزب تودة
والحزب الديمقراطي الكردستاني ـ ايران ـ

ارتبط حزبنا تاريخيا بعلاقات جيدة مع الحزب الديمقراطي الكردستاني ـ ايران ـ ( حدكا ) ، و منذ لجوء سكرتير الحزب ( سليمان معيني ) وبعض الكوادر القيادية الى كردستان العراق في الستينات . وقد قام رفاقنا بتقديم مساعدات لهم، خاصة في السليمانية. وفي فترة التحالف مع البعث ارتبطنا معهم بعلاقة متميزة ، وكانت قيادتهم في بغداد حيث كان سكرتير الحزب انذاك عبدالرحمن قاسملو (1) .
وارتبط حزبنا كذلك بأوثق العلاقات مع حزب توده ايران سواء على مستوى قيادته المركزية او مع أعضاء الحزب الاكراد الذين عملوا في تنظيمات ( حدكا ) حسب توجيهات قيادة حزب توده إيران. وبعد الثورة الايرانية وما تبعها من تطورات، شكل الشيوعيون الاكراد فرع كردستان لحزب توده إيران، واستمر تعاونهم مع ( حدكا ).
التقيت لاول مرة بالدكتور عبدالرحمن قاسملو في صيف 1979 في مدينة مهاباد اثناء لقاء عقدناه مع وفد حزبهم، وكان الوفد برئاسته . كان حدكا حينذاك قد استولى على مجموعة من معسكرات الجيش الايراني وحصل على كميات كبيرة من مختلف الاسلحة والاعتدة .
بدأ الجيش الايراني هجومه على المدن الكردية وتقدم نحو منطقة (بانه)، وعند وصوله الى مشارفها انسحبت فصائل ال?يشمر?ه منها. وقد إسحبنا نحن أيضاً بعد ان تحولت المناطق الكردية الى ساحة للصراع المسلح وميدانا لحرب اهلية. كنا مثقلين بكميات كبيرة من الاسلحة والاعتدة، فطلبنا من الرفيق هاشم كريمي مسؤول (بانه) تزويدنا بسيارة ايفا عسكرية لاتمام .
حينما وصلنا الى سردشت، ابلغت محمد سراجي وكان عضوا في المكتب السياسي حدكا بكمية السلاح والعتاد التي اخليناها معنا بعد ان تركها ال?يشمر?ه. شكرنا قائلا " ليكن هدية لحزبكم ". قبل ذلك كان حدكا قد ساعدنا بعدة اجهزة اتصال 109 روسي، استطعنا بواسطتها ربط مقراتنا مع مقر القيادة لاسلكيا .
لم يتوصل حدكا لاي اتفاق مع الحكومة الايرانية على شعار الحكم الذاتي، "خود مختاري"، والذي يعتبر اقل بكثير من الحكم الذاتي الذي اقر في العراق، اذ لا يتعدى منح الحقوق الادارية والثقافية .فلجأت الحكومة الايرانية الى الحل العسكري ، فقامت بشن هجوم واسع على مدن كانت تحت سيطرة حدكا مثل مهاباد و مياندوآب و سردشت. وتمكن الجيش الايراني من ازاحة ال?يشمر?ه منها، والتي إنسحبت بأتجاه الجبال على الحدود مع العراق .
وصل الدكتور قاسملو مع غني بلوريان وامير قاضي اعضاء المكتب السياسي الى مقرنا في (توزله) كضيوف. وبعدها وصل رفاق حزب توده إيران وكانوا بقيادة الرفيقين حسن ماوراني وبابكر، وباشروا فور وصولهم بإقامة خيمهم قرب مقراتنا. اما أعضاء حدكا فقد واصلوا انسحابهم حتى قرية (بيدلان) قرب (سوني) الحدودية، والتي تصلها الاليات العراقية لغرض ايصال الاسلحة لهم من السلطة العراقية.

لم تطل مدة مكوث رفاق حزب توده إيران، اذ قررت القيادة إلغاء القاعدة العسكرية وعودة جميع الانصار الى المدن عدا الرفاق الملاحقين من السلطة الايرانية ، وعلى ان تسلم جميع الاسلحة والتجهيزات لانصار حزبنا الشيوعي . وتسلمنا 39 بندقية (ژ 3 ) و 3 بنادق كلاشنكوف ومجموعة من الافرشة والخيم والعتاد، وبقي معنا خمسة من رفاق توده. بعد فترة رجع العديد من الرفاق هربا من بطش السلطات الايرانية، خاصة بعد الاقدام على اعدام الرفاق القياديين في حزب توده ايران واشتداد حملة القمع ضدهم. وبقي عدد منهم برفقتنا حتى حملة الانفال ، حيث توجهوا مع رفاقنا لبعض دول اللجوء الاوربية .
وطوال تلك الفترة واصل ممثل حدكا وجوده في بغداد، واستمرت السلطة العراقية بتقديم دعمها العسكري له في محاولة لاضعاف السلطة الايرانية والتأثير عليها .
وتحت ذريعة ايصال تلك المساعدات وبالسرعة المطلوبة، إقترحت السلطة العراقية على حدكا مساعدتها في فتح طريق للسيارات حتى مقراتهم في منطقة الحدود، الامر الذي كان سيشكل خطرا جديا على مقراتنا القريبة منهم .
و بادرنا بسرعة، ومعنا الاحزاب الكردية لعقد لقاء مع قيادة حدكا لدراسة الموضوع ، حيث عقد اجتماع في قرية (شنو) الإيرانية حضره من جانب حدكا د. عبدالرحمن قاسملو وامير قاضي عضو المكتب السياسي لحدكا ومن الاتحاد الوطني الكردستاني جلال الطالباني وكمال خوشناو، ومن حزبنا توما توماس وابو آسوس ومن الحزب الاشتراكي الكردستاني رسول مامند ومن باسوك ملازم ئازاد، حيث تم ابلاغهم بمعارضتنا لقيام السلطة العراقية بفتح طريق على امتداد الحدود، واوضحنا بأننا مضطرون لاستخدام القوة لمواجهة هذه الخطوة وطلبنا من د. قاسملو ابلاغ قرارنا، وعدم تجاوز الطريق قرية (سوني) . وفعلا تم ايقاف العمل حال وصوله للنقطة التي حددناها لهم.

كان قاسملو قد وعدنا بـ (60) بندقية اذا استلم وجبة جديدة من السلاح من العراق، وكانت تلك الوجبة تتألف من بنادق براشوت انكليزية قصيرة زودت انكلترا الجيش البولندي بها وسميت بهذا الاسم. وقد نفذ قاسملو وعده واستلمنا (60) بندقية منها. وجاءت تلك المساعدة في وقتها اذ دفعت بعملنا خطوة جيدة للامام، لكن رفاقنا رفضوا حملها لكونها مرسلة من نظام البعث. وبعد محاولات عدة لاقناعهم بأهمية ان نمتلك في هذه الاوقات العصيبة سلاحا ، وانه ( اي السلاح ) لم يأتنا من النظام كهبة، وانما بتشابك العلاقات وتعقيداتها تمكنا من اغتنامه برضى من الذين سلموه لنا ومن منطلق قناعتهم بعدالة قرارنا بحمل السلاح لمواجهة اعنف واشرس نظام فاشي ، وافق الرفاق على حمل تلك الاسلحة، وكنا قد ارسلنا (20) منها للرفاق في السليمانية .
الا ان مشكلة اكبر قد واجهتنا بسبب تلك البنادق ، فقد لاحظ حدكا بأن الرفاق يحملونها اثناء توجههم نحو العمق العراقي ونزولهم الى المدن. وتجنبا لمعرفة البعث بمصدرها، طلب قاسملو اما ارجاعها او ابدالها بأسلحة رفاق حزب توده ايران. وتمكنا من اقناع قاسملو بعد توجيه تنبيه للرفاق بعدم حمل اية قطعة من هذا النوع من السلاح اثناء التوجه في مهمات او مفارز الى العمق العراقي .
وصلتنا اول وجبة من السلاح في ربيع سنة 1980، وتتألف من ( 42 ) بندقية كلاشنكوف من نوع جيد تم توزيعها على رفاق المقر. ولم يحصل الرفاق الذين وصلوا بهدينان على اية قطعة منها، و كانت قاعدة بهدينان حينذاك بقيادة الرفيق عمر الياس ( مسؤولا سياسيا ) وملازم خضر ( مسؤولا عسكريا ) وملا عزيز (مسؤولا اداريا )، بالاضافة الى الرفيق احمد الجبوري. وسميت تلك الهيئة بـ (مكتب القوة )، وارتبطت مع رفاقنا القياديين الموجودين في سوريا .

اجتماع اللجنة المركزية حزيران ـ تموز ـ 1980
تقرر عقد اجتماع اللجنة المركزية في الخارج. فتوجه رفاق ل.م من كردستان عبر طهران ومنها الى سوريا عدا الرفيق فاتح رسول ( ابو آسوس ) بسبب الملاحظات الموجودة عليه. بقيت مع ابو حكمت 15 يوما في طهران بعد حصولنا على وثيقة عبور (ليسيه ?اس) بمساعدة من قيادة قطر العراق. توجهنا الى دمشق ، حيث تم حجزنا لمدة 24 ساعة بحجة عدم وجود برقية تسمح بدخولنا الى سوريا. وبتدخل اخر من قيادة قطر العراق، ارسلت برقية الى المطار تسمح بدخولنا ، ثم توجهنا الى حيث سيعقد الاجتماع. ولقد حالفنا الحظ بالوصول في الموعد المحدد .
كان اجتماعا حيوياً ومهماً سيما وانه اول اجتماع للجنة المركزية يعقد بعد انقلاب البعث على التحالف. طرح موضوع الكفاح المسلح وتم اقراره كأسلوب من اساليب الكفاح. وتقرر ايضا دعم حركة الانصار مادياً وتقديم كل أشكال العون لها .
ودرس الاجتماع موقف الضعف الذي ابداه ماجد عبد الرضا اثناء اعتقاله، وتقرر سحب عضويته اللجنة المركزية واعتباره مرشحا لها. واجلت قضية الرفيق ( س ) لعدم حضوره وكان هو الاخر قد ابدى ضعفا. وتم حسم قضية ابو آسوس بعدم قناعة اللجنة المركزية بالملاحظة الموجهة ضده، كما حسمت قضية مهدي الحافظ ونوري عبد الرزاق واعتبرا خارج اللجنة المركزية .
ودرس الاجتماع ايضا مسألة الانضمام الى الجبهة الوطنية والقومية الديمقراطية (جوقد)، وفاز القرار بأكثرية ضئيلة . وفعلا تشكلت الجبهة من مجموعة من احزاب المعارضة بعد استثناء الحزب الديمقراطي الكردستاني.

في دمشق عقد اجتماع خاص لاعضاء اللجنة المركزية الذين سيعملون في كردستان، وتم تشكيل اللجنة العسكرية ( هندرين ) لادارة وقيادة الانصار عسكريا وحزبيا وتم توزيع العمل فيها كالاتي : ـ
1 ـ عمر الشيخ ـ مسؤولاً عن لجنة هندرين وهي القائدة حزبيا وعسكريا في كردستان
2 ـ يوسف سليمان ـ مسؤولاً عن الانصار على ان يتم تشكيل مكتب عسكري تحت قيادته
3 ـ احمد بانيخيلاني ـ مسؤولا حزبيا وعسكريا في السليمانية
4 ـ توما توماس ـ مسؤولا عسكريا في بهدينان
5 ـ سليم إسماعيل ـ مسؤولا حزبيا في بهدينان
6 ـ يوسف حنا ـ مسؤولا حزبيا وعسكريا في كَوستا
7 ـ بهاء الدين نوري ـ مسؤولا عن الاعلام والاذاعة
8 ـ فاتح رسول ـ يعمل في هندرين

طرح بهاء الدين نوري مقترحا بألغاء القواعد العسكرية ولجانها والاكتفاء بمفارز مستقلة (محدودة العدد)، ترتبط مباشرة بالمسؤول في المنطقة وتتجول بلا مقرات ثابتة. لم يوافق اغلب الرفاق على المقترح لكونه يشكل خطرا على الانصار في وقت يسيطر الجيش العراقي والجحوش فيه على مناطق كردستان بشكل كامل. فلا يمكن لاحد البقاء في العمق العراقي، حيث ستكون تلك المفارز معرضة لملاحقة القوات العسكرية لها ومن ثم سهولة القضاء عليها. كما انها ستلاقي الصعوبات بأستلام التوجيهات والتعليمات من المسؤول لعدم وجود اجهزة اتصال لا سلكية كافية، اضافة الى ان العديد من القرارات الفردية ستجد لها وسطا خصبا وستشكل خطرا قاتلا لتلك المفارز، ناهيك عن استحالة الحصول على الارزاق في مناطق واسعة كانت مهجرة وخالية تماما من السكان .
ان وجود مقرات خلفية للانصار في مناطق ( محررة ) من الجيش والجحوش ضرورة لابد منها لراحة الانصار وتنظيم ادائهم وتدريبهم ومعالجتهم. كما ان العمل الجماعي سيقلص من فرصة القرارات الفردية والارتجالية .

اثير في ذلك الاجتماع موضوع حساس ومهم ويمكن ايجازه بالسؤال التالي: لمن تكون قيادة المنطقة ، للقائد العسكري ام للمسؤول الحزبي ؟؟.
اصر عمر الشيخ على موقفه بأن تكون القيادة للمسؤول الحزبي . وقد اعترضت بدوري على ذلك وابديت عدم استعدادي لتحمل المسؤولية. فقد كنت من مؤسسي حركة الانصار ومنذ اكثر من 15 سنة، واقود المنطقة حزبيا منذ عشرات السنين وعضو ل.م ومن ابناء المنطقة وقدرتي الحزبية ليست اقل من الاخرين. اصر الرفيق عمر الشيخ وخيّرني بين الموافقة او البقاء في دمشق فأخترت الموافقة (على مضض) بعد ان تبين لي مدى الاستبداد بالرأي لدى الرفيق عمر الشيخ.

سافرنا ( ابو حكمت وبهاء الدين وانا ) الى القامشلي حيث بقينا ليلة واحدة بأستظافة الرفاق السوريين، ومنها توجهنا الى تركيا عبر نصيبين حتى ( اولودره ) بالسيارة. فواصل ابو حكمت طريقه الى ?وستا. وبرفقة رفاق من كوك واصلنا نحن سيرنا مشيا على الاقدام الى حيث رفاقنا في مقر كلي كوماته، الذي وصلناه ليلة 29 /7/ 1980 بعد اجتياز مدهش للحدود وهي عبارة عن جدول صغير ( روبار ) بعرض ثلاثة امتار تفصل بين تركيا والعراق ، كانت تنتصب امامنا على الجهة الثانية من الجدول غرف طينية يسكنها الشيوعيونالعراقيون. ومكث بهاء الدين اسبوعا كاملا في المقر قبل ان يغادر الى ناوزنك.

كانت اللجنة المركزية قد اقرت في اجتماعها الاخير الانظمام الى ( جوقد ) . الا ان الرفيق ابو سرباز وبعد عودته الى ( توژله ) قام برفقة الرفيق ابو ئاسوس بزيارة مقر حدك في راژان والتقيا هناك مسعود البرواني والمكتب السياسي ودخلا في محادثات سياسية ، وتم الاتفاق بينهم جميعا على قيام الجبهة الوطنية الديمقراطية (جود ) .
ونتيجة لهذا التصرف غير المدروس من قبل رفاق قياديين، اصبح موقف الحزب حرجا ، فقد ادى دخولنا جود الى تجميد عضويتنا في جوقد. وهكذا اصبح للمعارضة العراقية جبهتان ( جوقد ) و ( جود ) ، وبرزت الاخيرة في الميدان السياسي وانظم لعضويتها كل من الحزب الاشتراكي في العراق والتجمع الديمقراطي العراقي وحزب الشعب الديمقراطي الكردستاني ، وبالمقابل انحسر نشاط جوقد، واستمرت جود حتى قيام جك لتحل محل الجبهتين .

(1) عبد الرحمن قاسملو ، سكرتير الحزب الديمقراطي الكردستاني ـ ايران ـ دكتوراه بالاقتصاد خريج جامعة براغ، يجيد اللغة الفارسية والتركية والجيكية والفرنسية والانكليزية والكردية والعربية من اهالي قرية قاسملو في (اورميا) الرضائية ، كان يناديني ب ( خالي ) لان والدته اثورية ، استشهد على ايدي المخابرات الايرانية اثناء اجتماعه مع وفد ايراني بحجة حل المشكلة الكردية .



أوراق توما توماس
( 23 )


وصول السلاح ـ الصعوبات
بذلت جهود كبيرة وعديدة من اجل توفير السلاح ونقلهه. وباءت المحاولات الاولى بالفشل، ولكن سرعان ما وجد السلاح طريقه الينا خاصة بعد وصول الرفيق ابو عامل وتمكنه من ايجاد عدة طرق لنقله بالاتفاق مع الاحزاب الصديقة في تركيا، وتعاون رفاقنا المكلفين الموجودين في القامشلي مع مجموعة من الرفاق نسبت للعمل داخل الاراضي التركية لتنفيذ هذه المهمة الصعبة والتي تعتبر شريانا اساسيا للحركة المسلحة .
وقد واجهت الاحزاب التركية الصديقة صعوبات جمة، واشتدت عليها ملاحقات الجندرمة التركية بعد ان ترافق وصول وجبات السلاح الاولى مع الانقلاب العسكري في تركيا. فقد شددت سلطات الانقلابيين الجدد من اجراءاتها القمعية ضد الشعب الكردي وضد احزابه، وخاصة تلك المتعاونة معنا. واضافة الى ذلك فقد كان لموقف القوى الكردية الحليفة ( حدك ) اثر في عرقلة وصول السلاح .
كانت اول مفروة في طريقها الينا ( مع قافلة محملة بالسلاح يقودها الرفيق جهاد ومعه بعض الادلاء من الاحزاب الكردية في تركيا ، وعدد من الرفاق الملتحقين الجدد من الخارج )، قد وقعت يوم 22 /8/ 1980 في كمين للجندرمة التركية في جبل طنين الذي يبعد عن مقرنا حوالي ساعتين من المسير. واثناء الاشتباك استشهد احد اصدقائنا من شباب قرية ( بي جو ) كان قد هب لنجدة رفاقنا، واستمر القتال طوال ذلك النهار. ولم تستطع قوات الجندرمة من التقدم للاستيلاء على السلاح بسبب المقاومة العنيفة التي ابداها رفاقنا واصدقائنا، مما اضطر الجندرمة الى الانسحاب في نهاية المطاف.
ومن بداية القتال كان اصحاب البغال قد انزلوا حمولات السلاح وتركوها في موقع المعركة ليهربوا مع حيواناتهم ، مما أجبر رفاقنا بعد انسحاب الجندرمة بالتوجه الى المقر لجلب مجموعة بغال لنقل السلاح. استغل بعض منتسبي حدك من الساكنين في القرى المجاورة تلك الفرصة، فتوجهوا الى الموقع ليستولوا على 24 بندقية كلاشنكوف مع كمية كبيرة من العتاد، ورغم العديد من الشكاوى التي قدمت الى حدك الا انهم لم يرجعوا شيئا من تلك الاسلحة المنهوبة.
ارسلنا على الفور مفرزة بقيادة الرفيق ابو باز مع الرفيق جهاد حيث تم نقل السلاح الى المقر.

قبل وقوع المفرزة بالكمين كان الرفيق جهاد قد ارسل ثلاثة رفاق من الملتحقين الجدد الى قرية ( بي جو ) لعدم استطاعتهم مواصلة السير بسبب الارهاق والتعب. وحينما اندلع القتال تركوا القرية للاختفاء بكهف يقع على اطرافها، ثم لحق بهم الرفيق ابو حازم حيث صادف وجوده في القرية ( كان قد ارسل الى منطقة الجزيرة لتصريف مبلغ الى الليرات التركية ) .
تمكن الجندرمة من اعتقال جميع المختفين في الكهف، وقدموا الى احدى المحاكم التركية لتحكم عليهم بالسجن 4 سنوات. وبعد اطلاق سراحهم عاد الرفيق ابو حازم وإلتحق بنا من جديد، اضافة الى رفيق اخر من المعتقلين هو الرفيق مهدي - شقيق الرفيق الشهيد نجيب هرمز يوحانا – ناهل -. ليبقيا في صفوف الانصار حتى حملة الانفال.


إحدى مفارز السلاح

لم تمض سوى فترة قصيرة على وصول الوجبة الاولى من السلاح حتى وصلت قافلة مكونة من 14 بغلا محملة بأسلحة ثقيلة ( مدافع هاون 82 ، 60 ملم و 11 قاذفة صواريخ آر ?ي جي 7 و الكثير من الاسلحة المتوسطة والخفيفة. تجاوزت القافلة مقرنا ( وكانت بمسؤولية منتسبي حدك – تركيا ) لتضع حمولتها في مقر الفرع الاول حدك. ولم يبادر مسؤولو المقر بأبلاغ الادلاء بأن الحمولة ليست لهم. كنا نتوقع وصول السلاح اضافة لاستلامنا قائمة كاملة بمحتويات تلك الوجبة. اتصلت بقيادة فرع حدك، ولم يكن د. جرجيس موجودا لتسليم السلاح لنا. فكان جوابهم بعدم امكانيتهم التصرف به قبل الحصول على رأي من المكتب السياسي لحدك. فبقيت الاسلحة عندهم، وتعرضت تلك الليلة للتبديل، ونهبت كميات من العتاد وفقدت 4 قاذفات صواريخ آر ?ي جي 7. وشوهد سيد حميد (1) وهو يأخذ القاذفات الى غرفته. وقد اعترف مسؤول القافلة بذلك، وكادت محاولاتنا لارجاع ما سرق من السلاح ان تتطور الى صدام مسلح.
استمر مسلحو حدك بوضع العراقيل امام مفارز السلاح ومن يرافقها من اصدقائنا في الاحزاب الكردية في تركيا. ففي اواسط ايلول 1980 كان احد منتسبي ( كوك ) (2) واسمه جليل ضيفا على مقرنا بإعتباره احد العاملين في مفارز السلاح، وعند عودته طلب ان يرافقه بعض رفاقنا تجنبا من قيام مسلحو حدك بإعتقاله. وبالغعل رافقته مفرزة بقيادة الرفيق ابو باز. وفي الطريق وقبل العبور الى تركيا، تعرضت لهم مجموعة مسلحة من حدك حاولت اعتقال جليل. فتصدى لهم رفاقنا وكاد الامر ان يتطور الى معركة لولا الموقف المرن من الرفيق ابو باز واطالته للنقاش والمجادلة مع المسلحين ليفسح بالتالي المجال لجليل للتسلل ودخول الاراضي التركية.
تطورت قاعدة بهدينان نتيجة الالتحاقات المستمرة من الخارج ومن المنطقة ايضا. وتمكنا من تأسيس قاعدة ثانية في منطقة هيركي كمحطة وسطية بين بهدينان وسوران لمساعدة المفارز اثناء تحركاتها. وتقع محطة هيركي في منطقة نيروه وريكان خلف جبل نيروه على الحدود التركية ويفصلها عن العراق جدول صغير. وتبعد هذه المحطة عن مقرنا في كلي كوماته مسيرة ثلاثة ايام، وهي منطقة لم يسبق لحزبنا ان كان له نفوذ فيها.
في 15 تموز 1980 تشكلت سرية بقيادة الرفيق خيري درمان ( توفيق ) وياقو ايشو ( د. سليم ) كمستشار سياسي. واستقر الرفاق في القاعدة ، ليباشروا بإستقبال الرفاق اثناء تنقلاتهم.
واضافة لدورها في توفير الراحة للرفاق، فقد تمكن رفاق سرية هيركي من اقامة افضل العلاقات مع الجماهير، واستطاعوا الوصول الى منطقة الزيبار، وهي الاخرى كانت تخلو من نفوذ الحزب. وبعد الغاء مقر هيركي تم تغيير اسم تلك السرية الى السرية الخامسة لتنشط في منطقة العمادية، ثم سميت بالسرية الخامسة المستقلة ليشمل نشاطها كل منطقة بري كاره .
بعد وصول عدة وجبات من السلاح الى مقر بهدينان، تم تسليح جميع الرفاق. وتراكم السلاح في المشاجب بإنتظار مفارز من القواطع الاخرى، دون ان يأتي احد لاستلام ما يحتاجون اليه رغم استمرار برقياتهم بطلب السلاح .
وتحت الحاح كبير، اضطررنا الى تشكيل مفرزة من 25 رفيقا لنقل السلاح على الاكتاف بقيادة الرفيق ابو فؤاد امر السرية الثانية، في رحلة استغرقت 15 يوما عبر الاراضي التركية حتى الوصول الى ناوزنك .

وبشكل عام كان استياء الرفاق في بهدينان واضحا من موقف قيادة القواطع في اربيل والسليمانية لعدم مبادرتهم الى المساعدة في نقل ما يحتاجون اليه من اسلحة. وكأن مهمة نقل الاسلحة واجب يختص به رفاق بهدينان. ومن المفارقة ان الرفاق في القاطعين كانوا يتهمون قاطع بهدينان بالتفرقة بين القواطع في توزيع الاسلحة. ومما يؤسف له ان رفاق المكتب السياسي والمكتب العسكري المركزي كانوا يميلون لتصديق تلك التهمة.
كان رفاقنا في منطقة سوران قد استلموا 300 قطعة سلاح قبل مغادرة مجموعة الرفاق المكلفين بتأسيس مقر بهدينان ، بدون سلاح . ولم تثر في حينها اية ضجة حول هذا السلوك.
ان الرفاق الذين نقلوا السلاح على اكتافهم قادمين من سوريا ولمدة اكثر من اسبوع، ومنهم من حمل 4 بنادق كلاشنكوف مع مخازنها وقدموا التضحيات الجسام، كان لهم الحق في اختيار سلاحهم الخاص ومن النوع الجيد الذي يمكنهم من الدفاع عن انفسهم في طرق مليئة بالمخاطر ومزروعة بالكمائن والاعداء. لقد ضحى بعضهم بحياته في سبيل انجاز هذه المهمة المشرفة. وستبقى اسماء شهداء مفارز الطريق خالدة على الدوام. فتحية لارواح الرفاق الشهداء : حسن جميل ، جبرائيل بولص متي (ابو سمره) ، دلبرين ، كريم عبد (ابو هديل) ، نجيب هرمز يوحانا ( ناهل )، ابو سحر ، راضي محمد (ابو ايمان) ، محمد بشيشي ( د. ابو ظفر) ، صالح ، صوفي يوسف ، فاضل ، والكلاك يوسف وربما اخرين لا تسعفني الذاكرة بأسمائهم.


مجموعة من رفاق مفرزة السلاح تهيئ الكلك قبل عبور دجلة

وقبل استشهاد مجموعة من رفاق الطريق (ابو هديل ورفاقه)، قاموا بجلب وجبة سلاح من ضمنها 5 رشاشات بي كي سي، و تركوا الحمولات في الفوج الثالث وعادوا ادراجهم بأتجاه سوريا. في تلك الايام شنت السلطة هجوماً ضخما على منطقة فعاليات الفوج الثالث. فأضطر الانصار الى استخدام تلك الاسلحة دون استشارة المكتب العسكري المركزي .
وبدون اي استفسار او استيضاح توجه سكرتير الحزب مع مسؤول المكتب العسكري المركزي الى بهدينان لمحاسبة (كذا) مسؤول قاطع بهدينان وربما لازاحته بسبب هذا التجاوز . ولكن عند وصولهما بهدينان، كان قد استشهد لنا 9 رفاق في معركة مع طائرات السلطة في منطقة الفوج الاول. فلم يتمكن الرفيقان من فتح موضوع " تجاوزنا واستخدامنا للسلاح دون استشارتهم !! "

(1) سيد حميد من اهالي محافظة دهوك ، كان مع عيسى سوار في زاخو ، اعتقل الرفاق ال (11) العائدين من موسكو وسلمهم الى عيسى سوار الذي اوعز بقتلهم ، قتل في صدام مع حدكا في منطقة اشنوية .
(2) كوك . حزب كردي ـ تركيا ـ انسلخ عن حدك بعد فشل الحركة المسلحة ، حدث فيه انشقاق وانقسم الى قسمين ـ كوك وكوكسي ـ

أوراق توما توماس
( 24 )


الحرب العراقية ـ الايرانية ، تأثيرها على وضع الانصار

بعد انهيار الحركة الكردية المسلحة ، احتل الجيش كل المدن والمواقع الحيوية في كردستان التي سلمت من التدمير والواقعة على الطرق الرئيسية ولم تترك السلطة قمة جبل او تل دون ان تستغلها كربيئة او نقطة مراقبة ضد تسلل البيش مركة ، مما اضطرهم ذلك الى التحرك ليلا .
كانت الربايا بالمرصاد للبيشمركَة، حيث تقوم بإطلاق النار بأتجاه اية حركة مهما كانت بسيطة (وفق قرار السلطة بقتل كل حي يشاهد في المنطقة فورا) .
في 22/9/1980 اعلن العراق حربه على ايران. وتمكن الجيش العراقي من إجتياح الأراضي الأيرانية، وفي خضم المعارك كان لابد من تعزيز الجيش بوحدات جديدة. لذا بدأت العديد من الوحدات العسكرية المستقرة في كردستان بالتوجه الى جبهات الحرب تاركة فراغا ملحوظاً. وأصبحت المسافات بين الربايا والمعسكرات في كردستان تتباعد تدريجياً، الامر الذي وفر لل?يشمر?ة إمكانية الحركة بشكل أفضل من السابق. وأصبح بإمكانهم الوصول الى المناطق الآهلة بالسكان وإقامة الصلات مع الجماهير والحصول على الأرزاق وجذب المزيد من الشباب من رافضي الحرب . وقد إستفادت الأحزاب القومية الكردية من الحرب العراقية – الايرانية، ماديا ومعنويا. ووقف بعضها الى جانب الجيش الايراني وساعدته في بعض الاحيان للتوغل في العمق العراقي. وقد دفع هذا الموقف الخاطئ الى المزيد من التعويل على الحرب، الى درجة اعتبار انتصار الحركة الكردية مرتبط بحسم الحرب لصالح ايران !!!!.

توفرت لنا فرصة ملائمة ان نفكر بإرسال مفارزنا الى العمق واستغلال الوضع الجديد الناشيء. ولذا تم الاتفاق مع الحزب الديمقراطي الكردستاني على ارسال قوة مشتركة تحت قيادة سيد صالح (1) من ( حدك ) وابو باز من قوتنا، واتفق الطرفان على القيام بعملية عسكرية لضرب فوج قرية (بلمباز) (2).

¤ فوج قرية بلمباز :
كان الفوج يعسكر في منطقة جنوب قرية بلمباز، يحده شمالا الجبل وجنوبا نهر شكفتي وتحميه ثلاث ربايا :
1. ربيئة في القمة المطلة من جهة شمال شرق الفوج .
2. ربيئة على تل يشرف على المعسكر مباشرة من الشمال .
3. ربيئة على تل شمال غرب المعسكر لحمايته من الجهة الغربية .
ونصت الخطة بالسيطرة على الربايا الثلاث. ويتم ذلك عبر قصف مقر الفوج بمدفع 81 ملم. وتم توزيع المهمات، حيث كلفت مجموعة مشتركة بالسيطرة على الربيئة شمال شرق الفوج. كما كلف رفاقنا بمهمة السيطرة على الربيئة الوسطى. اما الربيئة الغربية فقد انيطت مهمة السيطرة عليها الى ( خالد باني )(3) من حدك .
باشرت المدفعية بقصف مقر الفوج بشكل مركز، واصابت اهدافها بدقة، مما اربك قيادة الفوج وشلت الحركة تماما. واكتفى الضباط والجنود بالاختباء في خنادقهم ، في ذات الوقت تمكن رفاقنا من السيطرة على الربيئة الوسطى. وكذلك نجحت المجموعة المشتركة من ازاحة الجنود من الربيئة الشرقية دون التمكن من السيطرة عليها. اما الربيئة الغربية فقد تخلفت مجموعة خالد باني عن التقدم بإتجاهها، مما اثر ذلك بدوره على وضع رفاقنا في الربيئة الوسطى وأدى الى فشل الخطة بمجرد تعرض اماكن تمركز ال?يشمر?ة للقصف المدفعي المقابل .

¤ قصف لواء بيكوفا :
تم الاتفاق على القيام بقصف لواء بيكوفا وفوج (جقلا) والربايا المحيطة بهما والسيطرة على ربيئة (سري حمي) المشرفة على شارع بيكوفا - كاني ماصي .
وتشكلت قوة مشتركة من أنصارنا و ?يشمر?ة حدك لتنفيذ الخطة. واشتركنا ( د. جرجيس مسؤول الفرع الاول ، وانا ) في العملية وقد انيطت مهمة قيادتها للرفيق (ابوباز ) و( سيد صالح) من حدك .
ورافقت قوتنا مجموعة من النصيرات الشيوعيات، حيث ساهمت الرفيقة (دروك) ضمن طاقم مدفع هاون 82 ملم .
توجهت القوة الى (?لي قرية هرور) الواقعة خلف الجبل المطل على بيكوفا. وباشر الرفاق المكلفين بقيادة العملية بالاستطلاع ، ووضع الخطة وتوزيع القوة المشتركة على المواقع المقرر ضربها وهي :
1. قصف لواء بيكوفا ومقره بالمدفعية من عيار 81 ملم و82 ملم .
2. قصف فوج جقلا بنفس الوقت بالمدفعية .
3. السيطرة على الربيئة الساندة لمعسكر بيكوفا .
4. السيطرة على ربيئة سري حمي .
تم تحديد ساعة البدء بالرابعة عصرا ، فأنطلقت اول قذيفة هاون لتصيب هدفها في مقر اللواء. وفي نفس الوقت تم قصف مقر فوج جقلا وبشكل مكثف، مما ادى الى شل الحركة فيهما.
تمكن ?يشمر?ة حدك من تدمير الربيئة المساندة لتصبح خالية بعد ان تركها الجنود، ولكن ال?يشمر?ة لم يدخلوها بسبب قربها من المعسكر.
اما قوتنا المكلفة بالسيطرة على ربيئة سري حمي ، وكانت بقيادة محمود الثعلبي – ابو هدى، فقد تكونت من 15 نصيرا مسلحين ببنادق كلاشنكوف وبرشاش عفاروف وقاذفة RBG 7. وبمجرد ان بدأ الهجوم بأتجاه الربيئة، فقد تركها الجنود هاربين نحو مقر السرية القريب منها .
ولم يستطع آمر المجموعة من اتخاذ القرار الحاسم، اي القيام بهجوم للسيطرة على الربيئة، انما طرح الموضوع للمناقشة بين المهاجمين الذين قرروا بالاكثرية الانسحاب. وهكذا حسم الموقف لصالح الجنود الذين سرعان ما عادوا الى ربيئتهم ..
ان عدم مبادرة قائد المجموعة بالهجوم، لم يكن بسبب التردد من منطلق الخوف، وانما كان بسبب قلة التجربة والخبرة العسكرية.
وعلى الرغم من ان العملية لم تكن حاسمة، الا انها تركت صدى كبيرا لدى الجماهير بسبب تمكن ال?يشمر?ة من دكّ مواقع السلطة مرة ثانية ومن جديد منذ انهيار الحركة المسلحة عام 1975.

¤ السيطرة على ربايا فوج باكرمان :
في تموز عام 1981 تشكلت قوة كبيرة من مختلف سرايانا، اضافة لفصيل من الرفيقات ليتجاوز العدد الكلي للقوة 80 نصيراً ونصيرة وبمرافقة عدد من الكوادر العسكرية والحزبية، للقيام بجولة واسعة شملت مناطق وقرى عديدة. وتم اتخاذ قرار بعملية عسكرية هدفها فوج وربايا باكرمان، وكانت اول عملية واسعة لانصارنا وبمفردهم وتشمل عدة مواقع عسكرية .
كانت الربايا الغربية منعزلة بسبب مرور نهر الخازر بينها وبين مقر الفوج. وانتشرت جنوب الفوج كابينات عمال ومهندسي مشروع سد الخازر ( حيث تقوم احدى الشركات بفحص التربة هناك )، وشملت الخطة :
1 ـ قصف مقر فوج باكرمان بمدفع هاون 82 ملم ورشاش دوشكة من نقطة تقع شمال قرية بلمند لاسناد هجوم الرفاق على الربايا. ونسب الرفيق احمد بيرموسي مسؤولا عن مجموعة القصف والاسناد .
2 ـ الهجوم على الربيئة الواقعة جنوب شرق الفوج وكلف الرفيق علي خليل ( ابو ماجد ) بمسؤوليتها يساعده الرفيق صباح كنجي (4). كان من المستحيل الوصول الى الربيئة لوقوعها على سفح الجبل المقابل، اذ يتطلب ذلك قطع مسافة في منطقة مكشوفة تماما ( دشت). فتوجهت المجموعة الى مكان مناسب قرب الربيئة واختفت هناك حتى موعد الهجوم .
3 ـ الهجوم على الربيئة الغربية وتقع في الجانب الاخر من نهر الخازر، وانيطت مسؤولية مجموعة الهجوم بالرفيق ابو سربست ( صبحي خضر ).
4 ـ اشرف مكتب القاطع على العملية واتخذ له موقعا في الجبهة الشمالية المقابلة للفوج.
5 ـ حددت ساعة الصفر في الساعة الخامسة مساءًا، وكانت اشارة البدء اطلاقات كلاشنكوف متواصلة ( صلية) من مكتب القاطع.
وفي الوقت المحدد، انطلقت قذائف مدفع 82 ملم وطلقات الدوشكا نحو اهدافها لتصيبها بشكل دقيق محدثة ارتباكاً كبيراً داخل الفوج مما فسح المجال للمهاجمين بالإقتراب من الاهداف المحددة.

تحركت مجموعة الرفيق ابو ماجد نحو الربيئة واقتربت منها على مسافة 150 مترا. واطلقت باتجاه الربيئة 3 صواريخ RBG7 لتصيبها بدقة. ولم يبادر الرفيق مسؤول المجموعة إلى اصدار أمر بالتحرك السريع للسيطرة على الربيئة رغم وجود بعض الانصار على بعد خطوات منها. واضطر الانصار الى الانسحاب بمجرد بدء الربايا الاخرى بقصف الربيئة واطرافها.

اما مجموعة الرفيق ابوسربست فقد تقدمت نحو الربيئة حتى وصلت الى الساتر الحجري المطل عليها. وتمت مفاجأتها بصواريخ RBG7، فأضطر من تمترس فيها الى الانسحاب منها واصبحت خالية تماما. وهنا ايضا لم يتحرك الانصار للسيطرة عليها.

درس مكتب القاطع نتائج هذه العملية وتوصل الى الاستنتاجات :ـ
1 ـ ان تلكؤ الانصار وتأخرهم في السيطرة على الربايا ناتج من عدم ممارستهم عملية اقتحام حقيقية للربايا ، إذ تعتبر عملية الاقتحام مهارة تكتسب من خلال التجارب .
2 ـ إن انتظار الاوامر من المسؤول اضاع الفرص على المهاجمين، ووفر الفرصة للجنود ان يأخذوا المبادرة بأيديهم والقيام بهجوم معاكس.
3 ـ ورغم عدم تحقيق النتائج المرجوة من تلك العملية، الا انها إعتبرت بمثابة دورة تدريبية على ارض الواقع لتعلم اصول قيادة المفارز القتالية واقتحام المواقع .

1ـ سيد صالح . من اهالي قرية جم سيدا منطقة برواري بالا ، التحق بالحركة الكردية منذ الستينات مدفعي جيد ، تقدم في حزبه واصبح مرشحا للجنة المركزية ، وعضوا في قيادة الفرع الاول لفترة طويلة ، كانت علاقته معنا متينة وايجابية على الدوام .
2 ـ قرية بلمباز : تقع وراء جبل خير على طريق برواري ـ نهلة ، لم يتم تهجيرها مع عدد من قرى برواري ژيري .
3 ـ خالد باني ، آمر مفرزة ( حدك ) من اهالي قرية بانيا ( مزوري ).
4 - صباح ( ب . جمعة كنجي ) من اهالي بحزاني . من عائلة شيوعية معروفة ، والده كان عضو مكتب محلية نينوى في فترة الستينات ، التحق بالانصار1979 ، وعمل في العمق . اصبح سكرتيرا للمحلية (نينوى) بعد فصلها عن دهوك ، اختفت اثار عائلته المكونة من 14 فردا اثناء حملة الانفال .




أوراق توما توماس
( 25 )

¤ معركة سينا
بعد الانتهاء من تلك الجولة ، تقرر إستدعاء الرفاق الى المقر، عدا السرية الرابعة التي تشكلت بعد تلك العملية ويقودها الرفيق لازار ميخو ( ابو نصير ) ومستشارها السياسي سلام صبري (ابو امجد ) للتحرك في منطقة القائدية ، بعد تعزيزها بأنصار من ابناء المنطقة .

واستمرت السرية الرابعة بنشاطاتها في منطقة المزوري (1) ملتقية بأعداد متزايدة من اهالي قرى القائدية. يوم 18/1/1982 كانت السرية بكاملها تقضي ليلتها في قرية (سينا) حيث تجمع الانصار للنوم في مدرسة القرية الواقعة في الجهة الشرقية .
وفي فجر يوم 19/1/1982 تسلل فوج من الجيش من جنوب القرية عن طريق (شيخ خدر) ليسيطر على المنافذ الغربية للقرية دون ان يشعر الانصار بأية حركة غريبة. وفي خطوة من أجل استكمال تطويق القرية، مرت مجموعة عسكرية من الجيش امام المدرسة. وكان يقوم بمهمة الحرس الخفر الرفيق محمد حسين راشد(2)، فما ان لمح هؤلاء الأفراد دون ان يستطيع تمييزهم بسبب الظلام ، حتى نادى عليهم مستفسرا بالكلمات المعتادة ... من انتم ؟؟
رد عليه الضابط بشتيمة رافقها اطلاق النار بأتجاه الرفيق. وفي الحال خرج الرفيق رافد اسحق حنونة (حكمت )(3) واطلق بإتجاههم قذيفة RBG7. وبسبب انكشاف موقعه اثر الانارة التي تتركها القاذفة، فقد إنهال الرصاص عليه فخر جريحاً. وتمكن جميع الانصار خلال دقائق من مغادرة مبنى المدرسة وتحصنوا على السفح الشرقي للجبل المقابل للقوة العسكرية. وفي مسعى للإنسحاب، حمل الرفيقان ابو رستم (4) وعايد (5) رفيقهم الجريح على ظهر حمار حصلوا عليه من القرية، وتوجهوا نحو الجهة الشرقية الجنوبية من القرية ، ليقعوا في كمين محكم استشهد على اثر الصدام معه الرفيقان حكمت وعايد.

هكذا كانت البدايات، صعبة وقاسية جدا. فقد فرض على الانصار خوض معارك ضارية مع قطعات عسكرية مدربة بشكل نظامي ، في وقت كان الانصار لا يزالون لا يتقنون فنون القتال بسبب حداثة انخراطهم في العمل العسكري. ويمكن القول ان مجمل خسائرنا نجمت عن قلة الخبرة وعن عدم الالتزام بالضوابط والارشادات.

¤ مفارز لاستطلاع منطقة الدشت
بعد تأسيس قاعدة بهدينان 1979 تشكلت اولى نواة للجنة المحلية في نينوى، وتكونت من الرفاق خديده حسين (ابو داود) وناظم وابو ايفان (6).
وفي ربيع عام 1980، تشكلت اول مفرزة استطلاعية لمنطقة الدشت بقيادة الرفيق علي خليل (ابوماجد)، حيث تمكنت من الوصول الى الدشت (السهل)، وتوزعت على ثلاثة محاور : القوش - بحزاني - دوغات .
وكان الرفاق يختفون نهارا في كهف في "كنود دوغات"، ليدخلوها ليلا.

وقد طالت مدة بقاء المفرزة دون اي مبرر ، فتمكن بعض عملاء السلطة من استدراج احد افراد المفرزة وهو من اهالي دوغات، وتقديم الإغراءات له بالتمتع بالعفو اذا ما سلم نفسه للسلطة. و شكل ذلك خطرا جديا على بقية الانصار فتفرقوا دون التمكن من الالتقاء بمسؤول المفرزة، الذي اضطر بدوره للتوجه الى منطقة سنجار في محاولة للعبور الى سوريا، ولم يفلح فتوجه الى الجبل ملتحقا بأحدى مفارز حدك ليصل مقرنا لوحده.
واضطر احد الرفاق من المفرزة ( خديده طيبان - ابو سلام ) الى التوجه الى القوش والاختفاء في دارنا رغم ما كان يشكله ذلك من مخاطر عليه وعلى العائلة. اما الرفيقان خليل وابو ايفان فقد تركا القوش بأتجاه سنجار ومنها الى القامشلي، ليعودا ويلتحقا بمقرنا في ( كلي كوماته ) مع مجموعة من الرفاق الملتحقين الجدد.
ولم يطل بقاء الرفيق ابو ايفان في المقر حيث تقرر توجهه ثانية الى المنطقة للقيام بمهماته، فتسلل مع مجموعة من الرفاق الى القوش على امل البقاء فيها مدة اطول.
وفي خريف 1980 توجهت مفرزة اخرى بقيادة ابو ماجد ايضا الى منطقة الدشت. واثناء تواجدهم في المنطقة طلب أربعة من الانصار السماح لهم بزيارة عوائلهم في القوش، فرفض طلبهم لخطورة ذلك عليهم وعلى المفرزة. فما كان منهم الا ان تركوا سلاحهم وغادروا الى القوش ، والتقوا هناك بالرفيق ابو ايفان.
بعد ايام قام الاربعة بتسليم انفسهم للسلطة، الامر الذي دفع بالرفيق ابو ايفان الى المغادرة بأتجاه الجبل فوصل الى منطقة ( بري كاره ) ليلتقي بالرفيقين خديده حسين (ابو داود) وناظم.

كنا نتهيأ للتوجه بمفرزة للالتقاء بالسرية الرابعة في بري كاره حينما وصل الرفيق سليمان يوسف - ابو عامل الى مقر بهدينان. فأرجأنا مغادرتنا لعدة ايام .
وفي برواري بالا التقينا بأنصارنا وهم في طريق عودتهم، فأرسلنا المتعبين منهم الى المقر، وواصلنا جميعا مسيرتنا نحو منطقة بري كاره .
حينما دخلنا قرية كاره، علمنا بمغادرة الرفاق ابو داود وناظم وابو ايفان بأتجاه الدشت .


الرفيقان توفيق وناظم في كلي رمان

كانت مفرزة خالد باني من ( حدك ) في بري كاره ، وقد حاول احد أفراد ال?يشمر?ة ( احمد ميركه تو ) معرفة وجهة رفاقنا الثلاثة . وبعد تأكده من انهم سيتوجهون الى الدشت ، سبقهم بمغادرة القرية ليكمن لهم مع جماعة له في نهاية ( كلي آفوكي ) وهو الطريق الوحيد الذي يتوجب على رفاقنا المرور فيه ويتحول في منطقة منه لممر ضيق ، وعند وصولهم لمسافة 150 مترا من الكمين اطلقت عليهم النار بكثافة فأستشهد في الحال الرفيق ابو ايفان واصيب الرفيق ناظم بجراح في يده وتمكن الرفيق ابو داود من الانسحاب لمسافة مناسبة . عندها تقدم المجرم احمد ميركه تو وانتزع بندقية الشهيد ، ليتوجه بها الى سرسنك حيث سلم نفسه للسلطة هناك . بعدها ارسل بندقيته الى خالد باني بإعتبارها عائدة لقوات ال?يشمر?ة. وقد اكد لنا احد كوادر حدك بأن خالد باني كان على علم مسبق بالجريمة وقد شجع (احمد ميركه تو) على تنفيذها.
توجهنا الى الموقع مباشرة بعد وصول النبأ ، فوجدنا احد بيش مركة حدك ( خالد شلي ) قد سبقنا ليقوم بمهمة دفن الشهيد ، في منطقة ما بين قرية آفوكي ومراني ، ولا زال قبره موجودا هناك ..
ومرة اخرى نفقد رفيق اخر بسبب قلة الخبرة وحداثة التجربة ، اذ لم يكن انصارنا قد مروا بتجارب تمكنّهم من معرفة اساليب اعدائهم وتساعدهم على توخي الحذر من المخاطر وتوّقع الخيانة. فقد استبعدوا ان يكون احد ?يشمر?ة حدك مكلفا بعملية غادرة وقذرة ، مقابل العفو عنه او مقابل مبلغ من المال .

¤ معركة كَلي رمان ـ فوج من الجيش في كمين من للانصار
بعد استشهاد الرفيق ابو ايفان، بقيت قوتنا في منطقة المزوري. وكانت تتشكل بالاضافة الى فصيل الحماية من عدة سرايا وتجاوز عدد الانصار (70) نصيرا مسلحا بالاسلحة الخفيفة وبقاذفات RBG7 ورشاشات عفاروف ومدفع هاون 60 ملم .
كانت معنويات الانصار عالية، فهم يجوبون لأول مرة القرى بهذا العدد وهذا التسليح بهدف اعادة ثقة الجماهير بحزبنا وبالكفاح المسلح. وكانت السلطة في ذلك الوقت تقوم بحملات ملاحقة واسعة وتمشيط دقيق للمناطق التي قد يلجأ اليها ال?يشمر?ة والانصار .
ارسلنا مجموعة من الانصارالى قرية باعذرا بمهمة. وعند محاولتهم دخول القرية اصطدموا بمجموعة عسكرية، فأنسحبوا الى حيث تمركزت قوتنا. وبسبب توقعنا تقدم القطعات العسكرية لتفتيش المنطقة ولملاحقة الانصار، قررنا التجمع في قرية كلي. وكانت لدينا مفرزة بقيادة الرفيق ابو فؤاد على قمة جبل بيرفكا لمراقبة اية تحركات في المنطقة والتصدي لاية قوة عسكرية قد تتقدم على الشارع الترابي المار نحو اتروش. الا ان الرفيق ابو فؤاد قام بسحب مفرزته في التاسعة والنصف صباحا دون إذن .

ينحدر من باعذرة طريق ترابي يمر بقرية بيرفكا نزولا الى قلعة نور الدين آوا حتى اتروش. وهو طريق مناسب لمرور السيارات ، ويمر بمحاذاة قرية كَلي رمان من جانبها الشرقي ويفصله عن القرية وادي عميق ويطل عليه تل مخروطي وراء القرية من غربها، وتحيط به مرتفعات جبلية تقرر ان يتخذها الانصار نقاط تمركز لمواجهة اية تطورات .
على ضوء تلك التوقعات بتقدم عسكري، فكرنا بإرسال قوة مع مدفع هاون الى الجبهة الشرقية من الطريق لنحكم السيطرة عليه وبالتالي محاصرة اية قطعات واسرها بسهولة.
طرحت الفكرة للمناقشة، ولم يحظى مقترحي بالقبول بسبب اصرار الرفيق ابو باز وتأكيده على عدم امكانية تقدم اية قطعات عبر هذا الطريق . ووقعت قيادة المفرزة في الخطأ بسبب الانصياع لرأي الرفيق ابو باز .
في حوالي الساعة الحادية عشر صباحا حيث كان الانصار في مواقعهم، ظهر رتل من السيارات العسكرية تتقدم الى اتروش. وفي نفس الوقت تقدمت قطعات اخرى من عين سفني ووصلت الى قلعة نورالدين آوا.
قررنا فورا التصدي لهذه القوات المتقدمة، على ان تكون اشارة البدء صلية كلاشنكوف تطلق باتجاه السيارات. وبمجرد اطلاق الاشارة بدأت اسلحة الانصار تمطر الرتل بوابل من الرصاص. فتوقف الرتل وترك الجنود سياراتهم محتمين بالصخور القريبة دون اية مقاومة، ولكن بعد فترة وجيزة بدأوا بالرد العشوائي .
استمر القتال وقتا طويلا دون ان نتمكن من الوصول الى موقع قريب من الرتل بسبب الوادي العميق الفاصل بين موقعيينا. وهكذا تشبث كل طرف بمواقعه، حتى اوشك عتاد الانصار على النفاذ . في تلك الاثناء حاول الفوج المعسكر في قلعة نورالدين آوا التقدم نحو مواقعنا، الا ان انصارنا كانوا له بالمرصاد ليردوه على اعقابه. وبذلك فشلت كل المحاولات لفك الحصار عن رتل السيارات .
بعد تأخر الوقت، كان لابد لنا من فسح المجال امام الجنود بالانسحاب ، لعدم امكانية حسم الوضع لصالحنا. فقررنا انهاء القتال ، نادى الانصار عليهم يبلغونهم بوقف اطلاق النار والسماح لهم بالانسحاب الى اتروش .

كانوا فرحين ومتفاجئين ، وكمن لا يصدق ، هل حقا نالوا الخلاص ، بقرار الانصار . وباشروا بصعود الجبل نحو القمة ثم الانحدار بأتجاه قلعة نورالدين آوا ، بعدها انسحبت السيارات.
خلال المعركة، لم تطلق المدفعية اية قذيفة، ولم يتحرك الطيران لحسم الموقف، وذلك بسبب تداخل مواقعنا.

إن اهم ما حققته تلك المواجهة ، هي انها جعلت من المنطقة ومن طريق الشيخان - دهوك منطقة محرمة على القطعات العسكرية حتى حملة الانفال .

1 ـ منطقة ما بين جبل دهوك وجبل دهكان تحدها شرقا منطقة المزورين والكوجر ، سكانها ايزيديون ، هدمت قراها عدة مرات ونقل سكانها الى مجمع شاريا .
2 ـ محمد حسين راشد ، من اوائل الانصار الملتحقين بقاعدة كوماته في 4 /10/ 1979 واحد مؤسسيها ، معاون امر السرية المستقلة استشهد في 23 /2/ 1983اثناء معركة مع الجحوش في قرية باعذرا .
3 ـ رافد اسحق حنونه - حكمت ، مواليد 1958 من اهالي القوش طالب في كلية الهندسة - بغداد التحق بالانصار في 17 /4/ 1980 من رماة RBG7 المتميزين ) .
4 ـ عبد الودود شاكر - ابو رستم ، من اهالي بغداد مواليد 1958 ، امر فصيل في السرية الرابعة طالب جامعة ، تعرض مع رفيقين اخرين يوم 19 /3/ 1983 لكمين من المرتزقة الجحوش في منطقة نهلة ، وبعد قتال صعب جرح اثناءه ، ولم يستطع الانسحاب ، فأطلق رصاصة على رأسه منهيا حياته قبل وصول المرتزقة اليه لأسره .
5 ـ هيثم ناصر الصكَر - عايد ، التحق بالانصار عام 1980 ، امر فصيل في السرية الرابعة استشهد مع رفيقه حكمت فجر يوم 19 /1/ 1981 .
6 - هرمز يوسف سليمان - ابو ايفان ، من أهالي القوش مواليد 1946 ، التحق بالانصار في ناوزنك في 30 /4/ 1979 ، نشط في العمل ضمن التنظيم المحلي في نينوى ، اغتيل على يد احد بيش مركة حدك في 9 /11/ 1980 .


أوراق توما توماس
( 26 )

دعم النضال المسلح ـ التجنيد في الخارج
مر الحزب على اثر الحملة القمعية التي شنها النظام بأصعب وضع، حيث اضطرت القيادة وغالبية الكادر الحزبي الى مغادرة العراق. ونتيجة لذلك لم تتح الفرصة للقيادة دراسة الوضع الجديد وان تتخذ في وقت مناسب القرار المناسب والسليم الذي يرسم توجهات الحزب اللاحقة. ولم يرد في حساباتها ( القيادة ) او توقعاتها اية اشارة عن موضوعة الكفاح المسلح .
ومع ذلك ، فهنالك من يدعّي بأن المكتب السياسي كان قد درس موضوع الكفاح المسلح منذ اواسط حزيران او تموز 1978 وهيأ مستلزمات هذا الشكل من النضال. ولا يمكنني الا ان استبعد ذلك لاننا كأعضاء في اللجنة المركزية لم نبلغ بمثل هذه الوجهة .
فقد إقتصر الامر في البدء على وصول بعض الرفاق ممن نجوا من قبضة السلطة الى مناطق قريبة من مقرات القوى الكردية ( اوك ) ليستقروا هناك بعيدا عن نفوذ السلطة. ولم تكن غايتهم الا الحفاظ على سلامتهم وعدم التنازل عن مبادئهم متحملين المصاعب من برد وجوع ولفترة غير قصيرة.
وكان لوصول ثلاثة رفاق من قيادة الحزب ومن اعضاء مكتب الاقليم الى موقع الرفاق الاوائل في ناوزنك دورا فعالا في تشكيل نواة الانصار الاولى دون انتظار قرار من قيادة الحزب بذلك.
ولم يتم اقرار الكفاح المسلح فعليا الا في اجتماع ل.م 1979. وبعد عدة شهور من ذلك بادرت قيادة الحزب بأرسال احد اعضاء المكتب السياسي الى ناوزنك .
وفي الايام الاولى ، تحمس الرفاق القياديون لدعم الانصار ماديا وبشريا ، وبمن فيهم من كان ضد اختيار هذا الاسلوب النضالي. فلم يستطع هؤلاء الوقوف ضد تياره الجارف. وقد تعّمد البعض في تفسير قرار ( الالتحاق بالانصار) بشكل خاطئ، حيث فتح باب التطوع على مصراعيه ، وفسح المجال امام من يصلح ومن لا يصلح للعمل الانصاري. واضطر العديد من الرفاق الى ترك دراساتهم ، ومنهم من كان في سنته الدراسية الاخيرة ليلتحق بكردستان .!!
لم يستمر هذا الحماس طويلا، بل اخذ بالخفوت تدريجيا. وبدأت عملية التطوع تأخذ اتجاها مغايرا، لا يهدف الى تطوير العمل الانصاري، بل لعرقلة هذا الاسلوب النضالي بشتى السبل.
وبرزت الاساليب غير السليمة التي مارسها البعض ، ومنها اسلوب الضغط والتهديد بقطع المساعدة والطرد لمن يرفض التطوع ، واختيار الرفاق المرضى وكبار السن وذوي العوائل وارسالهم الى مواقع الانصار القتالية دون ان تكون لديهم القدرة على تحمل الصعوبات في مقرات الانصار المعرضة على الدوام للقصف المدفعي وللغارات الجوية .
اضافة لذلك جرت عملية تثقيف خاطئة ومتعّمدة ايضا. حيث صوّر للرفاق بأن الانصار على مشارف المدن، وانهم ( الرفاق المتطوعون ) ربما سيتأخرون عن دخول المدن الكبرى، الامر الذي ادى الى الخلط بين الحرب النظامية وحرب العصابات ( اضرب واهرب ). لقد كان العديد من الذين التحقوا من الخارج يعتقدون بأن في إستطاعة الانصار دحر الجيش العراقي والسيطرة على المدن والبقاء فيها. ولكن وبمجرد وصولهم الى قواعدنا كانوا يصطدمون بواقع اخر مغاير تماما لما قيل لهم. مما دفعهم الى المزيد من اليأس والاحباط ، فكانوا يطلبون العودة الى البلدان التي قدموا منها . وسرعان ما تكونت مجموعة من هؤلاء الرفاق اليائسين الذين يرفضون المساهمة حتى في الاعمال والواجبات اليومية كالخفارات والحراسات ويقضون نهارهم نياما الا في اوقات توزيع الطعام. ووصل الامر الى درجة ان بعض الرفاق اطلق عليهم تسمية ( فصيل تحت البطانية ).
في لقاء لي مع الصحفي البريطاني المعروف والمهتم بالشأن العراقي (ديفيد هيرست) عام 1980 في مقرنا ب (ناوزنك) سألني ، هل بإمكان الانصار إسقاط السلطة ؟
اجبته بالنفي .
فقال ما هي اذن ستراتيجيتكم ؟
قلت له اننا نقاتل بهدف اضعاف السلطة واستنزاف قوتها تدريجيا وبنفس الوقت نطور قوتنا للوقت الذي يجري فيه اي تغيير او انهيار في وضع السلطة، وعندها سيلتحم الانصار مع الجماهير للقضاء عليها، بمعنى المساهمة في اي تغيير مع جماهير الشعب .
ان احداث انتفاضة 1991 اكدت تلك التقديرات. فلو كانت قوة الانصار كما كانت قبل حملة الانفال لكان دور حزبنا افضل بكثير مما كان عليه في الانتفاضة في كردستان.

****
بعد حملة الانفال ، صدرالعديد من الكراريس والمقالات تحمّل اسلوب الكفاح المسلح مسؤولية كل الخسائر البشرية التي مني بها الحزب . وقد تناسى محرروا هذه الكراريس ومدبجوا تلك المقالات ، دورهم الرئيسي والفعال في إرساء اسس غريبة وغير سليمة واعتمادها ضمن سياسة التحالفات التي كانت ومازالت هي الطريق الامثل للخلاص من الدكتاتورية واقامة بديل ديمقراطي في العراق ، فيما لو جسدت حسن إدارة هذه التحالفات وحسن النوايا ومصداقية التعامل واحترام الاخر.
وتناسوا هؤلاء ان الاف الشهداء وعشرات الالاف من السجناء والمفقودين سقطوا بسبب سياسة السكوت عن تجاوزات الطرف الآخر ضمن التحالف ، على بنود البرنامج السياسي لذلك التحالف وأسسه. كما تناسوا ايضا ان مواقفهم اثناء وجودهم في كردستان واجراءاتهم الخاطئة بحق الكادر الحزبي ومن منطلق الاساءة لحركة الانصار ، كانت هي السبب في الكارثة التي حلت بالكادر في بشت آشان. فتراهم يحاولون إلقاء مسؤولية الخسائر ، على أسلوب الكفاح المسلح وقيادات الانصار اوما اطلقوا عليه " السياسة المغامرة".
وكان الجميع على علم بأن الخسائر البشرية امر لا مفر منه عند انتهاج اسلوب الكفاح المسلح. هذا في الوقت الذي لم يتخلف اي عضو في اللجنة المركزية عن تثبيت موافقته على هذا الاسلوب في اجتماعاتها اعوام 1979 و 1980و1981 و1982 ولغاية الاجتماع الكامل عام 1984 ، عندما عارضه بشدة كل من عدنان عباس وماجد عبد الرضا، وكذلك باقر ابراهيم برسالة وجهها الى الاجتماع المذكور لعدم حضوره، والتي قدم فيها استقالته من المكتب السياسي، اضافة الى رفض هادئ من المرحوم عامر عبدالله .

ان اثارة بعض الرفاق لموضوع استشهاد الكوادر الحزبية المكلفة للعمل في الداخل في معارك ببشت آشان ومحاولة دراسة الاسباب التي قادت للخسائر المؤلمة ، امر بالغ الاهمية. إلا أن الاقتصار على تحميل قيادات الانصار مسؤولية ذلك من خلال اطلاق عبارة "السياسة المغامرة" على اسلوب الكفاح المسلح ، يعتبر طمسا متعمدا للحقائق .

فمن المعروف ان جميع كوادرنا الذين شخصوا لمهمات خاصة في الداخل ، كان قد تم تكليفهم بمهمات ادارية وعسكرية بعد التحاقهم بقواعد الانصار ، انتظارا لتوفر الفرص المناسبة والممكنة لارسالهم الى تلك المهمات وبشكل هادئ وسري دون ان ينتبه احد . وقد كانوا حينذاك في مأمن وبعيدين عن ايدي الاعداء . هكذا كان التعامل سابقا، ومنذ تأسيس قواعدنا العسكرية وقبل انتقال المكتب السياسي وقيادة الحزب الى كردستان العراق.
ولكن صدر قرار من المكتب السياسي، وبناءا على توصية من الرفيق المسؤول عن التنظيم وعن عمل الداخل، ادى الى تجميع هؤلاء الرفاق، ومن اراد من الانصار - ممن كانوا بمستوى المحليات والاقضية وحتى الاعضاء - في منطقة واحدة هي ?شت آشان بعد سحبهم من قواطع الانصار .
لقد رسم الرفيق مسؤول عمل الداخل لوحة متكاملة للتنظيم على مستوى العراق، ولكن مع الاسف كانت على الورق فقط . فقد تشكلت لجنة منطقة بغداد والوسطى والجنوبية والفرات ومحليات للمحافظات في كردستان، وبذلك تم تكديس اولئك الرفاق في منطقة واحدة وعزلوا عن بقية الانصار، ولم يكلفوا بأية مهام عسكرية او ادارية ، لدرجة خلق الاحساس بأن هؤلاء الرفاق هم افضل من بقية الانصار.
ومع إهمال الجانب العسكري لديهم، فقد اصبحوا غير مهيئين لاي نوع من أنواع القتال قد يفرض عليهم، اضافة الى انهم اصبحوا وبكل بساطة مكشوفين للانصار ولعملاء السلطة المتواجدون في كل مكان. وربما كان ذلك سببا في تعرض البعض منهم للاعتقال في نقاط السيطرة حال مغادرتهم " المناطق المحررة ". ولم ينتبه الرفاق المسؤولون لهذا الامر الهام.
وكان من شأن الاجراءات غير الصحيحة التي اتخذها الرفاق مسؤولو الداخل ان تخلق هوة واسعة بين المشخصين للعمل في الداخل وبين بقية الانصار، مما يثير بالتالي تنافرا واضحا بين رفاق الحزب الواحد. ودفع هذا الوضع بالانصار الى ان يطلقوا عليهم تسمية " الكوارث " بدلا من "الكوادر".
لقد كان للترهل وضعف اليقظة والكسل الذي عوّدهم عليه رفاق قيادة التنظيم ، وعدم الموافقة على زجهم بالمهمات العسكرية، ان يحولهم الى أشخاص غير قادرين على الدفاع عن انفسهم. وادى هذا بالنتيجة الى الخسارة الفادحة ، حيث كان اكثر الشهداء من الكادر التنظيمي ، اضافة الى ان معظمهم لم يستشهد بالقتال وانما غدرا ، بعد ان اسروا على ايدي مسلحي اوك.

النصيرات والكفاح المسلح


النصيرتان عشتار و أم نصار

للمرة الاولى في تاريخ الحركة المسلحة الكردية وفصائل الانصار الشيوعيين ينبهر اهالي القرى والمدن الكردستانية بفتيات يلبسن ملابس الانصار ويحملن الكلاشنكوف ويمضين في رتل واحد ومشترك مع الرجال ليساهمن في المعارك والمواجهات العسكرية. ومن المعروف ان الحركة المسلحة الكردية لم تخض مثل هذه التجربة بأستثناء حالة واحدة اقدمت عليها المقاتلة البطلة ماركَريت جورج، التي التحقت بالحركة سنة 1963، تاركة صدى كبيرا على المستويين الداخلي والخارجي، و كانت له دلالات ومعان رائعة تم الاستفادة منها اعلاميا.
ولم تكن مساهمة الرفيقات في حركة الانصار تجربة غريبة، فقد سبقتها بسنوات طوال تجارب العديد من فصائل الانصار والاحزاب التي خاضت نضالا مسلحا كما حصل في الصين وفيتنام وكوبا، اضافة لمشاركة المرأة في الخطوط الخلفية للقوات السوفييتية إبان الحرب العالمية الثانية ، الى جانب عملها في مجال المراسلة والمخابرة وجمع المعلومات. وساهمت المرأة ايضا وبشكل فعال مع القوى المعارضة لحكومة ايران الاسلامية ضمن فصائل الانصار، وكانت مساهمتها ملحوظة وكبيرة ضمن ?يشمر?ة حزب العمال الكردستاني PKK.
كانت اول رفيقة تلتحق بوحدات الانصار هي الرفيقة لينا من إحدى محافظات الفرات الأوسط في اواخر عام 1979 وبصورة عفوية، اذ توجهت الى كردستان هربا من ملاحقة اجهزة الامن. وتبعتها بالالتحاق الرفيقة نشتمان، وهي من مدينة السليمانية ولم تستمر طويلا في كردستان، اضافة الى وصول العديد من الرفيقات لغرض مساعدتهم في مغادرة الاراضي العراقية.
لم يستوعب عدد من الرفاق في السليمانية واربيل فكرة وجود الرفيقات في مواقع الانصار بسبب قوة تأثير التقاليد المحافظة على هؤلاء الرفاق. وبالفعل عانينا من اشكالات في احيان كثيرة نتيجة رفض الرفاق لوجود النصيرات معهم .
وبعد اجتماع ل.م في تموز 1980 وصلتنا مقترحات من مجموعة من الرفيقات برغبتهن للالتحاق بحركة الانصار. ومع بداية عام 1981 وصلت الى ?لي كوماته اولى طلائع الرفيقات وكانت من بينهن أم عصام ، دروك ، تانيا .. واخريات، ليتجاوز عددهن في اذار 1981 الى 15 رفيقة. فتم تشكيل فصيل خاص بهن و كانت آمرة الفصيل الرفيقة تانيا والرفيقة وصال محمد شلال (سوسن) مستشارة سياسية .

شاركت النصيرات في اغلب الاعمال اليومية كالحراسات والواجبات اليومية، وتم تدريبهن على استخدام مختلف الاسلحة الخفيفة وعلى تمارين الهجوم والانسحاب. وشاركت النصيرات في المفارز القتالية وبجولات انصارية في العمق ، بعد اجتياز طرق وممرات مليئة بالربايا والكمائن.
وحينما توجهت قيادة قاطع بهدينان في مفرزة كبيرة العدد ، بجولة في مناطق عديدة من بهدينان ، كان ضمن المفرزة عشر رفيقات. ولاول مرة يلتقي اهالي القرى الكردية بنصيرات يحملن الكلاشنكوف ويمضين جنبا الى جنب مع الانصار مما ترك ذلك ارتياحا كبيرا وواضحا على النسوة في تلك القرى المحافظة. فتم استقبالهن بفرح غامر واعتزاز كبير ، لان مشاركة النصيرات للرفاق الانصار يرفع من مكانة المرأة في نظر الرجال في تلك القرى. ولكن علائم القلق بدأت تظهر على وجوه الرجال حينما انطلقت ام عصام بلغتها الكردية السليمة بالتحدث عن حقوق المرأة وواجباتها ومساواتها مع الرجل، وتحرّض على المطالبة بانتزاع تلك الحقوق.
وشاركت النصيرات في عمليات عسكرية. ففي عملية بامرني لعبت الرفيقة أم هيفاء دورا بارزا وشجاعا في الهجوم على مواقع الجحوش واعتقالهم. وكذا الحال بالنسبة للرفيقة بدور، المستشارة سياسية في الحظيرة، اذ شاركت في كل العمليات العسكرية التي نفذتها السرية الاولى، وكسبت ود واحترام رفاقها. وفي اربيل برزت الرفيقة تانيا، اذ واصلت مساهمتها في المفارز برفقة زوجها الرفيق ملازم رياض، فكانت قدوة للانصار والنصيرات .
وساهمت الرفيقات ايضا في مهمات المخابرة وفي مجال الاتصال اللاسلكي. ومن الرفيقات اللواتي عملن بشكل متواصل في هذا المجال الرفيقة الشهيدة موناليزا امين (انسام)، والرفيقة هند وصفي طاهر (بلقيس) وانوار وام سرمد واحلام ..الخ.
وفي أثناء تقدم عسكري ضخم على مقر الفوج الاول في مراني ومقر محلية الشيخان للحزب الديمقراطي الكردستاني في سيدره، واصلت الرفيقة هند وصفي طاهر (بلقيس) عملها على جهاز المخابرة طوال ايام وليال ذلك الهجوم وتحت القصف المدفعي والطيران الحربي.
وفي مجال الطبابة فقد تمكنت الرفيقة الدكتورة (ساهرة) من خلال عملها في قاطع اربيل وجولاتها في القرى من معالجة النساء والاطفال، وتمكنت من كسب ثقة الجماهير وحبهم. كما لعبت الرفيقة الدكتورة ام هندرين دورا مماثلا في قاطع بهدينان والقرى الكردية المحيطة به.
ان تجربة مشاركة النصيرات في حركة انصار الحزب الشيوعي، ورغم ما تخللها من نواقص، كانت تجربة ناجحة اثبتت فيها الرفيقات قدرتهن على تحمل المسؤولية وتخطي الصعاب. فقد اجتزن الامتحان بنجاح، وساهمن برفع اسم الحزب عاليا في ربوع كردستان.
ولا يمكن ان ننسى الرفيقات الخالدات ممن وهبن حياتهن بأستشهادهن في معارك عسكرية مع الجيش او مرتزقته، كالرفيقة عميدة عذيبي الخميسي (احلام)، التي سقطت برصاص الغدر في ?شت آشان والرفيقة انسام التي استشهدت برصاصات الجندرمة الاتراك. وتعرض بعضهن للاعتقال وهن يواصلن مهماتهن النضالية السرية في الداخل. واقدمت السلطة على اعدامهن كالرفيقات النصيرات ام لينا و سوسن وفاتن.

وكذلك ساهمت النصيرات في احياء الفعاليات الفنية في المناسبات الحزبية والوطنية، حيث شاركن في فرق الغناء و التمثيل او في التحضير لتلك الفعاليات. وتميزت مساهمتهن الى جانب الفنانين من الانصار، في القاء الكلمات والمشاركة في الغناء والتمثيل المسرحي . وقد لعب الفنانون الانصار كالرفاق كوكب حمزة وسلام الصكر وابو فائز وغيرهم دورا بارزا في تشجيع تلك المساهمات ودعم مواهب عدد من النصيرات.


أوراق توما توماس
( 27 )

مراحل المكتب العسكري المركزي – تشكيلاته
في حرب الانصار ، كما في تشكيلات الجيوش النظامية ، يفترض وجود هيئة قيادية ميدانية مركزية تعمل تحت اشراف القيادة السياسية، الحزب الذي يقود العمل المسلح في حالة حرب الانصار، الذي يتمتع بكامل الحرية والصلاحيات الواسعة لقيادة وتوجيه عملها، دون التدخل في تكتيكاتها، شريطة إنتهاجها استراتيجية الحزب العامة. وتسمى مثل هذه القيادة في الجيوش النظامية ب " هيئة الاركان" اما في تشكيلات الانصار فأنها تسمى ب " المكتب العسكري"، الذي عادة ما يتشكل من كوادر عسكرية متمرسة، ويمكن ان يضم ايضا بعض ضباط الجيش الملتحقين بحرب الانصار.
ان قوة اية حركة انصارية ونجاحها تأتي من قوة مكتبها العسكري وثباته واستقراره، بعيدا عن التدخل العشوائي في شؤونه من قبل القيادة السياسية العليا. اذ ان في استقرار تشكيلة المكتب العسكري تكمن امكانية كسب الخبرة القيادية والتمرس من خلال العمليات العسكرية.
وفي حركتنا الانصارية، كان من الممكن تلمس ظاهرة خطرة تركت اثارها السلبية على مجمل العمل العسكري، الا وهي الضعف الواضح في امكانيات المكتب العسكري، ويعود سبب ذلك الضعف الى التغيرات الاعتباطية غير المدروسة التي أُجريت على قوامه. فقد أجريت تغيرات فرضتها الرغبات والامزجة لدى بعض اعضاء المكتب السياسي دون الاستناد الى القابليات والامكانيات العسكرية، بحيث كان بعض اعضاء المكتب العسكري لا يعرفون شيئا عن حرب الانصار وشروطها ومبادئها، ولم يكن غريبا ان يجهل هذا البعض حتى كيفية استخدام السلاح للدفاع عن النفس !!.
وقد ادت هذه التغيرات المتكررة الى مزيد من التدخل غير المبرر في شؤون المكتب العسكري والى عدم فسح المجال لقيادة وتوجيه العمل العسكري وفق الامكانيات الواقعية. وخلق هذا التدخل المستمر حالة ارباك دائمة قادت بالتالي الى خسائر غير مبررة بالارواح طوال سنوات.
من المعروف انه لم يكن لقيادة الحزب اي دور في الايام الاولى عند تشكيل وحدات الانصار، بسبب بعدها عن الرفاق الاوائل الذين استطاعوا رغم افتقارهم الى السلاح والمال، من تنظيم عملهم العسكري والاداري والسياسي وقاموا بتشكيل سرايا وفصائل، وشخصوا لها المسؤولين العسكريين والسياسيين.
حينذاك تم تشكيل قيادة ميدانية سميت بـ"المكتب العسكري " لوضع الخطط العامة لتنظيم العمل اليومي دون ان تكون هناك اية هيئة حزبية قائدة حتى نهاية عام 1979.
وبعد وصول الرفيق عمرعلي الشيخ والرفيق ابو سيروان، تم تشكيل " لجنة هندرين" كقيادة حزبية للانصار والتنظيم المدني في اقليم كردستان، واصبح المكتب العسكري يعمل تحت اشرافها وتمثلت الصعوبات آنذاك في عدم وجود اجهزة اتصال بين المقرات لتسهيل مهمة القيادة .

تشكيلات المكتب العسكري :
اولا : كانت التشكيلة الاولى امتدادا لما كان قائما قبل تشكيل "لجنة هندرين " وتكونت من:
1. ابو جميل مسؤولا للمكتب العسكري – عضو ل.هندرين
2. ابو آسوس مسؤولا سياسيا للانصار
3. كانبي محمد صالح معاون مسؤول المكتب العسكري
4. ابو سربست مسؤولا اداريا للانصار
واستمرت "لجنة هندرين" في قيادتها واشرافها على عمل المكتب العسكري، وتدرس محاضر اجتماعاته وتقرر بخصوص مقترحاته ما هو ضروري في ممارسة العمل العسكري الذي يقوم به، وارسال المفارز الى العمق دون التدخل في شؤونه الا في ما يعتقد انه مخالف لسياسة الحزب.
وكان المكتب العسكري يدرس طلبات السرايا وما تحتاجه من سلاح وعتاد او اموال حينما تتوجه هذه السرايا الى العمق، ويقرر بخصوص عملياتها العسكرية المقترحة ويحدد المناطق التي ستوجد فيها والمدة التي ستمكثها هناك. وكان من المقرر ان تستمر مهمة السرية لمدة شهرين لتعود بعدها للالتقاء بالمكتب العسكري لغرض تقييم ادائها ولتلافي النواقص والاخطاء التي ترافق العمل .
وواصل المكتب العسكري عمله بشكل مشجع لغاية اجتماع اللجنة المركزية في تموز 1980. وفي اجتماع خاص بالكادر القيادي المشخص للعمل في كردستان عقد في دمشق مباشرة بعد اجتماع ل.م ذاك ، تقرر تشكيل قيادة حزبية وعسكرية للانصار [ انظر الحلقة 22 - موقع الناس ]. وفي هذا الاجتماع ايضا تقرر انتقالي الى منطقة بهدينان كمسؤول عسكري للانصار فيها .

ثانيا : جاءت التشكيلة الثانية للمكتب العسكري بعد قيام اللجنة العسكرية المركزية لقيادة الانصار والتي لم تجتمع اطلاقا ، وبقيت طي النسيان .
بعد وصول الرفيق ابو عامل المكلف بقيادة الانصار، تم تشكيل المكتب العسكري، ولم اكن اعرف ممن تشكل هذا المكتب بسبب بعدنا ولعدم وجود اية نشاطات فعلية لهذا المكتب في منطقتنا.
قام المكتب بتشكيل عدة هيئات فرعية نشطت في اختصاصاتها المختلفة، كهيئة المتفجرات والحركات والمالية والادارة. وبعد انتقال المكتب الى منطقة نوكان وبتوفر الاجهزة اللاسلكية ارتبطنا بالمركز ، مما سهل كثيرا التنسيق في الامور الادارية.
ان عدم عقد اجتماعات لمسؤولي القواطع مع المكتب العسكري لدراسة تلك القضايا الجوهرية والحساسة يعد من ابرز اسباب الصعوبات التي واجهت عملنا، وادت بالتالي الى التعارض في الاراء. ولم نستطع حل العديد من الاشكالات عن طريق البرقيات. وكان من اهم تلك القضايا ذلك القرار النهائي والفوري والذي يطلب التنفيذ دون مناقشة، و الذي اصدره المكتب العسكري على ضوء تقديراته الخاصة ودون التفكير بمجرد الاستئناس برأينا، والقاضي بتحديد قوة قاطع بهدينان ب (150) مقاتلا فقط من خلال تشكيل فوج واحد وسرية مستقلة، وارسال بقية الانصار الى المكتب العسكري. هذا في الوقت الذي كانت فيه تشكيلاتنا تتكون من فوجين ( الفوج الاول وينشط في منطقة المزوري ، الفوج الثالث وينشط في منطقة برواري بالا والدوسكي ) والسرية الخامسة في منطقة العمادية، اضافة لسرية المقر والادارة وفصيلي الحماية والاسناد . وكانت السرية السابعة (قيد التشكيل ) تنشط في منطقة زاخو. وبلغت القوة العددية لقاطعنا حينذاك قرابة 500 نصيرا. ومن المعروف ان منطقة بهدينان تعد من اوسع مناطق كردستان، وكانت على عاتق انصارنا عدة مهمات وواجبات اضافية كنقل السلاح والتسفير من والى الخارج والعلاقة مع الداخل، الى جانب العمل العسكري والاعلامي. ولم نتوصل في حينها لحل هذه المشكلة الغريبة والعويصة في آن ، وبقيت معلقة حتى تم حل المكتب العسكري الثاني وتشكيل مكتب اخر ( هو الثالث ) يتكون من :
1. ابوعامل مسؤولا
2. احمد بانيخيلاني
3. سليم إسماعيل (ابو يوسف)
4. بهاء الدين نوري
5. آرا خاجادور
وكانت هذه التشكيلة غير متجانسة وغير موفقة، وبكلمة ادق كانت تشكيلة معرقلة للعمل، حيث كان من المستبعد ان ينسجم هؤلاء الرفاق فيما بينهم. ولربما كانت التشكيلة هذه المرة تهدف الى عرقلة العمل العسكري وليس لقيادته. ولا اعرف ، هل كان آرا خاجادور جادا ام كان يمزح حينما قال:
- نسبوني للمكتب العسكري من اجل تخريبه!!!.
نعم كان اعضاء هذا المكتب غير منسجمون، وبينهم من كان لا علاقة له بحرب الانصار اطلاقا.
وتميزت علاقة المكتب السياسي بالمكتب العسكري بالتوتر على الدوام، وخاصة مع مسؤول المكتب (ابوعامل)، اذ كان الرفاق في (م.س) يتصوّرون بأن مسؤول مكتب العمل العسكري يعمل بالضد منهم. وترسخت تلك التصوّرات اكثر وتأججت الخلافات نتيجة لدور بعض رفاق (م.س) لتتأزم العلاقة تماما. فقرر (م.س) عقد اجتماع موسع في نوكان للعسكريين ( ممثلي القواطع ) ودعي أعضاء اللجنة المركزية لحضوره ايضا، حيث بلغ عدد الرفاق في الاجتماع 14 رفيقا ( ونظراً لعدم حضور رفيق يمثل بهدينان فقد اختير الرفيق ابو ربيع ( وكان حينها قد نقل من الانصار الى التنظيم المحلي ) للحضور ممثلا القاطع ).
وبدلا من ان تتم – في الاجتماع – دراسة النواقص ووضع الحلول والمعالجات، فقد دارت النقاشات حول قضايا ثانوية عقيمة لا تمت بأية صلة بما عقد الاجتماع من اجله. واعتبر ذلك الاجتماع ( الكونفرنس ) منبرا لمحاسبة مسؤول (معم)، وتطوّر الخلاف الى حد كبير، حيث تمادى احد رفاق (م.س) وكان عضوا في (معم) ايضا واخذ يطعن بقادة الانصار قائلا:
- اننا لا نقبل ان يقودنا بويات (خدم) المطاعم والبارات .
وعلى الرغم من حضور الرفيق سكرتير الحزب، فأن الكونفرنس لم يتمكن من اتخاذ اية قرارات بناءة تخدم حركة الانصار. ولم يصدر اي تقرير او بلاغ عنه، وهكذا بقي المكتب العسكري مجمدا على ان يحسم امره في اول اجتماع للجنة المركزية.
وهكذا نلاحظ ان ثلاث تبديلات على تشكيلة (معم) قد جرت خلال مدة سنتين فقط !!
وفي إجتماعها الاعتيادي في ايلول 1982 في نوكان، توصلت اللجنة المركزية الى صيغة جديدة للعمل وفق تشكيلات عسكرية هي القواطع في المناطق الرئيسية في كردستان. وتم تشكيل مكتب عسكري مصغر ( وهو الرابع ) ليقود العمل بأشراف (م.س) وتكوّن من :
1. عمر علي الشيخ مسؤولا
2. ابو عامل عضوا
3. احمد بانيخيلاني عضوا
ووافق الاجتماع على تشكيل القواطع بالشكل التالي :
قاطع بهدينان (محافظة دهوك وقسم من نينوى )، وتكون من :
1. ابو جميل مسؤول عسكري وحزبي
2. الرفيق كاظم حبيب مستشار سياسي
3. الرفيق نزار ناجي يوسف عضو مكتب القاطع
4. الرفيق ابو طالب عضواً
قاطع اربيل وتكون من :
1. الرفيق ثابت حبيب العاني مسؤول عسكري وحزبي
2. الرفيق يوسف القس حنا مستشار سياسي
3. الرفيق ملازم خضر مسؤول عسكري
قاطع السليمانية وكركوك وتكون من :
1. بهاء الدين نوري مسؤولا عسكريا وحزبيا
2. عدنان عباس مستشار سياسي
فوج حراسة المقرات الرئيسية (م.س و معم) – يقوده الرفيق م. قصي

لقد تم تشكيل معم الجديد بقيادة الرفيق عمر علي الشيخ عشية جريمة بشت ئاشان. وكانت بوادر الازمة بيننا وبين اوك قد أخذت بالتصاعد. ان اسناد مسؤولية معم للرفيق عمر يعتبر خطأ كبيرا لم ينتبه اليه المكتب السياسي، ليس بسبب ان الرفيق غير ملم بالامور العسكرية وحسب، وانما ايضاً بسبب عدم تمكنه من اتخاذ القرارات الحاسمة اذ ما تطلب الامر ذلك. ففي المواقف والاوضاع العسكرية يتحتم على القائد العسكري ان يتخذ قرارا حاسما وخطيرا دون انتظار الاشارة من اية جهة كانت، والامر بالتأكيد يختلف بما يخص المواقف والاوضاع السياسية. فالموقف العسكري يتعلق بشكل مباشر بحياة ومصير كثيرين ينتظرون من القائد العسكري موقفا ثابتا وسريعا، وهو الذي يتحمل مسؤولية قراره. فهل كان الرفيق مسؤول المكتب العسكري قادرا على ذلك؟؟
لقد واجه معم الجديد وضعاً لا يحسد عليه بسبب تأزم الوضع العسكري جراء تهديدات الاتحاد الوطني الكردستاني وتقرّبه من السلطة. وتطورت الازمة الى هجوم مسلح على مقراتنا وتنفيذ جريمة ?شت آشان.
وادت تلك الاحداث وما آلت اليه الاوضاع في قاطع اربيل الى الانسحاب الى منطقة بارزان. وأدى موقف بهاء الدين نوري في قاطع السليمانية كله الى مشاكل جدية لحركة الانصار، وسببت انسحابات غير قليلة. ونتيجة لكل ذلك لم يبق للمكتب العسكري اي دور قيادي، فقد انسحب الرفيقان عمر الشيخ وابو عامل الى قاطع بهدينان، وتسلم الرفيق ابو سرباز مسؤولية قاطع السليمانية بعد اعفاء بهاء الدين نوري من قيادته.
واستمرت الاوضاع بالتدهور بسبب الاشكالات الفكرية المربكة التي سادت حركتنا بعد ?شت آشان.
وفي اجتماع ل.م عام 1984 لم يجر تشكيل اي مكتب عسكري للانصار، وكان هذا بحد ذاته احد النواقص الكبيرة في عملنا العسكري. وقرر م.س اناطة العمل به كمكتب عسكري ( وهو التغيير الخامس) رغم عدم اكتمال نصاب م.س في كردستان الا نادرا. واقتصر وجوده على رفيق واحد او رفيقان، وتقرر ايضا ان يكون الرفيق ابو عامل منفذا لقرارات م.س المتخذة في المجال العسكري، اي كوكيل عسكري عام، منفذ وليس مسؤول عن تلك القرارت.

أوراق توما توماس
( 28 )

التغيير السادس : لم يستقر المكتب العسكري المركزي في كل تشكيلة من تشكيلاته اكثر من سنة واحدة. وبقي المكتب السياسي يقود نشاط الانصار. وبعد المؤتمر الوطني الرابع ، حيث تم اقرار الكفاح المسلح اسلوباً رئيسيا للنضال ، عُقد كونفرنس عسكري بحضور الرفيق سكرتير الحزب والكوادر العسكرية والحزبية العاملة في كردستان، وكان من جملة قرارات الكونفرنس تشكيل قيادة عسكرية مركزية لحركة الانصار، ومركزة عملها والاهتمام بها. وتنفيذا لهذا القرار الهام، قرر المكتب السياسي تشكيل المكتب العسكلاي المركزي من الرفاق :

1. الرفيق سليمان يوسف ـ مسؤولا
2. الرفيق رحيم عجينة ـ مسؤولا حزبيا
3. الرفيق حسان عاكف ـ مسؤولا ماليا
4. الرفيق يوسف القس ـ مسؤولا عن العلاقات

وجاءت هذه التشكيلة السادسة اضعف من سابقاتها من الناحية العسكرية. وبعد فترة نسب الرفيق مهدي عبد الكريم (ابو كسرى) للعمل كعضو في هذا المكتب، لحين توفر فرصة مناسبة لتسفيره الى الخارج للاستراحة، ولكن مع الاسف توفي الرفيق بنوبة قلبية في ربيع 1986.
اما التشكيلة السابعة فقد تشكلت بناء على قرار اللجنة المركزية في إجتماعها في ايار 1988، حيث وضعت النهاية الحاسمة لكل تلك المكاتب، حيث تم ربط قيادة الانصار بالاقليم مباشرة. وكان ذلك حلم راود بعض الرفاق في المكتب السياسي. فقد جرت محاولة سابقة لإمرار مثل هذا القرار في اجتماع اللجنة المركزية اوائل 1986 ولكنها جوبهت بمعارضة شديدة حينذاك.
إلا أنه بعد ابعاد مسؤولي القواطع الثلاث بحجة الاجازة خارج كردستان، عقدت اللجنة المركزية اجتماعها بغيابهم واتخذت قرارها وبمعارضة رفيق واحد فقط هو الرفيق ابو عامل.
وهكذا انتقلت مسؤولية قيادة الانصار الى منظمة الاقليم التي يقودها الرفيق عمر علي الشيخ. واصبح مكتب اقليم كردستان، مكتبا عسكريا بالاضافة الى كونه مكتبا تنظيميا. وبهذا القرار تخلى المكتب السياسي عن قيادة الانصار ، والذي ينفذ قراراته عبر مكتب الاقليم. كما تقرر إنتقال رفاق م.س الى خارج كردستان.
وحلّت اللجان المحلية محل القواطع، و التي تتبعها الافواج العسكرية. كما تقرر أن تقاد السرايا من قبل لجان الاقضية وهكذا. واستحدثت لجان تنسيق بين المحليات سميت بـ (المفاصل)(1). لقد جرى كل ذلك عشية حملة الانفال، حيث تبعثرت التشكيلات الجديدة اثناء الانسحابات، وتسبب ذلك في مآسي غير قليلة تحملها رفاقنا وعوائلنا نتيجة الانسحابات غير المدروسة، خاصة في منطقة نينوى ودهوك. وسنأتي لهذا الموضوع لاحقا وبشئ من التفصيل.

استنتاجات :
طرح المكتب السياسي القرار على اللجنة المركزية للموافقة علية، وهذا ما تم فعلا، مما أدى الى اضعاف دور حركة الانصار. وإعتبر الكفاح المسلح عملياً اسلوبا ثانويا وتابعا لقرارات اللجان المحلية بعد أن تخلى م.س عن قيادة حركة الانصار وربطها مباشرة بأقليم كردستان، وذلك إستجابة لبعض الرفاق الذين كانت لديهم ملاحظات منذ البداية على انتهاج اسلوب الكفاح المسلح.
في كل تشكيلات معم لم يراع م.س الانسجام بين الرفاق المنسبين للعمل ضمن تلك التشكيلات، ولم ينظر بجدية إلى تلك الخلافات الحادة بعض الاحيان التي كانت تبرز بينهم.
وإن تنسيب الرفيق عمر علي الشيخ كمسؤول عن معم كان خطأ فادحا، اذ ان جهادية اي رفيق واخلاصه في العمل ومواظبته ليسا كافيان لوحدهما لاناطة مثل هذه المسؤولية اليه.

دعم الحزب للمنظمات والاحزاب الصديقة
انطلاقا من مقولة الرفيق الخالد فهد ( قووا تنظيم حزبكم ، قووا تنظيم الحركة الوطنية )، التزم حزبنا وبأستمرار بدعم المنظمات والاحزاب الوطنية، والديمقراطية منها على وجه الخصوص، بأعتبارها سندا حقيقيا في نضالنا المشترك.


مع بعض قيادات الاحزاب الكردستانية في منطقة بهدينان


ومن هذه المنظمات والاحزاب :

اولا : الحركة الديمقراطية الاشورية
تشكلت الحركة الديمقراطية الاثورية ( كما سميت عند تأسيسها ) في بغداد اواسط عام 1979 على اثر التداعيات التي شهدتها الحركة القومية الاشورية في العراق وبلدان المهجر . وقد ساهم في تأسيسها نخبة من الشباب الاشوري، خاصة من المثقفين .
ومنذ تأسيسها تبنت الحركة فكرة التعاون مع القوى الديمقراطية ومنها حزبنا، والمساهمة في الحركة المسلحة الكردية. وفي كانون الاول عام 1980 كنت ضمن قوة كبيرة من انصارنا في منطقة نهلة، وفي قرية " جم ربتكي" التقيت مع كل من يونادم يوسف كنا ( ياقو ) ويوسف بنيامين، وهو مهندس يعمل في مجال التدريس اعدمته السلطة الدكتاتورية في بغداد. وبعد التعارف ومناقشة الاوضاع السياسية وتوضيحهم لوضع الحركة واهدافها، طرحوا فكرة نشاطهم في كردستان ومشاركتهم في النضال المسلح الى جانب بقية الاحزاب. وإستفسروا عن امكانية مساعدتهم في النشاط في المنطقة وإقامة مقرات لهم قرب مقراتنا. وقد تعهدنا لهم في حينها ببذل الجهود لمساعدتهم .
وفي اواسط 1982 وصل الى مقرنا في كوماته ستة من رفاق الحركة، وكانوا على ما يبدو أعضاء في قيادتها، وهم نينوس ، ابو فينوس ، سر?ون ، هرمز ، يوخنا و بيوس. وقد جرى اللقاء بهم بحضور الرفيق كريم احمد الذي كان موجودا في مقرنا. بعدها التقيت مع د. جرجيس حسن مسؤول الفرع الاول لبحث امكانية مساعدتهم على فتح مقر خاص بهم، فأوضح لي انه لا يستطيع البت في هذا الموضوع وان القرار بذلك يتخذه المكتب السياسي للحزب اديمقراطي الكردستاني، وانه يتوجب عليهم الحصول على موافقة كاك مسعود او المكتب السياسي للسماح لهم بفتح المقر ومزاولة العمل السياسي والعسكري في المنطقة.
زودناهم برسالة لرفاقنا في م.س في منطقة نوكان لتسهيل مهمتهم. وفعلا التقى بهم هناك الرفاق سليمان يوسف(ابو عامل) ويوسف حنا(ابو حكمت) اللذان زوداهم برسالة اخرى الى قيادة حدك التي استجابت لطلبهم.
ولكن لم تمض الا فترة قصيرة على وجودهم في بهدينان حتى دعي احد اعضاء حدك (ويدعى نيسان – وكان مقيما في امريكا) للتوجه فورا الى كردستان. وبمجرد وصول نيسان تقرر تشكيل تنظيم اثوري مواز للحركة الديمقراطية الاثورية بأسم التجمع الديمقراطي الاثوري في بهدينان والتحق معه (15) مسلحا من الاثوريين العاملين مع حدك وشكلوا فصيلا مسلحا واقيم لهم مقر خاص.

واجهت الحركة صعوبات جمة داخلية وخارجية خلال مسيرتها النضالية. اذ لوحظ بعد فترة من إستقرارهم في بهدينان بروز خلافات بين اعضاء القيادة، حيث انفصل عنها كل من سر?ون وبيوس ويوخنا، وكان قد سبق ذلك استقالة ابو فينوس فلم يبق من قيادة الحركة في كردستان سوى يونادم يوسف كنا ( ياقو) و د. هرمز ونينوس في الوقت الذي كانت السلطة الدكتاتورية قد اقدمت على اعدام ثلاثة من رفاقهم القياديين في بغداد.
نشأت الخلافات بين الحركة والتجمع. وكان اساس تلك الخلافات الانفراد بالعمل السياسي وسط ابناء المنطقة من الاشوريين والسعي لإزاحة الحركة وعزلها.
لقد كنا نلاحظ رفضا واضحا من حدك للطلب الذي قدمته الحركة الاثورية للانظمام الى الجبهة الوطنية الديمقراطية، واصراره (حدك) على جعل المقعد مشتركا بين الحركة والتجمع، او ان يمنح التجمع مقعدا خاصا به في حال حصول الحركة على معقد في جود .
وقد باءت بالفشل كل محاولاتنا للتقريب بين وجهات النظر والاتفاق على حل يرضي الطرفين. وقد حضرت شخصيا عدة اجتماعات مشتركة بين الحركة والتجمع، الا ان المباحثات كانت تصطدم بأستمرار بأصرار مسؤول التجمع ( نيسان ) على تبوء الموقع القيادي الاول في المنظمة الموحدة التي كانت المباحثات تجري للاتفاق على تشكيلها من التنظيمين. ولم يوافق نيسان على استلام المسؤولية العسكرية الاولى كمقترح قدم له.
وهكذا لم تتمخض تلك الاجتماعات عن نتيجة ، وبقيت الحركة خارج اطار جود.

عانت الحركة الكثير من ضغط حدك عليها. وأُعتقل احد كوادرها القياديين لمدة سنتين، حتى عام 1986، وساءت العلاقة بين حدك والحركة الى درجة خطيرة حينما اقدمت الحركة على اعتقال بعض المشبوهين من الاشوريين، الامر الذي اعتبره حدك تجاوزا وتدخلا في شؤونه بأعتباره الحزب المتنفذ!! في المنطقة . وإضافة الى ذلك فإن عدم انظمام الحركة الى جبهة جود يحرمها من حق اعتقال المواطنين.
وحينما اعتقلت الحركة احد الاثوريين من مدينة دهوك واودعته السجن، تقدم اقاربه بطلب الى الفرع الاول للضغط من اجل اطلاق سراحه. فطلب د. جرجيس حسن مسؤول الفرع الاول لحدك من قيادة الحركة اخلاء سبيل المعتقل. الا ان طلبه رفض واعتبر ذلك تدخلا في شؤون الحركة، مما اثار حفيظة قيادة الفرع الاول. فأتصل بي د. جرجيس للتدخل لفض المشكلة ذاكرا بأن مقاتلي حدك سيقتحمون مقر الحركة اذا لم يطلق سراح المعتقل خلال ساعة واحدة فقط.
اتصلت بالاخ قادر عزيز عضو م.س الحزب الاشتراكي الكردستاني، حاليا سكرتير حزب زحمة كشان)، وطلبت منه الالتقاء معا بقيادة الحركة لحل النزاع تفاديا لاية تطورات لن تكون في صالح الحركة بلا شك. وفعلا التقينا مع الرفاق نينوس وسر?ون، وبعد نصف ساعة ابلغونا بأنهم قد اخلوا سبيل المعتقل.
اما علاقة الحركة بحزبنا فقد كانت جيدة بأستمرار، حيث كانت لقاءاتنا مستمرة طوال فترة وجودنا في كردستان. وقدم الحزب للحركة شتى انواع المساعدات، وتكللت جهودنا بالنجاح في انظمام الحركة وحزب زحمة كشان الى الجبهة الكردستانية. وتم قبول الحركة ايضا في الهيئة العامة للجنة العمل المشترك، وفي المؤتمر الاول للمعارضة العراقية الذي عقد في بيروت. لقد اعتبر حزبنا الحركة جزءا من التيار الديمقراطي، ومن هذا المنطلق عمل على تطوير العلاقة معها بأستمرار. وبعد انتفاظة 1991، ساعدنا الحركة بعدة قطع من السلاح اثناء دخولهم الى كردستان.
لقد توسعت القاعدة الجماهيرية للحركة الديمقراطية الاشورية بعد الانتفاضة ، وذلك لخلو الساحة الكردستانية من المنظمات القومية و الاشورية والكلدانية. الا ان هذا التوسع اقتصر على الشبيبة الاشورية، لعدم قدرة الحركة من الانفتاح على الكلدان الموجودين في كردستان، ولعدم التمكن من اتباع سياسة جامعة مرنة ازاء هذا الشعب بكل تسمياته، والاصرار على فرض تسمية " الاشوريين " على الجميع، مما أدى إلى ردود افعال عنيفة لدى الكلدان.
وعانت الحركة الديمقراطية الاشورية اسوة بباقي التنظيمات القومية والوطنية من تراجع بقواها بسبب انسحاب العديد ممن استهواهم العمل السياسي، وخاصة القومي منه، بعد تأزم الاوضاع في كردستان والاقتتال الكردي – الكردي الذي ترك اثارا سلبية كبيرة على معنويات الملتحقين الجدد.
وبأعتقادي يتوجب على الحركة الديمقراطية في هذه المرحلة، اتباع سياسة اكثر مرونة تجاه الجماهير والانفتاح على كافة المنظمات القومية دون وضع حواجز مسبقة او شروط تعجيزية للعمل المشترك، والاهم من كل ذلك نبذ سياسة احتكار ساحة النضال.

ثانيا ـ الحزب الاشتراكي الكردستاني ـ حزب زحمة كشان
بدأت علاقتنا مع الحزب الاشتراكي الكردستاني منذ تشكيله، بعد انفصال الاخ رسول مامند وقياديين اخرين عن اوك، حيث كانوا يمثلون الحركة الاشتراكية الكردية ضمن الاتحاد الوطني الكردستاني .
وحينما تصاعدت الخلافات بين مفارز الاشتراكي واوك في دشت اربيل، وبحكم علاقتنا مع الطرفين، وقفنا كوسيط محايد لحل تلك الخلافات.
انظم الحزب الاشتراكي الكردستاني الى جبهة "جود" منذ قيامها، وتركز نفوذه في منطقة اربيل وبنسبة اقل في السليمانية. ولم يكن للحزب الاشتراكي اي وجود يذكر في منطقة بهدينان. في ذلك الحين، كان حزبنا يساعد الاشتراكي ويدعمه ماليا. وبعد اجتماع اللجنة المركزية في عام 1984 تقدموا بطلب لاستظافة مفرزة ( فصيل ) منهم ومساعدتهم للنشاط في بهدينان، وبطبيعة الحال كنا قد رحبنا بالفكرة وابدينا الاستعداد للمساعدة.
وفعلا وصل الينا الرفيق ماموستا امين على رأس قوة عددها 15 مسلحا، وجرى التعامل معهم كأحدى سرايانا. وخصصنا لهم احدى البنايات ضمن مقرنا ، لتكون مقرا ثابتا بعد تزويدهم بكل الاحتياجات الضرورية. وجرت معاملتهم على غرار أنصارنا من خلال صرف مبلغ 14 دينار كمخصصات تغذية و10 دنانير مصاريف جيب لكل مقاتل منهم شهريا اسوة بأنصارنا، بالاضافة الى تزويدهم بالعتاد. واستمر الحال حتى الانشقاق الذي حصل في الحزب الاشتراكي بخروج الاخ قادر عزيز ومجموعة من الكوادر. وكان قرار المجموعة الموجودة في مقرنا الانظمام الى جناح قادر عزيز.
ومما يذكر فأن الانشقاق قد حصل بعد مؤتمر الحزب الاشتراكي اثر خروج قادر عزيز ومجموعة من الكادر وعدد كبير من اعضاء الحزب ليشكلوا منظمة جديدة. وحال وصولهم الى بهدينان عقدوا مؤتمرا جديدا واعلنوا تشكيل حزب زحمة كشان، وانتخب قادر عزيز سكرتيرا للجنة المركزية .
وعل اثر هذه التطورات ساءت علاقاتنا مع الحزب الاشتراكي الكردستاني الذي قرر تجميد علاقته معنا بسبب مساعدتنا لقادر عزيز في الوصول الى بهدينان، علما بأنه لم يكن لحزبنا اي دور او علاقة في هذا الموضوع. وكان من المفترض بالحزب الاشتراكي مفاتحة جبهة جود في حالة امتلاكه لاية اثباتات على وجود دور لنا للتحقيق والمحاسبة، بدلا من اتخاذ قرار بتجميد العلاقات.
كانت مفارز الاشتراكي تتجول كالسابق في دشت اربيل فأصطدمت بمجموعة من ?يشمر?ه زحمة كيشان. واسفرت المواجهة بينهم عن مقتل احد كوادر الاشتراكي (قادر مصطفى)، فأحيلت القضية الى الجبهة الكردستانية للتحقيق. وتقرر ان يكون حدك متابعا للتحقيق.
وتشكلت لجنة تحقيقية لدراسة المشكلة ولتقديم المسببين للمحاسبة. وطلب حدك تسليم المتهمين اليه لغرض التحقيق معهم. فأبدى قادر عزيز اعتراضه امام اصرار شديد من حدك على تسليمهم صباح اليوم التالي .
ابلغنا قادر عزيز مساءا بأنهم سيتركون مقرهم الليلة بالذات لتلافي اي اصطدام بينهم وبين حدك. وسلموا لنا اثنين من العملاء كانوا في سجنهم، وتركوا المنطقة الى اربيل حيث يوجد الفوج 31 لرفاقنا وكان عددهم حوالي 150 مقاتلا.
صباح اليوم التالي علم حدك بمغادرتهم المنطقة، فأوعز الى جميع ال?يشمر?ه بألقاء القبض على كل مسلح ينتمي الى حزب زحمة كشان. وبالفعل تم تجريد اكثر من عشرين مقاتلا من السلاح. كما حاول شمال الزيباري احد مسؤولي حدك اعتقال مجموعة اخرى منهم كانت بضيافة رفاقنا في مقر كافية، الا ان رفاقنا رفضوا السماح بأعتقالهم.
استقرت قوتهم تلك مع من كانوا ضمن مفارزهم في دشت اربيل، في منطقة خارج حدود بهدينان ، ضيوفا على حزبنا. واستمرت هذه الحالة حتى حملة الانفال دون حدوث اية مشاكل بينهم وبين حدك.
بعد فترة زارنا قادر عزيز في منطقة زيوه وطلب منا المساعدة في ترتيب لقاء له مع الاخ مسعود البارزاني، وكان حينها موجودا في مقره بمنطقة نيروه القريبة من مقراتنا. وبالفعل كتبت رسالة بهذا الخصوص الى مسعود، وتم اللقاء في نفس اليوم. وبعد مباحثات بينهما تم التوصل الى حل المشاكل واعيدت اليهم قطع السلاح التي حجزت منذ بداية نشوب الازمة. وعلى اثر ذلك رجع أفراد ?يشمر?ه زحمة كيشان ثانية الى بهدينان، واستقروا في منطقة كافية قرب مقر قاطعنا في اربيل.




أوراق توما توماس
( 29 )




ثالثا ـ الاتحاد الوطني الكردستاني ـ بداية العلاقة وتطوراتها

بعد انهيار الحركة المسلحة الكردية آذار 1975، تأسس الاتحاد الوطني الكردستاني عام 1976. وتشكل الاتحاد في حينها من منظمة كومله – الحركة الاشتراكية الكردستانية – خط بان – الهيئة التحضيرية (محمود عثمان)، وانتخب جلال الطالباني امينا عاما للاتحاد.
وباشر الاتحاد نشاطه في كردستان على سفوح جبل قنديل قرب الحدود العراقية الايرانية. اما الحزب الديمقراطي الكردستاني، فقد بادرت نخبة من الشباب من المثقفين لاعادة التنظيم وشكلوا القيادة المؤقتة. وقد إنحصر وجودها في بعض المناطق الحدودية مع تركيا كما جرت الاشارة سابقا.
ومنذ الايام الاولى للجوء رفاقنا الى كردستان، قدم الاتحاد الوطني الكردستاني وبشخص امينه العام كل التأييد والدعم لرفاقنا. ويوما بعد اخر تعمقت علاقاتنا الثنائية وتطورت نحو الافضل. وبحكم علاقتنا المتميزة مع اوك تمكنا من تخفيف حدة الخلافات بينه وبين الحزب الاشتراكي الكردستاني الموحد ، بعد انشقاق رسول مامند من الحركة الاشتراكية وأنظمام د. محمود عثمان اليه ، حيث تم تشكيل الحزب الاشتراكي الكردستاني الموحد.
الا ان الخلافات سرعان ما برزت بيننا وبين اوك اثر انظمامنا الى جبهة جود التي جمعتنا مع الاشتراكي والديمقراطي الكردستاني، في الوقت الذي كنا ضمن الجبهة الوطنية والقومية الديمقراطية (جوقد). وتصاعدت تلك الخلافات الى حد الاقتتال عام 1981، حينما حاولت مفارز اوك الاعتداء على مفرزة مشتركة لجبهة جود، فأضطر رفاقنا الى الإنخراط في معركة دفاع عن النفس. وخسر الاتحاد تلك المواجهة التي ادت الى اسر عدد من مسلحيه (اطلق سراحهم فيما بعد).
لكن بعد ذلك عادت علاقاتنا مع اوك الى حالتها الطبيعية. وتواصلت اللقاءات بين قيادتي الحزبين، واستمرت مقراتنا قريبة من مقراتهم (كان مقرنا في نوكان قريبا جدا من مقر الطالباني في ناوزنك).

?شت آشان ـ عربون للبعث
بعد انتهاء اجتماع ل.م في نوكان بدأت الاستعدادات للانتقال الى الموقع الجديد بشت آشان التي اختيرت لتكون مقرا عاما لقيادة الحزب، وموقعا لعقد المؤتمر الوطني الرابع.
غادر الرفيق سكرتير الحزب الى الخارج على امل العودة ربيع 1983 لعقد المؤتمر. في تلك الفترة اتسمت علاقاتنا مع اوك بكونها طبيعية، كما ذكرت قبل قليل. الا ان معلومات بدأت تصل الى قيادة الحزب كانت تشير الى اتصالات سرية تجري بين السلطة و(اوك )، وان ( اوك ) يبدي حماسا لتطوير علاقته بالسلطة. لكن قيادة الاتحاد – وكما هو متوقع – كانت تنفي تلك الاخبار وتؤكد على انها مجرد اشاعات لتشويه سمعة اوك.
اخيرا استقرت المقرات الحزبية، اي مقر م.س و مقر معم ومقر تنظيم الداخل في قرية ?شت آشان المهجورة. ووُزعت السرايا في اطرافها لحراسة المقر العام وحمايته. لكن من الناحية العملية لم يكن بمقدور تلك السرايا تقديم اي عون للمقر فيما لو قطع عنها الطريق بسبب بعدها عن المقر اساسا. ولا اعرف اي عقل عسكري قرر ان تكون هذه المنطقة مقرا عاما لقيادة الحزب ويكدس فيها كل الكادر العامل في التنظيم والاعلام والاذاعة ... الخ.
تقع قرية ?شت آشان على السفح الجنوبي لجبل قنديل. ويجري فيها جدول صغير. وتحيط بها الجبال من ثلاث جهات بإستثناء جنوبها. وفي الشتاء تحول الثلوج من اجتياز تلك الجبال حيث تنقطع الطرق بينها وبين ايران او القرى العراقية الواقعة شمالها، بمعنى ان المنطقة تصبح معزولة ومحاصرة تماما وساقطة من الناحية العسكرية اذا تمت السيطرة على الواجهة الامامية. وهذا ما حدث بالضبط حينما احتلت قوات اوك قرية "اشقولكا"، فأمسى موقع ?شت آشان موقعا عسكريا ساقطا.
ان حسن النية التي تعامل بها رفاقنا في قيادة الحزب تجاه اوك، وهو يتهيأ لتوجيه ضربته الخاطفة والغادرة لحزبنا، لا يمكن ان تبرر اطلاقا، خاصة بعد ان وقعت بأيدينا رسائل متبادلة بين قادتهم ( وسنأتي على ذكرها بالتفصيل لاحقا).
في 5 شباط 1983 عقد اجتماع مشترك بين حزبنا واوك وعلى اعلى مستوى حيث ترأس وفد اوك جلال الطالباني، وترأس وفد حزبنا الرفيق كريم احمد. ودرس الاجتماع العلاقة بين الحزبين وسبل تطويرها وصدر بلاغ عن ذلك الاجتماع والذي سمي ب " الاتفاق الاستراتيجي". وخرج رفاقنا ممتلئين بالتفاؤل بتحسن العلاقات مع اوك.
في يوم 11 شباط ، اي بعد ستة ايام فقط من " الاتفاق الاستراتيجي "، تعرضت مفرزة من رفاقنا تحمل البريد الحزبي الى المقر لاعتداء غير متوقع من قبل مجموعة مسلحة من اوك. وكانت حصيلتها استشهاد ثلاثة رفاق واسر اربعة اخرين. حصل ذلك دون اي سابق انذار وقبل ان ينشف حبر " الاتفاق الاستراتيجي ".
وبعد الحادثة ايضا لم ينتبه رفاقنا في قيادة الحزب السياسية والعسكرية. واعتبروا ان ما حصل كان مجرد حادث عفوي وغير مدبر. ولم تتخذ القيادة اية اجراءات للرد على اوك، او حتى اجراءات احترازية لتهيئة الرفاق ولو فكريا للاستعداد والحذر. بل جرى النقيض من ذلك. هيئ اوك المناخ الملائم داخل تنظيماته ومسلحيه لتنفيذ ما كان يخطط له. ففي رسالة لـ( نوشيروان) مرسلة الى سيد كريم مسؤول المركز الرابع ومؤرخة في 13 / آذار / 1983، عثر عليها رفاقنا من قاطع اربيل عند سيطرتهم على مقر المركز الرابع، يقول فيها " انت تعرف كم احب هؤلاء !! ( ويقصد الشيوعيين وانصار جود ) انت تعرف رأيي ، انا لست من مؤيدي المعارك المحدودة طويلة الامد دون برنامج لتصفية مباغتة وانهاء المعارك في وقت قصير. لقد تكلمت بواسطة اللاسلكي مع علي وبقية الاخوان وسألتهم هل بأمكاننا تصفيتهم مثل الجيش الاسلامي الكردي خلال بضعة ايام وبعدد من المعارك ؟".
بهذه الذهنية كان قادة اوك يتعاونون مع الاحزاب الاخرى وخاصة حزبنا. أما نحن فكنا في غفلة من امرهم، ونستبعد قيامهم بأي عمل غادر. من هنا لا يمكنني الاقتناع بأن حادثة 11 شباط كانت مجرد امر عفوي وغير مدبر. ولم يتوقف اوك عن ممارساته للغدر برفاقنا، واستمرت محاولاته لافتعال اية مسببات للقيام بهجومه الغادر لتصفية الحزب بأكمله.
وعند الرجوع قليلاً الى الوراء وتتبع تسلسل الاحداث، وبالضبط الى حيث كان رفاقنا الانصار في قاطع اربيل ( وكان مقرهم في وادي باليسان )، فقد كانت سرايا ومفارز القاطع تتجول بحريتها وبسهولة فائقة في سهل اربيل وتدخل المدن وتضرب مواقع المرتزقة ورجال المخابرات والقوى الامنية ، ولم تفلح السلطة في ابعادهم عن المنطقة رغم كل اجراءاتها العسكرية.
وفي منطقة باليسان ، حدث نقاش حاد بين انصارنا وبين بعض منتسبي اوك ، وتطور بشكل حاد الى نزاع مسلح قتل فيه اثنان من كوادر اوك، فكانت الحادثة افضل ذريعة إستغلها اوك لتنفيذ مخططه، وكمهمة تتوجب القيام بها وهو في طريقه الى خيمة السلطة.
لقد حصلت حوادث اكبر واخطر من تلك الحادثة وتم حل الخلافات حينها بطرق هادئة. الا ان اوك كان ينوي هذه المرة تصفية الحزب فعلا، والا فأن اي رد فعل على الحادثة كان مفترضا ان يكون في منطقة اربيل بالذات. لكن تصفية الحزب تتطلب من اوك شن هجوم كاسح على مقرات قيادة الحزب.
ودون ان ينتبه مكتبنا العسكري، حشد اوك مسلحيه بأتجاه ?شت آشان تحت قيادة نوشيروان. وبطبيعة الحال لم تُتخذ اية اجراءات لدرء المخاطر وتقليل الخسائر ومن خلال تخفيف المقرات ووضع خطة طوارئ مناسبة للدفاع والانسحاب في حالة الاضطرار.
تم اختيار صبيحة الاول من ايار ليكون موعدا للهجوم الشامل والمباغت الذي دشن في منطقة اشقولكا حيث يستقر انصارنا وانصار الحزب الاشتراكي الكردستاني ويتهيئون للاحتفال بعيد العمال العالمي.
كان القتل ، والقتل فقط هو هدف المهاجمين. فقد استشهد العديد من رفاقنا قبل ان يشهروا اسلحتهم بوجه المهاجمين. واستمر الهجوم على بشت آشان حيث فوجئت المواقع في (ايني) و(اندژه) و (?ولي) وغيرها، وسقط المزيد من الشهداء واغلبهم من الكوادر غير المسلحة والعوائل وعدد كبير من رموز العلم والمعرفة ومن حاملي القلم. ولم ينجو من تلك المجزرة سوى الذين توجهوا الى جبل قنديل المغطى بالثلوج. وكان اغلب الشهداء من الرفاق العرب القادمين من محافظات الوسط والجنوب ليساهموا مع رفاقهم الاكراد في النضال ضد الدكتاتورية ومن اجل الديمقراطية للعراق والحقوق القومية العادلة للشعب الكردي. لقد سقطت الرفيقة عميدة عذيبي ( احلام) اول شهيدة على ايدي من يدعون انهم سيحررون كردستان !!!

وفي مثل هذا الوضع الحرج والخطر جدا، قرر الرفيقان واحمد بانيخيلاني ترك موقع بشت آشان قبل دخول مسلحي نوشيروان اليها، يرافقهما في الانسحاب عدد كبير من الكوادر الحزبية بإتجاه منطقة روست. الا ان مسلحي اوك استمروا في ملاحقتهم ونصبت امامهم العديد من الكمائن ، ليصطدموا بأحد الكمائن. وبقرار من الرفيقين كريم وبانيخيلاني سلموا انفسهم كأسرى جميعا تلافيا للاصطدام المسلح ، وتفاديا لوقوع المزيد من الخسائر.
ولكن هدف الهجوم كما كان واضحا لم يكن الا من اجل التصفية الجسدية. لذلك بدأ مسلحو اوك بإطلاق النار على الرفاق الاسرى، فسقط في الحال 25 شهيدا. واقتيد الاخرين كأسرى حرب ومن بينهم الرفاق كريم وبانيخيلاني وقادر رشيد، حيث سيقوا الى المقر العام لاوك في ژه لي ليودعوا السجن هناك.
لقد تجاوز عدد شهدائنا في ?شت آشان 65 رفيقا. وقام رفاقنا مضطرين بتدمير الاذاعة والاسلحة الثقيلة ، اضافة الى انقطاع الجميع عن الصلة مع المركز. الا ان الاخبار كانت تصلنا عن طريق حدك وعبر اذاعة اوك، ومنها جاءنا نبأ الاتفاق الذي وقعه جلال الطالباني مع كريم احمد بإيقاف القتال ليزيد من المأساة. فقد كان الرفاق في وضع نفسي صعب للغاية بسبب الخسائر الجسيمة التي مني بها الحزب. فما زالت جثث شهدائنا متناثرة هنا وهناك دون ان يتمكن احد من دفنها. ان التبريرات التي قدمها الرفيق كريم احمد لا يمكن ان تقنع اجدا، فقد وقع الاتفاق لدرء مخاطر الهجوم على قاطع اربيل حسب تصريحاته، متناسيا بأن عدد الانصار في هذا القاطع قد تجاوز الـ 700 نصير وهم من اشجع المقاتلين ولديهم قيادات ميدانية متمرسة. ولو كان بأمكان اوك كسب المعركة لما تردد في شن الهجوم على رفاقنا .
لقد تم التوقيع ، عندما كان الرفيق كريم في الاسر وهو بهذه الحالة يفتقر لاية معلومات عن وضع الحزب ووضع قاطع اربيل ايضا، اضافة للضغط النفسي والمعنوي ونتيجة ما لمسه من مظاهر الغدر والانتقام. وربما جاء ذلك لرغبة صادقة بإنقاذ ما تبقى من قوى لدى الحزب.
اما موقف بهاء الدين نوري فلا يمكن تبريره اطلاقا. فقد كان عضوا في اللجنة المركزية ومسؤولا عسكريا وحزبيا في قاطع السليمانية، وبعيدا عن الاحداث من الناحية الميدانية، ومع ذلك اقدم على توقيع معاهدة "عدم الاعتداء والتعاون" بين القاطع واوك في قرية (ديوانه). وسميت بأتفاقية ديوانه ونصت على التعاون بين الطرفين وعدم الاعتداء، وكأن الرفيق مستقل بذاته. ان القيام بمثل هذا العمل وعن وعي وادراك يعتبر خرقا للمبادئ، وكانت احد اسباب طرده من الحزب، حيث لم يحض موقفه ذاك بأي تأييد، لا من قاعدة الحزب ولا من قيادته.
في مثل هذه الظروف المعقدة والمتشابكة والانكسار العسكري الخطير، انسحبت قيادة الحزب مع الكوادر وعدد من الانصار الى منطقة لولان عبر الاراضي الايرانية. وكان قاطع اربيل قد انسحب قبلها الى روست وليلكان. ونتيجة لذلك مرت تنظيمات الحزب وانصاره وكوادره بوضع فكري سئ للغاية. ونشط الذين كانوا ضد اسلوب الكفاح المسلح اساسا لتعميق المأساة والتأثير على الانصار لترك ساحة النضال في كردستان.

تحت ضغط تلك الاحداث وبتحريض وتشجيع من بعض الرفاق في قيادة الحزب، تشكلت هيئة لدراسة طلبات الرحيل الى الخارج. وكان اغلب اعضاء هذه الهيئة من مؤيدي ومشجعي الذهاب الى سوريا ، دون ان تبذل اية جهود تذكر لاقناع الرفاق بالعدول عن موقفهم. وبدأت قوافل المتوجهين الى سوريا عبر بهدينان ، لتعكس حالة انهيار كامل، لدرجة ان فلاحي المنطقة تناقلوا اخبارا تشير الى ان الحزب الشيوعي قد قرر ترك كردستان.
ولم تستمع الهيئة المكلفة بتسفير الرفاق الى ندائنا بالتأني قليلا لنتمكن من استيعاب الاعداد الكبيرة وتنظيم تسفيرها. واخيرا تمكنا من تسفير 309 رفيقا ورفيقة عبر بهدينان. ولا يشمل هذا العدد الرفاق الذين توجهوا الى الخارج عبر ايران، او الذين تركوا ساحة النضال ورجعوا الى قراهم في كردستان. وقد وصل العدد الاجمالي الى قرابة 500 نصير .



أوراق توما توماس
( 30 )


معارك بشت ئاشان الثانية ـ ايلول 1983

اتخذ المكتب السياسي قرارا متعجلا وخاطئا، ينص على القيام بعمل عسكري مضاد ضد اوك وبالتعاون مع حدك. ومهما كانت الغاية من الهجوم، سواء اكانت استعادة المقرات ام اعادة الاعتبار، فالانصار لم يفكروا يوما ما في الاحتفاظ بالارض الا في الحالات التي يمكنهم المحافظة على ما يتم السيطرة عليه من خلال وسائل دفاع قوية تردع الاعداء.
اما اذا كان الهدف اعادة الاعتبار والثقة بالنفس، فإن تكرار الهزيمة سيزيد من الانهيار والبلبلة الفكرية ويتحمل مسؤولية ذلك م.س بإعتباره قد خطط لهذه المعركة. ومن المعروف ان احد ابرز الشروط الاساسية في الحروب والمعارك هي الحالة النفسية للمقاتلين قبل زجهم في معركة ما، وبالتالي مدى استعدادهم للصمود والمجابهة .
واذا تابعنا الوضع عن كثب نجد ان مقاتلي اوك كانوا في وضع افضل بكثير، فمعنوياتهم كانت عالية ولديهم كل الامكانيات المادية بعد تعاونهم مع السلطة. ومن الجانب الاخر، لم تعقد اللجنة المركزية اي اجتماع لدراسة الوضع المستجد، فسكرتير الحزب كان خارج كردستان، والمكتب العسكري كان قد اصبح مشلولا تماما. في ظل هذه الظروف قرر م.س، وبالتعاون مع حدك، القتال ضد اوك .
فوجئنا في قاطع بهدينان بطلب من الرفاق في م.س بإرسال قوة من بهدينان دون الاشارة الى الغاية من ارسال هذه القوة. الا اني كنت على علم بما يخطط له م.س وهو الهجوم على ?شت آشان. ارسلت للرفاق رسالة شرحت فيها رأيي، وطلبت التأجيل بسبب ما يعانيه الرفاق من وضع فكري مرتبك ومعنويات منهارة. ولكن احدا لم يقتنع.
تم اختيار 70 مقاتلا من قاطعنا بقيادة الرفيق حسان ( جبار شهد ) معاون آمر الفوج الثالث ويساعده الرفيق نزار ناجي يوسف (ابو ليلى) المستشار السياسي للفوج الثالث وامراء السرايا الرفاق ابو ايفان ( احمد اسلام) وتوفيق ( خيري درمان)، وتوجهت القوة في نهاية ايار 1983 .

وتم الاتفاق بين م.س وحدك على القيام بهجوم مشترك في اوائل ايلول للسيطرة على ?شت آشان والمنطقة المحيطة بها والاحتفاظ بها.

كان التخطيط خاطئا منذ البداية، ولم تكن رؤية رفاقنا في م.س واقعية. فقد تم ارسال قوة كبيرة من الانصار الى منطقة ?شت آشان البعيدة عن مقراتنا الاساسية ، وهي منطقة خالية من المواد التموينية مما يعرض قواتنا لخطر حقيقي بسبب حرمانها من الامدادات العسكرية والتموينية. اما اوك فقد كان يستلم الامدادات من السلطة مباشرة، ولديه شبكة اتصالات جيدة ووسائط نقل وتموين اضافة الى المعنويات العالية بعد انتصارهم على رفاقنا وعلى انصار الحزب الاشتراكي الموحد في الاول من ايار.
اتخذ مقاتلوا جود مواقعهم في ?شت آشان واطرافها منتظرين هجوم مسلحي اوك عليهم. ونشب قتال غير متكافئ ، استبسل فيه رفاقنا ورفاق حدك ببطولة وشجاعة نادرتين. ولكن امكانيات اوك العسكرية وسرعة نقل الامدادات الى المنطقة اثرتا بشكل كبير في ميزان القوى، حيث تمكنوا من السيطرة على بعض الربايا مما اثر على الساحة القتالية بأكملها. وتمكن مسلحو أوك من ضرب طوق حول الموقع ومحاصرة مقاتلي جود، الذين اضطروا الى الانسحاب بعد ان سقط لنا شهداء جدد. وقد استشهد من قوتنا من بهدينان الرفاق :

نزار ناجي يوسف (ابوليلى) – المستشار السياسي للفوج الثالث

جبار شهد (ملازم حسان) – معاون امر الفوج الثالث ، مسؤول القوة .

زهير جواد موسى (ملازم جواد) – كان قد التحق حديثا من الدورة العسكرية .

غسان عاكف حمودي (دكتور عادل) - طبيب القوة .

جعفر سيد جلال (سيد نهاد) احد ابطال الفوج الثالث – حامل العفاروف

صامد احمد الزنبوري (ابو خلود) امر فصيل ومعرف بشجاعته


اما حدك فقد خسر من قوة بهدينان اثنان من مقاتليها الشجعان وهما من برزان :

حسو ميرخان ژاژوكي

عبد الرحيم جسيم


الاجتياح التركي لحدودنا وتدمير مقراتنا

1 ـ الوضع عشية الاجتياح

كان الوضع في المنطقة التي تتواجد فيها مقراتنا ، قد بدأ بالتأزم على اثر الاتفاقية التي عقدها النظام العراقي مع الحكومة التركية، والتي سمح فيها للقوات العسكرية التركية بتجاوز الحدود الدولية واختراق الاراضي العراقية بعمق 15 كيلو مترا بحجة ملاحقة المسلحين الاتراك برا وجوا. ولقد لوحظ تبدل في مواقف الاتراك من وجود مسلحينا ومقراتنا قرب الحدود العراقية – التركية، مما دفعنا الى تدارس الاوضاع الجديدة، والتي تحتم علينا نقل مقراتنا ( في كلي كوماته) الى الجهة الاخرى من الجبال الحدودية بأتجاه العمق العراقي بحوالي كيلو متر واحد. ومما زاد الطين بلّه استمرار مهربي الاغنام الاتراك في إجتياز الحدود في مناطق قريبة من مقراتنا، بالاضافة الى وجود بعض منتسبي القوى الكردية التركية قرب مقراتنا.
وقد جاءت الضربات الموجعة التي وجهناها الى قوات النظام في بهدينان،وفي مقدمتها العملية العسكرية التي نفذها انصار السرية الخامسة على ربايا "سي كر"، لتعجل من التنسيق العراقي التركي لضرب مقراتنا .
في خريف عام 1982، وفي طريق عودتي الى بهدينان بعد اجتماع اللجنة المركزية وعند وصولنا الى منطقة برواري بالا ، تلقيت اخبارا عن هرب عائلتي من القوش ووصولها الى قرية كاني بلاف، وهي قرية تسكنها عوائل مسيحية. وهناك التقيت بالعائلة وتقرر اصطحابهم الى مقر كوماته تحسبا من اعتداء عملاء السلطة عليهم.

مساء يوم 29/10/1982 تحركنا في مفرزة ومعنا العائلة من قرية بازى باتجاه قرية تاشيش لعبور الشارع العام الرابط بين باطوفا وكاني ماسي، ومن هناك نحو كلي قمرية.
كان في مقدمة المفرزة 4 انصار ادلاء على بعد 400 متر ، وحسب ما تأكد لنا فإن الطريق كانت سالكة بمعنى آمنة، حيث وصلت للتو مفرزة من الاتجاه الاخر. وقبل وصول الادلاء الى نقطة العبور بمسافة 400 متر ، تعرضوا لاطلاق نار كثيف استشهد على اثره الشهيد شيفان وانهمر الرصاص كثيفا على بقية رفاق المفرزة، الا اننا تمكنا من الانسحاب الى نقطة انطلاقنا. وفي اليوم التالي سلكنا طريقا اخرا عبر "الكوشك" متوجهين الى مقر كوماته .

2 ـ انذار الجيش التركي لنا واجتياحه الحدود

كان ربيع سنة 1983 مأساويا ومليئا بالمفاجأت والاحداث المؤلمة. فقد ساءت العلاقة بين الاحزاب الكردستانية في منطقة سوران لتصل الى حد المعارك الدموية، ولتؤدي الى وقوع ضحايا بشرية ومادية من كل الاطراف. كنّا في بهدينان ، بعيدين عن تلك الاحداث. وكانت العلاقات بين الاحزاب المستقرة في كلي كوماته، حدك والشيوعي والاشتراكي والحركة الديمقراطية الاشورية ، اضافة لمقرات بعض الاحزاب الكردية التركية، يسودها الوئام والتعاون.

لقد اولت لجنة الجبهة الوطنية الديمقراطية ( جود ) اهمية استثنائية للاخبار التي كانت ترد حول قرب توقيع الاتفاق الخياني بين النظام العراقي والحكومة التركية. وقررت لجنة جود العمل بشكل مشترك ومثابر لايجاد مقرات بديلة وبعيدة عن الحدود للانتقال اليها بأسرع ما يمكن. واستقر الرأي المشترك على التوجه نحو العمق العراقي. وبعد استطلاعات للمنطقة، تقرر اقامة المقرات في وادي " زندوره " بشكل اولي، للابتعاد قليلا عن الحدود وتجنبا لتحرشات الجندرمة التركية.
يقع وادي زندوره وراء جبل كيسته في قرية بلمبّير، ويبعد عن الحدود التركية بحوالي 5 كيلومترات. وبالفعل باشرت الاحزاب بعد ان اختارت مواقعها بنصب الخيام وبناء بعض الابنية البسيطة والمباشرة تدريجيا بنقل الممتلكات والتجهيزات.
وفي اثناء عودتنا من زيارة سريعة للمواقع الجديدة لمتابعة استعدادات الانتقال، فوجئنا بأحد الانصار وقد ارسل الينا من المقر، ليبلغنا بأن القائد العسكري التركي للمنطقة أنذر بوجوب اخلاء المقرات خلال 24 ساعة والا سنتعرض للقصف المدفعي وقصف الطائرات التركية، وإن الجيش التركي تهيئ لاكتساح المنطقة الحدودية لتدمير وحرق اي مقر فيها.
حال وصولنا الى المقر، تدارست لجنة الجبهة الوضع والانذار التركي وتقرر الطلب من الجانب التركي امهالنا مدة ثلاثة ايام للتمكن فعلا من اخلاء المقرات.
الا اننا وفي ذات الوقت ودون اي تأخير قمنا بإرسال العوائل والمرضى والجرحى وباشرنا بنقل الممتلكات حسب اهميتها الى مقرنا الجديد، وكان مايزال مجرد وادي لا بناء فيه ولا خيام.
وحينما بدأت جحافل الجندرمة التركية تقدمها نحو المقرات الفرعية لل?يشمركَه ومخيمات العوائل على الحدود بإجتياحها وحرقها، كما جرى في منطقة ميركَه في عمق الاراضي العراقية بمسافة 3 كيلومترات، جرى الالتزام بتوجيهاتنا وفق القرار المشترك لقوى جود في المنطقة، ووفق برقيات م.س، والتي نصت على تجنب المواجهة مع الجندرمة لاجهاض المخطط الرامي لافتعال حرب بيننا وبين الاتراك.
وتمكنا من الانتقال كليا الى المقر الجديد. وتواصلت جهود انصارنا لاكمال بناء بعض القاعات والغرف. واتخذنا مزيدا من الاحتياطات ، من خلال وضع ربايا في محيط المقر، وارسال دوريات انصارية استطلاعية مستمرة تجوب تفرعات الجبل المشرف على الحدود لمراقبة حركة الجندرمة التركية واحتمالات تقدمها بأتجاه مواقعنا الجديدة.

في مساء يوم 26/5/1983 وعندما كانت دورية مشتركة من انصارنا وبيش مركة حدك في مهمة مراقبة لتحركات الجندرمة المعسكرين في آروش، فقد لاحظت تقدم قوة كبيرة من الجندرمة نحو قمة الجبل المطلة على مقراتنا الجديدة. ولم يعد هناك اي مجال لانصارنا بالانسحاب بعد ان اصبحوا وجها لوجه مع طلائع القوة المهاجمة التي امطرتهم بوابل من الرصاص. فأضطر انصارنا الى الرد ليصيبوا العديد منهم بين قتيل وجريح. واستشهد لنا نتيجة ذلك الاصطدام الرفيق رحيم كوكو العامري – ابو فكرت ، واصيب الرفيق باسم ( وكان قد التحق من الخارج حديثا ) ، حيث حوصر تماما من قبل الجندرمة ، ولم يكن امامه اي منفذ للنجاة سوى ان يرمي بنفسه من قطع جبلي عالي ، لتتهشم بعض من عظامه وبقي هناك اسفل مواقع الجندرمة صامدا محتفظا بسلاح العفاروف. وفي منتصف نفس الليلة تمكنت احدى مفارزنا البطلة من الوصول الى موقع الرفيق وسحبه بأمان .

لم تعد لدينا اية اوهام حول نوايا الطرف التركي وتواطئه مع نظام صدام حسين لمحاصرة قواتنا في تلك المنطقة وبالتالي البدء بإبادتها. كان علينا ان نقرأ الوقائع والاحداث ونستخلص منها توقعاتنا للخطوات القادمة التي سيقدم عليها اعداؤنا. كانت الاحداث تتسارع ولم يكن امامنا سوى البحث عن ردود افعال مناسبة وسريعة من جهة ، وتتوافق مع امكانياتها الفعلية من جهة اخرى.
في تلك الايام الصعبة نشط الطيران الحربي العراقي فوق مقراتنا. كما واصلت المدفعية الحكومية قصف المنطقة بشكل مركز. وباشرت طائرات الهليوكوبتر العراقية بالحوم في المنطقة، في مسعى لتنفيذ انزال عسكري. وحينما نفذ اول انزال في موقع مقرنا في " زندوره " كنا قد سبقناه بمدة مناسبة في الانسحاب نحو العمق العراقي.
في ظل هذه التطورات قررت لجنة جود مواصلة الانسحاب نحو العمق العراقي وتحديدا الى منطقة برواري بالا.
وقد سبق قرارنا ذاك قيامنا بأرسال العوائل والجرحى عبر ?لي قمريه الى مقر الفوج الثالث لانصارنا. وبعد اتمام نقل الاسلحة والاعتدة، استقر انصارنا في الجبال والوديان شمال قرية "هرور" تمهيدا للانتقال نهائيا الى برواري بالا.

صدرت التعليمات لجميع مسلحي جود بالتهيئة للتحرك. فقد تشكل رتل طويل من مسلحي جميع القوى تجاوز عددهم 300 مقاتل. وتم تكليف الرفيق سيد صالح عضو فرع الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة الرتل نحو منطقة العبور في طريق ضيق يمر في كَلي قمريه الملغوم. وبكل هدوء تمكن الجميع من اجتياز منطقة الخطر والتوجه الى قرية كَركا في الجانب الاخر من الشارع.

لم يكن من السهل على الرفيق ابو سرور العبور بسبب سوء حالته الصحية وعدم تمكنه من الحركة. مما اضطرنا الى تكليف مجموعة من الرفاق للبقاء معه في قمريه حتى اليوم التالي لترتيب متطلبات نقله محمولا على بغل الى المقر. وفي اليوم التالي تهيئ الرفاق للعبور بعد ربط الرفيق ابو سرور بشكل محكم على البغل واستقر خلفه الرفيق ابو تحسين امر سرية المقر، ليتكفل بأسناده في حالة اي ميلان في جلسته قد يؤدي الى سقوطه عن ظهر البغل.
وحال مباشرتهم الحركة، بدأت الربايا العسكرية بقصف ورمي مكثف بإتجاههم، مما ادى الى هرب البغل بإتجاه الربايا والرفيق ابو سرور مازال مربوطا عليه. ولم يكن بإمكان المرافقين له عمل اي شئ. ووصلوا الينا بدون الرفيق ابو سرور. وبدأنا بإرسال مفارز يومية الى تلك المنطقة الخطرة للبحث عنه، اذ ربما لم تكن الربايا قد انتبهت لوجوده. لكننا لم نفلح بالعثور على الرفيق .
بعد 12 يوما من الحادث، اخبرنا احد الفلاحين، بأنه قد شاهد شخصا في ?لي قمريه، هرب واختفى حينما رأه، ويبدو من ملامحه انه ليس كرديا. فقررنا في الحال ارسال مفرزة خاصة الى ?لي قمريه للبحث عنه. وبالفعل تمكنت مفرزتنا من الوصول اليه ونقله سالما الى المقر بعد ان كان قد قضى 12 يوما مختفيا بين الادغال، يأكل الحشائش البرية ويتوارى عن الانظار اذا ما لمح احدا.

وبعد استقرار مؤقت وقصير في منطقة برواري بالا، اتفقت قيادات الاحزاب على الانتقال الى مقرات جديدة افضل من الناحية العسكرية قرب قرية زيوه الواقعة على نهر الزاب الاعلى، والتي تبعد عن قضاء جلي جوقركة التركي قرابة 7 كيلومترات. وبقيت زيوه مقرا رئيسيا لجميع الاحزاب حتى حملة الانفال.

لم تكن هذه المواجهة في منطقة بهدينان الا الجزء الاخر مما كان يخطط له النظام لابادة قوى المعارضة المسلحة في كردستان ، اذ تمكن مسلحو اوك وبأسناد ودعم من النظام واجهزته ، من اقصاء مقاتلي جود عن مناطق السليمانية واربيل.
الا ان المخطط لم يحقق الاهداف التي رسمت له في بهدينان، الا بقدر ما يتعلق الامر بأشغال انصارنا بمواجهة التدخل التركي والتفرغ لسحب المقرات، لاتمام الجريمة التي نفذت ضد رفاقنا في ?شت آشان .
ان مواجهة هذه المعضلة واجتيازها بوقت قياسي وبخسارة رفيق واحد، ونجاحنا في التخلص من طوق محكم كان يطبق على مقاتلينا، انما يعود بالاساس الى متانة العلاقات بين الاحزاب والقوى المستقرة في بهدينان، وتعاونها والتزامها بالقرارات الجماعية التي اتخذت لمواجهة التدخل التركي.




أوراق توما توماس
( 31 )


الاجتماع الكامل للجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي ـ تموز 1984
في تموز 1984 عقدت اللجنة المركزية، بحضور الرفيق عزيز محمد الذي كان قد عاد الى كردستان ، اجتماعها الاعتيادي في اجواء وضع فكري متردي ومعقد وفي ظل حالات انهيار لدى العديد من الانصار. وقد خيمت ظاهرة تشجيع الهجرة وصعوبة العمل العسكري في قاطعي اربيل والسليمانية بسبب ملاحقة مسلحي اوك بعد احداث بشت ئاشان الدامية. وقد وجد البعض في ذلك الوضع مناسبة للتعبير عن ارائهم بالضد من اسلوب الكفاح المسلح.
لقد شّكل عام 1984 بداية لبروز الاراء المخالفة لسياسة الحزب بشكل علني، ليفسح المجال لاحقا لولادة مؤشرات حياة داخلية في الحزب ما زالت تواصل ترسخها وتعمقها لتتحول الى ممارسات صحية وسليمة ومتميزة. لقد طرح بعض الرفاق اراءهم الحقيقية في ذلك الاجتماع بصراحة وجرأة قلما شهدناها سابقا.
وكان موقف باقر ابراهيم في عدم حضور ذلك الاجتماع متصلبا للغاية رغم محاولات عديدة لتسهيل سفره الى مكان الاجتماع . وكنت مقتنعا بوجود اسباب اخرى لا صلة لها بأدعاء المرض. وفي الاجتماع تليت رسالة باقر إبراهيم التي اعلن فيها رأيه الصريح بمعارضة سياسة الحزب في الكفاح المسلح وعدم استعداده لمواصلة العمل في الموقع القيادي من خلال رفضه الترشيح للمكتب السياسي.

في ظل هذه الاجواء، اجتمعت اللجنة المركزية بكامل اعضائها في لولان وبحثت العديد من القضايا المهمة. فقد اثار الرفيق عامر عبد الله رأيه الصريح حول الكفاح المسلح واقترح تحويل مقرات الانصار الى محطات للاستراحة للرفاق الذين يتوجهون للداخل من اجل التنظيم وان لايقوم الانصار بأية أنشطة عسكرية، أي التخلي فعليا عن الكفاح المسلح ولكن بشكل مؤدب وان لايقوم الانصار باي نشاط عسكري عدا الدفاع عن النفس. كنت مع الرفاق مهدي عبد الكريم (ابو كسرى ) وابو يوسف جالسين سوية في زاوية من زوايا القاعة نصغي لرأي الرفيق عامر حين وصفنا بالصقور لمواقفنا المتشددة لانتهاج اسلوب الكفاح المسلح والتمسك به.
كذلك اعلن عدنان عباس، بعد الانتهاء من رسالة باقر، عن رفضه للكفاح المسلح ولم يؤيده في طروحاته سوى ماجد عبد الرضا.
وفي ذلك الاجتماع تم دراسة موضوع المرشحين لعضوية اللجنة المركزية منذ المؤتمر الوطني الثالث في 1976 . ووافقت اللجنة المركزية على تثبيت عضوية كل من الرفاق سليمان حاجي ( ابو سيروان ) و فخري كريم ( ابو نبيل ) و حميد مجيد موسى ( ابو داود ) بعد مضي 8 سنوات على ترشيحهم .
اما موضوع بهاء الدين نوري، فقد طرح بغيابه، ولا اعرف مبررا لذلك. فمن المفروض ووفق بنود النظام الداخلي حضوره للمحاسبة. واثيرت ضده النقاط التالية :
• اتفاقية ( ديوانه ) بين قيادة قاطع السليمانية وقيادة اوك من اجل التعاون وعدم الاعتداء ، بعد جريمة بشت ئاشان.
• قيامه بنشر تقييم لسياسة الحزب بشكل شخصي وتوزيعه على الرفاق .
• قيامه بشراء اجهزة الطباعة ومستلزماتها، ونشره بيانات ضد الحزب وسياسته وخلق التكتلات تمهيدا للانشقاق.
وقد وافق الاجتماع ، وبالاجماع على طرد بهاء الدين نوري. وقد ابلغ بالقرار ، اذ كان موجودا في مقر ( دراو )، الا انه تمكن بمساعدة م.س الحزب الاشتراكي الكردستاني من مغادرة المقر ووصل الى السليمانية واعلن انشقاقه عن الحزب، واصدر جريدة القاعدة لسان حال حزبه الذي كان يفتقر اساسا للاعضاء. اذ لم يلتحق ببهاء الدين نوري سوى عدد قليل جدا ومن اقاربه فقط.
وفي هذا الاجتماع ايضا قررت اللجنة المركزية عقد المؤتمر الوطني الرابع في العام المقبل 1985، ثم تليت رسالة من قيادة الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي بمنح الرفيق عزيز محمد وسام لينين لبلوغه الستين .

مفرزة عباس في شرك الامن
كان مسلحو اوك يسيطرون بشكل كامل على سهل اربيل ويلاحقون مفارز الانصار وال?يشمر?ه بالتعاون مع قوات الجيش واجهزة السلطة الاخرى. ورغم ذلك تمكنت مفارزنا من البقاء في سهل اربيل و خوشناوتي. وحدثت عدة صدامات بين انصارنا ومسلحي اوك ، استشهد خلالها عدد من رفاقنا الابطال. في تلك الفترة وفي ظل تلك الاوضاع، قررت قيادة قاطع اربيل ارسال مفرزة عباس الى اربيل لدخولها والبقاء فيها.

لم يكن المدعو مامند اسماعيل ( ممو )، [ وهو زوج شقيقة الرفيق كانبي محمد صالح العسكري المعروف بين انصارنا ] شخصا مجهولا لدى رفاق محلية اربيل. فقد سبق وان كان مرشحا في المحلية وطرد عام 1977 لوجود علاقة له مع اجهزة الامن.
في عام 1979 اتصل مامند اسماعيل بنا في مقر ناوزنك طالبا الالتحاق بانصارنا. ورفض المكتب العسكري في حينها طلبه ، لكن بعض اعضاء محلية اربيل ايدوا التحاقه ( احمد عوينه وملا نفطه ). وحسمت لجنة هندرين الموضوع برفض قبوله. بعدها التحق ممو بالحزب الاشتراكي الكردستاني ، وهناك ايضا ثارت حوله الشكوك ، فاعتقل لفترة واطلق سراحه.
وصل ممو الى مقر قاطع اربيل والتقى الرفيق ابو حكمت، وطلب قبوله صديقا للحزب وابدى استعداده للعمل ضمن مفارزنا في منطقة خوشناوتي. فوافق الرفيق ابو حكمت على طلبه.

انقطعت اخبار مفرزة عباس تماما ، وبدأ القلق يسيطر على الرفاق في قيادة القاطع. واخيرا وصلت اخبار من الرفاق في تنظيم الداخل مفادها الاتي :
تمكن ( ممو ) من جمع بعض المعلومات التي تشير الى وجود مفرزة عباس داخل اربيل. وبطرقه الخاصة استطاع الاتصال بعباس الذي طلب منه اخراجهم من مدينة اربيل ، فابدى استعداده لذلك.
ابلغ ممو مديرية الامن بهذه الغنيمة التي لا تقدر بثمن. فطلبوا منه التريث وعدم الاستعجال بتسليمهم لاعطاء الفرصة لمزيد من الاصدقاء للالتحاق بالمفرزة. وفعلا اصبح عدد اعضاء المفرزة 32 رفيقا وصديقا. قام ممو بتهيئة البيوت وتوفير كل المستلزمات لهم وفق توجيهات اجهزة الامن. وكان يقوم بنقلهم داخل اربيل لتبديل محلات اختفائهم مستخدما سيارات التاكسي لغرض التموية.
وبالحاح من عباس بضرورة الاستعجال في نقلهم الى خارج المدينة لكونهم تأخروا عن موعد عودتهم الى المقر، قرر ممو اخيرا تنفيذ جريمته وفق الخطة المرسومة له. فقد هيأ لهم سيارة وباشر بنقلهم على وجبات الى بيت ادّعى انه لصديق له، ويقع في اطراف اربيل لتسهيل خروجهم بعد ذلك.
وهناك عدة روايات. فمن قائل بأنه قام بنقلهم الى احد البيوت وعندما شعر عباس بأنهم وقعوا في قبضة عناصر الامن تصدى لهم واستشهد اثناء المقاومة. وهناك رواية أخرى تشير الى أن ممو قدم لهم مشروبات ( بيبسي كولا ) كانت مجهزة لتخديرهم ومن ثم نقلوا الى مديرية الامن. ولكن ومهما اختلفت الروايات، فقد تمكن ممو في نهاية المطاف من السيطرة على المفرزة وتسليمها لقمة سائغة لامن اربيل.
وبعد سلسلة من صنوف التعذيب نفذ حكم الاعدام ب 12 رفيقا، وسجن عدد اخر منهم.
وهكذا وبكل بساطة تمت تصفية مجموعة من اشجع انصارنا بغفلة من قيادة قاطع اربيل وبتساهلها.
وللحقيقة والتاريخ فإن الكثير والكثير من الاحداث المؤسفة التي ادت الى المآسي كانت بسبب التعامل من منطلق حسن النية وبسبب الاهمال في اتخاذ الاحتياطات الضرورية.

في اجتماع اللجنة المركزية عام 1985 عشية انعقاد المؤتمر الوطني الرابع اثير موضوع مفرزة عباس. وتبين بأن الرفيق ابو حكمت وافق على قبول طلب ممو بالعمل كصديق ضمن مفارزنا ، بشكل شخصي دون الرجوع الى الرفاق اعضاء مكتب القاطع.
وكانت تلك الجريمة البشعة بما تركته من خسارة في الارواح، درسا قاسيا جديدا يتحمل مسؤوليته الاساسية ابو حكمت.
وبعد ان درس الموضوع صدر القرار التقليدي (( عفا الله عما سلف )) !!!!

قضية سواري ـ حزيران 1983
تقع قرية سواري في منطقة برواري ژيري ( السفلى ) على السفح الجنوبي لجبل ?ارا. وكان لحزبنا فيها نفوذ متميز بين اهالي القرية وخاصة عائلة الرفيق محمد سواري عضو محلية نينوى. ولم يرق هذا النفوذ للعناصر الرجعية والجحوش ( كان يمثلهم نوري حسين ) والمؤيدين لهم. فكانوا يحاولون بأستمرار اثارة المشاكل والاعتداءات ضد مناصري حزبنا.
وقد توجوا اعتداءاتهم بأغتيال الرفيق النصير جاسم احمد صالح سواري قرب قرية آفوكي المهجرة ، وهي قرية تقع على الطريق بين سواري ومقر الفوج الاول في مراني.
وعلى الفور بادر مكتب الفوج بالتحقيق في جريمة الاغتيال. فتم اعتقال 6 اشخاص ممن حامت حولهم الشبهات وهم من سكنة سواري لغرض التحقيق معهم.
وتم تشكيل هيئة تحقيقية ، دون اشعار قيادة القاطع بذلك [ فقد ترافق ذلك مع انشغالنا في القاطع بالانسحاب نحو العمق العراقي اثر الاجتياح التركي في ايار 1983. كما صادف ايضا عدم وجود الرفاق اعضاء مكتب القاطع ، حيث كان الرفيق نزار ناجي يوسف قد غادر ضمن قوات النجدة الى سوران بعد معارك بشت ئاشان. و كان الرفيق كاظم حبيب مستمرا في اثارة موضوع نقله من القاطع، وبعد رفض م.س الموافقة على طلبه، ترك القاطع دون موافقتنا يوم 19 /6/ 1983 يرافقه عدد من الانصار وسافر الى لولان حيث تم تنسيبه من قبل م.س مسؤولا عن الاعلام المركزي بدلا من محاسبته ].
وبوصول الرفيق لازار ميخو ( ابو نصير ) امر الفوج الاول الى مقر الفوج الثالث حيث كنا نتواجد حينها، علمنا منه بكل التفاصيل. ولكن بعد عدة ساعات من وصوله ، وصل احد الانصار قادما من الفوج الاول يحمل رسالة تخبرنا بأن احد الموقوفين قد توفي بعد شعوره بألم في معدته، وقام الرفيق الطبيب بفحصة فلم يتوصل لسبب مقنع للوفاة. وفي اليوم الثالث تكررت نفس الحالة ليتوفى موقوف اخر .
ارسلنا الرفيق ابو نصير فورا الى مقر الفوج الاول، وطلبنا منه ارسال بقية الموقوفين الى مقرنا الجديد في ژيوه. وتقرر تشكيل هيئة تحقيق جديدة في القاطع لمعرفة اسباب وفاة الموقوفين والمسببين في حالة وجودهم. و لكن التحقيق لم يثبت مسؤولية اي من الرفاق، كما وتبين ايضا عدم وجود اية اثار للتعذيب. الا ان الهيئة التحقيقية رأت ان شخصاً ما قد دس السم في طعام الموقوفين ، اما لغرض الانتقام ( ربما كان من اقارب الشهيد ) او من المندسين لإفتعال مشكلة والايقاع بيننا وبين اهالي سواري والحزب الديمقراطي الكردستاني الذي تبنى القضية لكون المعتقلين من منتسبي حدك. وقد اعلمونا بذلك بعد مضي اكثر من شهرين على الحادث !!! اضافة لما كان يطرح بإستمرار من ان حدك يمثل كل الشعب الكردي !!
اتخذنا اجراءات ضد هيئة التحقيق الاولى التي شكلت في الفوج لاهمالها حماية الموقوفين ومنع اي كان من الوصول اليهم. فقد تم ابعاد ثلاث رفاق من الانصار. وتفادياً لتعقيد المشكلة، تمت تلبية طلب الفرع الاول بتسليم الموقوفين الاربعة الاخرين اليهم.
بقيت هذه القضية في مقدمة قائمة الخلافات التي تتطلب الحل مع حدك. واستمر طرحها للدراسة فترة غير قصيرة. اذ كلما كنا نقترب من الحل المقبول ، كان حدك يطالب بتأجيلها الى موعد اخر ليضاف اليها مطلب جديد على قائمة المطاليب.
وفي اجتماع بين مكتب القاطع وقيادة الفرع الاول خصص لحل المشكلة قدم حدك ثلاثة شروط قبلناها وهي :
1. تسليم جثث المتوفيين الى ذويهما .
2. اعادة اسلحتهما .
3.تعويض عائلتي المتوفيين .
وكنا بالفعل قد نفذنا الشرطين الاوليين. ولذلك طلبنا في الاجتماع تحديد مبلغ التعويض ، الا انهم ومن جديد قرروا تأجيل الموضوع الى اجتماع اخر.
واهملت المشكلة دون ان تثار حتى عام 1986 ، حيث طلبت قيادة الفرع الاول على ضوء رسالة من قيادة حدك ، عقد اجتماع مع مكتب القاطع لتسوية القضية نهائيا. وفي حينها قدموا شروطهم الجديدة :
1. تحديد مبلغ التعويض بعشرين الف دينار .
2. نقل الرفيق ابو نصير من منطقة بهدينان لكونه كان مسؤولا عن الحادث حسب ادعائهم . وكرروا عدة مرات من انهم غير مسؤولين اذا حدث له شيئا ، في محاولة واضحة للتهديد.
وافقنا على الشرط الاول، ورفضنا الشرط الثاني رفضا قاطعا بإعتباره يشكل تدخلا مباشرا في شؤوننا الحزبية ، ولا يمكن قبوله.
استمر حدك وبإلحاح في اثارة الموضوع والاصرار على نقل الرفيق ابو نصير من بهدينان دون المطالبة بالتعويض النقدي لذوي المتوفيين !!!
وبقيت المشكلة معلقة حتى قرار م.س بسحب الرفيق ابو نصير الى منطقة بيربينان ومنها الى ايران للعلاج عام 1988.






آخر مواضيعي
التوقيع:
" كن صامتاً أغلب الأحيان، ولا تقل إلا ما هو ضروري، وبقليل من الكلمات، وفيما ندر إن توفرت لك فرصة الكلام، تكلم ... لكن لا تقل أول شيء يأتي بخاطرك"

التعديل الأخير تم بواسطة مصطف عبدي ; 2011-11-22 الساعة 05:26 AM.
رد مع اقتباس
قديم 2011-12-02, 07:57 PM   welato غير متواجد حالياً   رقم المشاركة : [2]
welato
:: المترجم ::
الصورة الرمزية welato
 

welato شخص رائع حقاًwelato شخص رائع حقاًwelato شخص رائع حقاًwelato شخص رائع حقاًwelato شخص رائع حقاًwelato شخص رائع حقاًwelato شخص رائع حقاً
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى welato إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى welato إرسال رسالة عبر Skype إلى welato

الأصدقاء: (12)
رد: شاهد على الذاكرة: توما توماس

أوراق تستحق التصفح

شكراً لكمـ يا صاحبي


التوقيع:
sensiz sabah olmuyor

HERŞEYIMSIN
    رد مع اقتباس
 

إضافة رد إنشاء موضوع جديد

انشر موضوعك و تابع جديدنا على مواقع النشر المفضلة:

 

 

 

الكلمات الدليلية (Tags - تاق )
الذاكرةتوما, توماس, شاهدٌ, على

أدوات الموضوع
طريقة عرض الموضوع

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر رد
الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر السويدي توماس ترانسترومر serwan ziyad الأدب|إبداع خاص| 1 2011-10-11 09:00 AM
توماس ترانسترومر\"متاهة في خريف متأخر" serwan ziyad الأدب (المنقول) 1 2011-10-06 02:50 PM
شاهد بودروم ولا تسافر Miço xalib الأدب (المنقول) 4 2011-09-10 11:07 AM
شاهد انهيار اليوتيوب‎ jwan العام 4 2011-02-27 12:57 AM
توماس ستيرنز اليوت مصطف عبدي الأدب (المنقول) 5 2010-12-18 04:07 PM


Loading...


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2014
منتديات كوباني