مصطف عبدي
2011-03-29, 11:47 AM
حياة الشاعر أحمدى خانى Ehmrdê Xanêولد الشاعر عام ألفٍ و واحدٍ وستين للهجرة أي عام ألفٍ و ستمئة و واحد و خمسين ميلادي في مدينة بايزيد الواقعة الآن في الزاوية الشمالية الشرقية من كردستان الشمالية و من المحتمل أنه تلقى علومه الأولى في المدارس و الكتاتيب التي كانت موجودة على طول التاريخ الإسلامي لصق المساجد و على أيدي الشيوخ و الملالي, و لا شك أن العلوم الأولية التي تلقاها خاني لم تتجاوز قراءة القرآن مع قليل من علم التجويد, و بعض السيرة النبوية مع الأربعين حديثاً التي اختارها الإمام النووي لطلبة العلم, و دروساً مبسطة في العقيدة و كتاباً في الصرف و آخر في النحو مع قليل من علم المنطق و الفقه.فهذا هو المنهاج الذي يبدأ به طالب العلم الشرعي أو (فَقَه) تحصيله العلمي في كردستان إلى الآن.
إن المعلومات عن حياة خاني و أسفاره و درجات تحصيله العلمي و مشايخه تبقى باهتة بالرغم من كشوفات الأستاذ الفاضل عبد الله ڤارلي الأخيرة, فهو قد أكد أن خاني من عشيرة خانيان التي نُسِبَتْ إلى قرية خان الواقعة جنوب ولاية هكاري و هو ينتمي إلى أسرة كريمة كانت لها علاقات و طيدة بالأمراء و رجال الدولة. و أن هذه الأسرة انتقلت في بدايات القرن السادس عشر الميلادي إلى بايزيد و استقرت بين عشيرة محمودي و في القلعة المسماة دوزه سور, ثم انتقل رستم كبير هذه الأسرة و جد والد الشاعر أحمد خاني إلى بلدة بايزيد نفسها فاستقبل بحفاوة من لدن الأمير وقتذاك.
كان والد الشاعر إلياس كاتباً في ديوان أمير بايزيد و يبدو أن خاني فقد أباه في طفولته فنشأ يتيماً في كنف شقيقه الأكبر قاسم و كان له من الأخوات ?َري و ?ُليزَر و كَتان, أما أمه فكانت تسمى ?ُلْني?ار. استلم شقيقُه قاسم منصبَ أبيه فأصبح منشئاً في ديوان حمِه(والد زوجته) الأمير محمد لفترة وجيزة حيث تمت إقالته من منصبه فعاد إلى محل سكنى الأسرة الخانية القديم في قلعة دوزه سوره إلى أن توفي هناك.
و حسب المعلومات التي حصل عليها ڤارلي فقد كانت الأسرة أسرة علم و أدب, و لم يكن خاني الشاعر الوحيد فيها بل كان عمه و ابن عمه من الذين لهم آثار بقيت إلى الآن.
و قد شغل الشاعر منصب الإنشاء في ديوان الأمير محمد( الذي كان ابن ابن خاله) في بايزيد في مرحلة مبكرة من شبابه, إلى جانب اشتغاله بالإمامة و التدريس في مسجد بايزيد الذي يسمى الآن مرادية.(1)
و تتفق الروايات على أنه قضى بقية عمره في المدينة حتى توفي فيها لكن ثمة اختلافات لدى الباحثين في سنة وفاته لا مجال لها هنا الآن.(5)
و مهما يكن من أمر هذه الحياة , فإننا نستشف من خلال أثره (مم و زين) و أشعاره و نتاجاته الأخرى نتفاً من أسلوب الحياة و نمط التفكير لدى الشاعر, كما نستطيع تقسيم حياته إلى ثلاث مراحل افتراضية وهي:
1 ـ مرحلة الدراسة.
2 ـ مرحلة الوعي والتبشير بالفكر القومي التحرري.
3 ـ مرحلة اليأس والانكفاء.
إن المرحلة الأولى لا تحتاج إلى أدلة و براهين فمن البديهي أنها المرحلة التي لا بد منها لكل طالب علم في كردستان و العالم الإسلامي آنذاك, و من الطبيعي أن يسافر الشاعر إلى مدن و حواضر كثيرة طلباً للعلم و سعياً وراء عالم طبقت شهرته الآفاق و للأسف فإننا إلى الآن لا نملك معلومات عن شيوخه وأساتذته في تلك المرحلة. لقد بدأ وعيه ينمو في هذه المرحلة باضطراد و نرجح أن الحديث عن الاستعباد و ظلم العثمانيين كان شائعاً في الأوساط الكردية المتنورة و نقصد بها بعض رجال الدين والأمراء المتنورين, ونعتقد أن خاني لم ينشأ في فراغ فكري فهو لم يكن طفرة جاد بها الزمان الكردي البخيل. بل نقول إن فكره تبلور في معمعان أفكار متقاربة كثيرة ترى في الوجود العثماني في كردستان عبئاً لا يُحْتَمل و تنظر إلى حروب الإمبراطوريتين العثمانية و الصفوية على أنها حروب تضر بالدرجة الأولى الشعب الكردي الذي يشكل برزخاً فاصلاً بينهما و كل طائفة من هذا الشعب تلعب دور أقفال تسد الثغور في وجه الجيوش التي تتحارب على أرض كردستان.
لقد كان ثمة إمارات كردية عاصرها الشاعر و لعل أهمها إمارة بدليس التي كان عمر خاني أربعة أعوام حينما هاجمها والي بغداد أحمد ?اشا بجيش جرار و قضى عليها مما دعا الأمير الكردي عبدال خان إلى ترك بدليس لتصبح عُرضة لنهب الباشا المذكور و أعوانه (6)
بدون شك كانت الأحداث تتسارع في كردستان و كانت الصراعات الدامية حتى بين أبناء الأسرة الواحدة و العشيرة الواحدة تؤثر في الشباب الكردي الذين هم من طينة خاني فيقض مضجعهم تمزق القبائل الكردية و انشغالها بحروبها الصغيرة مما يشجع العثمانيين على الاستفراد بها قبيلة قبيلة و إمارة إمارة , و قد ظهرت بجلاء واضح أصداء تلك الأحداث في مقدمة مم و زين حيث نجد الشاعر وصل مرحلة الوعي بالذات و تحليل بنية هذه الذات و أسباب تشظيها مما دعا الباحثين إلى تتويجه رائداً للفكر القومي الكردي و مؤسساً للكردايه تي(Kurdayetî) . لكننا يجب أن لا ننسى أن آخرين قد سبقوا خاني في هذا المضمار و من أهمهم شرفخان بدليسي صاحب شرفنامه, لكنه لم يَرْقَ إلى مستوى وضوح شاعرنا و شمولية فكره, و سنعود لاحقاً للكتابة حول هذا الموضوع.
و بدأ خاني بوضع اللمسات الأولى لمشروعه القومي الكبير , فكتب لأطفال الكرد قاموسه الشهير( نُوبهارا بِ?ُوكان) و (عَقيدا إيمانى) و هو بذلك حاول تكريد الدين و الثقافة و تيسيرهما للشباب الكردي, لكنه مع الأسف اصطدم بالأمير ميرزا الذي لم يعره أدنى اهتمام لذلك نراه يقول بمرارة:
إن حاكم العصر المتصف بالمعرفة, لم يعرني اهتمامه
فلو جاد عليَّ مرة بنظرة واحدة, و منحني إكسير توجهه المبارك
لتحولت هذه الأقوال كلها أشعاراً و هذه الفلوس كلها دنانيرَ.
(مم و زين الأبيات 274, 282, 283)
و يبدو أن الشاعر المحبط كان يعقد آمالاً كبيرة على الأمير و ينظر إليه على أنه المنقذ المرتقب الذي عليه أن يلم شعث القبائل المتفرقة تحت راية واحدة و من ثم يقطع الحبل السُّرِّيَ الذي يربط الأكراد بالآستانة. و لما كان لذلك الأمير اهتمامات أخرى لا تشبه اهتمامات شاعرنا, فإنه لم يلق بالاً لأفكاره, و إننا لنتخيل الأمير قائلاً في مجالسه الخاصة لبطانته: ما لهذا الرجل لا يتركنا و شأننا؟! أيريد أن يجعل من إمارتنا بدليس أخرى!!
و في المقابل يمكننا تخيلُ خاني وحيداً حزيناً يائساً في حجرته, ساهياً ساهراً على ضوء شمعةو يستغرب عدم تفهم الأمير لطروحاته الواضحة و يتجرع مرارة اغترابه عن عصره و مجتمعه و مدينته.
لقد تقدم الشاعر بعمله الرائع إلى الأمير الذي ربما لم يكلف نفسه حتى عناء قراءة العمل, بل رده رداً جافاً غير مدرك ما يقوله هذا الشيخ الأربعيني الذي لا يستطيع أحد إنكار سيماء الأنبياء المرتسمة على محياه الحزين.
لقد خاب أمل الشاعر المفكر إذاًً, و آن له أن يجمع أوراقه و دفاتره و ديوانه الذي سهر الليالي على كتابته و تنقيحه بدافع من الأمل في تحقيق طموحه الكبير بتبني الأمير مشروعه النهضوي, لقد آن له أن يودع حياة الأمل و ينكفئ يائساً في حجرته الصغيرة في مسجد بايزيد الجالسة بخشوع في حضن أرارات الحكيم الصامت, آن له أن يدخل مرحلة اليأس و اجترار الألم مدركاً أن إبداعه الأدبي و فكره القومي طموح فردي بحت و سابق لأوانه. إستوعب أن مشروعه النهضوي مشروع فرد مستنير في سبيل إيقاظ أمة تتخبط في الظلام و كانت الطامة الكبرى أن معظم الناس لم يستسيغوا أفكاره و أشعاره فقال بمرارة:
لا أحد قال يا خاني شكراً
مع أن قلبه كنز من الكنوز(7)
المناخ العام في عصر خاني
أولاً: الأجواء السياسية و العسكرية في كردستان و العالم
أسفرت معركة ?الديران التي جرت في آب من العام 1514 بين قوات الشاه إسماعيل من جهة و قوات السلطان سليم من جهة أخرى, عن نصرٍ حاسم و مدوٍّ للسلطنة العثمانية على جارتها العدوة اللدودة الصفوية.
و ما يهمنا في هذا المقام من نتائج هذه المعركة الفاصلة هو وقوع كامل ولاية ديار بكر بما فيها مدن ماردين و أورفة و الرقة و الموصل في القبضة العثمانية بعد أن كانت تعتبر مناطق تابعة للنفوذ الصفوي. و مذَّاك دخل الكرد في طاعة آل عثمان بشرط بقائهم تحت حكم رؤساء قبائلهم مباشرة.(8)
لقد كان الأكراد قبل المعركة بسنوات قد انقسموا قسمين أحدهما موالٍ للصفويين و الآخر للعثمانيين, و كان أحد عظماء الكرد( و هو الملك خليل صاحب حصنكيف) في الطرف الصفوي و متزوجاً من أخت الشاه إسماعيل.(9).. و اشترك في المعركة قواد أكراد مشاهير حسب ولاءاتهم فكان قسم يؤازر الشاه و قسم آخر يؤازر السلطان, و من الذين كانوا في معية العثمانيين الأمير لاله قاسم و الأمير شرف أمير بدليس و خان محمد والي ديار بكر و قد قتل في المعركة. (10) بينما كان أمراء و جنود أكراد في الطرف الآخر يقاتلون و يُقتلون.
و يقول شرفخان بدليسي إن سبب وقوع معركة ?الديران هو التماس تقدم به أمراء كردستان عن طريق الشيخ إدريس البدليسي إلى السلطان سليم يعرضون فيها انضواءهم تحت الراية العثمانية بشرط استرداد ممالكهم المغتصبة(11).
لقد كان موقع كردستان الفاصل بين تينك الامبراطوريتين وبالاً على الشعب الكردي, فقد انقسم الكرد على أنفسهم و تشظت ولاءاتهم العسكرية و السياسية و أصبحت كردستان ميدان الحروب المفضل لدى طرفي النزاع, فعندما تستبد نزعة التوسع بالشاه, يغير بجيوشه على العثمانيين مستعيناً بأمراء و جنود من الكرد مخرباً بلاد الكرد سافكاً دماءهم. و حين يحلو للسلطان العثماني أن يعرض قوته يمر بجيوشه الجرارة على تلك المناطق فيبيد السكان و يهلك الحرث و النسل.و قد بقي الوضع العسكري متأزماً و النصر يتأرجح بين هذا الجانب و ذاك بينما الكرد هم الخاسرون الوحيدون في معارك ليس لهم من ورائها أي طائل.
إتفاقية قصر شيرين
بعد سلسلة طويلة من الحروب الدامية توصل الطرفان إلى عقد معاهدة سلام عام 1639 في قصر شيرين, و تم بموجبها ترسيم الحدود المتنازع عليها بين الإمبراطوريتين, حيث أعيد العراق إلى العثمانيين بينما أعيدت أريوان (يريڤان) إلى الصفويين.(12)
و من الملاحظ أنه منذ ذلك العام هدأت جبهات القتال على طول الحدود الشرقية و لعقود عدة شملت حياة خاني كلها, لكننا نجده يتحدث عن قدر الأكراد المحكومين بحروب الإمبراطوريتين الصفوية و العثمانية و كأنه عاين تلك الحروب و شاهد ويلاتها و مآسيها لأن أحداث تلك الحقبة كانت متوقدة في الذاكرة الجماعية و كانت النتائج الوخيمة لتقسيم كردستان و الصراع الدموي الطويل بين طرفي الحرب و بين أمراء الكرد أنفسهم هو الذي جعل خاني يتحدث عن الحروب و كأنها ما تزال قائمة لدى كتابته أبيات المقدمة(13)و مما لا شك فيه أن مخيلة الشاعر كانت مزدحمة بصور من الماضي الدامي لقرى و مدن و قبائل الكرد الموجودين في خط النار الإمبراطوري و كان اطلاعه على التاريخ الكردي من خلال شرفنامه الذي نرجح أنه كان من الكتب التي قرأها الشاعر و هو كتاب يعج بصور مؤلمة من مشاهد الصراع و الانقلابات السريعة في ولاءات الحكام و كذلك احتكاكه المباشر مع السلطات الحاكمة الكردية في بايزيد, يلقي بعضاً من الضوء على أبيات مقدمة مم و زين.
لقد جرت آخر المعارك الكبرى بين العثمانيين و الصفويين قبل مولد الشاعر بسنوات عديدة في عهد السلطان مراد الرابع حيث قاد هذا السلطان بنفسه حملة عسكرية عام 1635 إلى بلاد العجم فاحتل أريوان(روان, يريفان) ثم عرَّج على تبريز فاحتلها. و بعد سنة استعاد الصفويون أريوان . لكن السلطان الشاب أراد تحقيق نصر تاريخي على أعدائه فتوجه في العام 1638 بجيش عظيم إلى الشرق حيث احتل بغداد لتبقى ضمن حدود الإمبراطورية العثمانية إلى بدايات القرن العشرين, وبعد استعادة بغداد بسنة واحدة تم التوقيع على معاهدة قصر شيرين المشهورة و تحديداً في التاسع عشر من شهر أيلول عام 1639(14). و بنظرة واحدة على خارطة المنطقة نستطيع القول إن جيوش السلطان العثماني في تلك الآونة قد عبرت كردستان إلى تبريز و يريفان و بغداد و أن عبور الجيش في المنطقة كان يعني الكثير من الخراب و الدمار و سفك الدماء و نهب الأموال من شعب ليس له في تلك المعارك أي مصلحة.مما يدعونا إلى التأكيد بأن خاني الطفل كان يسمع القصص الرهيبة لأهوال الحرب من الذين عاينوها و من المغنين الشعبيين الذي كانوا يروون قصص الحرب و الفروسية بدون شك في ملاحمهم و أغانيهم. لقد كانت تلك المعاهدة وبالاً على كردستان الذي كان إقليماً كبيراً يبدأ من ساحل الخليج الفارسي إلى ولايتي ملاطية و مرعش و يحده من الشمال ولايات فارس و العراق العجمي و أذربيجان و أرمينيا و من الجنوب العراق العربي و ولايتا الموصل و ديار بكر(15).و لقد تفرغ العثمانيون للاستيلاء تدريجياً على المقاطعات الغربية في الامبراطورية الصفوية فدخل معظم كردستان في قبضة العثمانيين الذين بدأوا يطبقون سياسة المركزية التي رمت إلى كسر نفوذ الإمارات الوطنية(16).
و كان الكثيرون من الأمراء الكرد مع قواتهم منضوين تحت لواء الجيش العثماني الذي يغير على الإمارات الكردية المستقلة أو القبائل التي تعيش في الوديان السحيقة و السهول الفسيحة و لا تخضع إلا لسلطة زعمائها المباشرين, أما في الجانب الآخر حيث الصفويون فلم يكن الوضع بأحسن منه في كردستان الشمالية, فقد استخدم الشاه عباس الصفويُّ الكردَ و استغل بسالتهم في الحروب لضرب الأكراد أنفسهم و قد أمر الخان أحمدخان بن هلوخان الأردلاني الكردي الذي كان حاكماًً لكردستان بقمع المافيين و النانكليين و هم طائفة من الأكراد الذين قاوموا قوات الخان أحمد البالغة اثني عشر ألفاً من الجنود, لكنهم في النهاية تقهقروا و تمت إبادتهم في قلعة رواندوز التي تحصنوا فيها(17) كما قمع الشاه المذكور ثورة القبائل البرادوستية بقيادة ميرخان البرادوستي و أباد سكان قلعة دمدم الشهيرة في التاريخ و الفولكلور الكرديين عن بكرة أبيهم بوحشية(18) .كما استخدم الشاه عباس الكردَ دروعاً واقية لحدود امبراطوريته مع الأوزبك لذا أمر بنقل عدد كبير من القبائل الكردية من كردستان إلى حدود خراسان الشرقية ليكونوا بمثابة منطقة عازلة بين الأوزبك و خراسان, و لكي يتحمل هؤلاء الأكراد أي خطر قد تتعرض له المدن الخراسانية مستقبلاً(19).
و كما قلنا آنفاً فقد كانت الذاكرة الجماعية مليئة بأحداث محفورة بالنار و البارود و كانت الأغاني و الملاحم الفولكلورية التي تتحدث عن البطولات و الخيبات و المآسي هي التاريخ غير المدون للشعب الكردي يتناقله جيلاً إثر جيل. و قد صور خاني بوحي من ذلك التاريخ تلك الأوضاع في أبيات مفعمة بالمرارة فقال:
إن الطرفين(العثمانيون و الصفويون) قد جعلا الأكراد هدفاً لسهام القضاء
وكأن الأكراد أقفال على الثغور وكل طائفة منهم سد راسخ
ومن كثرة ما تتلاطم (أمواج) بحر الروم وبحر التاجيك، وتصطخب (أي :من شدة ما تحدث حروب بين العثمانيين والصفويين) .
يتلطخ الأكراد بالدماء، لأنهم كالبرزخ يفصلون بين الفريقين .
لقد عاش خاني فترة طويلة في بايزيد و توفي و دفن فيها, و لا يخفى للمطلع على الجغرافية السياسية للمنطقة آنذاك أن بايزيد تقع في خط النار و منطقة التوتر العسكري, و أن تنازع الولاء لإحدى الإمبراطوريتين كان يظهر بوضوح في تلك المناطق, كما أن الولاءات لم تكن ثابتة و قد التقط خاني رأس خيط المشكلة و بيَّن أن سبب العبودية التي يرزح تحت نيرها الشعب الكردي هو غياب حكم كردي مركزي مستقل و الذي يرجع بدوره إلى التمزق الأليم في صفوف الشعب الواحد فقال:
وهذه الحمية وعلو الهمة، هي التي أصبحت مانعاً لتحمل أعباء المنة
لذلك فهم أشتات متفرقون، دائمو العصيان والشقاق
لو كان لنا اتفاق، وكنا منقادين جميعاً (وراء راية واحدة أو قائد واحد) .
لدخل في طاعتنا الروم والعجم والعرب برمتهم .
كنا سنكمل الدين والدولة،و سَنُحصِّل العلم والحكمة
من هذا المنطلق, و من واقع الشرذمة و التمزق القبلي دعا الشاعر إلى الوحدة و الانقياد وراء زعيم شهم أبيٍّ ثم الثورة ضد العثمانيين و الاستقلال عنهم. و لم تكن هذه الدعوة تلميحاً أو خيطاً من ضباب الرموز يتخلل الديوان, بل كان تصريحاً لا مواربة فيه فقال: النخوة من الحكام و الأمراء, فأي طاقة للشعراء و العامة ؟
إن كل من جرد السيف بيد الهمة, حاز لنفسه دولةً برجولة.
أثر الأحداث الدولية في فكر خاني
عاصر الشاعر خمسة من السلاطين العثمانيين هم: محمد الرابع(1648_ 1687) و سليمانالثاني(1687_1691) و أحمد الثاني(1691_ 1695) و مصطفى الثاني(1695_1703) و أخيراً أحمد الثالث الذي توفي الشاعر أثناء حكمه و ذلك عام 1706 أو 1707 إذا ما اعتمدنا الرأي القائل: إن تاريخ وفاة خاني يعتمد على حساب الجمل في جملة طار خاني إلى ربه التي وجدت على شاهدة قبره.
لقد كانت فترة حكم هؤلاء السلاطين بداية لانحطاط و انحدار الامبراطورية العثمانية و أفول نجمها, فمع الهدوء الذي شهدته الميادين الحربية في الجبهات الشرقية, اشتعلت جبهات الغرب بنيران حروب متتالية أوهنت قوى العثمانيين و بدأت الإمبراطورية تشيخ و تتقلص حدودها رويداً رويداً, كما حدثت ثورات داخلية عديدة و عصيانات و تمردات دموية من قبل الانكشاريين.
ففي بداية حكم السلطان مراد الرابع عام 1649 قامت ثورة في آسيا الصغرى قادها رجلان يدعى أحدهما قاطرجي أوغلي و الثاني كورجي يني. ثم توالت الثورات في البلاد و اختل النظام حتى أصبحت الدولة العثمانية في مهب الريح(20) و صار عدم النظام نظاماً للدولة(21)
و في العام 1651 ثم احتلال جزيرتي تيندوسTenedos و لمنوس Lemnos الواقعتين عند مدخل الدردنيل من قبل اسطول البندقية, كما انهزمت القوات العثمانية شر هزيمة أثناء حصارها مدينة فيينا عاصمة النمسا, و تشكل إثر ذلك الحلف المقدس الذي جمع النمسا و بولونيا و البندقية و مالطا و روسيا بالإضافة إلى البابا, و قطعت العلاقات الطيبة بين فرنسا و العثمانيين و في سنة 1686 تم إخراج العثمانيين من مدينتي بودا و بست المجريتين, بعد ذلك و نتيجة هذه الهزائم تقرر عزل السلطان محمد الرابع و تولية أخيه سليمان الثاني الذي لم تكن فترة حكمه بأحسن من فترة حكم سلفه فقد استمرت المشاغبات من قبل الانكشارية و استمرت الحروب الخارجية حيث استولى النمساويون على بلغراد عام 1688 لتستعاد بعد قرابة عام, و في 1691 توفي السلطان سليمان الثاني و ارتقى العرش أخوه السلطان أحمد الثاني الذي اتسم عصره بالهزائم أيضاً فخسرت جيوشه معركة كبرى أمام النمساويين في Solenkemen و احتل البنادقة جزيرة ساقز عام 1694(22)حيث كان شاعرنا منكباً على كتابة مم و زين يستحث شعبه للنضال و الثورة ضد العثمانيين, فقد أدرك بحسه المرهف و ذكائه و قراءته الصحيحة للمرحلة التاريخية التي يعيشها أن العثمانيين يمرون بمرحلة ضعف و تراجع , و إن أي ثورة كردية بإمكانها أن تنجح لو استغلت الظروف استغلالاً مناسباً فالداخل يمور بالعصيانات و الجبهات مشتعلة و الهزائم تتلاحق و معظم الجيوش العثمانية زُجَّ بها في أتون معارك الخسران في الغرب. و لكن دعوة الشاعر لم تلق آذاناً صاغية بل على العكس لم يحظ سوى بالصد و عدم الاهتمام بشعره و بآرائه التحررية, و قد انعكس ذلك في مقدمة مم و زين على شكل أبيات تنضح بالخيبة و المرارة و اليأس فقال:
لو كان لنا صاحب ذو لطف وكرم .
و كان العلم والفن والأدب والمعرفة، والشعر والغزل والكتاب .
محط اهتمامه وقبوله .
لرفعت راية الشعر في أعالي السماء .
وبعثت روح (ملى جزيري) وأحييت بها (علي حريري) .
وأبهجت (فقيه طيران) كي يبقى مشدوهاً إلى الأبد .
إلا أن حاكم العصر المتصف بالمعرفة لم يعرني اهتمامه
هذا الأمير الذي اسمه (ميرزا) له نظرة إكسيرية
فهو يحول المعادن الخسيسة إلى جواهر نقية، ويقلب العملة الزائفة إلى (فلوري).
وبنظرة واحدة منه، يحول الفلوس الحمر- ولو كانت مئة حمل- إلى ذهب .
بقهره يضع من قدر الشرفاء، وبلطفه يرفع شأن الأصاغر
لو جاد علينا مرة بنظرة، ومنحنا إكسير توجهه المبارك .
لتحولت هذه الأقوال كلها أشعاراً، وهذه الفلوس كلها دنانير .
لكن نظرته عامة كثيراً لذلك لم يلق إليَّ بالاً .
ثانياً: المناخ الثقافي و تبلور الفكر القومي لدى خاني
لا شك أن أفكار خاني القومية ليست فقط وليدة الأحداث المحلية و الدولية و إنما تعود حسب رأينا إلى ينابيع نظرية اطلع عليها خاني و نهل منها ما شاء أن ينهل, و للأسف لا نعلم بالضبط ما هي الآراء التي كانت تطرح في الأوساط الثقافية المعاصرة للشاعر الذي كان بلا شك ظاهرة من الظواهر الثقافية التي يجب قراءتها ضمن سياقها التاريخي و في أسوأ الأحوال يمكننا اعتباره ممثلاً رائعاً لنمط معين من التفكير السائد في نهاية القرن السابع عشر الميلادي و بداياته.. و على هذا يجب البحث عن الأسس الفكرية التي بنى عليها خاني نظريته في القومية و الحرية و آراءه في الكون و الطبيعة و الله...إلخ.
إن هذا يقودنا إلى إلقاء نظرة سريعة على الخارطة الثقافية في تلك الأيام التي شهدت ميلاد هذا السفر الخالد.
لقد كانت اللغات السائدة آنذاك هي أولاً العربية بسبب كونها الوعاء الذي احتضن الحضارة الإسلامية و كانت لغة مقدسة , و ثانياً الفارسية و قد فرضت نفسها بعد أن صقلتها أجيال من المبدعين الفرس أثروا تأثيراً بالغاً على أدباء المنطقة الممتدة من الآستانة و حتى الهند. ثم التركية و كانت لغة الحكام المحتلين في كردستان. و أخيراً اللغة الكردية التي كانت تخوض معركة البقاء بأسلحة قليلة و فرسان أقل, و كان جيل من الشعراء قد دونوا أحاسيسهم بلغتهم المهملة و فتحوا الباب أمام الأجيال اللاحقة و اجتازت هذه اللغة امتحانها العسير بنجاح فظهرت أشعار الجزري و قصص فقى طيران الشعرية و غزليات علي حريري و تداولها الناس و حفظوها و تغنوا بها في مجالسهم مما ترك أثراً طيباً في النفوس و عززت ثقة المثقفين بهذه اللغة, و قد أشار خاني إلى هؤلاء الشعراء الثلاثة بالاسم في مقدمة مم و زين و تحسر على أن الأمير لا يتعاطى الأدب و لا يقبل بالمعرفة و العلم و أربابهما في ديوانه و لولا ذلك لأحيا خاني أرواح هؤلاء و أسعدها إلى الأبد.
كان خاني يتقن تلك اللغات الأربع وكانت معرفتها شرطاً لشغل منصب الإنشاء( وقد شغله خاني كما رأينا في عهد الأمير محمد), و قد فتحت هذه اللغات آفاق الثقافة الرحبة و المتنوعة فاطلع عبر العربية على التيارات الفلسفية و الفكرية و تأثر بالمتصوفين الكبار و الفلاسفة المسلمين و علماء الكلام, و عبر الفارسية اطلع على كنوز الثقافة الإيرانية بملاحمها و نثرها و أدبها التعليمي ....إلخ و لا شك أن الشاعر لم يهمل اللغة التركية بل اطلع من خلالها على أدب و تاريخ تلك الامبراطورية التي تحتل بلاده و تمزق أوصال شعبه فاختار لغته الأم ليستحث الهمم و يثير الحمية في نفوس الحكام و الأمراء و كأني به يدرك أن أسرع وسيلة للوصول إلى قلوب سامعيه و عقولهم هي مخاطبتهم بلسانهم( و ما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم) سورة إبراهيم الآية 4.
لقد كتب الأمير المؤرخ شرفخان بدليسي أول كتاب في التاريخ الكردي باللغة الفارسية التي كانت كما أسلفنا في أوج مجدها و ذيوعها و كانت مسيطرة على الثقافة الشرقية آنذاك حتى حدود الهند, لكن خاني _ و اقتداء بسلفه الجزري و غيره_ لم يشأ ذلك و صرح في المقدمة أنه ترك الذهب( اللغة الفارسية الرائجة) و انكب مشتغلاً في النحاس(اللغة الكردية ) و كأني به يرد بذلك على شرفخان و كتابه التاريخي شرفنامه الذي نعتقد أن خاني اطلع عليه و تأثر به في أفكاره التحررية, و كان تأليف الكتاب قد أنجز قبل قرن من ظهور مم و زين, مما يدعونا إلى القول بأسبقية شرفخان و كونه واضع حجر الأساس في مدرسة القومية الكردية. لقد كان لدى شرفخان مشروع قومي كبير لم يلق النجاح( فقد سعى سعياً حثيثاً لبث روح الاتحاد و الوئام في الشعب الكردي....فدعا على قدر ما سمحت له الظروف و الأحوال حينذاك إلى تأسيس وحدة سياسية و تكوين جبهة مشتركة بين الحكومات و الإمارات الوطنية من الفدراسيون( الحكومات المتحدة) يكون مركزها مدينة جزيرة ابن عمر(جزيرة بوتان) و لكن هذه الفكرة السديدة حقاً لم تلق آذاناً صاغية من زعماء الكرد و أمراءهم).(23)
لقد عبر شرفخان بنفسه في مقدمة شرفنامه عن أهدافه القومية وراء تأليف ذلك الكتاب الهام, و بمقارنة الكتابين( مم و زين و شرفنامه) نستنتج أن الهدف من تأليفهما مشترك لدى الكاتبين, فكلاهما وضع نصب عينيه بعث جمرات مطمورة بالرماد و إحياء التراث الكردي المهدد بالضياع. و بالرغم من التقائهما في الهدف النهائي إلا أن هناك نقطة اختلاف جوهرية بين الإثنين, ففي حين توخى شرفخان بعث تاريخ الأسر الكردية الحاكمة التي توالت على الإمارات المستقلة في كردستان و( حتى لا يبقى صيت الأسر الكردية ذات الأثر الفعال في حياة كردستان العامة في حجاب الستر و الكتمان).(24) نجد أن غاية خاني هي أسمى من غاية سلفه شرفخان و أكثر وضوحاً و التصاقاً بالهوية القومية الكردية و الشخصية الثقافية المتمايزة فهو:
كيشايه جَفا ژِ بويي عامى
أي تجشم المصاعب في سبيل العامة, و لم يقل كيشايه جفا ژ بويي ميران: تجشم المصاعب من أجل الأمراء!!
كما أنه يقول أنه لم يؤلف هذه القصة لأنه خبير بأسرار الأدب بل تعصباً لبني قومه و عشيرته, و يوضح في رموز مفهومة أنه ترك صافي الخمر(اللغات الفارسية و التركية و العربية) و لم يكتب إلا بلغته الكردية المهملة كالثفل المترسب في قاع الكأس فنظم من دررها عقداً فريداً و نسقاً جميلاً حتى لا يقول الناس: إن الكرد يفتقرون إلى ثقافة أصيلة و هم محرومون من معرفة الحب و تذوقه.
إن الطريقة التي كتب بها هؤلاء الرائدان مقدمتيهما تدل على أن خاني تأثر بشرفخان في مجمل أفكاره القومية و على أن هناك قضايا هامة و ملحة كانت تشغل بال النخبة الثقافية في تلك القرون الغابرة و أهمها قضية الوحدة و الاستقلال!! لقد كان من الشائع في الأوساط العامة أن الكرد لن يتوحدوا لأن الرسول محمد دعا عليهم بذلك لما رأى من غلظة و جلافة مبعوث أوغوزخان التركستاني و هو بغدوز الكردي قائلاً: لا وفق الله هذه الطائفة (يعني الأكراد) إلى الوفاق و الاتحاد و إلا فإن العالم يهلك على أيديهم إذا ما اتحدوا!!.(25)
و يعقب المؤرخ شرفخان على هذا الحديث النبوي الموضوع بالطبع: و من ذلك اليوم لم توفق هذه الطائفة إلى تأسيس دولة عظمى متحدة و سلطنة كبرى موحدة.(26)
بطبيعة الحال لسنا مع المؤرخ في هذه النقطة و لن نصدق أن دعوة كهذه هي التي جعلت الكرد منقسمين على أنفسهم بين دول و إمبراطوريات, بل هناك أمور أهم بكثير بيَّن الكاتبان بعضاً منها. فيقول شرفخان( و لا يطيع الأكراد بعضهم بعضاً,فلا اتفاق بينهم و لا تعاون).(27) بينما نجد خاني يصوغ هذه الفكرة في بيت من الشعر قائلاً: إنهم أشتات متفرقون في جملتهم و دائمو التمرد و الشقاق!
و يقول شرفخان و هو يعزو التمزق إلى انعدام وجود قائد فذ: و لما كان الأكراد ليس بينهم الآن عموماً من يطاع أمره فيهم و يُنَفَّذ حكمه, فإن أكثرهم صاروا يسفكون الدماء و يستهترون بقواعد الأمن و النظام و إنهم يثورون لأتفه الأسباب(28) و يورد في مكان آخر من شرفنامه واقعة جديرة بالوقوف عندها طويلاً حيث طلب السلطان العثماني سليم خان من إدريس البدليسي بعد معركة ?الديران أن يختار الأمراء و الحكام الكرد من بينهم من يصلح لتولي منصب أمير الأمراء بحيث يخضع له الجميع فقال إدريس البدليسي: إن كل واحد يقول أنا لا غيري. و لا يطيع أحد الآخر!(29)و يوافق الشاعر خاني سلفه في هذه النقطة و يذهب أبعد من ذلك حينما يتمنى ظهور قائد مستقل يحكم دولة آمنة و يرعى الأدب و الفكر و يقوم بحرب استقلال ليلقي عن كاهل الشعب الكردي استعمار العثمانيين و احتلالهم البغيض لكردستان.
إن كلاً من هذين الرائدين يرسمان البنية النفسية ذاتها للشخصية الكردية و يقدمان الصفات العامة نفسها التي يتحلى بها الشعب الكردي, ففي حين يكتب شرفخان واضعاً إطاراً عاماً للكرد: و أكثر جماعاتهم موصوفون بفرط الشجاعة و التهور و وفرة المروءة و السخاء مع ما جُبِلوا عليه من الغيرة الشديدة و الإباء البالغ و الأنَفَة الزائدة(.....) فيلقون بأنفسهم إلى المهالك و يقحمون بها في المخاطر حتى لا يضطروا لِمَدِّ اليد إلى اللئام و الأنذال بطلب المساعدة و الإحسان(30).نجد أن خاني يكرر نفس العبارات شعراً, و لا أظن الأمر من باب التقليد أو سرقة الأفكار, بل من باب وقع الحافر على الحافر فقد اتفق الإثنان على صفات واحدة لأن الموصوف واحد. يقول خاني:
المروءة والهمة والسخاء، والرجولة والغيرة والصلابة
سمات للشعب الكردي، الذي ذاع صيته بسيف الهمة
وبقدر ما هم ذوو شجاعة وحمية، فهم نفورون من المنة
وهذه الحمية وعلو الهمة، هي التي أصبحت مانعاً لتحمل أعباء المنة
لذلك فهم أشتات متفرقون، دائمو العصيان والشقاق.(31)
بالإضافة إلى كتاب شرفنامه الذي نقول أن خاني اطلع عليه, فقد كان هناك كتب عديدة أخرى مهدتلبلورة الوعي القومي لدى الشعب الكردي, فقد كانت أشعار الجزري و فقى طيران و غيرهما تربة خصبة لنمو بذور ذلك الوعي لا لشيء بل لأنها مكتوبة باللغة التي كاد يطويها مر الدهور( يحدثنا شرفخان عن الأمير يعقوب بك بن محمد بك الذي كان رجلاً صوفي المشرب و له ولوع بالشعر و النظم, و له قريحة وقادة في ذلك فخلف أشعاراً تنطوي على الحقائق و معاني الوحدة المطلقة و أغلب أشعاره باللغة الكردية و قد يكون له فيها ديوان مجموع(32)
هنا أود الإشارة إلى نقطة هامة في التاريخ الكردي و هي أن الفكر القومي برز أولاً في بدليس و بايزيد و لم يبرز في مناطق كردية أخرى و حواضر ثقافية هامة مثل جزيرة بوتان و العمادية التي قال عنها شرفخان: هي منبع العلوم العقلية و مورد الفنون الأدبية و الشرعية(33). و السبب كما أراه هو أن بدليس و بايزيد كانتا في قلب الأحداث و خضم الصراع على النفوذ بين إمبراطوريتين بل بين ثلاث إمبراطوريات هي الصفوية و العثمانية و الروسية. و كان الناس في تلك المنطقة يتأثرون بحركات المد و الجزر للبحرين الهائجين الصفوي و العثماني(على حد وصف خاني) إذ كانوا ينامون في ظل إمبراطورية ليستيقظوا في ظل أخرى, و قد لعبت التغييرات المستمرة في الولاء و الدسائس و المعاناة و الآسي التي لحق بالشعب الكردي دوراً بارزاً في بلورة الأفكار القومية التحررية و الشعور المتنامي بالشخصية المستقلة لدى مثقفي الأكراد في ذلك الحين و منهم خاني و شرفخان. و في المقابل فإن الهدوء الذي نعمت به الإمارات الكردية في جزيرة بوتان و غيرها أدى إلى نشوء الأدب الكردي الذاتي إن صح التعبير فبرزت من هناك أصوات شعرية رائدة لكننا لا نجد فيها صدى للأفكار القومية, فالجزري مثلاً يتحدث عن كردستان عَرَضاً و لا نجد لديه اهتماماً بالقضايا المصيرية و الحيوية للشعب الكردي, بل على العكس نجده يعيش في جزيرة آمنة تقريباً منطوياً على ذاته التي يعبدها و لا هم له سوى ظهور حبيبته من النافذة ليراها و تقوم قيامته فيصف خصلاتها التي يعبث بها النسيم.
و ليس ما ذكرته الآن انتقاصاً من قيمة الشاعر الكبير الجزري أو غمطاً لحقه فمهما يكن من أمره و أمر غيره من الشعراء الذي عاصروه و مهما تكن مضامين أشعارهم فإننا لا ننكر أن أحد الدوافع إلى الكتابة باللغة الكردية هو الدافع القومي و أن مجرد الكتابةالكردية من قبل هؤلاء هو عمل خالد و مأثرة مجيدة. فالكتابة تعيد بناء الوعي و تقوي الشعور بالذات و لم يكن من العبث أن يمتلىء الجزري فخراً و يقول:
أنا وردة في حديقة بوتان أنا سراج ليل كردستان
و كان يحث الناس على قراءة شعره و ترك أشعار الشيرازي المكتوبة بالفارسية فقال:
إن كنت تبغي اللؤلؤ المنثور من النظم
فتعال و اقرأ شعر المُلا( الجزري) و دع عنك الشيرازي.
و يقول عبد الوهاب حسين الكرمي في كتابه نافذة على الأدب الكردي: كان هدفه من وراء الدعوة إلى قراءة شعره و الرجوع إلى جواهره توجيه القوم إلى حفظ تراثه و صونه عن النسيان و الإهمال , و لعله قد لاحظ في ذلك الزمن أن مثقفي قومه منصرفون إلى قراءة دواوين الشيرازي و الرومي فأراد أن يلفت نظر هؤلاء إلى دهة الشعر الكردي من خلال روائعه و بدائعه.(34)
لقد مهد أولئك الروادُ السبيلَ أمام ظهور شاعر كبير مثل خاني, و كان أعظم عمل اجترحوه هو الكتابة باللغة الكردية و الانتقال من الأدب الشفاهي و المنطوق إلى الأدب الكتابي و المدون مع أننا لا ننكر دور الاستقرار الذي نعمت به المناطق الكردستانية الشمالية بعد معركة ?الديران الفاصلة و قيام الشيخ إدريس البدليسي بتوحيد القبائل الكردية وضمها إلى الإمبراطورية العثمانية. لقد نشأ بعيد هذا الاستقرار أدب/ شعر متكامل ناضج ذو مستوىً عالٍ من البلاغة و القوة يدل بدون شك على أن محاولات عديدة قد سبقت نشوء هذا الأدب, و لا شك أن شاعراً مثل الجزري قد عاش في كنف أمير مشجع للأدباء فقد مدحه عبر قصيدتين قويتي السبك تذكراننا بأسلوب شعراء المديح الكلاسيكيين في التهويل و المبالغة و تضخيم الممدوح. كما نعثر في ديوان الجزري على قصيدة لاذعة يهجو فيها أحد منتحلي الشعر في بلدة فنك القريبة من جزيرة بوتان , كذلك نجد في ديوانه مساجلة شعرية بينه و بين أحد الأمراء الكرد و بينه و بين فقى طيران و هذا يدل على أن سوق الأدب كانت رائجة في ذلك الحين.
من جهة أخرى ساهم الشاعر المعاصر للجزري(فقى طيران) في إغناء الأدب الكردي بنتاجاته القريبة من ذوق الجمهور فكتب قصة شيخ صنعان الشعرية و قصة العابد برسيس بالإضافة إلى قصائد أخرى, و اشترك علي حريري في مرحلة التأسيس مما دفع خاني إلى ذكر هؤلاء الثلاثة في مقدمة مم و زين. و مما لا شك فيه أنه كان ثمة شعراء و أدباء آخرون ضاعت أسماؤهم و نتاجاتهم في لجج الحروب و عمليات السلب و النهب التي كانت تجري بين الفينة و الأخرى و لا أدل على ذلك من ورود اسم الشاعر و الأمير يعقوب بك في شرفنامه كما مر سابقاً.
لقد اعتمد خاني على هذا الإرث الثقافي المتواضع و استوعب الأدب السابق عليه بما حواه من ملاحم و قصص و أساطير و أمثال شعبية كما استوعب الذات القومية الكردية و الظروف التي أدت إلى حرمان الكرد من وطن قومي مستقل و بناء على ذلك تقدم بمشروعه الإحيائي إلى الأمير ميرزا فقوبل بالصد و الإهمال كما تقدم و لم ير الشاعر بداً من الانكفاء متجرعاً مرارة الخيبة و قد وصفها بصدق قائلاً:
ماذا أفعل و السوق كاسدة, و لا أحد يشتري ما نعرضه من قماش!!
و قال في قصيدة من قصائده:
إن طبع خاني صَدَفَة دُرِّ العرفان و لكن
ما الذي سيفعله صاحب المعنى إذا لم يكن هناك قارىء للمتون؟!
و قال في قصيدة أخرى:
لم يقل أحدٌ مطلقاً: شكراً يا خاني
مع أن قلبه موطن للكنوز!!
دراسة مختصرة في مم و زين
Ev name eger xirabe ger qenc
Kêşaye di gel wê me du sed renc
Da xelq i nebêjitin ku Ekrad
Bê marifetin, bê esl û binyad!
لم يلق أي كتاب كردي من العناية و الاهتمام مثلما لقيه(مم وزين) سواء من قبل الباحثين الأجانب في الأدب الكردي أو من قبل الباحثين الكرد أنفسهم فلقد طبع منذ بداية القرن العشرين و حتى الآن عشرات المرات و في أماكن مختلفة مثل اسطمبول و حلب و موسكو و أورمية و دمشق و بغداد و هه ولير و غيرها, كما ترجم إلى لغات عديدة منها الروسية و الفرنسية و العربية و الآذرية و التركية و ترجمت خلاصة منها إلى الألمانية(35).
و هذا الكتاب المؤلف من حوالي 2660 بيتاً شعرياً يعتبر الكتاب المقدس للقومية الكردية من جهة, و من جهة أخرى يعتبر الإسهام الكردي الأكثر قوة و شهرة في تكوين البنيان الثقافي العالمي و هو وعاء أدبي سكب فيه الشاعر بعضاً من معارفه في الفلك والمنطق و الفلسفة و الدين و التصوف و الطب و الموسيقى و السياسة و قد أراد من وراء كتابه تحدي الشعوب الأخرى التي لا تعترف بالثقافة الكردية و تعيِّر الكرد بأنهم شعب لا يمتلك كتابه الخاص فهو بذلك يرقى إلى مصاف الأنبياء و أصحاب الرسالات الكبرى في تاريخ البشرية.
و الأمر الذي لا بد من الإشارة إليه أولاً عند الحديث عن مم و زين هو أن خاني نسج قصته من خيوط رواية شعبية كانت شائعة في كردستان ارتأى أن يهذبها و يشذبها و يصوغها في قالب إبداعي جميل و يجعلها مطية لأفكاره و منفذاً لإفشاء مكنونات صدره و أحزانه.
بين ممى آلان و مم و زين:
يعيد بعض الباحثين قصة ممى آلان الشعبية إلى أصول مغرقة في القدم فيقارنونها بقصص إغريقية و إيرانية و يذهبون في كلمة تفسير آلان( الذي اشتهر به بطل القصة مم في الملحمة الشعبية) مذاهب بعيدة شتى فيقولون إنها محرفة من آلوني و هي عشيرة كانت تسكن جبال راوندوز بين ميديا و آشور. أو من آلين_ آلانس و هم شعب كان يسكن القفقاس(36) و نلاحظ في الجدول الذي رسمه محمد أمين زكي لعشائر منطقة سنندج(سنه) في كردستان الشرقية أن آلان بطن من بطون عشيرة سوسني و يسكنون في المنطقة ما بين سردشت و جبل قنديل.(37) و هناك رأي يقول إن اسم آلان قد دخل الملحمة بعد مم و زين أحمد خاني و هي من كلمة آل بمعنى العلم فقد كان والد مم حامل رايات الأمير(38)
إننا لا نستطيع تأكيد أن القصة قديمة أو ربما كانت مقتبسة من اليونان أو الفرس أو حتى أن موطنها الأصلي هو منطقة ميديا, لأن هذه المزاعم قائمة على افتراضات تفتقر إلى الدليل العلمي و نود أن نقول في هذا المقام أن قصص الشعوب كلها تتشابه قليلاً أو كثيراً إذ نجد مثلاً في ألف ليلة و ليلة مشهداً مماثلاً لأحد مشاهد ممى آلان و ذلك في قصة شمس الدين و نور الدين حيث تشاهد جنية من الجنيات بدر الدين ابن نور الدين و هو نائم في المقبرة فيبهرها جماله فتطير لتلتقي بعفريت طائر يخبرها عن جمال ابنة شمس الدين, وهنا يحدث نزاع بين العفريت و الجنية فكل واحد يدعي أن صاحبه أجمل, و لحل النزاع يطير الإثنان و يجمعان بين الشاب و الفتاة في مصر حيث الفتاة الجميلة ثم يعيدان كلاً منهما إلى مكانه. هذا المشهد الخرافي في ألف ليلة و ليلة يطابق تماماً في ممى آلان المشهد الذي تتنازع فيه جنيات أخوات هن تاڤبانو و هيڤبانو و ستيربانو و هن يسبحن في نبع. حيث تخرج الأخت الصغرى من النبع فجأة و تأخذ ثياب أختيها لتتملى جمالهما و هنا تقول الأختان: يوجد من هو أجمل منا و هما ممى آلان و زينا زيدان, ثم يتفقن على الجمع بينهما ليرين من الأجمل و هكذا تطير الجنيات إلى جزيرة بوتان و يأتين بالأميرة زين ليضعنها بجانب سرير مم و هو نائم (39) فهل نقول إن رواة ممى آلان قد أخذوا القصة من ألف ليلة و ليلة؟ أو العكس أي هل نقول إن جامعي حكايات ألف ليلة و ليلة قد اقتبسوا تلك القصة من ممى آلان؟! لا شيء يؤكد أو ينفي ما نفترضه في هذا المجال لذلك نأخذ بالآراء الأقرب إلى المنطق و العقل و نترك الافتراضات و الاحتمالات الموغلة في الخيال.
إلا أن ما لا يمكننا نفيه هو وجود قصة سابقة على مم و زين أحمد خاني كانت شائعة كما أسلفنا في كردستان و خاصة في جزيرة بوتان عن شاب هام بحب الأميرة زين أخت أمير الجزيرة, ولا نستطيع التأكيد بأي حال من الأحوال بأن القصة الشعبية التي كانت شائعة آنذاك هي نفسها القصة التي دونها روجيه ليسكو نقلاً عن أفواه الرواة الشعبيين و على رأسهم مشو بكه بورێ * أو الروايات التي دونها غيره مثل سلمان رشو و عبد المسيح وزير و حسين بانه سوري و اسماعيل باني و هي تختلف عن بعضها اختلافات قليلة أو كثيرة تجنبنا التعرض لها خوفاً من الإطالة. (40) فلقد مضت قرون عدة على هذه الملحمة دون تدوين و من المؤكد أنها تعرضت للحذف و الإضافة من قبل الرواة و أن الخيال الشعبي قد طعَّم القصة بأساطير عدة و لهذا السبب نجد اختلافاً كبيراً بين الروايات المتعددة للقصة.
إن الرواية التي اعتمدها أوسكار مان مثلاً تعتبر مم ابن ملك اليمن إبراهيم بك الذي يصادف التابعي المعروف أويس القرني(في الرواية الشعبية و عند الكرد ويس القران) في مكة المكرمة و الذي يعطي تفاحة سحرية للملك اليمني ليرزق بولد ذكر يسمى مم, بينما في رواية ليسكو نجد أن مم هو ثمرة زواج ملك المغرب من ابنة زعيم قريش بناء على اقتراح يقدمه الخضر.(41)
لقد سبقت الإشارة إلى العاشقين مم و زين في شعر الجزري الذي كان سابقاً على خاني بعدة عقود, كما أن خاني نفسه يصرح و في مطالع ستة فصول من قصته أنه سمع هذه القصة من أحد الرواة دون أن يشير إلى هويته. و هناك بيتان في نهاية القصة يقول فيهما خاني أنه ألف مم و زين من بعض أساطير شائعة في بوتان و بعضها اختلاق من عنده.(42)
أخيراً لا بد لنا من الاعتراف بأن القصة الشعبية ممى آلان كانت قريبة من ذوق العامة و لم تكن بحاجة لسامع مثقف أو متعلم بل كانت تغنى في المجالس و يسمعها الأمي و المتعلم بلغة بعيدة عن التعقيدات البلاغية لذلك فقد صمدت و قاومت قروناً طويلة حتى بعد ظهور هذا الشكل الأدبي السامي على يد خاني و بالرغم من القمع الذي مورس بحق رواة القصة من قبل أمراء جزيرة بوتان الذين وجدوا فيها شيئاً يمس شرف عائلتهم.(43)
البناء اللغوي
يقول الشاعر في النهاية أنه ركَّب القصة من مجموع اللغات العربية و الكردية و الفارسية كما أنه استخدم ضمن اللغة الكردية كلاً من اللهجة البوتانية و المهمدية و السليڤية. إن هذه الشهادة من الشاعر نفسه تغنينا عن البحث و الجدل حول لغة الكتاب, فهي لغة كردية مطعمة بكلمات وافرة عربية و فارسية و حتى أبيات و مصاريع كاملة بهما إلى جانب بعض المفردات من اللغة التركية و مصراعين فقط.
أما اللهجات الكردية المستخدمة فهي البوتانية و هي لهجة سيطرت على أدب الرواد الأوائل كالجزري و كانت شائعة في منطقة كبيرة من كردستان و لا بد أن خاني كان يعرف خفاياها جيداً فقد قضى مدة من الزمن في بوتان و اطلع على قصائد شعرائها, و اللهجة الثانية هي المهمدية و يقول أمين عثمان إنها لهجة أحمد خاني(44) أما اللهجة الأخيرة في اللغة (الخانية) فهي اللهجة السليڤية و هي لهجة إحدى القبائل الشهيرة القاطنة في نواحي موش من كردستان الشمالية.(45)
لقد مزج الشاعر هذه اللهجات في بوتقة هذه القصة و لعله خطا بذلك أولى الخطوات نحو التقريب بين اللهجات الكردية و صياغة لغة أدبية موحدة منها و لعله لو كان يعرف لهجات كردستان الجنوبية و الشرقية لخلطها مع مزيجه اللهجوي الجميل, إن هذه السابقة الذكية قد تكون نموذجاً نحتذي به في كتاباتنا المعاصرة فنستعمل مفردات اللهجات جميعاً استعمالاً واعياً يؤدي في النهاية إلى بناء لغة يفهمها كل الكرد في طول كردستان و عرضها و يساهم في نزع التعصب اللهجوي الذي يذر بقرنه بين الفترة و الأخرى حتى بين طبقة النخبة الثقافية للأسف الشديد.
لقد ثار جدل حول لهجة خاني في مم و زين فبينما نجد د. عز الدين رسول يؤكد أن لهجة خاني هي البوتانية قائلاً: حقاً لقد كتب خاني ملحمته أساساً بالفرع البوتاني من اللهجة الكرمانجية الشمالية(46), يرد عليه رشيد فندێ بقوله: و إن أراد القارئ الكريم أن أجزم الرأي حول لهجة كتابة مم و زين لقلت أنه نظراً لسعة أفق خاني و طول باعه و سيطرته لا على كل اللهجات الكردية فحسب, بل حتى على اللغات الشرقية المجاورة لللغة الكردية, فإن رائعته مم و زين نسيج مترابط من كل اللهجات و اللغات(47). إن ما أورده رشيد فندێ في هذ المجال صحيح, إلا أن نفيه أن يكون الشاعر قد ألف مم و زين باللهجة البوتانية أصلاً(48) بعيد عن الصحة بدليل تأكيد خاني نفسه أنه استعمل هذه اللهجة في مم و زين كما أسلفنا(49).
من المؤسف جداً أن نسمع بعض من قرؤوا مم و زين أنهم يعيبون على الشاعر استخدامه المفرط للمفردات الأجنبية, إن هؤلاء يحاولون تطبيق المفاهيم المعاصرة حول اللغة النموذجية على هذا النص الكلاسيكي و يحاولون انتزاع مم و زين من سياقه الزمني لفحصه بمجاهر النقد المعاصر و الذي لن يكون عادلاً تماماً ما لم يراعِ شروط الإبداع في تلك الأزمان الغابرة.
لقد لاحظت من خلال متابعتي لبعض المثقفين الكرد الذين يتناولون خاني بالنقد أنهم يرتكبون خطأً فادحاً و يخرقون قواعد النقد حينما ينتزعون خاني من سياقه التاريخي و يخضعونه إلى معايير النقد الحديثة غير مدركين أنه نتاج مناخ خاص ثقافياً و لغوياً يختلف عن مناخات عصرنا ,و من نافل القول أن النظرة إلى الشعر لدى أرسطو مثلا غيرها عند ت.س.إليوت .و إن تناول المتنبي بالنقد و التحليل لا بد يختلف عن تناول أدب أدونيس أو غيره من المبدعين العرب .إن سرير (بروكوست )النقدي لا يتسع مطلقاً لقامة خاني و لا بد من قطع يديه أو رجليه في حال وضعه في ذلك السرير الديكتاتوري.
و لا بأس هنا أن نعود للحديث مرة أخرى إلى حال اللغات التي وقع خاني و كتابه هذا تحت وطأتها الثقيلة. فلو حاولنا رسم خارطة لغوية من حيث النفوذ و الانتشار لقلنا إن العربية استكملت بنيانها لأنها لغة الدين و القرآن , و كان يقدسها الرعايا من غير العرب أكثر من العرب أنفسهم , و ما زالت شعوب كثيرة تقدس ليس اللغة العربية فحسب , بل الحرف العربي و عندها أنه لا يجوز شرعاً وطأ صحيفة فيها كلام عربي !!
و لقد تهيأ لهذه اللغة من يخدمها من كافة قوميات العالم الإسلامي بدءاً من السريان و مروراً باليهود و انتهاءً بالفرس و الأكراد .أما الفارسية فقد كانت لغة إمبراطورية كبرى كادت تدق بوابات أثينا في الشرق الأوروبي , و تعرضت لنكبة عارضة سرعان ما انتعشت بفضل توجه حكام السلطنة السامانية و الغزنوية إلى رعايتها و دعم الذين يكتبون بها دون حساب .
يقول د.ذبيح الله صفا: كان جميع الأمراء و السلاطين في ذلك العهد ( من السامانيين حتى ظهور السلاجقة ثم حكام الهند من المغول ) يغدقون المال على الكتاب و الشعراء و كل من حمل على عاتقه خدمة اللغة الفارسية , حتى وصل الأمر ببعض الشعراء أن عظمت ثروتهم و عاشوا في نعيم بلاطات الحكام , و قد روي أن أربعمائة بعير كانت تنقل أملاك الشاعر الضرير رودكي ( قيل أنه أول من قال الشعر الجيد بالفارسية ) , كما قيل أن الشاعر عنصري ( صاحب منظومة وامق و عذرا ) صنع أدوات مطبخه من الذهب و الفضة.(50)
كما قيل أن السلطان محمود الغزنوي وعد الفردوسي بمنحه عن كل بيت في الشاهنامه ديناراً من الذهب !!لكنه لم يف بوعده و نال نصيبه من هجاء الشاعر الكبير .
و حتى لو كانت هذه الحكايات من تلفيقات المؤرخين و مبالغاتهم فإنها تدل على مدى الاهتمام و الرعاية التي لاقاها الكتاب و الشعراء الفرس أو الذين يكتبون بالفارسية , و مع ذلك فهم لم يسلموا من تأثير اللغة العربية المروِّع , و يجد الباحثون أن الكلمات العربية تغزر في قصة الإسكندر من الشاهنامه التي أراد صاحبها أن يكتبها بلغة فارسية نقية , و أن نفوذ التراكيب العربية تزداد بوضوح , لأن الفردوسي تأثر بقصة الاسكندر العربية المنقولة عن أصل يوناني !!
أما اللغة العثمانية فقد كانت لغة إمبراطورية تدق أبواب فيينا في غرب أوروبا و مع ذلك فلم تسلم هي الأخرى من تأثيرات العربية أو الفارسية , و كان شاعرها فضولي ذا هوس كبير في إدخال مفردات فارسية و عربية و ترصيع شعره بها.(51 )
و إذا كان الفرس و هم بهذه الحال لم يسلموا من تأثير العربية, و العثمانيون و هم أقوى سلطة في العالم آنذاك وقعوا تحت ثقل العربية لدرجة أن فرمانات سلاطينهم كانت تصدر و كأنها مكتوبة بالعربية , فما بالك بلغة كردية لا يعترف بها أحد و لا يرعاها حاكم أو سلطان , بل ثمة أفراد قليلون برزوا كفرسان على جياد هزيلة أثاروا غباراً قليلاً !!! ما بالك بهذه اللغة المحاصرة سماء و أرضاً , اللغة التي لم يكتب بها أحد مذ فتح الأكراد أعينهم على الحضارة الإسلامية , و لم يجد الرواد أمامهم مكتبة كردية متكاملة أو متواضعة تضم على رفوفها عشرين كتاباً ,في كل موضوع كتاب !!
و ليت الأمر وقف عند ذلك الحد , بل نرى الأكراد قد فقدوا ثقتهم بلغتهم حتى أن ظريفاً من ظرفائهم وضع حديثاً على لسان النبي حول اللغة الكردية و لطرافته أثبت نصه المترجم هنا :
روي أن فاطمة الزهراء سألت أباها ذات مرة :أثمة لغة في الدنيا غير العربية ؟! قال :نعم , لغات كثيرة منها الكردية !! فدهشت فاطمة و قالت :و كيف هي اللغة الكردية يا أبتاه؟!
و بينما هما يتحدثان طُرِق الباب فنهضت فاطمة لترى من الطارق , و إذا برجل واقف يسأل ..ميمكه مَمَدْ لَه ماله(أي يا عمة هل محمد في البيت) ؟! استغربت فاطمة و عادت لتقص الخبر على أبيها ! فقال أبوها :يا فاطمة الواقف بالباب هو جبريل , و اللغة التي تكلم بها هي الكردية فاذهبي و قولي له :أرێ له ماله(نعم هو في البيت) !(52)
القصة موضوعة طبعاً , لكننا نستنتج منها أن اللغة الكردية كانت تزاحم اللغات الأخرى و تحاول الولوج معها إلى عوالم المعرفة و الفكر و الدين , و تحاول الدفاع عن خصوصيتها المشكوك فيها و في تميزها فهي , كما يقولون , لغة قطاع طرق , و هي لغة وحشية لا تصلح للكتابة بل هي لغة خليط من الفارسية القديمة و العربية إلى آخر هذه التهم الباطلة . و قصة شيطان العراق الشاعر أنو شروان البغدادي معروفة , فهو الذي وصف الأكراد بالحمير و هجا مدينة إربل(هولير) و سخر من لغة سكانها الأكراد! فقد قال في قصيدة طويلة:
تبَّاً لشيطاني وما سوَّلا لأنه أنزلني إربلا
هذا و في البازار قوم إذا عاينتَهم عاينتَ أهلَ البلا
من كل كرديٍّ حمارٍ و من كل عراقي نفاه الغلا
و الكُرد لا تسمع إلا ?يه أو نَ?يا أو نَتَوا, زَنْكلا
كلا و بوبو علّكو خُشتري خيلو و ميلو موسكا منكلا
ممو و مقو ممكي ثم إن قالوا : بوير كي تجي قلت لا(53)
أما قصة الشاعر الصوفي بابا طاهر( و في بعض الروايات غيره ) الذي استيقظ فجأة ليجد نفسه يتكلم العربية , فقال :أمسيت كردياً و أصبحت عربياً ,و هكذا بدأ يكتب بالعربية , لأن لغته التي أمسى عليها لم تكن تصلح للكتابة . فهي قصة تدخل في باب طعن اللغة الكردية و اتهامها بالعجز و القصور .
بلا شك كان لهذا التراث العدائي للغة الكردية صداه لدى خاني و غيره من الذين حاولوا مستميتين الدفاع عن لغتهم و الكتابة بها مهما كلفهم ذلك , حتى و لو كتبوا بلغة نصفها عربي و نصفها كردي ,و لقد أضحت الكتابة بالكردية عندهم قضية مصيرية و معركة بقاء أو فناء فانطلقوا بمبادرات فردية يدونون مؤلفاتهم بلغة كانت تبدو أحياناً متواضعة و لكن بما أنها كانت الخطوات الأولى فقد شكلت ثورة في التاريخ الكردي لفتت أنظار المتعلمين الكرد إلى لغتهم و عززت ثقتهم بها .
و لقد أجاد خاني في وصف اللغة الكردية بالثفل المتبقي في قاع الكأس يعافه الشارب , و لكنه تجرع ذلك الثفل المهمل و ترك صافي الخمر , و اشتغل في النحاس ( اللغة الكردية ) تاركاً الذهب و الفضة , و لكنه أكد بمرارة إلى أنه يحتاج إلى من يسك نحاسه في صورة عملة رائجة !!
أما الجزري ( و هو عندي أمير الشعر الكردي إن كان ثمة تنازع على إمارة الشعر فهو القائل :أنا الأمير في مملكة الكلام ...أنا الحاكم في عوالم الشعر) فقد كان يصرخ منادياً قومه إلى قراءة شعره : إن كنت تبغي اللؤلؤ المنثور من الشعر ...تعال و اقرأ الملا ( يعني نفسه ) و دع الشيرازي.??.!!
بطبيعة الحال لا يخلو أمر خاني من المبالغة و الإفراط في استعمال المفردات و التراكيب العربية و الفارسية و حتى التركية العثمانية و لو بنسبة قليلة جداً . و لكن يبدو أن ذلك كان إظهاراً لمقدرة الشاعر و تمكنه من لغات عصره الدارجة . و لم تكن لديه سياسة لغوية إذ كان بإمكانه و إمكان غيره من الشعراء العجم بشكل عام إيجاد بدائل من لغتهم لبعض الكلمات العربية و ليس كلها. و مع ذلك فإن نسيج مم و زين لهو نسيج كردي تتخلله خيوط غريبة تزيده جمالاً بمقاييس النقد الكلاسيكي والأجواء الأدبية في عصر الشاعر و لا تعيبه مطلقاً.
إن الباحث في مم و زين و بنيته اللغوية يرى أن نسبة الكلمات العربية تقل في لغة الحكاية بينما تطغى في لغة الفلسفة و الدين و الفلك و التصوف, أي المجالات التي لم يكتب فيها الأكراد شيئاً بلغتهم. و هذا يعني أن اللغة الكردية كانت تحاول خجلة طرق تلك الأبواب التي ملكت العربية مفاتيحها كما يعني ذلك أيضاً أن الأكراد لم يلتفتوا إلى تدوين علوم العصر بلغتهم بل اكتفوا بالاطلاع عليها من خلال لغات وسيطة ..
إننا ما زلنا إلى الآن نفتقر إلى مصطلحات في الفلسفة و التصوف و الفلك و غير ذلك من العلوم بلغتنا الكردية بالرغم من عشرات المعاهد المنتشرة في كردستان و الدول الأوروبية و بالرغم من مئات بل و آلاف الكتاب الذين لا يكتبون إلى باللغة الكردية . ما هي مثلاً بالكردية بدائل هذه العينة العشوائية من المصطلحات و المفردات التي أتى بها خاني: التجلي, الفناء المطلق, القوى الجاذبة, الحال, المقام و الكرامة, عالم الغيب, عالم الشهادة, الحرارة الغريزية, الأزل , الأبد...؟! إنني هنا لا أشير إلى عجز اللغة الكردية بقدر ما أشير إلى عجزنا نحن أصحاب هذه اللغة من الذين نلوم أسلافنا الذين مضى عليهم مئات الأعوام على استخدام مفردات أجنبية ما زلنا نحن نستخدمها دون التفكير في إيجاد بدائل لها.
إن خاني هو شاعر رفع حسب إمكاناته المتوفرة من شأن اللغة الكردية و أعاد ثقة الكرد بلغتهم و حفظت لنا مؤلفاته المئات من الكلمات الكردية التي تحتاج إلى بحث دقيق لوضعها في محلها و استعمالها كما ينبغي أن تستعمل , و من المؤسف أننا نجد مفردات خانية (نسبة إلى خاني ) في غاية الروعة و الأناقة لم ينتبه إليها الكتاب المعاصرون و لا هم اقتربوا من ملكوتها ليضموها إلى كتاباتهم .حتى أننا لا نجدها في قواميس اللغة المعاصرة أيضاً.
إن اللغة الكردية الآن بخير و هي مدينة للرواد الذين اجترحوا الكتابة و فكوا الحصار عن اللغة الكردية بأسلحتهم البدائية . و لا يمكن أن نجد كاتباً كردياً يستعمل في مقال له أو قصة أو قصيدة إلا القليل من الكلمات الدخيلة و التي تم تكريدها عبر الزمن و باتت ملكاً للقاموس الكردي بعد أن لبست شروالاً كردياً , وذلك كله لم ينشأ من فراغ و لم تهبط اللغة الكردية التي يكتب بها كتابنا من السماء فجأة . بل تطورت ببطء و نضجت حتى وصلت إلى هذا المستوى الجيد من النقاء و الصفاء.
لمحة عن بعض الأفكار الواردة في مم و زين
يلاحظ قارئ مم و زين أن الشاعر أحمد خاني تدرج من الكوني إلى الإنساني فالقومي ثم دخل صلب الحكاية بالحديث عن جزيرة بوتان و أميرها و أختيه الجميلتين زين و ستي و الصديقين مم و تاجدين ثم يسمو الشاعر مرة أخرى في عوالم الروح و مسائل الفكر و الفلسفة و الوجود و التصوف و أخيراً يختم كتابه بالتوجه إلى الله كما بدأ أول مرة.
إن الأفكار التي طرحها الشاعر في المقدمة و هي مقدمة دينية تقليدية التزم بها الشعراء الكلاسيكيون تتناول تمجيد الله كونه الخالق الدبر الذي خلق السموات و الأرض و خلق آدم و سخر له ما في الكون, و يتعرض الشاعر لموضوع الوحدة الشهودية و أن الله يتجلى في كل مظاهر الحياة في الكون فلا وجود لموجود إلا بقبس من جمال نور الله و يعمد إلى تأكيد وجود الجبر ( و هو نفي الفعل عن العبد و نسبته إلى الله) و ينطلق من هناك لتبرئة إبليس من جرم عدم السجود لآدم(راجع تفصيلات هذه الأفكار من خلال تعليقاتنا عليها أثناء الشرح). ثم يتحدث الشاعر عن عظمة النبي محمد و بعض من سيرته و معجزاته و يتعرض بقليل من التفصيل إلى معجزة المعراج و هنا يطغى عليه تفكيره الحر فيطالب النبي برحلة معراج جديدة لمساءلة الرب عن كثير من الأمور التي شغلت بال شاعرنا المفكر.
إن خاني الجبري في مقدمة مم و زين , يتحول إلى قدري يؤمن بالاختيار و حرية الإرادة, و ذلك عندما يصبح الحديث ساخناًً عن وضع الشعب الكردي و معاناته و ظروفه العامة, فيتخلى خاني بشكل لا لبس فيه عن جبريته التي تقيد حرية الإنسان فيدعو قومه إلى النهوض و مد اليد إلى السيف لتكوين دولة(فالدنيا تنقاد للمرء بالسيف و الإحسان)( البيت 215).
إن خاني في معالجته للقضية القومية يفكر بعقل منفتح و بصيرة نافذة فيبحث عن جذور العبودية في المجتمع الكردي و يكتشف سبب بقاء الكرد محرومين من كيان مستقل. و هنا نود أن نعيد إلى الأذهان ذلك الحديث الموضوع على لسان الرسول حول عدم إمكانية توحد الأكراد و هو: لا وفق الله هذه الطائفة إلى الوفاق و الوئام. فلقد كان هذا الحديث متداولاً و شائعاً قبل خاني و هو يوافق الجبرية التي نادى بها, لكننا نجده لا يعترف بهذا الحديث و يدعو إلى الوحدة واضعاً حلولاً منطقية تتركز في قائد قوي و هنا يتجلى النهج الفكري المتميز للشاعر الكبير, فهو ينظر إلى الأكراد كونهم جماعة بشرية فاعلة لها دورها و تأثيرها في تغيير مجرى تاريخها و قدرها الشائك, و هو يعتبر الأكراد أحراراً من القيود الغيبية(كالمشيئة الإلهية مثلاً) لذلك لا نجده يدعو الله ليحرر شعبه ( وإن كان يدعوه لتحرير بني البشر من نار الجحيم) بل يخاطب شعبه بالذات ليقوم بفعل التحرير. أما حينما يعالج خاني الإنسان كوجود مستقل, ينتزع منه الإرادة و يؤكد خضوعه للجبر و كأنه يريد أن يقول: إن الإنسان بمفرده كائن مسلوب الإرادة عديم الفاعلية خاضع لقوى أكبر من إرادته, أما حينما ينخرط في الجماعة فله دوره الكبير في التغيير و حرية الحركة( و من هنا جاء دفاعه الشهير عن إبليس). و نستطيع في هذا المجال مقارنة الخاني بفيلسوف الشعراء أبو العلاء المعري الذي كان منتمياً إلى الجبرية و قال: إن أخلاقنا لم تفسد باختيارنا. و لكن المعري حينما كان يصطدم بظلم الحكام كان يتخلى عن اتهاماته للطبيعة و يتهم الإنسان بتعمد الشر و الإساءة, و لذلك لا يصح اعتبار تشخيصه للخلل في نظام الطبيعة كموقف جبري فمذهبه هذا لا يأتلف مع العقيدة الدينية التي تقول إن ظلم الحكام قضاء من الله يجب الصبر عليه. و إن كان لا بد من تسميتها جبرية فهي جبرية احتجاج لا إقرارأعني جبرية قد تصبر على حكم الطبيعة و لا تصبر على حكم الإنسان و تعتبر ظلم الحكام من صنع أنفسهم و تجعل الثورة عليهم تبعاً لذلك ممكنة و مشروعة(54).
في نهاية مم و زين يعمد خاني بمهارة إلى إثبات وجود الجبر في حياة البشر من خلال تمثيلين بسيطين, في أحدهما يصور أن العالم مثل لعبة(خيال الظل) حيث تتحرك الدمى وراء اللوحة المضاءة وفق إرادة المخايل أو الأراجوز(الشخص الذي يلعب بالدمى و ينطق عنها) و هذه الدمى لا إرادة لها مطلقاً:
إن العالم الذي على شاكلة خيال الظل، الصانع(الله) فيه هو الهادي والمضل.
إنه يأتي بنا إلى مشهد الخيال، ويضعنا وراء حجاب الضلال.
أما في التمثيل الثاني فهو يشبه الإنسان الخاضع خضوعاً مطلقاً للمشيئة الإلهية بالقلم في يد الكاتب, و كما أن القلم غير مسؤول عن مضامين الكتابة شراً أو خيراً, فكذلك الإنسان غير مسؤول عن أفعاله. يقول خاني على لسان القلم الذي يوبخ الكاتب:
إن كانت أقوالك سيئة أو حسنة، وأفعالك خاطئةً أو مصيبةً.
فإنك تعرف جيداً يا قبيح الفعال، أنك أنت القائل والفاعل والصاحب.
لقد زينت بي مجالس الطرب، وسَوَّدْتَ (بمدادي) كتابَ المعاصي.
وإن كان لي وجود في الظاهر، فأنت العازف وأنا مثل الناي.
فهل يقول الناي بذاته شيئاً، أم هل يسكب القلم رشحةَ حبرٍ من تلقاء ذاته.؟!
الكاتب هو الذي يجعل القلم يسيء، والناي يئن بين يدي العازف.
يا رب إنك تعرف أن (خاني) المسكين، مثل القلم الأسير .
قلبه في الحقيقة بين يديك، وهو لا يفعل شيئاً من تلقاء نفسه مطلقاً.
الموضوع القومي و دور القائد:
دخل الشاعر موضوعه القومي عبر مقدمة خمرية تعكس لنا أجواءه المفعمة بالخيبة و القلق النفسي و الحيرة, و لا أرى من المفيد أن أحلل النظرية القومية عند خاني فقد أفضنا في الحديث عن ذلك قبل صفحات كما علقنا على الأبيات المتعلقة بالفكر القومي في مم و زين و تناولنا مشروعه القومي بشيء من التفصيل فليراجع!
لقد ركز خاني على دور الفرد القائد في إخراج الشعب الكردي من أزمته فوضع صفات معينة لهذا المنقذ تقربه من صفات الحاكم في المدينة الفاضلة للفارابي لأنه يجب حسب خاني أن يكون رجل فكر قبل كل شيء. لكن الذي نلاحظه في التاريخ أن القادة الذين كانوا قادرين على تحريك الجماهير ليسوا في الغالب رجال فكر كما يقول غوستاف لوبون, و لا يمكنهم أن يكونوا كذلك, إنما هم رجال ممارسة و انخراط و هم قليلو الفطنة(55), و يقول الباحث الراحل هادي العلوي بخصوص دعوة المعري إلى إمامة العقل(كذب الظن لا إمام سوى العقل): العقل لا يقود حركة سياسية و إنما يقودها زعماء يتمتعون بكفاءات مناسبة تماماً لأداء مثل هذا الدور المختلف جذرياً عن دور المثقف, و مادة الحركة أعني جمهورها لا تتشكل في الغالب من العقلاء لأن اعتمادها في التعبئة تكون على الأيديولوجيا و ليس على العقل, إن متابعة الفيلسوف أو المفكر تتم بناء على تفكير عقلي, و المتبع قد يكون هو نفسه فيلسوفاً أو مفكراً, و معروف أن أتباع الفلاسفة لا يكونون إلا من المثقفين العقلانيين بخلاف أتباع الأنبياء أو المصلحين أو القادة السياسيين. إن أي نشاط سياسي أو اجتماعي يتطلب لكي ينتج أهدافه إطاراً منظماً , و يعني التنظيم وجود قيادة فردية أو جماعية ذات مركز آمر مع جمهور من الأتباع ينفذون الأوامر طوعاً أو كرهاً, و بهذه الطريقة وحدها يتوصل البشر إلى تحقيق إرادتهم في أي مفصل من التاريخ.(56)
لقد كان خاني قريباً من السلطات الحاكمة و كان يفهم لعبة القيادة و يعرف أن تحقيق مشروعه لن يتم إلا عبر قائد يتبناه و يطبق مشروعه الرائد على أرض الواقع. لكنه مع الأسف أظهر هذا المشروع إبان ضعف الإمارة و تغلغل النفوذ العثماني فيها حيث تمت إقالة الأمير ميرزا و استبدال عمه إبراهيم به ثم إقالة الأخير أيضاً.
إن خاني قد أسهب في نقد الأمير زين الدين شقيق الأميرة زين التي أحبها مم, و أوضح من خلال ذلك آراءه السياسية و فهمه لموضوع القيادة فقال إن للبطانة السيئة دور كبير في فساد الحكم, لأن تلك البطانة لا تصل إلى المراكز الحساسة أصلاً إلا عبر النفاق و المداهنة, لذلك لا بد للحاكم أن يُخْضِع المتقدمين لشغل الوزارات و المناصب الهامة للتجربة أربعين مرة. (انظر الأبيات من 1984 حتى 2000)
شخصيات القصة:
أولاً: الشخصيات الرئيسة:
1_ الأمير زين الدين:
ورد الاسم مرتين في القصة, مرة بصيغة زين دين في البيت 359, و مرة بصيغة زيدين في البيت 1365. أما الرواة الشعبيون لملحمة ممى آلان فلا يتفقون على اسم معين لهذا الأمير, ففي حين نجد اسمه لدى مشو بكه بورێ (أزين) و هو الاسم الذي يقول د. نور الدين زازا أنه الأقرب إلى التاريخ من بين جميع الأسماء الأخرى, نجده لدى حسين بانه سوري و سلمان رشو (سيفدين= سيف الدين) و عند إسماعيل باني يطابق ما ورد في مم و زين أحمد خاني(57).
و لا نجد بين أمراء ولاية الجزيرة أو جزيرة بوتان الذين تحدث عنهم شرفخان بدليس أميراً اسمه زين الدين, بل نعثر على اسم قريب منه و هو الأمير عز الدين الذي عاصر الفاتح المغولي تيمورلنك و قد حدثت بينهما أمور ذكرها شرفخان بشيء من التفصيل(58).
ملامح من شخصية الأمير كما وصفها خاني:
بداية يوافق خاني على ادعاء أمراء بوتان انتسابهم إلى خالد بن الوليد القرشي المخزومي( انظر التعليقات) و يصف الأمير بالشهامة و السخاء و الشجاعة و وفرة الثروة و امتداد سلطانه ليشمل العرب و الترك و الفرس!!!
و من خلال القصة يوضح خاني أكثر فأكثر بعض جوانب شخصية هذا الأمير القوي, فهو الذي يصدر الأوامر بالخروج في عيد النوروز, و عندما يتقرر طلب يد الأميرة ستي لأجل تاجدين , يذهب إلى الأمير وفد كبير من العلماء و الأمراء و العامة و يخاطبونه خطاب الملوك و السلاطين(الأبيات 875 حتى 883), و هنا نجد لدى الأمير ليناً في الطباع و دماثة خُلُق غير متوقعة و سرعة في تلبية طلب الوفد الذي شكله تاجدين, إنه أمير سمح كريم يدعو بنفسه إلى إقامة حفل خطبة لائق بأخته و يتواضع لدرجة أنه يقوم بنفسه على خدمة تاجدين و الضيوف. لكن هذا الأمير يتصرف أحياناً بعنجهية ففي مشهد الصيد مثلاً يبدو استبدادياً حينما يأمر جميع سكان بوتان بالخروج للصيد و يهدد المتخلفين بالقتل.
ينتظر خاني الفرصة المناسبة لكيل النقد للأمير فيرى تمسكه بحاجبه السيء بكر نوعاً من الجهل فيقول إن هناك أمراء لا يبادلون الكلاب السلوقية بالجياد العربية الأصيلة!! و يبين لنا خاني شخصية الأمير على أنها قوية في البداية أمام نزعة الشر المتأصلة في حاجبه بكر, لكنه ينخدع في النهاية و يقع في شركه ليصدق كل ما يقوله ذلك الحاجب عن مؤامرة يحيكها الصديقان مم و تاجدين(انظر الفصل المسمى بدء الفتنة في هذا الكتاب) و يصور لنا تمسكه الشديد بالسلطة من خلال حوار بينه و بين بكر إذ يحاول بكر الإساءة إلى تاجدين لحقد دفين, لكن الأمير لا يصغي إليه بل يمدح تاجدين فيحاول بكر مرة أخرى و يلجأ إلى الكذب فيقول: إن تاجدين يتجاوز حدود صلاحياته فقد وعد مم بتزويجه من زين! و هنا ينفعل الأمير قليلاً لكنه يكتم ذلك و يتحكم بأعصابه سائلاً: لماذا لم يستشرني تاجدين؟ و عندما يلاحظ بكر خَوَر الأمير و أنه بات مستعداً لالتقاط الطُّعم يواصل خطته فيقول: إن خوفي هو أن تتجاوز المسألة تزويج مم من زين فيدعي تاجدين انتسابه إلى سلالة خالد بن الوليد( و هي السلالة التي كان أمراء بوتان يدعون الانتماء إليها)! هنا يصور خاني بمهارة فائقة ردة فعل الأمير العنيفة و يبين شهوة السلطة لديه عندما يقول: لقد كنت أرغب في الحقيقة أن أزوج مم و زين و لكن الآن و قسماً بروح والدي و جدي خالد فإنني لن أزوجها من أيٍ من ذكور بني آدم. ثم يواصل الأمير انفعاله فيهدد كل من يتقدم لطلب يد زين بالقتل.
إننا نلاحظ أن خاني رسم شخصية الأمير بدقة من خلال ردود فعل ثلاثة, ففي الأول كان إيجابياً وقف فيه ضد دسائس حاجبه بكر, و في الثاني كان أقل قوة بل اكتفى بجملة واحدة هي تعبير عن دهشته بعد أن أفاض في البداية في مدح مم و تاجدين, أما رد الغعل الثالث و الأخير فقد كان حاسماً و انفعالياً قطع كل أمل للعاشقين بالوصال, وهنا ينتهز خاني الفرصة كعادته فينتقد هذا النوع من الحكام و يدعو إلى عدم الثقة بهم:
إن الحكام في الباطن والظاهر كالنار بدون شك .
فهم في الظاهر نضرون منورو الوجوه، وفي باطنهم بعيدون عن المداراة.
عندما يرحمون يكونون كالشمس . وحينما يغضبون يحرقون العالم.
حذار أن تثق بهم، حتى لو كنت أباً أو ابناً أو أخاً.
خاصة إذا كان المقربون منهم سيئون، فالعياذ بالله منهم.
بعد ذلك يدخل خاني إلى أعماق نفس الأمير فيرسم غيرته الشديدة و عذابه النفسي بسبب الإشاعات التي تنال من سمعة أخته الأميرة زين التي تعلق بها قلب مم:
الأمير الذي كان مهموماً بسبب الغيرة و الأسد الذي كان جريحاً لفرط الحمية
لم يذق النوم حتى الصباح و لم يهدأ و كأنه نهر هادر.
يرسم لنا خاني الضعف الذي يدب في شخصية الأمير الواقع في الأزمة النفسية بسبب الأقاويل التي تنال من شرفه بين سكان الجزيرة( مجرد تعلق مم بحب زين و تحول ذلك إلى حديث يتناقله الناس في مجالسهم كان هو السبب في أزمة الأمير) فيبحث عن الحقيقة و لا يجد أمامه سوى الحاجب بكر يستشيره في كل شاردة و واردة فيقع فريسة دسائسه و يزج بالعاشق البريء في السجن و لا يصحو إلا على منظر أخته و هي تنزف الدماء. و في لقطة تراجيدية ساحرة نجد الأمير النادم يحمل جثمان أخته ليوسدها التراب بجانب مم قائلاً له: ها إليك معشوقتك.
2_ الأميرة زين:
هي أخت حاكم الجزيرة, رائعة الجمال, تنجذب إلى مم وفق إرادة أزلية شاءها الله. يتحدث عنها خاني وفق خطين مختلفين, الأول هو خط الوصف الظاهري للشكل و نمط الحياة, و الثاني هو خط العالم الداخلي بما فيه من مشاعر و أحاسيس و أنماط تفكير مختلفة.
و الذي يهمنا في الحديث عن شخصية زين هو الخط الثاني الذي نلاحظ أنه خط تصاعدي تتحرك الشخصية عبره وفق آلية التسامي, إذ نرى في البداية زين العاشقة الولهى المتعلقة بالشاب الوسيم مم كأي فتاة عاشقة تعبر عن مشاعرها في الحب و المعاناة و السهر و الشكوى من الفراق...إلخ. بعد ذلك تنعطف الشخصية انعطافة حادة دون أي تمهيد فتنقلب رأساً على عقب, و نشهد في قاموسها كلمات لا يتفوه بها إلا الذين خاضوا تجارب العشق الصوفي بدرجاته الكبرى .
و لا يأتي هذا الانقلاب الصوفي الكبير إلا بعد سماع زين خبر موت مم في سجنه, فتتكلم على الفور كلاماً صوفياً من مفرداته مثلاً: اللامكان, الاتصال,الفناء, البقاء. و يستغرب المرء من هذا التحول الفجائي و لا يمكن تبريره إلا بقولنا : إن الكاتب لم يسعه في هذا المجال إلا أن يوجه هذا الحب وجهة صوفية بعد أن تملك اليأس من العاشقين, و أن التحول الفجائي في الإنسان مقبول لدى معشر الصوفية, فقد تحول الشيخ الصنعاني فجأة من كبار المشايخ و المرشدين إلى عاشق متيم هام بحب فتاة أرمنية حلم بها ذات ليلة و أصبح راعياً لخنازير والدها و احتسى الخمرة بل و بدل دينه فاعتنق المسيحية!! و في التراث الصوفي عشرات الأمثلة على تحولات فجائية في الإنسان لا يمكن تفسيرها إلا من وجهة نظر صوفيه تعتمد على التجلي و الكشف و الشهود!!
3_ العاشق مم:
ما ينطبق على زين ينطبق على عاشقها مم أيضاً, فهو في البداية عاشق كأي عاشق يأسره جمال محبوبته و لا يستطيع وصالها فيشكو و يتألم و يبث لواعج حبه لعناصر الطبيعة و يتحسر شوقاً إلى رؤية زين....إلخ. و في السجن يطرأ عليه تحول جذري عميق و انقلاب صوفي يغيره من عاشق ولهان إلى صوفي متشرب بروح وحدة الوجود. لقد تأثر مم في السجن بالبعد عن الحبيبة و المعاناة و الوحدة و التأمل الطويل و هذه من الأمور التي يسلكها الصوفي ليرقى في مراقي التصوف.
يستشهد خاني بكلام الصوفية القائل: موتوا قبل أن تموتوا. فيصور لنا ما آل إليه حال بطله مم من الإنكفاء باتجاه التأمل ثم الوصول إلى حال النشوة الصوفية و التعويض عن الحرمان البصري و الاستمتاع الحسي برؤية المحبوب موجوداً حوله في كل مكان:
أصبحت الأنوار مشهودة في قلبه، وانكشفت أمامه الأسرار.
صقلت مرآة القلب، وتبدلت الصور بالمعاني.
وذلك الذي كان هيكلاً للمطلب المجازي (أي مم الذي كان يبتغي الاقتران الحسي بمحبوبته زين) أصبح ملعباً لطفل العشق.
هذه الممكنات وما سواها جميعاً، أصبحت منافذ ينظر منها إلى وجه حبيبته.
الأشجار والثمار والدواب والبشر، المعادن والنبات والحيوان.
كل ما نظر إليه بقلبه، ومر عليه بخياله.
كان يظهر له (زيناً)، وكان يشهد في كل واحد منها يقيناً.
وكأنه بذاته قد أصبح راصداً متأملاً، والزنزانة كانت تكشف له كل بعيد وخفي.
إن تصوف مم يمكن فهمه من معاناته الشديدة و يأسه و من أنوار التجلي التي ظهرت له في السجن و شهد بذلك رفاقه من المساجين في الزنازين القريبة:
سألوا الناسَ المساجين، عن حال ذلك العاجز المسكين.
فقال الناس الذين كانوا مسجونين مع مم: لقد رأينا من سطح الجدار.
بريقاً عجيباً فوق مم، ونوراً يتصاعد من رأسه.
و بعد أن يتشرب مم بروح التصوف و ترك الدنيا و الزهد فيها, يأتيه العرض الأميري السخي بقبول زواجه من زين, و لكن هيهات لمن ذاق حلاوة التجليات الصوفية و سما في عشقه حتى قارب العرش أن يقبل بمثل هذا العرض الدنيوي الزائل:
إننا باكورة بستان العز والفخار، مئة شكر فنحن مرفوعو الرؤوس أنقياء.
حاشا .. في هذه الدنيا الفانية , و بدون جنة عدنٍ الخالدة.
أن نكون في دار الفناء زناةً كالبهائم، عبثاً.
إن مم بعد انقلابه الصوفي يعتبر الزواج بمحبوبته زين في الدنيا نوعاً من الزنا, فيرفض العرض و يقول إن حفلة عرسه ستقام في الجنة :
لقد زين الله ُ لنا الحورَ والغلمانَ في جنة الرضوان.
إنهم ينتظرون رحلتنا، ويفتخرون بعرسنا (هناك).
لقد وصل مم الصوفي إلى مرحلة الفناء بعد تخطيه مراتب السلوك مرتبة مرتبة و عروجه إلى مراقي الكشف درجة درجة, فمات و هو سعيد بموته فرح بقرب وصال المحبوب ليس في دار الفناء, بل في دار البقاء:
فكَّ يديه من قيود الطين (الحياة) وخفق بجناحي قلبه.
طار ذلك الشهباز (الصقر الملكي) من الأرض، حتى وصل إلى الله.
و الملاحظ أن خاني ينهي حياة مم بعد أن يصفه بـ (شهباز) أي الصقر الملكي و هو صفة من وصل درجات الكمال في السلوك, و كان البازُ لقبَ الصوفي الشهير عبد القادر ال?يلاني.
4_ تاجدين و بكر:
من خلال متابعتنا للدور الذي رسمه الشاعر لكل واحد من هاتين الشخصيتين نجد أن أحدهما يمثل الخير و الآخر يمثل الشر, و ما يحصل بينهما هو اختصار و تمثيل للصراع الأزلي بين الخير و الشر, النور و الظلام.
أما تاجدين و هو الذي يمثل الخير, فهو أحد أبناء وزير الديوان المسمى( إسكندر), و هو صديق حميم لـ (مم) و شريكه في محنة الحب. وهو قائد عسكري وبطل شجاع على رأس مئة من الشبان في خدمة الأمير. و الشخصية التي تمثل الشر هي بكر( في الملاحم الشعبية بكو) الذي يصوره خاني على أنه مستشار الأمير و حاجبه و بوابه و مدير القهوة في مجلسه, و هو إنسان غريب عن جزيرة بوتان و ينتسب إلى بلدة( مَرْ?َڤَرْ) التي تقع في كردستان الشرقية حالياً. و لا ندري لماذا اختار الشاعر هذه البلدة بالذات موطناً محتملاً لـ (بكر)! و لعل ذلك يدخل في نطاق الحساسيات بين منطقة و أخرى!! و على كل حال فإن غربة هذا الحاجب السيء قد تبرر سلوكه المستهتر و سعيه الدؤوب إلى الإيقاع بين الأمير و تاجدين و منع تحقيق مراد العاشقين مم و زين.
يتعرض تاجدين مثل صديقه مم لصدمة الحب و سطوته في يوم النوروز, إلا أن عشقه غير كامل فهو متعلق بالظاهر و لذلك يشاء الشاعر له أن يتزوج من حبيبته(ستي) و كأنه بذلك يضع حداً لذلك العشق الناقص إذ لا شيء يفسد الحب كالزواج.
و من البداية يظهر خاني أن العشق لم يدخل في صميم روح تاجدين و يقارن بينه و بين مم فيقول:
لقد عرف ذانك الأخوان قاتليهما بدون شك، وعن طريق العقل والتخمين
كان تاجدين مازال محتفظاً ببقية من الشعور، ولم يكن العشق قد امتلكه تماماً(حرفياً: ترك العشق فيه قصوراً)
فقال :إنهض ياأخي، قم من فراشك وكفاك آهات من هذه الجراح
نحن أسود وهما في طبيعة الغزلان، ومن العار أن نتألم بسببهما.
إن دور تاجدين الحقيقي لا يظهر في القصة إلا بعد زواجه, و هذا الدور يوازي دور بكر و يعاكسه في المبدأ و الاتجاه . إن أول نصيحة يقدمها تاجدين للأمير هي قوله: مولاي أبعد هذا البواب عن مجلسك, فهو كلب حاقد و سيء الطوية.
بالمقابل نجد بكراً يحاول تحريض الأمير على تاجدين بسبب خوف و حقد دفين لا نعثر له على سبب وجيه. و يكون أول اعتراض منه على الأمير أن يقول له: لم زوجت يا مولاي ستي من تاجدين!! لقد أعطيتها رخيصة!
و هكذا يتجسد صراع الخير و الشر الأزلي صراعاً مريراً بين تاجدين و بكر و تكون الضحية مم الذي يزج به في السجن, لأن تاجدين أكبر من دسائس بكر كونه صهر الأمير و قائد قواته.
إن خاني يرسم بكر من خلال صفات عديدة كلها سيئة فهو فتَّان و ابن كلب و نمَّام و محتال و منافق و خدَّاع و ماكر و كاذب و سيء الأخلاق و الخلقة و ابن زنا و حقود و خبيث و مزوِّر و ملعون...إلى آخر هذه النعوت التي ترافقه حتى نهايته.
و بالموازاة مع تلك النعوت نجد أن بكر شخص ذكي جداً يعرف أين و متى يضرب ضربته, فقد حاول الإساءة إلى سمعة خصمه اللدود فلم يفلح فعمد إلى الكذب مدعياً أن تاجدين طغى و تجبر بعد زواجه من أخت الأمير و هو يتصرف من عنده في شؤون الإمارة فقد وعد مم بتزويجه من زين! يستغرب الأمير دون أن يبدي استياء بالغاً فيتمادى بكر في الكذب و يضرب على الوتر الحساس, وتر السلطة و الكرسي الذي لا يمكن التخلي عنه, فيقول: إن خوفي هو أن يدعي تاجدين انتسابه إلى سلالة خالد بن الوليد الذي ينتمي إليه أمراء بوتان. هنا فقط تؤثر الضربة تأثيرها المطلوب فينفعل الأمير عندما يشعر بالخطر على الكرسي و يقسم أنه لن يزوج زين من أحد..
في أحد المشاهد يعمد الشاعر بذكاء إلى وضع كل من طرفي الصراع في جانب من جانبي الأمير و ذلك بعد عودته من رحلة الصيد و رؤية أبواب القصر مفتوحة مما يشي بوجود أمر غير عادي! يتابع الطرفان صراعهما و يحاول كل واحد منهما انتهاز الفرصة فالوضع متأزم و الأمير يشك في وجود أحد في القصر و الذي ظهر في الأخير أنه مم العاشق. يتدخل تاجدين لإنقاذ مم و لا يرى بداً من إحداث جو من البلبلة و الفوضى لفتح المجال أمام تدارك الأمر قبل انكشافه فيعمد إلى إحراق قصره بما فيه ثم يدعو الناس لنجدته فينفرط عقد مجلس الأمير و تتمكن زين المختبئة وراء مم من الهرب و النجاة. بذلك يكون الخير قد كسب جولة من جولات الصراع, لكن أنَّى للشر أن يهدأ و يقبل بالهزيمة؟!
يواصل بكر دسائسه و يعرف أنه لن يقوى على تاجدين و أن نقطة ضعف خصمه هي قصة حب مم و زين التي شاعت في جزيرة بوتان و تناقلها الناس حتى وصلت إلى مسامع بكر الذي قام بدوره بإبلاغ الأمير عما يتناقله الناس من أمر يمس شرفه . و بعد إقرار مم أمام الأمير بحبه للأميرة زين يقوم الأمير بزجه في السجن مما يدعو إلى توتر شديد في العلاقات بينه و بين تاجدين الذي يقوم بعد عام على سجن مم بحشد قوة عسكرية للمطالبة بتحرير مم أو تسليم بكر لقتله.
يعلم بكر أن الوضع خطير فقد يساوم الأمير على دمه و يسلمه للثائرين, فيعمد إلى نصح الأمير بالخديعة و التظاهر بأنه سيزوج مم و زين لأجل إرضاء تاجدين و أخويه و يقنعه أن الأمر مجرد خدعة و أنه يستطيع القضاء على تاجدين بتسميمه!
في النهاية ينتصر الشر ظاهرياً فلا يحظى مم بالزواج من محبوبته و يؤدي بكر دوره المرسوم له بإتقان حتى نهاية القصة و مقتله على يد تاجدين كرمز للإنتصار النهائي للخير.
لكن هل صحيح أن بكر يمثل الشر المطلق و تاجدين يمثل الخير!! هذا ما يجيبنا عليه الشاعر في مشهد أخير يلخص فيه فلسفته في العشق و التصوف و الوجود, إذ نجد بكراً يفلسف وجوده و يبرر أفعاله التي كانت في ظاهرها شراً سبب الأذى للعاشقين, لكنها كانت في الباطن لخيرهما, أما تاجدين فقد كان سيسبب الأذى لهما لو تحقق ما يريده و لأفسد ذلك الحب النقي الطاهر بالزواج في الدنيا.
بالإضافة إلى ذلك فإن خاني يؤمن بما يمكن أن نسميه الوجود الضروري للشر و الخير, أو ضرورة الأضداد:
هؤلاء الصادقون المستقيمون و طلاب الخير، وهؤلاء الكذبة والمنحرفون والأشرار
أهل جهنم والعذاب، واللائقون بالجنة والثواب
أتعرف الحكمة في كونهم جميعاً أضداد وأنداداً؟
لأنه إذا لم يكن ثمة اختلاف، لاستحال التمييز و التعارف.(الأبيات1124, 1126)
كما أن الجبرية التي نادى بها خاني يمكن أن تلقي بعض الضوء على ما يقوم به بكر, فهو لا يعمل شيئاً بإرادته و كل ما يفعله مقدر عليه من الأزل و هو ينفذ مشيئة الله الذي أراد لهذا العشق أن يسمو و ينتهي نهاية مأساوية في الظاهر بينما هو في الحقيقة عشق منتصر على النزوات و المتع الحسية لذلك يُتَوَّجُ باللقاء في الجنة بين العاشقين اللذين حرما من نعمة الوصال في الدنيا.
ثانياً_ الشخصيات الثانوية:
تلعب بعض الشخصيات أدواراً ثانوية يكون بعضها مهماً جداً مثل دور المربية العجوز(مربية زين و ستي التي يقول عنها خاني: كان اسمها لتقدمها في السن (حيزبون) التي تسعى إلى جمع شمل العشاق, و كذلك دور العراف الذي يكشف للعجوز سر العاشقين المجهولين اللذين هاما بحب الأميرتين.
أما شخصية ستي شقيقة زين فهي سلبية و بسيطة و ليس لها دور سوى مواساة زين و لا يظهر اسمها بعد زواجها إلا نادراً.
أما عارف و ?كو , و هما شقيقا تاجدين فهما شخصيتان لا تظهران إلا في الاستعراض العسكري الذي يقوم به تاجدين للمطالبة بإطلاق سراح مم, و كذلك يحضران جلسة الشطرنج الشهيرة لمساندة العاشق مم.
هناك أيضاً شخصية تظهر مرة واحدة لأداء دور مفاجئ و هي شخصية ?ر?ين صديق مم, و ينحصر هذا الدور في إخبار تاجدين بالمؤامرة التي حيكت ضد مم في القصر.
أما الشخصية التي تلعب وراء الحجب فهي شخصية الراوي الذي يلح الشاعر في عدة أماكن من القصة على حضوره القوي. و الذي نلاحظه لدى الشاعر في أمر الشخصيات أنه يحركها كيفما يشاء فتظهر و تختفي في اللحظات المناسبة, و لأن الشاعر مهتم بالتركيز على محور القصة الذي تدور حوله الشخصيات الرئيسة فإنه يهمل الشخصيات الثانوية التي تبدو مسطحة تماماً, كما أنه يشعرنا بشخصيات لا تلعب أي دور مهما كان صغيراً مثل شخصيتي والد تاجدين و والد مم و هما موظفان كبيران في ديوان الأمير زين الدين.
تأثير أحمد خاني في الأدب الكردي:
استوعب الشاعر أحمد خاني الثقافة التي سبقته و اطلع عن كثب على الآداب الفارسية و العثمانية و العربية و الكردية بلغاتها الأصلية. و ظهرت ثقافته الموسوعية مبثوثة في ثنايا هذه القصة الرائعة, فالتصوف الإسلامي يشغل حيزاً كبيراً من فكره, و ثمة إشارات عديدة إلى شعراء فرس كبار و موضوعات تطرق إليها أولئك الشعراء. كما نجد في المقدمة آثاراً واضحة لتأثره بالتيارات الفكرية الإسلامية واطلاعه على الجدل الذي كان قائماً بين تلك التيارات. لقد استطاع الشاعر الكبير أن يصهر كل ذلك في بوتقة قصته و ينفخ فيها من روحه المبدعة ليعطي بذلك الأدب الكردي دفعاً قوياً إلى الأمام. و بتعبير المثقف الكردي حمزة مكسي: إذا كان الفردوسي قد أحيا الأمة الفارسية فإن خاني أنقذ الأمة الكردية من الموت المحتم.(59)
و شاعر بهذا الحجم لا بد أن يكون له تأثير كبير في الأجيال اللاحقة, و بالفعل فقد قلده كثيرون من الشعراء في أساليبه و مضامينه الشعرية أيضاً. و قد أصبحت مقدمته القومية و شكواه من جور الزمان و إهمال اللغة الكردية و الافتقار إلى قائد كردي حكيم , مثل البكاء على الأطلال عند الشعراء العرب. فقد جاء بعده كثيرون كرروا كلامه بما يشبه التكرار الحرفي و نهجوا منهجه في الدعوة إلى اليقظة القومية و لكن أحداً منهم لم يبلغ شأوه. و من الذين تأثروا به تأثراً واضحاً:
1- عبد الرحمن آق ت?ي(روحي):
هو الشيخ عبد الرحمن ابن الشيخ حسن النوراني الذي كان من علماء الدين الأفاضل و من أعيان الطريقة الخالدية النقشبندية, و كانت له مدرسة دينية.
و لد في بلدة آق ت?ه من قضاء ?نار التابع لديار بكر في كردستان الشمالية عام 1270 ﻫ= 1850 م, و كان والده من أعيان الطريقة النقشبندية, اشتهر بمنظومته الشعرية(روض النعيم) التي نظمها على بحر المتقارب في مئات من الأبيات, و تحكي هذه المنظومة عن فضائل النبي و معجزاته. و له إلى جانب ذلك ديوان شعر جميل في الغزل و مواضيع أخرى كما أن له كتاب (الإبريز في إثبات القِدَم للكتاب العزيز) و كتاب( كشف الظلام في عقائد فرق الإسلام). توفي عام 1326ﻫ= 1910 م في مسقط رأسه و دفن هناك و قبره يزار.(60)
إن من يقارن مقدمة خاني و ما جاء في منظومة روض النعيم لن يحتاج إلى كثير من الذكاء ليكتشف أن آق ت?ي من الذين تأثروا بأفكار خاني القومية. لقد عاش آق ت?ي حياته بعد انهيار آخر إمارة كردية مستقل عام 1847 م أعني إمارة بوتان التي كان يحكمها بدرخان ?اشا, و كانت الأوضاع قد تأزمت من جديد على الجبهة بين الإمبراطوريتين العثمانية و الفارسية(القاجارية) و أخذت جيوش الطرفين تغير مداً و جزراً على كردستان و تتخذها ميداناً لمعاركها مما أعاد إلى الأذهان ذكريات عصر خاني و كذلك شعر خاني و فكره التحرري.
يقول عبد الرحمن آق ت?ي في روض النعيم:
انظروا إلى هذه الأشعار يا من تعلمون..أي تركيب كردي صرف هي!
لقد نظمتُ من (اللغة) الكردية كلاماً حلواً رفيعاً فصيحاً
ليس هناك أحلى من الكردية و لكن لا يوجد مشترون
لو رأيت مرة مشترياً(من يقدر الأدب) لجعلتها دافقة كالنهر
لكتبت آلاف الكتب..و نظمت شعراً بالكردية
لكنني اكتفيت بهذه المنظومة, إذ لا يوجد من يقول لي: مرحى
لقد عانيت المشقة في هذه الأيام, و نظمت كتاباً كردياً
كي لا يقول الأتراك و الفرس قط: الأكراد لا يعرفون العشق!!
و هكذا فهناك شعراء من الكرد كلامهم عذب, و شعرهم في أحسن نظام
و لكننا فقدنا حميتنا فتألب علينا الترك و الفرس
إنني أبدعت هذه الألفاظ العذبة فقطعت بذلك لسان الترك و الفرس(61)
و يتحدث الشاعر آق ت?ي مثل سلفه خاني تماماً عن كساد سوق الأدب و يعزوه إلى انعدام قائد يرعاه فيقول:
ليست غايتي من هذا الكتاب عرض مهاراتي, بل أن أترك أثراً في الدنيا
كي لا يقول الترك و الفرس أبداً: لا يوجد في الكرد شاعر كتب مصراعاً واحداً
إعلموا أن في الكرد شعراء تفوقوا على عشاق الترك و الفرس
و لكننا نفتقد إلى رئيس و صاحب يهتم بالشعر الجميل
فلو كان لنا حاكم عارف بالجوهر و قيمته
لخرج كثير من الشعراء الكرد كالنغمات الساحرة من الموسيقى.(62)
إن ظروف كردستان في عهد خاني و التي كانت مثلها ظروفُ كردستان في عصر آق ت?ي جعلت فكر أحمد خاني يحتفظ بطراوته و تأثيره و لو بعد مرور قرنين من الزمان.
2 _ الشيخ محمد جان(خاكي) :
هو شقيق الشاعر المار ذكره, ولد سنة 1858 في آق ت?ه و تتلمذ كأخيه على يد والده الشيخ حسن ثم ترقى في مدارج العلوم حتى نال الإجازة ثم سافر إلى دمشق و أصبح من خلفاء مولانا خالد النقشبندي. نظم هذا الشاعر قصة (مجنون ليلى) الشهيرة شعراً عام 1884 م, و في الفصل المسمى سبب تأليف الكتاب نلاحظ التأثير الواضح لفكر الخاني القومي و مقدمة مم و زين التي أصبحت كما قلنا كالمقدمات الطللية في الشعر العربي القديم. يقول محمد جان:
استمع إلى صدى العاشق, هذا العاشق المبتلى الصادق
سأجعل المجنون والهاً متحيراً, و أظهر له ليلى
ستحكي القصائد الكردية الموزونة, عن حال المجنون
هناك قصائد تركية, لكن لا تمت للكردية بشيء, فالكردية كنز مخفي
....
لو كان لنا أمير, صاحب سيف و بطولات
لأصبح هؤلاء الترك و الفرس و العرب
ناقصين بالمقارنة بنا
لا يوجد لنا صاحب, و لا نعتبر بشراً بين الترك و العرب
....
لقد أخذتني العصبية لهم(للكرد), و أصابتني الغيرة في القلب و اللسان
إن الكلمات الكردية حلوة جداً, مقبولة هي و مثل الدر الثمين(63).
3 _ الشيخ محمد عسكري:
هو ابن الشيخ عبد الرحمن آق ت?ي. ولد عام 1898 م و تتلمذ على يد والده ثم شقيقه الشيخ كربلا في المدرسة التي أسسها والده في آق ت?ه. توفي عام 1952 في قرية ?ولى.
ترك هذا الشاعر وراءه ديوان شعر و قصة شعرية بعنوان( عقدێ دُرفام).(64)
ما يهمنا من أمر هذا الشاعر (الذي عاش القسم الأخير من حياته في حكم الجمهورية التركية التي نكلت بالشعب الكردي تنكيلاً وحشياً و قضت على كل ما يمت إلى الروح الكردية بصلة) هو النَفَس القومي الذي رأيناه لدى من سبقه و حمل شعلة الكردايتي في شعره . يقول في كتابه عقدێ درفام الذي أنهاه سنة 1942:
لا مال لنا من هذا البحر, و لا قيمة للكلام في هذا الدهر
خاصة لغتنا الكردية هذه, و التي ورثناها هدية من والدينا
إن مصباح العِلْم الكردي لا يضيء في هذا العصر, لقد رأيته من دون زيت
هذه الحسناء بزينتها و بهائها و طيبتها, جيدها و صدرها و قامتها مثل الكنوز
لا أحد يلتفت إليها أعرف ذلك, لأن أرباب العلم قليلون أيها المدرس
و إذا لم يرغب ملك و حاكم في حبها بعد أن يعرف قدرها
فلا نفع في شيء و لا دواء لآلامي
إن اللغة الكردية حلوة جداً, فواأسفاه لقد تركناها.
4 _سليم بن سليمان الهيزاني:
نظم هذاالشاعر قصة يوسف و زليخا عام 1168ﻫ , و يبدو في هذه القصة أثر خاني فكراً و أسلوب نظمٍ واضحاً جداً و تكاد تكون بعض أبيات هذه القصة استنساخاً لأبيات محددة من مم و زين, بل إن القصة تضمنت كثيراً من أبيات خاني بحرفيتها. يقول سليم في الفصل الثالث الذي سمي( البند الثالث في سبب تأليف الكتاب):
إنهم(يقصد الكرد) دائمو التمرد و الشقاق و لا مذهب لهم ولا اتفاق بينهم
لا دواء لهذه العلة فيهيا تداركوا الأمر في هذا الزمان.(65)
5 _ حاجي قادر كويي(1817_1897):
ينتسب هذا الشاعر إلى مدينة كويسنجق في كردستان الجنوبية, و قد درس في طفولته في المدارس التابعة لمسجدها ثم سافر بعد فترة من الزمن إلى مدن سردشت و مهاباد و شنو في كردستان الشرقية حيث حصل عام 1863 على الإجازة العلمية ليعود إلى كويسنجق و منها يسافر إلى الآستانة(اسطمبول) عاصمة السلطنة العثمانية. و هناك يتصل بعائلة بدرخان ?اشا و يصبح المدرس الخاص لأبنائها.
لم يكن للشاعر حاجي قادر اهتمام كبير بالقضايا القومية قبل رحيله إلى اسطمبول و كان ينتمي إلى مدرسة الشعر الكردي التي أسسها رواد الشعر الكرمانجي الجنوبي نالي و سالم و كردي . لكنه في اسطمبول تعرف إلى الشاعر أحمد خاني عبر قصته المنظومة مم و زين الذي كان آل بدرخان يتداولونها . تأثر الشاعر الضيف بأفكار خاني القومية و كتب قصائد عديدة باللهجة الكرمانجية الجنوبية داعياً أبناء قومه الكرد إلى الاستيقاظ و الوحدة و النهوض.
لقد كانت الظروف أيضاً متشابهة بين عصر خاني و عصر حاجي( و هي ظروف تتكرر في كردستان بسبب عوامل تاريخية و جغرافية لا تخفى). و هذا ما جعل تأثير خاني أشد قوة. يقول حاجي قادر واصفاً وضع الأكراد بين رحى حرب الاإمبراطوريتين الفارسية القاجارية و العثمانية في زمنه:
نحن تائهون كالثور الأغر
بين أصحاب القلانس الحر و أصحاب القلانس السود
و دعا حاجي إلى حمل السلاح قائلاً:
إن صلاح أمركم الآن في حمل السلاح
فلا تطمعوا في العزة من دونه.(66)
6 _ الشيخ معروف النودهي(مارف نودي):
هو الشيخ معروف المنتسب إلى عشيرة البرزنجية الشهيرة. ولد في قرية نودێ بمنطقة السليمانية عام 1753 م في عهد سليمان باشا الكبير. و قد نظم على نسق قاموس نوبهار الذي ألفه خاني قاموساً سماه أحمدي عام 1895 م أهداه إلى ابنه كاك أحمد ليحفظ ما يحتاجه من كلمات اللغة العربية و هو يقع في 368 بيتاً. توفي في مدينة السليمانية عام 1838م.(67)
7_ ملا محمود بايزيدي:
ولد سنة 1797 م في بلدة بايزيد(مسقط رأس خاني) علىالمثلث الحدودي التركي الإيراني الروسي.....و أكمل دراسته فيها، و كان قد أصبح حجة عصره في تفسير القرآنو انتقل فيالعقد السادس من القرن التاسع عشر إلى مدينة أرضروم ليلتقي بالقنصل الروسي الكسندر ژابا و يصبح رفيق دربه في البحث عن كنوز الأدب الكردي المدفونة في حجرات المساجد النائية و الزوايا المنسية لرهبان منسيين.و بفضل التعاون المثمر بين الرجلين تم إنقاذ العديد من عيون الشعر الكردي و مجموعة كبيرة من الحكم و الحكايا الفلكلورية إضافة إلى أول ترجمة قام بها البايزيدي لكتاب الشرفنامة المعروف عام 1858 م و ما يزال هذا الكتاب مخطوطا في مكتبة لينينغراد العامة. و جاء في مقدمتها: ليكن معلوماً لدى العارفين أن لجميع الملل و الطوائف تواريخها إلا طوائف الأكراد فلم يكن لهم تاريخ خاص حتى عام 1000 ﻫ . و كانت تواريخ تلك الطوائف مبثوثة في كتب تاريخ الأمم الأخرى إلى أن قام الأمير الفاضل الكامل شرفخان بدليسي بكتابة شرفنامه باللغة الفارسية عن الملوك و الأمراء و مجموع الطائف الكردية في بلاد الروم و إيران(......). و برغبة و همة السيد ژابا أقدمت على ترجمة هذا الكتاب إلى اللغة الكردية.(68)
كما أنه كتب تاريخ كردستان الجديد بدأه من حيث انتهى شرفخان البدليسي ، و لكن لم يكشف النقاب حتّى الآن عنه و له أيضاً كتاب عادات و رسومتنامهء أكراديه (عادات الاكراد و تقاليدهم) و هو كتاب يبحث في البنية الاجتماعية للأكراد الرحّل و يتعرض لمجمل الحالة الكردية البدوية بدقّة الباحث و لكن بأسلوب ممل أحياناً لأنه لم يبوب الكتاب و بسط المعلومات دون منهج معين و هو بذلك يعتبر أبا النثر الكوردي و هذا ما يشفع له ضعف أسلوبه النثري. كما يقال أنه ساعد ألكسندر ژابا في تأليف قاموسه الكردي الفرنسي الذي طبع بعد وفاة ژابا سنة 1879 م و قد جمع هذا القاموس حوالي خمسة عشر ألف مفردة كردية. بالإضافة إلى لعبه دوراً سياسياً في المنطقة الكوردية و النزاع بين الحكومة و الزعماء الكورد. فقد توجه إليه المشير حافظ باشا ليقوم بدور الوساطة بينه و بين الأمير الكردي الثائر بدرخان ?اشا, و يؤكد ژابا أن ملا محمود بايزيدي قد نفذ مهمته و أن المشير كان راضياً عن أدائه. و قد قام البايزيدي مرة أخرى بدور الوساطة بين كامل بك حاكم أرزروم و نور الله بك في حكاري. و قد تعرض البايزيدي للاعتقال عقب انتفاضة قامت في وان كان يقودها خان محمود لاعتقاد كامل بك بضلوعه فيها.(69)
لقد كان عمل البايزيدي ترجمةً لافكار خاني حيث سعى إلى صون التراث الكردي و حفظه من الضياع و تسليمه إلى قنصل أجنبي و هذا ذكاء منه لأن القنصل لا شك سيبعثها لبلاده و يحفظها في المتاحف الخاصة فيحميها من الضياع على يد من لا يقدرون قيمة تلك الكنوز.
و كان البايزيدي قد كتب رسالة في اللغة الكردية سماها (تحفة الخلان في زمانى كردان= أي تحفة الخلان في اللغة الكردية).(70)
كما قدَّم البايزيدي لكتاب على التره ماخي في القواعد العربية باللغة الكردية, و تطرق فيها إلى جوانب من أساليب و طرق تدريس العلوم الإسلامية في المدارس التابعة للجوامع و المساجد و يسرد بصورة موجزة سيرة حياة علي التره ماخي.(71)
8_ اسماعيل البايزيدي:
يتفق معظم الباحثين على أن إسماعيل البايزيدي كان من تلامذة الشاعر أحمد خاني المباشرين. فقد ولد و عاش في بايزيد في نفس الفترة التي عاش فيها خاني. يقول د. بله ج شيركو: هو من أهالي بايزيد , ولد سنة 1654 و اقتدى بالشيخ أحمد خاني, و له قاموس صغير في اللغات الكردية و الفارسية و العربية يسمى كامزار(كذا في الأصل و الصحيح ?لزار) و له قصائد رنانة و أشعار لطيفة باللهجة الكرمانجية(الشمالية), توفي سنة 1709 و قبره ببايزيد مشهور.(72)
أما ألكساندر ژابا فيقول: هو من شعراء كردستان ينتسب إلى بايزيد و هو من تلاميذ أحمد خاني ولد سنة 1065 ﻫ و توفي سنة 1121 ﻫ , و له كتاب في اللغة يسمى(?لزار) باللغتين العربية و الفارسية يتعلم به أولاد الكرد الذين يطلبون العلم. و له بالإضافة إلى ذلك من الغزل و الأشعار و الأبيات الشيء الكثير و هي باللغة الكردية. و كان مشهوراً و معروفاً في موطنه. توفي و دفن في بايزيد.(73)
و بمقارنة ما كتبه د. شيركو و المستشرق ژابا , نجد أن الإثنين قد أكدا أن خاني هو أستاذ اسماعيل, لكن الغريب أن تاريخ ميلاد خاني مقارب لتاريخ ميلاد اسماعيل( خاني أكبر منه بأربع سنوات فقط) و هذا ما يبعدنا عن احتمال كون خاني استاذاً لإسماعيل. بل نرجح بينهما نوعاً من الصداقة القوية و تأثيراً من خاني عليه ظهر في نتاجاته التي لم تظهر إلى الآن مع الأسف الشديد.
أخيراً فقد أثَّر أحمد خاني بفكره في جيل من المثقفين المتنورين الذي حملوا راية النهضة في نهاية القرن التاسع عشر و بداية القرن العشرين, و لم يكن عبثاً أن مؤسس أول جريدة كردية(مقداد بدرخان ?اشا) أشار منذ العدد الثاني من جريدته(كردستان) التي صدرت عام 1898 م فصولاً من مم و زين أثارت اهتماماً واسعاً بين القراء الكرد و بين العلماء الأوروبيين المهتمين بالكردولوجيا. و لقد كتب المستشرق الشهير مارتين هارتمان: إذا كانت جريدة كردستان قد استطاعت إثارة هذا الاهتمام في تجربة أولية, فقد أسعدني ذلك حين طالعت مم و زين ابتداءً من العدد الثاني.
آثار أحمد خاني الأخرى:
أولاً: نوبهارا ب?وكان
هو قاموس شعري يتألف من 216 بيتاً على أوزان عروضية بلغت ثلاثة عشر وزناً( البحور الأساسية هي سبعة). قام الشاعر بالفراغ من نظم القاموس و عمره ثلاث و ثلاثون عاماً و ذلك بناء على الحاجة الملحة لتفسير بعض المفردات العربية. و قد نوَّه الشاعر في فاتحة القاموس النثرية المسجوعة أنه نظم هذه المفردات مشروحة لأجل أطفال الكرد الذين يختمون القرآن و يبدؤون منهاج التعليم الجديد. و قد بلغ عدد المفردات العربية المشروحة حوالي ألف مفردة.
و تحدث الشاعر في المقدمة عن المبادئ الأولية التي يجب تعلمها و هي معرفة الله و رسوله و الخلفاء الاربعة و العشرة المبشرين بالجنة و أئمة المذهب السني الأربعة و لمحات من سيرة الرسول كمسقط رأسه و محل دفنه و عمره حين بُعِثَ نبياً و حين توفي... إلخ.
إن خاتمة هذا القاموس المنظوم أيضاً مثل فاتحته نثرية مسجوعة بين فيها الشاعر و عن طريق الأحاجي الرقمية سنة و شهر و يوم تأليف القاموس.
طبع هذا القاموس مرات عديدة و اعتنى به أهل العلم في كردستان و كان ضمن المناهج الدراسية الدينية.
ثانياً: عقيدا إيمانى
يسميها البعض (عقيده نامه) وهي منظومة شعرية تعليمية في العقيدة الإسلامية تتألف من أكثر من سبعين بيتاً على بحر المتقارب. و قد بسَّط فيه خاني أركان الإيمان و تحدث عن صفات الله المعروفة( الحياة, العلم, الإرادة, القدرة, الكلام, السمع, البصر) و يؤكد على أزلية هذه الصفات و أنها قديمة قدم الذات.
و ما يلفت النظر أكثر من أي شيء آخر في هذه المنظومة هو في الظاهر تناقض الشاعر الصريح مع نفسه في مسألة الجبر و الاختيار.
فلقد رأينا خلال دراستنا الموجزة لقصة مم و زين أنه مؤمن بالجبرية و أنه يعزو كل فعل للعبد إلى الله و يطلب بناء على ذلك من الله ألا يعذب بني آدم بل يدخلهم كلهم الجنة. كما رأيناه يجادل الله في مسألة طرد إبليس و لعنه دون (أي ذنب ارتكبه) سوى تنفيذه للمشيئة الإلهية الأزلية بعدم السجود.!!
لكنه في هذه المنظومة يقول:
إعلم أن العبد يختار الفعل و ليس خالقاً له أو مجبراً عليه.
كيف نحل هذا الإشكال و التناقض إذاً !؟
أعتقد أن خاني كتب هذه المنظومة و بسط فيه العقيدة الإسلامية( الأشعرية) كما هي و ليس بالضرورة كما يعتقد هو. ثم إنه كتبها و هو في مرحلة الشباب, أما مم و زين فقد نظمها في مرحلة النضج الفكري و قد تجاوز الأربعين من عمره و تجاوز أفكاره بشأن الجبر و الاختيار, فما نراه إذاً تحول فكري و ليس تناقضاً في القول, فلا يمكن لمفكر بمستوى خاني أن يتناقض مع نفسه في مسألة هامة جداًً و حساسة كالجبر!
بعد ذلك يتعرض الشاعر لبعض المبادئ الأخرى مثل عدم خلود المؤمنين في النار, و عدم الحكم بكفر مرتكب الكبيرة, و رؤية الله عياناً في الجنة, و ينفي الشاعر مبدأ الحلول و التناسخ و الاتحاد و عدم الإيمان بالهيولى( المادة الأساسية في الخلق, و أقد أكثر من الحديث عنها في مم و زين) و أن القائل بِقِدَم الدنيا كافر. بعد ذلك يتحدث عن الصحابة و من هو الأفضل فيهم.....إلخ. و يختم الشاعر منظومته كالعادة بالدعاء لنفسه و مناجاة ربه و طلب الغفران له و للمسلمين.
ثالثاً: ديوان شعر
نشر الأستاذ إسماعيل بادي عام 1996 عشرين قصيدة من قصائد خاني في كتاب واحد و تحدث في المقدمة عن الجهود التي بذلها الباحثون من قبله لجمع تلك القصائد مثل د. مسعود مصطفى كتاني و فرهاد شاكلي و غيرهما.(74)
إن الجهد الذي بذله الأستاذ بادي جهد مشكور و ما قام به من تحقيق للقصائد و ضبط مفرداتها يدل على عقليته العلمية البحثية التي يفتقر إليها كثير من الذين يتعرضون لنشر تراثنا الثقافي الكردي. لكن الثغرة الوحيدة في عمله حسب اعتقادي هو عدم وجود شرح أو معجم صغير لكلمات تلك القصائد التي نشرها كما هي, و هي نصوص كلاسيكية منغلقة على الفهم المعاصر بسبب تراكيبها و مفرداتها الغريبة.
و في الحقيقة فقد كنت مهتماً بالبحث عن قصائد خاني و استنساخها من الكشكولات الموجودة لدى المهتمين فما ظفرت سوى بتسع قصائد منها, و كان آخرها قصيدة رأيتها منشورة في مجلة سروه التي يصدرها مركز صلاح الدين الأيوبي لنشر الثقافة و الأدب الكردي في أورمية أثناء زيارتي لكردستان الشرقية عام 1996 .
إن بعض قصائد خاني لا تقل روعة و قوة و تماسكاً عن قصائد الجزري الشهيرة, فقد نفث فيها روحه العبقرية و بث فيها أفكاره التي تلتقي مع أفكاره المبثوثة في مم و زين, و حبذا لو قام طلاب الآداب في جامعاتنا الوطنية بالغوص في بحار الخاني و استخراج درره الكامنة للقراء و المهتمين و بيان أن خاني من أمراء البيان الكردي و القابض على أعنة اللغاتو و ليس فقط باعث الروح القومية الكردية.
و في عام 2005 صدر عن دار س?بيريز في كردستان الجنوبية ديوان خاني مع شرحٍ وافٍ للمفردات قام به الأستاذ تحسين إبراهيم الدوسكي و في الحقيقة فقد سررت أيما سرور لدى استنساخي هذا الكتاب القيم من موقع الدار المذكورة على الانترنيت, و لدى اطلاعي على طريقة المؤلف و جهده المبذول في الشرح و ضبط الكلمات أدركت أنه الكتاب الأكمل إلى الآن عن ديوان خاني, و كان من فضائله علي أن نبهني إلى كتاب الفاضل عبد الله ڤارلي الذي نشر فيه تلك المعلومات القيمة جداً عن خاني و حياته مما يجعل جميع الباحثين مدينين له بالفضل و الأسبقية.(75)
نتاجات أخرى!!
يجزم بعض الباحثين بأن القصة الشعرية يوسف و زليخا هي من تأليف خاني, و منهم محمد أنور علي إذ يقول: نظمها أحمد خاني شعراً موزوناً مقفىً على الطريقة الفارسية(!!)و على أساس من الرواية و القالب الشعري.(76)
و قد أعلن المجمع العلمي الكردي في بغداد أن نسخةً من يوسف و زليخا كتبها خاني موجودة في إحدى المكتبات الخاصة ولكن تبين فيما بعد أن تلك النسخة عبارة عن نسخة مطابقة لنسخة أخرى موجودة في خزائن المخطوطات في كل من برلين و لينينغراد(بطرسبورغ) كتبها سليم بن سليمان.(77)
إن قارئ يوسف و زليخا يدرك بسهولة إن كان قد اطلع على مم و زين أن هذه القصة الشعرية تقليد لأسلوب خاني في كل شيء, في اللغة و موسيقى الشعر و الصور الفنية و حتى مصاريع كاملة جاءت كما هي في مم و زين و اتخذت مكاناً لها في يوسف و زليخا. و غير خافٍ أن صاحب يوسف و زليخا غير متمكن من هذا الفن الشعري و يتكئ في كل شيء على سلفه العظيم أحمد خاني( و ربما كانت النسخة التي اطلعت عليها مشوهة و محرفة بأيدي النساخ على مر الزمن).
و لقد نسب بعضهم هذه القصة إلى الشاعر الكردي فقى طيران, إلا أن جامعي ديوانه ينفيان هذا الادعاء قائلين: ذاك الرأي القائل إن يوسف و زليخا من نظم فقى طيران ليس رأياً صائباً, بل القصة من نظم شاعر يسمى سليم, و أسلوبها قريب من أسلوب مم و زين, و هو بهذا يعد من تلامذة أحمد خاني, و في خاتمة القصة يصرح الشاعر باسمه قائلاً:
يا ربْ بِه جَمالا ذاتِ سَرْمَدْ آزاده بِكِي سَليمَ ئى بَد(78)
و معناه: يا رب بحق جمال ذاتك السرمدية, فك قيود سليم السيء.
و من النتاجات التي نسبت إلى خاني قصة مجنون ليلى المنظومة, و قد أعلن المجمع اللغوي الكردي أيضاً عثوره على نسخة مخطوطة كتبها أحمد خاني من مجنون ليلى, إلا أن رئيس اللجنة التي عثرت على المخطوط أبدى شكوكه في نسبة القصة إلى أحمد خاني و لم يبت فيها نهائياً.(79)
و المعروف أن هذه القصة الشعرية كتبها الشاعر الكردي المعروف بـ ( سوادي). يذكر أن القصتين أعني (يوسف و زليخا) و ( مجنون ليلى) قد طبعتا مؤخراً في دهوك الزاهية و نشرتهما دار س?يريز بتحقيق الأستاذ تحسين إبراهيم الدوسكي عام 2004 بعد أن كانت الباحثة الروسية مار?ريتا رودينكو قد نشرتهما في موسكو .
و هناك أقوال شائعة عن أن خاني ألف كتاباً في الفلك و قد سمعت من مجاور قبره هذه المعلومة, كما أن جلادت هاوار نشرها في جريدته هاوار لكن ذلك لا يعول عليه في البحث العلمي. و قد نسبت كتب أخرى إلى الشاعر لم نفصل في أمرها دفعاً للملل و سداً لباب الاجتهادات الخاطئة, لكننا نقول في النهاية: ربما كانت لهذا الشاعر نتاجات ضاعت و قد نكتشف ذات يوم قصيدة له أو كتيباً صغيراً هنا و هناك, إلا أن ما بين أيدينا من نتاجه يكفينا الآن لنرسم إطاراً واضحاً لفكره و عبقريته.
إحالات و هوامش:
1. بب
2. فه رهه ن?ا نو به هار. شرح ?رويز جيهاني. اورمية ط1 1988. و حول حصول خاني على الإجازة العلمية( و هي ما توازي شهادة التخرج) يقول إسماعيل بادي إن خاني حصل عليها في جزيرة بوتان. انظر ( ژ هه لبستين ئه حمه دێ خاني) ?ا?خانا هاوار. دهوك. 1996
3. علاء الدين سجادي. ميژووي ئه ده بي كوردي. ص 194. و هنا نود أن نبدي تحفظنا حول هذه المعلومة و غيرها من المعلومات التي وردت في كتاب الباحث علاء الدين سجادي و بعض الكتب الأخرى فهي أقرب إلى القصص منها إلى الوثيقة البحثية و التاريخية.
4. مه م و زين. ئاماده كردن و ?ه راويزنوسينى: هه ژار. Weşanên Enstîtuya Kurdî ya Parîsê. 1989
5. يمكن للمستزيد مراجعة نسخ مم و زين المشروحة مثل نسخة محمد أمين بوز أرسلان و نسخة ?رويز جيهاني و محمد أمين أوسمان و غيرهم.
6. تاريخ الكرد و الكردستان. ج1 ص 206. و قد كتب المؤلف في هامش الصفحة نقلاً عن الرحالة العثماني أوليا ?لبي صاحب سياحتنامه: كان من مخلفات هذا الأمير سبعة أحمال جمال من الكتب النادرة, و كانت المكتبة الخاصة للأمير تحوي أكثر من أربعة آلاف نسخة من الكتب القيمة, أما تأليفاته الخاصة فبلغت ستة و سبعين كتاباً و مئة و خمس رسائل بالعربية و الفارسية. و في الشرفنامه أن بدليس كانت خَرَّجت مشاهير العلماء و أوفدتهم إلى خارج الإمارة و منهم مولانا محمد برقعلي الذي تواجد في جزيرة بوتان و كان مدرساً فيها.
7. دلى خاني أ?َرْ ?ِي ?َنْجه خانه شُكُرْ قَطْ كَسْ نَ?و خاني بِه ?َنْدان.
8. تاريخ الدولة العلية العثمانية. تأليف محمد فريد بك. تحقيق: د. إحسان حقي. دار النفائس . بيروت. ط7 1993. ص191. انظر كذلك: الإمبراطورية العثمانية تاريخها السياسي و العسكري. تأليف سعيد برجاوي. بيروت 1993. ص 94.
9. شرفنامه. ص 151.
10. المصدر السابق ص432.
11. المصدر السابق ص 432.
12. الإمبراطورية العثمانية. تاريخها العسكري و السياسي ص 158.
13. راجع الأبيات من 221 و حتى 225 من مم و زين.
14. تاريخ الدولة العلية العثمانية. ص 285.
15. شرفنامه. ص 12.
16. تاريخ الكرد و كردستان. ص 204.
17. بدائع اللغة . قاموس كردي فارسي. تأليف علي أكبر كردستاني . تحقق محمد رؤوف توكلي. ترجمة جان دوست. 1997. ص 34.
18. تاريخ الكرد و كردستان. ص 192. و انظر Kela Dimdimê: jan Dost. 1991: weşanên Rewşen: Bonn. Almanya: 1991
19. الشاه عباس الكبير. د. محمد بديع جمعة. دار النهضة العربية. بيروت. 1980. ص 164.
20. الإمبراطورية العثمانية. تاريخها السياسي و العسكري. 161.
21. تاريخ الدولة العلية العثمانية. ص 290.
22. هذه المعلومات مأخوذة من المصدرين السابقين و على مدى صفحات عديدة و يمكن للمستزيد مطالعتها هناك.
23. تاريخ الكرد و كردستان. ص 202. 203.
24. شرفنامه. ص 4.
25. نفس المصدر ص 16.
26. نفس المصدر ص 16.
27. نفس المصدر ص 16.
28. نفس المصدر ص 15.
29. نفس المصدر. ص 432.
30. نفس المصدر . ص 12. 13.
31. مم و زين. الابيات من 226 حتى 229.
32. شرفنامه. ص 234.
33. نفس المصدر. ص 14.
34. نقد و ترجمة لمختارات من ديوان الملا الجزري. عبد الوهاب حسين الكرمي. ط1 دمشق.
35. أحمد خاني شاعراً و مفكراً. فيلسوفاً و متصوفاً. د. عز الدين مصطفى رسول. مطبعة الحوادث. بغداد 1979.
36. Memê Alan: weşanên Avesta 1997Stenbol ص10
37. تاريخ الكرد و كردستان. ص 426.
38. ممى آلان. طبعة دمشق. غير مؤرخة. من مقدمة بتوقيع Çîroknivîs و هو الدكتور نور الدين زازا.
39. المصدر السابق.
40. مه م و زين. شروڤه كرن و ڤه كولينا ئه مينى ئوسمان. مطبعة الجاحظ .بغداد. 1990.ص 6, 7, 8.
41. Memê Alan: Avesta. ص 15.
42. راجع في هذا الكتاب خاتمة مم و زين.
43. Memê Alan: Avesta. ص 5.
44. مه م و زين.ئه مينى ئوسمان. ص 411.
45. تاريخ الكرد و كردستان. ص 390.
46. أحمد خاني..د. عز الدين مصطفى رسول. ص 204.
47. مناقشات حول الشاعر الكردي خاني. رشيد فندي. مطبعة الجاحظ. بغداد 1986. ص 16.
48. نفس المصدر و الصفحة.
49. مم و زين. تحقيق و ترجمة جان دوست. ط1 1995. ص 415. طبعت هذا النسخة في دمشق سراً.
50. تاريخ أدبيات در إيران . د. ذبيح الله صفا . انتشارات فردوس 1372 تهران ج1 ص307 50.
51. 1990 - Ankara . Akçag yayinlari . Fuzûlî Divani
52. بدائع اللغة. ص 135.
53. معجم البلدان. ياقوت الحموي مادة إربل.
54. أبو العلاء المعري. المنتخب من اللزوميات . نقد الدولة و الدين و الناس. اختاره و قدم له بدراسة عن المعري: هادي العلوي. مركز الأبحاث و الدراسات الاشتراكية في العالم العربي ط1 دمشق 1990. ص 44.
55. سيكولوجية الجماهير. غوستاف لوبون. ترجمة و تقديم هاشم صالح. دار الساقي . بيروت ط1 1991. ص 127.
56. المنتخب من اللزوميات. هادي العلوي. ص 41. 42.
57. مه م و زين. ئه مينى ئوسمان. ص 7.
58. شرفنامه. ص 116. 117. 118. لكن شرفخان يحدثنا عن أحد حكام العمادية باسم الأمير زين الدين عاش أيضاً في عهد تيمورلن? و ربما كان يحكم الجزيرة أيضاً. وهناك أمير اسمه عز الدين شير( و الكرد يلفظون الاسم أزدين) كان حاكماً لحكاري و امتدت سلطته إلى مناطق واسعة من كردستان و حتى بدليس و خلاط و وان عاش في فترة فتوحات تيمورلن?.
59. مم و زين. مطبعة آراس حلب 1947. من مقدمة حمزة مكسي الذي هو من الناشطين في الحركة الثقافية و السياسية الكردية في بدايات القرن العشرين, أصدر في اسطمبول عام 1918 جريدة ژين الأسبوعية باللغتين الكردية و التركية و كان أول من طبع مم و زين و قدم له عام 1919 في اسطمبول. توفي في قرية دو?ر التابعة لبلدة تربه س?ي في كردستان الغربية.
60. Rewdeneîm. Şêx Evdirehmanê Axtepî.çapa pêşî. Stockholm 1991
61. روض النعيم .طبعة اسطمبول بالأحرف العربية. 1966. ص17.
62. نفس المصدر.البند الخامس في سبب تأليف الكتاب.
63. Şêx Mihemed Can. Leyl û Mecnûn. Weşanên çanda Kurdî. Stockholm 1992
64. Iqdê durfam . Şêx Eskerî. Wergêr ji tîpên Erebî: Zeynilabidîn Zinar(Kaya) Stockholm 1989
65. من نسخة بخط يد ملا رمضان برزنجي..بتاريخ 1979م و من الواضح أنها غير منتهية. قد تكون هذه النسخة قد تم تحريفها على يد النساخ العديدين, إذ لاحظت أن هناك تقديماً و تأخيراً في الأبيات لم ينتبه إليه الناسخ ملا رمضان.و قد اطلعت عبر الانترنيت على النسخة التي قدم لها و حققها الاستاذ تحسين ابراهيم الدوسكي فكانت مطابقة للنسخة التي بحوزتي. و للمستزيد مطالعة ذلك الكتاب للاطلاع على تلك الملحمة الشعرية.
66. جميع هذه المعلومات مقتبسة من مقدمة ديوان حاجي قادر كويي المطبوع عام 1986 من قبل: سردار حميد ميران و كريم مصطفى شارزا.
67. مجلة كاروان العدد 24 ايلول 1984. السنة الثانية. انظر أيضاً كتاب: نوبهار خاني و أحمدي معروف النودهي. باللغة الكردية. علي فتاح دزه يي. مطبعة الثقافة و الشباب. أربيل 1985.
68. تواريخ قديم كردستان. ملا محمود بايزيدي. موسكو 1986. ص4. و هذا الكتاب ترجمة لكتاب شرفنامه المشهور.
69. من تاريخ الإمارات في الإمبراطورية العثمانية. د. جليلى جليل. ترجمة محمد عبدو النجاري. دمشق ط1 1987. ص132.
70. مخطوطات فريدة و مطبوعات نادرة. د. معروف خزندار. بغداد 1978 ص 38.
71. المصدر السابق ص44.انظر كذلك مقدمة م. رودينكو لكتاب عادات و رسومتنامه ء أكراديه.
72. القضية الكردية.د. بله ج شيركو. منشورات رابطة كاوا للثقافة الكردية. ط1 بيروت 1986. ص27.
73. مخطوطات فريدة..ص 74.
74. ژ هه لبستين ئه حمدێ خاني. اسماعيل بادي. ص5.6.
75. جواهر المعاني في شرح ديوان أحمد الخاني. تحقيق و ترجمة تحسين ابراهيم دوسكي. منشورات دار س?يريز. دهوك 2005.
76. فلسفة التصوف في ديوان مم و زين. رسالة جامعية أعدها محمد أنور علي. جامعة القديس يوسف. معهد الآداب الشرقية. بيروت. غير مطبوع.
77. أحمد خاني. د. عز الدين مصطفى رسول. ص36.37.
78. ديوانا فقى ته يران. سه عيد ديره شي و ?يزانى ئاليخان. ?ا?خانا الحوادث. به غدا 1989.
79. أحمد خاني. د. عز الدين مصطفى رسول. ص36.
:pianis (24):
يتبع...ويمكن فتح باب المناقشات حول أركان القصة والترجمة...
مصطف عبدي
2011-07-30, 05:44 PM
عيد نوروز
471-
خَلاَّقِ جِهَانْ ژ فَيْضِ فِطْرَتْ
هَيْئَاتِ فَلَكْ بِه وَجْهِ قُدْرَتْ (1)
472-
بى قَالِب وبى مُحِيط ومِقْيَاسْ
بى آَلَت وبى مُشير ومِقْرَاص (2)
473-
أڤ ?َنْدَه مُعَظَّم ومُدَوَّرْ
أڤ رَنْ?َه مُصَنَّع ومُكَرَّرْ
474-
إِينَانه بِه مَعْرضَا وُجُودێ
كيشانه بِه مَنْظَرَا شُهُودێ (3)
475-
حِكْمَتْ أَوَه أڤ هَمِي لِه كَارِن
هِنْدَكْ دِ ?َيَا وهِنْ سِوَارِن (4)
476-
هندك د بَطِيء وهن سريعن
هندك د معِين وهن مَنِيعِنْ
477-
هِنْ مُدْبِرِن وهِنَك مُدَبَّرْ
هن مُقْبِلِن وهنك مُقْدَّرْ (5)
معاني المفردات :
1-(خلاق جهان) خالق الدنيا، اللّه (فطرت) الفطرة، من فطر الشيء إذا إبتدعه (هيئات فلك) هيئات النجوم ومنازلها .
2-(مشير) منشار (مقراص) السكين معقوفة الرأس .
3-(إينانه) جاء بهم، خلقهم (كيشان) أظهرهم، أتى بهم .
4-(له كارن) دائبون، يعملون (هندك) بعض (?يا) راجل (سوار) فارس .
5-(مدبر) من أدبر يدبر أي مضى يمضي (مدبر) معتنى به، منظم .
الترجمة :
- إن خالق الكون أبدع من فيض الفطرة وبوجه القدرة هذه الهيئات من الفلك.
-خلقها دون حاجة إلى آلة تساعد على الخلق( لم نترجم البيت بما فيه من أسماء الآلات بل شرحنا معناه فقط) .
- هذه الأعداد من الأجرام العظيمة المدورة، بديعة الصنع مكررة .
-جيء بها إلى معرض الوجود، وظهرت في عالم الشهود .
-إنها تعمل جميعاً بنظام، بعضها راجل وبعضها فارس .
-منها البطيء، ومنها السريع،ومنها المعين للإنسان ومنها المنيع (الذي لم يفهم على حقيقته).
-بعضها تغيب عن الأنظار،وبعضها تسير بتدبير الخالق،بعضها تقبل،وبعضها تسير بتقدير .
478-
هِنْ كاتِبِنْ وهنك دِ أُسْتَادْ
هن مُطْرِبن وهنك د ِجَلاّد (1)
479-
هن روزِ ?َرَسْت وهن شَبْ افْرُوزْ
هن غُصَّه رڤين وهن غم اَنْدوز (2)
480-
هِنْدَك د مِثَالِ (زين) زَرِي نه
هن شُبْهى (ممى) د مُشْتَرِي نه
481-
بالجملة مُصَيْقَل ومُنِيرِنْ
هن ?َادِشَهِنْ هِنَكْ وَزِيرِنْ
482-
هندك ژِ تَحَرُّكَا طبيعي
أو تينه بِه نُقْطَيَا رَبيعي (3)
483-
تَجْدِيدِ دكن ژ بو مه صالى
?اڤا وه كو تينه إِعْتِدَالى (4)
معاني المفردات :
1-(كاتب) يسمى كوكب عطارد كاتب (استاد) معلم استاذ (مطرب) من يبعث الطرب في النفوس،والزهرة من الكواكب المطربة حسب اعتقادات الفلكيين القدامى (جلاد) يسمى المريخ بهذا الاسم كونه يجلب الشرور والآفات .
2-( روز ?رست ) عابد الشمس (شب افروز) مضيء الليل(غصة رڤين) طارد الهموم، كناية عن كواكب السعد (غم اندوز) جالب الهموم و جامعها, كناية عن كواكب النحس .
3-(نقطيا ربيعى) نقطة الربيع، 21 آذار .
4-(اعتدال) اعتدال الشمس ،الاعتدال الربيعي، يوم نوروز .
الترجمة :
-منها ما يكون كالكاتب ومنها ما يكون كالمعلم، بعضها مبهج وبعضها كالجلادين .
-بعضها عابدة شمس وبعضها تنير الليل، بعضها تطرد الهموم، وبعضها تجلب الغمَ والحزن .
-بعضها في بهاء(زين) ، وبعضها مشترية مثل (مم) ( للجمال أو عاشقة ).
-إنها في جملتها صقيلة منيرة، بعضها سلاطين وبعضها وزراء .( المعنى أن بعض الأجرام السماوية كالشموس(سلاطين) لها توابع (وزراء) من الكواكب).
- تأتي إلى النقطة الربيعية، من تحركها الطبيعي .
-تجدد لنا السنة، حينما تأتي إلى نقطة الاعتدال .
484-
دَانَا يى مُعَمِّرِ كُهِنْ صَالْ
أَڤْرَنْ?َهه ?و ژِ بو مَه أحوال (1)
485-
?و: عادتى ?يشِي يى زَمَانان
أڤ بُو لِه هَمِي جِه ومَكانان
486-
وقْتى وه كو شَهْسِوَارِ خَاوَرْ
تحوِيل دِكِرْ دِ ماهِ آَزَرْ (2)
487-
يَعْنِي كو دِهَاته بُرْجى سَرسَال
قطْ كَسْ نه دِمَا دِ مَسْكَن ومال
488-
بالجملهْ دِ?ُونَه دَرْ ژِ مَالان
حَتَّا دِ?هِشْتَه ?ِيرِ وكالان
489-
روژا كو دِبُويَه عِيدِ نُوروز
تَعْظِيمِ ژبو دَمَا دلْ أََفْروز (3)ِ
490-
صَحْرا و ?ِمَنْ دِكِرْنَه مَسْكَنْ
بَيْدا ودِمَنْ دِكِرْنَه ?ُلْشَنْ (4)
491-
خَاصْمَا عَزَب وكَ?ى دِ بَاكرْ
القِصَّه جَوَاهِرێ دِ نَادِر (5)
معاني المفردات :
1-(دانا) العالم (معمر) مسن (كهن) قديم (كهن صال) عجوز .
2-(شهسوار) ملك الفرسان (خاور) الشرق (ماه) شهر (آزر) آذار .
3-(دل افروز) مبهج القلب .
4-(?من) روضة ،مرج (بيدا) البيداء ,الصحراء (دمن) جمع دمنة و هي الأطلال، آثار المنازل (?لش) روضة .
5-(عزب) الأعزب (باكر) العذراء .
الترجمة :
-العالم العجوز هكذا روى لنا الحوادث .
-قال: إن عادة العصور السالفة . كانت هكذا في كل مكان :
-حينما كان فارس فرسان الشرق(الشمس) يميل في شهر آذار .
-أي حينما كان يصل برج رأسِ السنةِ (برج الحمل)، لم يكن أحد ليبقى في داره ومسكنه،
-كان الجميع يغادرون بيوتهم، حتى الشيوخ والعجائز .
-وفي يوم عيد نوروز،يوم تعظيم الزمان البهيج المبهج .
-كانوا يجعلون الصحارى والمروج مساكنهم، ويجعلون البيد والدمن رياضاً ومروجاً .
-خاصةً الشباب العزب والفتيات العذراوات. أي الجواهر النادرة .
492-
تيكْدا دِ مُزَيَّنْ ومُلَبَّسْ
ڤيكْرا لِه تَفَرُّجى مُرَخص (1)
493-
ليكِنْ نه بِه تُهْمَت وبِه مِنَّتْ
بَلْكي بِه طَرِيقِ شَرْع وسُنَّتْ (2)
494-
لَوْرَا كو أَوَانْ غَرَضْ ژِ ?شْتى
مَقْصُودِ ژِ ?ويينا بِه دَشْتى(3)
495-
أَوْ بُو كو ?ِه طالب و ?ِه مطلوب
يَعْنِي دو طَرَفْ مُحِبّ ومحبوب
496-
أڤْ هَرْدُو جَلَبْ كوهَڤْ بِبِينِنْ
كُفْوى د ِخوه أَوْ ژ بو خوه بِيننْ (4)
معاني المفردات :
1-(تيكدا) جميعاً ( ڤيكرا ) مع بعض (مرخص) مأذون له .
2-(سنت) السنة النبوية.
3-(?شت ) الرحلة،النزهة (دشت) السهل الفسيح .
4-(جلب) نوع، صنف (كفو) من كلمة كفوء العربية بمعنى المثل والنظر .
الترجمة :
-كان الجميع يأتون بأبهى الحلل وأحسن الزينات، وكان مأذوناً للجميع أن يأتوا للمشاهدة .
-لكن كانوا بعيدين عن كل تهمة، مقتدين (في فرحهم) بالشرع والسنّة .
-لأن غايتهم من التنزه، وقصدهم من الخروج إلى فسيح السهول .
-كان أن يرى المحب محبوبته، وراغب الوصل يرى من يطلب وصالها .
-أي أن الطرفين (من الشباب والصبايا) خرجا، ليرى كل واحد منهما من يماثله ويناسبه.
497-
دَوْرَا فَلَكى ژِ بَخْتِ فَيْرُوز
ديسانْ كو نُمَا ژ نُوڤَه نوروز (1)
498-
مَبْنَا لِه وِي عادتى مُبَارَكْ
شَهْرِي وس?َاهِيَان بِه جَارَكْ (2)
499-
باژار وكَلاَت وخاني بَرْدَانْ
تَشْبِيهِ به نِژْدِيَان وجَرْدَانْ (3)
500-
صَفْ صَفْ دِمَشِينه كوه ودَشْتَان
رَفْ رَفْ دِخُشِينه سَيْر و?شْتان (4)
501-
أَصنَافِ أُمَمْ صِغَار وكُبَّارْ
قَطْعا قه نَمَا دِ شَهْرِ دَيَّارْ (5)
502-
هِنْدَكْ بِه ?َيَايي ?ُونَه بَاغَان
هندك بِه سوارِي ?ُونَه راغان (6)
503-
هندك بِه تَبَايي وبِه كَثْرَتْ
هندك بِه هَڤالي هِنْ بِه وَحْدَتْ (7)
504-
رابُونَه ڤه خَانِم وخَوَاتيِن
وان ژي تژي ?ُلْ كِرِن بَسَاتين (8)
معاني المفردات :
1-(دورا فلكى) دورة الفلك،الزمان(بخت) حظ (فيروز) ظافر،غلاب (ديسان) مرة أخرى .
2-(مبنا له وى) بناءً على ذلك (شهري) ساكن المدينة (س?اهي) عسكري، جندي.
3-(خاني) منزل (بردان) تركوا (كلات) قلعة، قرية ( نژدى) عظيم، سيد, و تعني قاطع الطريق أيضاً!! (جرد) جرده :حصان أصفر اللون ,جرد: طائر يعيش على ضفاف الأنهار, كذلك تعني جرده الجماعة المهاجمة.
4-(كوه) جبل (دمشينه) كانوا يمشون إلى (دخشينه) كانوا يزحفون إلى .
5-(شهر) مدينة (ديار) بتشديد الياء و فتحها بمعنى حي و ساكن و في القرآن سورة نوح: لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِن الكافِرِينَ دَيَّاراًً .
6-(?يايي) سيراً على الأقدام (سواري) صفة من ركوب الجياد, و سوار تعني الفارس (راغ) السفح الأخضر للجبل .
7-(تبايي) مع بعض .
8-(خانم) سيدة (خواتين) جمع خاتون، وهي السيدة .
الترجمة :
-حينما أظهرت دورة الفلك من الحظ السعيد، نوروز مرة أخرى .
-وبناء على تلك العادة المباركة، فقد ترك السكان جميعاً .
-مدنهم و قلاعهم و منازلهم، وكأنهم قطاع طرق !!
أو : (وكأنهم الجياد السريعة يقودها الفرسان) .
-كانوا يتجهون إلى السهول والجبال صفوفاً، ويتقدمون نحو الحقول جماعات جماعات .
-لم يبقَ أحد في المدينة سواء كان صغيراً أو كبيراً .
-بعضهم اتجه إلى الحدائق سيراً على الأقدام، وبعضهم امتطى الجياد واتجه إلى سفوح الجبال .
-كان بعضهم يتجه جماعات، وبعضهم يسير وحيداً، وبعضهم برفقته صديق من الأصدقاء .
-نهضت الفتيات والأميرات أيضاً ليملآن البساتين وروداً .
505-
حُورَان كِرَه مَسْكَنِ خوه جَنَّتْ
بى ?َرْدَه وبى مَلاَل ومِنَّتْ
506-
دُوشِيزَه ودُخْتَر ورَوَالاَن
?َاكِيزَه عِذَار وزُلْف وخالان (1)
507-
أَترَاب وكَوَاعِبى د ِعَذْرَا
مُرْدان ومُرَاهِقى د زِيبَا (2)
508-
أصحابِ قُماشِ لُطْفِ رُخْسَارْ
أربابِ مَتاعِ حُسْنِ دِيدار (3)
509-
وانْ ليْك دِكِرِنْ مَتَاعِ يَكْ عَرْضَ
تَخْمِينْ دِكِرِنْ (بالطُّولِ والعَرْضْ)
510-
سَوْدَاكَرِ عِشْقِ بُون د ِبازار
هَمْ بائعِ حسنْ وهم خَرِيدار (4)
511-
سَرْسَالِي وباكِر و رَوَالاَن
صَدْ صال وجوان و ?ير وكالان (5)
512-
سرسالِ بِه رَسمْ وراهِ مَعْهُودْ
?يرانِ د?ُو مَقَامِ محمود (6)
معاني المفردات :
1-(دوشيزه) الآنسة،العذراء (دختر) فتاة (روال) الشاب المراهق، الأمرد (?اكيزه) طاهر (عذار) الخد، الذؤابة (زلف) خصلة الشعر (خال) الشامة .
2-(أتراب) المتساوون في السن (كواعب) الفتيات اللواتي بلغن حديثاً و تسمى الواحدة منهن كاعباً أي تكعب نهدها(مردان) من لاشعر له، شاب مراهق (زيبا) جميل، فاتن .
3-(رخسار) وجه (ديار) لقاء رؤية .
4-(سوداكر) تاجر بالمقايضة (بازار) سوق التجارة (خريدار) المشتري .
5-(سرسالي) من بلغ سنة من العمر (باكر) العذراء .
6-(سرسال) رأس السنة (راه) طريقة،أسلوب (?يران) ربما من المصدر الفارسي (?يراندن) بمعنى إشعال النار، وربما كان معناها الحركة والضوضاء و صوت الإبتهاج و في بعض النسخ: (?يران دِ جِهْ) أي عقدوا الحفلات في المكان......
الترجمة :
-حولت الحسناواتُ الأماكنَ التي نزلن فيها إلى جنان، وقد طرحن الحجب ومضين بلا ملال .
-كانت جموع العذراوات والشباب اليافعين، والفتيات ذوات الذؤابات الجميلة وخصلات الشعر والشامات الطاهرة .
-الكواعب الأتراب العذراوات، والشباب الظريفون .
-أصحاب الوجوه اللطيفة، وأرباب الصور الجميلة الحسنة .
-كانوا تجار عشق في تلك السوق، بعضهم يعرض الجمال وبعضهم يشتري .
-الأطفال والشباب والعذراوات، ومن بلغوا مئة عام والشيوخ والنساء .
-كانوا يحتفلون بالعيد على الطريقة المعهودة، وكانت ألسنة اللهيب تطاول عنان السماء( حرفياً المقام المحمود و هو من المقامات العليا التي يصلها المؤمنون . مذكور في القرآن) أو (كان صدى الإبتهاج يصل إلى السموات) .
لقاء العشاق في نوروز
513-
قَنْدِيلِ مُنِيرِ دَيْرِ أزرق
مِشْكَاتِ حَمَلْ كو كِرْ مُرَوَّقْ (1)
514-
سرسالِ كو بُو ژ نُوڤه مَعْمُورْ
مِيرْ دَايَه كُرانْ دِ تَازَه دَ سْتُورْ (2)
515-
دستورِ كو بُو ژ بو وُشَاقَان
رابُون همِي شُبْهَتي عُشَاقَان (3)
516-
تيك ?ُونَه بِه مَعْرَضَا مَزادێ
دِلْدَادَه ئى مقصد ومُرادێ (4)
517-
إلا كو تَنى ممو و تاجدين
وان دانه خوه دُخْتَرَانَه تَزْيِين (5)
518-
يَعْنِي دِ دَمَا كو بُويَه تَحْوِيل
أَو هَرْدُو بِرَا دِ جَامه تَبْدِيل (6)
519-
إسْتَبْرَق وسُنْدُسِى دِ بَرْ دَا
?َنْدْ مِعْجر ومِقْرمَه بِه سَرْ دَا (7)
520-
كَاكُلْ كِرِبُونَه طُرَّه هَرْسُو
?َرْ?َم كِرِبُونَه زُلْف و?يسو (8)
معاني المفردات :
1-(دير أزرق)كناية عن قبة السماء (مشكات) المشكاة، مكان وضع المصباح (حمل) برج الحمل (مروق) صافٍ، مشعشع .
2-(كُر) غلام،شاب (تازه) جديد (دستور) إذن.
3-(وشاق) غلام .
4-(دلداده) عاشق .
5-(دخترانه) لائق بالفتيات .
6-(جامه) لباس .
7-(استبرق) نوع من الديباج الغليظ (سندس) حرير موشى بخيوط الذهب, الديباج الرقيق (معجر) عمامة، كوفية (مقرمه) قماش ملون يلف حول الرأس .
8-(كاكل) شعر الناصية (طره) ذؤابة (هرسو) كل ناحية (?ر?م) شعر الناصية (?يسو) خصلة الشعر الطويل.
الترجمة :
-حينما أضاء القنديل المنير في الدير الأزرق (مشكاةَ) برج الحمل .
-وحلَّ رأس السنة من جديد، أذن الأمير للشباب من جديد .
-وحينما طرق سمعَ الشباب إذنُ الأمير، نهضوا جميعاًُ كالعشاق .
-إلا (مم) و(تاجدين) فقد تزيَّا كل واحد منهما بزي الفتيات .
-أي أنه حين تحول فيه الزمن (إلى الربيع) تبدل الإثنان أيضاً في تلك الثياب .
-لبسا حلل الإستبرق والسندس، واعتمرا بالمعاجر والكوفيات .
-تركا شعر رأسيهما يتهدل على كل جهة كالذؤابات والجدائل والخصلات .
521-
وانْ لَوْ كِرِبُو لِبَاسِ تَصْرِيفْ
داقَطْ نَبتِنْ لِه وَانْ ?و تَكْلِيف
522-
?وشيدَه لِبَاسِ دِلْبَراني
سَيْرَانْ دكرن بِه سَرْ?ِراني (1)
523-
وَان هَرْدُو كُرێ دِ جَامه تَبْدِيل
وقتى كو كرن دِ شَهْرِ تحويل
524-
نَا?َاهِ عَجَايبَك نُمَا وان
يك جُزْءِ ژ عَقْلِ قَطْ نَمَا وَان (2)
525-
دِيِتنْ دِ مَحَلَّه وزِكاكان
هر كو?َه وغُْرفَه وشِبَاكان (3)
526-
صَدْ تازه جوان ژ رَنْ?ِ سَرْوَان
ديبا وحرير وخَزْ دِ بَرْ وان (4)
527-
?انْصَدْ ژ كَ?ُ و كُر و رَوَالان
أو ?ندِ ژِ قسْمِ ?ير وكالان
معاني المفردات :
1-(?وشيده) لابس، مستور (دلبراني) كالفاتنات (سر?راني) تثاقل ,تبختر .
2-(نا?اه) فجأة (نُمَا) ظهر (نَمَا) لم يبقَ .
3-(زكاك) شارع، زقاق .
4-(سروان) جمع سرو و هو الشجر المعروف, وكثيراً ما يشبه الشعراء قامة المحبوبة بالسرو (ديبا) الديباج وهو الثوب الذي سداه ولحمته من حرير (خز) حرير .
الترجمة :
-إنهما تصرفا في هيأتهما، حتى لايكون عليهما حرج أو تكليف (بسبب اختلاطهما بالفتيات) .
-كانا يتبختران بتثاقل وعليهما ثياب الفتيات .
-وحينما تجول الشابان المتنكران في المدينة .
-ظهرت أمامهما فجأة إحدى العجائب، فلم يبقَ لهما جزء من العقل .
-شاهدا في الأزقة والمحلات،في كل زاوية وعند كل نافذة .
-مئة من الشباب بقامات كالسرو، مرتدين حلل الحرير والديباج .
-وخمسمئة من الفتيات والفتيان، وعدداً من الشيوخ والنساء .
528-
أنواعِ مــُذَكَّر ومُؤنَّثْ
هندك دِ بِرِهْنَه هِنْ مُلَبَّسْ (1)
529-
هِنْدَكْ دِ أَعَالي وأَكَابِرْ
هِنْدَك دِ أَدَانـي وأَصَــاغِرْ
530-
?ى خُواسِ هِنَكْ, هنك دِسَرْكُول
كاشو ژ ?ِيَانْ وسَرْ وَكِي هول (2)
531-
سَرْمَسْتِ هنك, هنك دِسَرْ خوه شْ
دَمْ بَسْتَه هنك, هنك د دَمْ كَشْ (3)
532-
?ويَنْدَه هنك, هنك د خَامُوش
?ويَنْدَه هنك, هنك د مَدْهُوش (4)
533-
هن جَامَه دِريدَه, هن دِ سَرْخوه شْ
هن عَقْلِ رَمِيدَه, هن مُشَوَّشْ (5)
534-
هِنْدَانْ دِكِرِن فِغَان و فَريادْ
هن بُويي ژ قَيْدِ عَقْلِ آزاد
535-
هَرْيَكْ د مَقَامَكي دِ?ر?ُونْ
هَر يك بِه جَفَايَكِي ج?َرْخُون
معاني المفردات :
1-(هندك،هنان،هن) كلها بمعنى بعض (برهنه) عارٍ من الثياب .
2-(?ى خواس) حافٍ (سركول) عاري الرأس (كاشو) صولجان (?يان) جمع ?ى بمعنى القدم (هول) كرة .
3-(سرمست) سكران (دم بسته) مقطوع النفس، مدهوش (دم كش) المطرب الذي يغني ليستريح زميله ويتنفس .
4-(?وينده) ناطق، متحدث (خاموش) صامت (?وينده) متحرك .
5-(جامه دريده) ممزق الثياب (عقل رميده) مضطرب العقل .
الترجمة :
-ذكوراً كثيرين وإناثاً بعضهم لابسين أثوابهم وبعضهم عراة (ليس بالمعنى الحقيقي للعري ولكن بمعنى رث الهيئة) .
-بعضهم من علية القوم وأكابرهم، وبعضهم من حثالة الناس وأصاغرهم .
-بعضهم حفاة، وبعضهم حاسرو الرؤوس. الأقدام كالصولجانات والرؤوس مثل الكرات (أي مطأطئي الرؤوس حتى لتكاد رؤوسهم تلامس أقدامهم) .
-بعضهم سكارى وبعضهم يلهثون، وبعضهم يغني .
-بعضهم يتكلم وبعضهم أعياه الكلام، بعضهم يجري وبعضهم وقف ذاهلاً .
-بعضهم كان يتأوه ويستغيث ، وبعضهم تحرر من قيود العقل (جُنَّ) .
-كل واحد انقلبت حاله واضطرب، وأصبح دامي الكبد من الآلام .
536-
أَوْ هَرْدُو دَمَكْ ڤه مان تَحَيُّر
بُون غَرْقَه ئى لُجَّه ئى تَفَكُّرْ (1)
537-
تاجدين سَكِنِي و ?ِرْسِيَارْ كر
?ِرسَا خوه ژ ييكِ إخْتِيارْ كِرْ
538-
?و: أَيْ خِضِرێ رَهى هِدَايَتْ
بيژ أڤْ ?ِه بَلا َيه بى نهايت؟ (2)
539-
وِي ?و: كو دوشَهْلَوَنْدِ شَدَّادْ
إِيرو لِه ڤِي خَلْقِي بُونَه جَلاَّدْ (3)
540-
هَر?ِي كو دبينن أو دو سَرْخوه شْ
في الحال دكن وِسَا مُشَوَّشْ
541-
وان ?و : ته نَدِي كو أو ?ِه رَنْ?ِنْ ؟
وِي ?و : دو كُرِنْ زِيَادَه شَنْ?نْ (4)
542-
وان ?و: كو بِه شِير و شَشْ?َرِنْ أَوْ
يا نه بِه خَدَنْ?ْ وخَنْ?َرِن أو (5)
543-
وي ?و : كو بِه غَمْزَه و بِه آوِرْ
خَلْقى دِكُژِن وَكِي بِه كَيْبَرْ (6)
معاني المفردات :
1-(دمك) مدة من الزمن (لجه) ماء كثير، بحر (اختيار) عجوز .
2-(خضر) الخضر، وهو العبد الصالح الذي ورد ذكره دون اسمه في سورة الكهف ، وفي الأشعار الفارسية والكردية يرمز الخضر إلى المرشد والدليل لأنه قاد الإسكندر في رحلته إلى نبع الحياة فظفر وحده بالخلود، لأن الإسكندر وجنده انشغلوا عن الشرب من النبع بجمع الذهب (رهى هدايت) طريق الهداية .
3-(شهلوند) مغناج، فاتن، جريء .
4-(شن?) فاتن .
5-(شش?ر) الدبوس، نوع من الأسلحة القديمة له ستة مسامير في كرة برأسه (خدن?) السهم أو الرمح .
6-(غمزه) الإشارة بالعين (كَيْبَر) من الأسلحة الحادة ,ساطور .
الترجمة :
-بقي الإثنان فترة حائرين، وغرقا في بحر لجي من الأفكار .
-وقف( تاجدين) و طرح سؤالاً على رجل عجوز .
-قال :ياخضر طريق الهداية، قل ما هذا البلاء الذي لانهاية له ؟
-قال العجوز : لقد أصبح شابان فاتنان، جلادين لهؤلاء الناس .
-وكل من يتعرض لنظرات ذينك السكرانين يصبح مشوشاً في الحال .
-فسألا (أي مم وتاجدين) : أما رأيت كيف هي هيأتهما؟ فقال: إنهما شابان في غاية الجمال .
-فقالا: أيحملان سيوفاً أم دبابيس، أم الأقواس والخناجر ؟
-قال العجوز : إنهما يصرعان الناس بغمزاتهما، وكأنها سكاكين قاطعة (أو سهام) .
544-
وان ?ِرْسْ دِكِرِن كو ?َرْ ببيِننْ
دا بو خوه بِه مَرْدِي دَسْتْ هِلِينن (1)
545-
هَرْدُو دِ وِي كاري بُون كو نا?اه
ديتن كو ژِ مَحْضِ قُدْرَةُ الّله (2)
546-
أَوْ هَرْدُو ?ُسَرْ وَكِي دو ?َيْكَر
تَابَنْدَه بِه شَكْلِ شَاهِ أَخْتَرْ (3)
547-
يَكْ هَيْئَت وشَكْل ويَكْ لِبَاسنْ
أَمَّا دِ وِي شَهْرِي رَنْ? نَنَاسِنْ (4)
548-
سِيرَتْ مَلَكِنْ صُوَرْ ?َرِي نه
نه بائعن ونه مُشْتَرِي نه
549-
ڤَان هردو بِرَان كو أو دو أَوبَاشْ
ديتن، دل وجان وه دان بِه شَاباش (5)
550-
أو رَنْ? ?َريان جُنُون و وَالِهْ
إيدي قَهْ نَبُونْ ژ عَقْلِ آ?َهْ (6)
معاني المفردات :
1-(مردي) رجولة (دست هلينن) يتهيأوا .
2-(د وي كاري بون) كانوا في ذلك العمل و الأفكار والتصورات (نا?ه) فجأة .
3-(?سر) ولد، غلام (?يكر) تمثال، صورة، نقش .
4-(نَنَاس) مجهول، غير معروف .
5-(أوباش) السفلة من الناس، ويبدو أن كلمة (أوباش) تصحيف لكلمة يولداش التركية ومعناها رفيق و ربما كانت لكلمة أوباش دلالة أخرى إيجابية غير التي نعرفها اليوم!! .
6-(واله) الحزين أشد الحزن (آ?ه) خبر، إحساس، شعور .
الترجمة :
-لقد كان الإثنان يسألان، لكي يتهيآ لملاقات ذينك المذكورين برجولة .
-كانا في تلك الأفكار حين رأيا فجأة وبمحض قدرة الّله .
-ذينك الشابين مثل تمثالين، متلألئين مثل ملك الكواكب( الشمس ).
-لهما هيئة واحدة وشكل واحد وثياب واحدة، لكن لم يعرفهما أحد .
-لهما حركات الملائكة وملامح الجنيات، ليسا بائعين و لا مشتريين (أي لايبيعان جمالهما لكماله، ولايشتريان جمالاً لاستغنائهما عنه بجمالهما الخاص, و قد كان الخاني قد أشار في الابيات 507 إلى 509 إلى أن النوروز يشبه مزاداً للجمال و الحب بعضهم يشتري و بعضهم يبيع!!) .
-حينما شاهد الأخوان (مم وتاجدين) هذين الشابين، جعلا قلبيهما وروحيهما نثاراً .
-انقلبا مجنونين والهين، بحيث غاب عنهما العقل .
551-
نَه فَهْم وخِرَدْ نه عقل و نه هوش
?يربُونه لِه سَرْ زَمِينِ مَدْهُوش (1)
552-
في الجمله ژ عقلْ وجانِ بير بُون
في الحالِ ژ دُور ڤَه هَرْدو ?يربون (2)
553-
وان هَرْدُو فِرِشْتَه ئى دِ كُبَّارْ
ديتن دو مَلَكْ زياده دِلْدَار (3)
554-
مَهْ ?اره نه ليكِنْ آَفِتَابِنْ
دِلْدَارَه نه لى ج?رْ كَبَابنْ (4)
555-
تَشْبِيهِ بِه صَيْدِ نيمِ بِسْمِلْ
بى شُبْهَه ?َهَانه حَالِ مُشْكِلْ (5)
556-
نا?َاره بَزِينَه سَرْ شِكَاران
فِكْرِينه رُخى دِ وَان نِ?ارَان (6)
557-
زانِين كو نه صَيْدِ سَرْسَرِي نه
سَرْ خِيْلِ س?َاهِ دِلْبَرِي نَه (7)
معاني المفردات :
1-(خرد) عقل (هوش) وعي، إحساس (زمين) أرض .
2-(بير) مخففة من( بيري) بمعنى بريء, و في نسخة رودينكو(بيري) وهي لاتتناسب والقافية، وفي النسخ الأخرى (تيربون) بمعنى شبعوا ،وهذا غريب !! و عند المرحوم هه ژار يأتي البيت بهذا الشكل:
في الجمله ژ دل ژ جاني سير بون!!..
3-(فرشته) ملاك (دلدار) محبوب .
4-(مه ?اره) قطعة القمر، كناية عن الجمال (آفتاب) شمس (ج?ركباب) ذو الكبد المشوي.
5-(نيم بسمل) نصف البسملة، كناية عن الطائر الذي لم يتم ذبحه تماماً، وكأن قراءة البسملة (بسم الّله الرحمن الرحيم) ما انتهت بعد و من معاني بسمل في الفارسية كل حيوان مذبوح و يسمى المسلخ الذي يتم فيه ذبح الحيوانات بسمل?اه, و عبارة نيم بسمل ترد في أشعار الكرد و الفرس للدلالة على شدة آلام الحب, و في العربية:
و الطير يرقص مذبوحاً من الألمِ.
(مشكل) الأمر العويص .
6-(بزينه) ركضوا (شكار) فريسة، صيد(فكرينه) نظروا، تمعنوا في (رخ) وجه (ن?ار) تمثال .
7-(سرسري) عديم الفائدة (سرخيل) قائد الخيالة (س?اه) جيش (دلبري) العشق، المحبوبة .
الترجمة :
-بقيا دون عقل وفهم وإدراك، وتدحرجا على الأرض ذاهلين .
-برئا من عقليهما وروحيهما( أو تكدر عقلهما و روحهما إذا اعتبرنا الكلمة بير مصحفة من تير بمعنى المكدر)، وللتو خَرَّ الإثنان من بعيد .
-ذانك الملكان المكرَّمان،شاهدا ملكين محبوبين للغاية .
-كأنهما قطعتان من القمر وهما في الواقع كالشمس، محبوبان لكن بأكباد محترقة .
-وقع الشابان في حالة صعبة، مثل فريسة لم يكتمل ذبحها .
-ركض الإثنان نحو تينك الفريستين، وتأملا وجهي ذينك التمثالين .
-عرفا أنهما ليستا فرائس عادية، بل هما قائدا جيش العشاق .
558-
وَسْطَانْ ونَظَرْ كِرِنْ بِه دِقَّتْ
وان هَاتَه بِه قَلْبِ رَحْم وشَفْقَتْ (1)
559-
القِصَّهْ ژِ حُسْنِ ڤان غَزَالان
رَحْمَك كَتَه قَلْبِ وان رَوَالان (2)
560-
سِرَّا دِلِى كِرْ بِه هڤْ تَعَلُّقْ
نُورا رُخِ وان بِه هَڤْ تَعَشُّقْ (3)
561-
مَكْشُوفِ طَرِيقِ آَشِنَايِي
رُوحَان قَه نَكِرْ ژِهَڤْ جُدَايي (4)
562-
يَكْ رَنْ?يى صِرْفِ عَالَما غَيْبْ
ظَاهِرْ دِكِرْ إتحادِ لاَرَيْبْ
563-
حُبّى وَه كِرِنْ بِه هَڤْ ?ِرِفْتَارْ
حُسْنى وَه كرن بِه هڤ طَلَبْ كار (5)
564-
ته دْ?و كو ?ِه قَالِبْ و?ِه مَقْلُوب
هَرْ ?َارِ ?ِه طالب و?ِه مطلوب
565-
بى شُبْهَه يَكِنْ ?ِه تَنْ ?ِه أَرْوَاحْ
أو مُتَّحِدِنْ ?ِه جَانْ ?ِه أَشْبَاحْ (6)
معاني المفردات :
1-(وسطان) وقفوا .
2-(روال) شاب في مقتبل العمر .
3-(تعشق) اتحاد، تمازج (رُخ) وجه .
4-(آشنايي) معرفة( جدايي) انفصال ،افتراق .
5-(?رفتار) مربوط أسير (طلب كار) طالب, راغب .
6-(تن) جسد (أشباح) أشخاص, أجسام.
الترجمة :
-وقفا وأمعنا النظر، فرق لهما قلباهما وأخذتهما الشفقة عليهما .
-حلت الرحمة في قلبي ذينك الشابين، من جمال تينك الغزالتين (مم وتاجدين) .
-تعلقت أسرار القلوب بعضها ببعض. وتمازجت أنوار الوجوه .
-وفي طريق المعرفة المكشوف، لم تعد الأرواح تنفصل .
-لقد اتحدت الأرواح بدون شك، وعلى وجه واحد في عالم الغيب .
-عقد الحب بين قلوبهم، وجعل الجمالُ كل واحد منهم طالباً الآخر.
-وكأن الأجساد والأرواح( في البيت قالب و هي بمعنى الجسم, و مقلوب و هو من غريب خاني و أظنه يقصد به الروح)، وأولئك الأربعة عشاقاً ومعشوقين .
-أصبحوا ذاتاً واحدة بدون شبهة، فهم متحدون روحاً وجسداً .
566-
حُبَّا دِ دِلاَن وه كِرْ حَلاَوَتْ
بُغْضَا د دِلاَنْ وه كِرْ عَدَاوَتْ
567-
نِسْبَتْ بِه مَه حَادِثِنْ عَدِيمنْ
ليكن ژ حَقِيقَتَا قَدِيمن (1)
568-
لَوْرَا كو جُنُودِ جَانْ مُجَنَّد
?يبونه دِ عِلْمِ حَقْ مُخَلَّدْ (2)
569-
هن مُؤْتِلِفِنْ هِنَكْ مُخَالِفْ
هن مُخْتَلِفِنْ هنك مُؤَالِفْ (3)
570-
وان مُؤْتَلِفَان بِه يَكْڤَه أُلْفَتْ
آَخِرْ وه كِرِنْ نَمَا ?و كُلْفَتْ (4)
571-
يَعْنِي كو أَوَانْ كُرێ دِ خُونْخوار
?اڤا وَهَه دِيْتَنْ أو بريندار (5)
572-
أو هَرْدُو بِه صَدْ دلان حَبَانْدِنْ
رُونِشْتِنْ وهردو وَرْ?َرَانْدِنْ (6)
معاني المفردات :
1-(حادثن) محدثون،مخلوقون -أي الحب والكره (قديم) من أسماء الّله .
2-(جنود جان) جنود الروح (حق) الّله .
3-(مؤتلف) مجتمع، موافق متمازج .
4-(ألفت) الألفة،الصداقة والمؤانسة .
5-(خونخوار) سافك الدم،سفاح (وهه) هكذا .
6-(ور?راندن) تفحصوا، أمعنو النظر, قلبوا .
الترجمة :
-الحب الذي سكب العذوبة في القلوب، والكره الذي ولد العداوة فيها .
-مخلوقان فانيان بالنسبة لنا، لكنهما من الحقيقة الأزلية (أو هما من حقيقة الّله القديم) .
-لأن جنود الأرواح مجندة، وهي خلقت في علم الّله خالدة أزلية .
-بعض تلك الأرواح تأنس إلى بعضها، وبعضها تنفر من بعض .
-فما تآلف منها قديماً جمعتها الألفة حديثاً،ولم يعد بينها أي تكليف .
-أي أن ذينك الشابين السفاحين، حينما شاهدا تينك الجريحتين .
-أحباهما بمئة قلب (كناية كردية عن الحب العميق) ثم جلسا عندهما وتفحصاهما .
تعليق :
هذه الأبيات من وحي حديث للنبي محمد رواه الباخاري و مسلم و أحمد و غيرهم, يقول : ( الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وماتناكر منها اختلف) فالأرواح إذاً قديمة سبقت الجسوم في الخلق وقد تآلفت بعض تلك الأرواح في عالم الغيب فهي مؤتلفة حتى بعد أن حلت في الأبدان، وعلى هذا فالعشق أزلي أزلية الأرواح ومقدَّر على العاشقين قبل وجودهما بدهور مديدة امتداد الأزل .
573-
?َافَكْ سَيِريِنْ لِه بژْن وبَالاَنْ
?ِيلَكْ حَيِرِينْ لِه زُلْف وخَالان (1)
574-
?وتِنْ عَجَبْ أڤ كَ?ى د ِكى نه ؟
يان هَرْدُو مَلاَئِكى دْ خُدێ نه؟
575-
أڤ مَيْوه لِه كِي جِهِي ?ِهَانه؟
أڤ ?ُلْ د ?ِه ?ُلْشَنى نُمَانه ؟
576-
سَرْوێ د ?ِه جوِيبَارِ كى نه؟
طَيْرێ د ?ِه مَرْغَزَارِ كى نه (2) ؟
577-
مَا وَرْدِ ژ هيسْتِرێ د ?رْخُونْ
ريِهْتِنْ لِه رُخى د وانى ?ُلْ?ُونْ (3)
578-
عِشْقى كِرِبُونْ وِسَا نَه هِشْيَارْ
قَطْعَا نَدِبُون ژِخوه خَبَرْ دَارْ
579-
آَخِرْ كو كِرِنْ بِه خَامَيَا عَشْقْ
حُسْنَا خَطِ وَان لِه لَوْحِ دلْ مَشْقْ (4)
580-
وان ڤى كو بِزَانِنْ أَوْ ?ه أَصْلِنْ
لَوْرَا كو نِزَانِنْ أو ?ه نَسْلِنْ (5)
معاني المفردات : (http://www.shababkobani.com/vb/)
1-(سيرين) تفرَّجوا (?يلك) مدة من الزمن .
2-(جويبار) نهر،ساقية (مرغزار) المرج الأخضر .
3-(ما ورد) ماء الورد (?رخون) دامي نازف كثير الدم (ريهتن) سكبوا (?ل?ون) وردي اللون .
4-(كرن) عملوا، وهذا الفعل متعلق بكلمة (مشق) بمعنى الكتابة والعبارة (كرن مشق) تعني كتبوا (خاميا عشق) قلم العشق .
5-(وان) هم, هما ( ڤي) أرادوا من المصدر ڤين أو ڤيان بمعنى الإرادة .
الترجمة :
-تفرّجا برهة من الزمن على قامتيهما، وحارا هنيهة في الخصلات والشامات .
-قالا: عجباً ابنتا من هاتان الفتاتان؟ أم أنهما ملكان من ملائكة الّله ؟
-أين ترى نضجت هاتان الثمرتان؟ وفي أي روضة تفتحت هاتان الوردتان؟ .
-شجرتا سروٍ هما،ولكن في طرف أي ساقية نشأتا ؟ طائران هما ولكن من أي مَرجٍ جاءا ؟
-كانت دموعهما قد انحدرت على وجناتهما الوردية .
-كان العشق قد أفقدهما عقليهما،بحيث لم يعد لهما علم بما يجري حولهما .
-وفي النهاية، وبعد ما كتبا بقلم العشق على لوح القلب جمال تينك الفتاتين .
-أرادا أن يعرفا من أي أرومة هما، ومن أي سلالة .
581-
أَنْ?ُشْتَري يى دِ وَان جوانان
كيشَانْ ژ أَصَابِعِى دْ خُدَانان (1)
582-
خَاتَمْ ژِ أَنَامِلِى دْ خوه كيشان
دَانِينه جِهَان ژ بو يي نيشان (2)
583-
ياقُوتِ بِه مِهْرِيان ?ُهورِين
أَلْمَاسِ بِه شُوشَه يى بِلورِين (3)
584-
سَرْسَال وخوه شِي ژِ دَسْتْ بِه دَرْدَان
عِيِشِ خوه بَدَلْ كِرِنْ بِه دَرْدَانْ (4)
585-
نَا?َاهِ أَجَانِبِنْ خُويَا بُون
نَاكَامِ كِرِنْ وَدَاع و رَابون (5)
586-
مَانْ هَرْدُو بِرَا وَكِي دو صَيدان
?َابسْتِ سَلاَسِلاَن وقَيْدَانْ (6)
587-
رَابُونْ كو شَڤَكْ سِياه وطاري
شمس وقَمَرانْ كِرِي تَوَارِي (7)
معاني المفردات : (http://www.shababkobani.com/vb/)
1-(ان?شتري) خاتم (كيشان) سحبوا، أخرجوا (خدانان) جمع (خدان) بمعنى الصاحب .
2-(جهان) جمع (جه) بمعنى مكان (نيشان) دليل .
3-(مهريان) من كلمه(مهره) بمعنى الزجاج والفخار أي المادة الرخيصة (?هورين) بدلوا (بلورين) زجاجي
4-(به دردان) الأولى بمعنى خسروا والثانية بمعنى بالهموم (عيش) الحياة السعيدة .
5-(ناكام) خائب، محروم، مضطر, من لم يحقق مراده.
6-(?ابست) مقيد القدم.
7-(سياه) أسود (تواري) اختفاء ، مغيب .
الترجمة :
-سحبا خاتمي تينك الشابتين من أصبعيهما .
-وبدلاهما بخاتميها ليكون ذلك سبيلاً إلى معرفتهما .
-استبدلا الياقوت بالزجاج، والألماس بالبلور .
-نسيا العيد وبهجته وبدّلا لذة العيش بأتراحه .
-وعلى حين غِرةٍ ظهر جمع من الغرباء، فقاما خائبين وودعاهما .
-بقي الأخوان مثل فريستين مقيدتين بالسلاسل .
-ثم نهضا وإذا بليلة سوداء حالكة، وقد توارت الشمس وأفل القمر .
588-
رَهْ شُبْهَتِ مُرْغِ نِيم بِسْمِلْ
بى قُوَّتُ وبى تَوَان وبى دِلْ (1)
589-
سَرْ سَام ودُوَارُ وصَرْع وَمَحْرُورْ
سَوْدَا وفُؤَاد وخَبْل ومَخْمُور (2)
590-
صَدْ جاَر ِدِكََتْنَه آَسِتَانانْ
حَتَّا كو ?ِهَانَه آَشِيَانان (3)
591-
هر?َنْدِ ?ِهِشْتِنَه مَقَامَانْ
أَمَّا كو لِه وَانْ دو تَلْخِ كَامَان (4)
592-
روژ و شَڤْ و وَقْت وصُبْح وايڤار
يَكْسَان دِنُمَا لِه وَانْ بِه يَكْ جَار (5)
معاني المفردات :
1-(ره شبهت) مثل، على شاكلة (مرغ) طائر (نيم بسمل) لم يكتمل ذبحه(توان) طاقة، قدرة (بى دل) ضيق القلب، عاشق .
2-(سرسام) هذيان (دوار) صداع في الرأس (محرور) من في جسمه حرارة، محموم (سودا) عاشق، مجنون (خبل) مضطرب .
3-(آستان) أرض، عتبة الدار (آشيان) عش، منزل .
4-(مقام) مكان الإقامة، دار (تلخ كام) يائس، خائب والمعنى الحرفي مرُّ الحلق .
5-(يكسان) مساوٍ ,مماثل (دنما) كان يظهر .
الترجمة :
-كانا في هيئة طائرين لم يكتمل ذبحهما (أي مضطربين) لم يكن لهما حول ولاقوة، وقد ضاق صدراهما.
-كانا كمن أسكرتهما الخمرة، وأخذهما الصرع، مضطربين محمومين .
-وكانا كلما خطوا خطوة وقعا أرضاً، إلى أن وصلا إلى المدينة .
-ومع أنهما وصلا إلى منازلهما فلم يكن ذانك الخائبان ليعرفا
-الليلَ من النهار والصبح من المساء، بل اختلطت عندهما الأزمنة.
آثار العشق في الصديقين مم وتاجدين
593-
أَوْ دوخِتَه ?َشْمِ هَرْدُو شاهين
أو سوخِتَه ?َرْ ممو وتاجدين (1)
594-
خوش ?ونه شِكَارِ كَبْكُ وقَازَان
نا?اهِ بِه سَرڤَه شَاهِبَازَانْ (2)
595-
تورَكْ فِتِلى لِه وَانْ ژِ نَا?َهْ
إيدي قه نَمَا ?و عقل وآ?َهْ (3)
596-
597_
هِنْدي كو دِ هَفْتَه يَا حَمَلْ بُون
أو هَفْته لِه وان كو بُويَه سَالِفْ
أو زيده دِ وَحْشِي وخَبَلْ بون (4)
خو كَرْده يى عشق بون مُؤالِفْ(5)
598-
رابُونه ڤه روژكى بِه يَكْڤَه
فِكْرِينه بِه رَنْ? ورُويى يَكْڤه
599-
عشقى كِرِبُونْ وِسَا مُبَدَّلْ
وان ييك ودو نَاسْ نه كِرْ ژِ أَوَّلْ
600-
أَوَّلْ دِكِرِنْ ژِ هَڤْ تَغَرُّبْ
?َاشي كو كِرِنْ بِه هَڤْ تَقَرُّ بْ
601-
ديتن خوه بِه ?َاجَه بَنْد و زَن?ِلْ
?َرْوَازْ وفِرِينْ مُحَال ومُشْكِلْ (6)
602-
إِسْكوفَكَه ظُلْمَتى بِه سَرْ دَا
جِلْفو يَكَه أُلْفَتى بِه بَرْدَا (7)
معاني المفردات :
1-(دوخته جشم) دامع العين (شاهين) طائر من الجوارح (سوخته ?ر) محترق الجناح .
2-(شكار) صيد (كبك) طائر في حجم الحمام، الحجل (قاز) إوز(شاهباز) نوع من القصور .
3-(تورك) تور،شبكة الصيد (فتلى) فتل ،ودار (نا?ه) فجأة (آ?ه) علم ،خبر .
4-(هفته) أسبوع (حمل) برج الحمل (هفته يا حمل) الأسبوع الأول بعد عيد النوروز (وحشي) غير مستأنس (خبل) مضطرب .
5-( بويه سالف) مضى, انصرم (خو كَرده) في قاموس هه نبانه بورينه للمرحوم هه ژار تأتي بمعنى الطبيعي, و يفسرها أمين أوسمان على أنها بمعنى الذي جنى على نفسه!! و عند ?رويز جيهاني تأتي بمعنى متعود على و هو الأصح ففي القواميس الفارسية يأتي المصدر خوكردن بمعنى التعود و الاعتياد و الاستئناس بشيء ما, و اسم الفاعل منه هو كلمة خو?ر و لا يخفى أنها قريبة لفظاً و معنىً من المفردة الكردية هو?ر. و جدير بالذكر هنا أن هذا البيت كان قد سقط سهواً من التدوين و الشرح في الطبعة الأولى من مم و زين و التي نشرتُها عام 1995 في دمشق سراً.
6_ (?اجه بند) حبل تقيد به الطيور ،الوهق (زن?ل)حرس، قيد (?رواز) طيران (فرين) طيران.
7-(اسكوف) غطاء الرأس, يلقى على رأس الصقر الذي تم اصطياده حديثاً لترويضه (جلفو) قماش أحمر يلقى على عين الصقر لترويضه .
الترجمة :
-لقد ذهب (مم وتاجدين), ذانك الدامعة أعينهما والمحترقة أجنحتهما. مثل طائري شاهين .
-ليصطادا الحجل والإوز، ولكن انقضَّت عليهما فجأة صقور جارحة .
-والتفَّ عليهما الشَرَك فلم تبق لديهما ذرة من عقل .
-ومع أنهما كانا في أسبوع الحَمَل، فقد كانا شديدي الوحشة والاضطراب .
_ و عندما مضى ذاك الاسبوع عليهما, تآلف اللذان اعتادا على الحب.
-وذات يوم نهض الإثنان معاً، وتفَرَّس كلٌّ منهما في الآخر .
-كان العشق قد غيرهما، فلم يعد بإمكان أحدهما معرفة رفيقه .
-كانا ينفران كل من الآخر في البداية، ولكنهما حينما اقتربا من بعضهما بعضاً في النهاية.
-رأيا نفسيهما مقيدين بالسلاسل والحبال، يصعب عليهما الطيران ويستحيل.
-كان الليل المدلهم قد أرخى سدوله عليهما، وغمرهما بستارة من الألفة والمحبة .
603-
بى طَعْمه وبى شراب وبى ?اڤ
بى مَقْصَد و بى مُراد وبي ?اڤ (1)
604-
مَسْتَانَه ژِ رَنْ? ?َشْمِ دِلْدَارْ
مَخْمُور وسِيَاه ومَسْت وبيمار (2)
605-
مَانَنْدِ دَهَانِ يارِ دِلْ تَنْ?ْ
نالين ژ رَهَا دِلى وَكِي ?َنْ?ْ (3)
606-
?وتِنْ عَجَبْ أَمْ كو بُونه بيمار؟
يا بُونه دِ كِي شَرِي بِرِيَنْدَارْ ؟ (4)
607-
يانه وَهَه أم ?را نِكَارين
مجروح وضعيف ودِلْ فكارين (5)
608-
أڤ رَنْ?َهَه وانْ دِكِرْ تَفَحُّصْ
ماهِيِّتِ حَالِ خوه تَجَسُّسْ
609-
تاجدين فِكِرِي دِ دَسْتْ بِرَايِى
تِيْستْ ?ُهَرَكْ وَكِي ?َرايى (6)
معاني المفردات : (http://www.shababkobani.com/vb/)
1-(بى ?اڤ) بدون أكل لأن كلمة ?اڤ تعني فيما تعنيه الإناء الزجاجي (بى ?اڤ) مجبر، مضطر.و في بعض النسخ:
بي طعمه وبي شراب وبي جام بي مقصد وبي مراد وبي كام
2-(مستانه) كالسكران (?شم) العين (بيمار) مريض .
3-(مانند) مثل (دهان) فم (دل تن?) ضيق القلب (رها دل) شريان القلب (?ن?) آلة وترية .
4-(كو) أين؟ (كي شري) أية معركة ؟
5-(نكار) غير قادر (دل فكار) مجروح القلب حزين .
6-(تيست) يلمع، يتلألأ (?هر) جوهرة .
الترجمة :
-بقيا دون طعام أو شراب، ولم يتحقق مراداهما .
-كانا سكرانين مثل عيني الحبيبة، عليلين بائسين تعيسين.
-لقد ضاق صدراهما كما ضاق فم الحبيبة، وكانت الآهات تنطلق من شرايين القلب كما تنطلق الأنغام من آلة ال?ن?.
-قالا :عجباً أين صرنا مريضين؟ وفي أية معركة أصبحنا جريحين.
-(وإذا لم يكن الأمر كذلك) فما هذا الإعياء، ولِمَ هذا الضعف والحزن ؟
-هكذا كان يستفسران عن السبب الذي جعلهما في تلك الحال.
-لمح تاجدين في يد أخيه، جوهرة تتلألأ كأنها المصباح.
610-
ياقُوتَه كه مِثْلِ دَانَه ئى نار
مَشْعَلْ صِفَتَه ژ بو شڤَا طار (1)
611-
مَانَنْدِ شَمَالِ أَوْ دِ إيِسِي
حَكَّاكِ بِه نَاڤِ زِينْ نِڤيسِي (2)
612-
دَسْتى خوه دِرِيژْ كِرِێ كو بِينِت
دا قَنْجِ نَظَرْ بِكِتْ ببينت
613-
(مم) ژي فِكِرِي د دَسْتِ (تاجدين)
أَلْمَاسَه كه بى بُها وتخْمِين
614-
لى إسمى سِتي كِرِي كِتَابَتْ
أُسْتَادَكِي صَاحِبى مَهَارَتْ (3)
615-
صَرَّافِ أَ?رْ ببيته (بُقْرَاطْ)
تخمينْ بكتن بِه وزْن وقِيراط (4)
616-
بازارِ بكت ژ بو (فَلاَطُونْ)
مجموعِ خَزائِنى دِ (قارون) (5)
617-
ثُمْنَا ثَمَنى دِ وان نُ?ِينَانْ
نَابِتْ بِه وقُوفِ دُورِ بينان (6)
معاني المفردات :
1-(دانه) حية (شڤا طار) الليلة المظلمة.
2-(د إيسي) يلمع (حكاك) نقاش (مانند) مثل (شمال) شمعة.
3-(لى) عليه، على الخاتم.
4-(بقراط) أشهر الأطباء اليونان القدامى عاش في القرن الرابع قبل الميلاد, لُقِّب بأبي الطب (صراف) جوهري، من يعمل في العملة (قيراط) جزء من أربعة وعشرين جزءاً من الشيء, يستعمل كعيار للذهب.
5-(فلاطون) أفلاطون، الفيلسوف اليوناني الشهير صاحب نظرية المثل وتلميذ سقراط (قارون) من أغنياء بني اسرائيل. ورد ذكره في القرآن سورة القصص.
6-(ن?ين) الفص من الخاتم (دوربين) ثاقب النظر.
الترجمة:
-كانت ياقوتة مثل جمرة النار، وكالمشعل الوضاء في الليل البهيم.
-كانت تتلألأ كالشمعة، وقد نقش عليها الصائغ اسم (زين).
-مدّ تاجدين يده ليرى ذلك الخاتم ويتفحصه جيداً.
-نظر مم أيضاً إلى يد تاجدين، فرأى ماسة لاتقدَّر بثمن.
-وقد كَتب عليها صانع ماهر اسم (ستي).
-لو أصبح بقراط صرافاً ،وحاول تقدير ذينك الخاتمين.
-ولو ساوم أفلاطون على شرائهما،فدفع فيهما خزائن قارون.
-لما كانت تساوي تلك الخزائن ثُمْنَ ثَمَنِ الفَصيْن حسب رأي العارفين بالأمور.
618-
مَايِنْ دِ تَعَجُّبْ وتَحَيُّر
دَامَان و?َلَكْ كِرِنْ تَفَكُّر (1)
619-
زانينْ كو صَوَاحِبى نُ?ِينانْ
هر?ي كِرِي كُرْ ستي وزينان
620-
روژا وه كُو بُويَه عِيدِ تَحْوِيلْ
أو ژي ?رِيَانه جامه تبديل (2)
621-
?اوا خَمِلِينه أڤ كَ?َاني
أو ژي ?َرِيَانه جِلْ كُرَاني (3)
622-
أو بُونْ كو مه ?و دِ روزِ نَوْروز
مِثْلى مَهْ و مِهْرِ عَالَمْ افرُوزْ (4)
623-
أو هَرْدونَه يين دِ دَسْتْ ڤَمِشْتِنْ
أو هردونه يين د خَلْ دِكُشْتِنْ (5)
624-
أو بُونه دِ شَهْرِ بُويي جَلاّدْ
أو بونه كو خَلْ ژ دَسْتْ بِه فَرْيَادْ
معاني المفردات:
1-(ماين) بقوا (دامان) غرقوا، غاصوا في التفكير!!
2-(عيد تحويل) عيد نوروز (جامه) لباس، ثياب.
3-(ك?انى)بهيئة البنات (جل كرانى)المتنكر بلباس الذكور (خملينه) تزينوا.
4-(عالم افروز) منير الكون (مه) قمر (مهر) شمس.
5-(ڤمشتن)شمروا (خل) مخففة من خلك بمعنى الناس.
الترجمة:
-بقى الإثنان في عجب وحيرة،وغرقا في لجج الأفكار كثيراً.
-أدركا أن صاحبي الخاتمين، هما (ستي وزين) المتنكرتين في ثياب شابين.
-ففي يوم عيد نوروز، كانت الإثنتان قد تنكرتا أيضاً.
-وكما تنكر هذان (مم وتاجدين) في هيئة فتاتين, تنكرت (زين وستي) في هيئة شابين.
-إنهما اللتان قلنا عنهما: كانتا مثل شمس وقمر أضاءتا العالم في نوروز.
-إنهما اللتان شمرتا عن سواعدهما وكانتا تقتلان الناس.
-إنهما اللتان كانتا جلادتين في المدينة، وكان الناس يستغيثون (من ظلمهما).
625-
أو بُونَه كو ڤان بِه دِلْ حَبَانْدِنْ
أو بُونَه لِه ڤَانْ جَ?َرْ كَوَانْدِنْ
626-
وان هَرْدُو بِرَا بِه عَقْل وتَخْمِين
بى شَائِبَه قاتلى خوه زانين (1)
627-
تاجدينِ لِه نِكْ هَبُو شُعُورَكْ
عشقى د وي هِشْتِبُو قُصُورَكْ
628-
?و: رابه بِرَا ژِ ناڤ نِڤِْينَان
بَسْ آهِ بِكَه ژِ بَرْ بِرينَان
629-
أَمْ شيِرنْ و أو دو خُو غَزَالِنْ
?ِرْ عَيْبَه كو أَمْ ژ دَسْتْ بِنَالِنْ (2)
630-
مَمْ ?ُخْتَه ئى عِشْقِ بُو تمامي
?وتى كو برا مَ?رْ تو خامي (3)
631-
دَا ظَنْ نه بِرِي مُجَسَّمِم أَزْ
سَرْ تا بِه ?ِيَانْ مُقَسَّمِمْ أز (4)
معاني المفردات:
1-(بى شائبه) بدون شبهة وشك.
2-(خو) ربما بمعنى النفس والذات أو بمعنى الطبيعة أو بمعنى الأخت.
3-(?خته) مطبوخ, ناضج, محترق( م?ر تو) لست إلا (خام) فج غير ناضج.
4-(دا) حرف تحذير بمعنى إياك أو حذار (?يان) جمع ?ى أو ?ا بمعنى القدم.
الترجمة:
-إنهما اللتان أحبهما هذان بقلبيهما، وهما اللتان أحرقتا كبدي هذين.
-لقد عرف ذانك الأخوان قاتليهما بدون شك، وعن طريق العقل والتخمين.
-كان تاجدين مازال محتفظاً ببقية من الشعور، ولم يكن العشق قد امتلكه تماماً (حرفياً: ترك العشق فيه قصوراً) .
-فقال :إنهض ياأخي، قم من فراشك وكفاك آهات من هذه الجراح.
-نحن أسود وهما في طبيعة الغزلان، ومن العار أن نتألم بسببهما. ( يقول ابن الفارض :
هل رأيتم أو سمعتم أسداً صاده لحظ مهاة أو ظبي؟
و يقول الجزري:
و كم من خشف غزلان أهابت ليث غاباتِ! )
-قال (مم) الذي احترق بالعشق تماماً: ياأخي إنك لم تنضج بعد (أي لم يتملكك العشق تماماً).
-حذار أن تظن أنني جسد حي، فأنا من مفرق رأسي إلى أخمص قدمي ممزق.
632-
أڤ جِسْمِ لِه مِنْ بُويه مُخَطَّّطْ
أو خَطْ هَمِى بُوِينَه مُنَقَّط (1)
633-
تَأثِيرِ وه رن?ِ عشق و وَمْقَانْ
بالطُّولِ دِ طُول وعَرْض وعُمْقَان (2)
634-
يَكْ نُقْطَه نَهِنْ ژِ دَرْدِ خالي
هيژا تو دبى ?ِرَا دنَالي؟(3)
635-
دِلْ بُويَه مَحَلّ عشقِ حالا
ڤِي حَالي دڤى مَحَلِّ ڤالا (4)
636-
نينه عَجَبْ أز ببيم حُلُولَه
مِن مايه ژ صُورَتى هَيُولى (5)
637-
شَاهِنْشَهِ عِشْقِ بى غَرَضْ هات
جَوْهَرْ ڤَشِرِي دَمَا عَرَضْ هات (6)
638-
أڤ حالّ ومَحَلّ وجسم وجوهر
عشقى ژ خوه را كِرِنْ مُسَخَّرْ (7)
معاني المفردات:
1-(بويه مخطط) أصبح ذا خطوط، أي ظهرت عليه آثار العشق.
2-(ومق) عشق، حب.
3-(نهن) لا يوجد.
4-(حالا) الآن (ڤى حالى) هذا الحال الذي يحل في الأبدان، أي العشق (دڤى) يريد, يتطلب.
5-(حلول) المذهب المعروف في التصوف وهوحلول الذات الإلهية في النفس البشرية (صورت)صورة الجسم المادي هي شكله الذي انطبع في الهيولى, فالشجرة صورة, و الإنسان صورة, و الخشب صورة بينما الهيولى واحدة, أي الأصل المادي في جميع الموجودات واحد و لكن تختلف الصور (هيولى) المادة الأولية، الأصل و الكلمة يونانية.
6-(بى غرض) بدون هدف، هكذا (جوهر) الجوهر مايقوم بذاته أصلاً و لا يحتاج إلى موضوع وهنا كناية عن الجسم (ڤشري) اختفى (عرض) العرض ما لايقوم إلا بموضوع كاللون لا يوجد إلا في مادة تأخذه، و هنا كناية عن الحب الذي يحتاج إلى القلوب ليحل فيها.
7-(حال) الذي يحل، العشق (محل) المكان الذي يحل فيه العشق، القلب.
الترجمة:
-ها قد ظهرت الخطوط على جسمي، وبانت النقاط على تلك الخطوط (أي أن العشق شمل كل جسمي فلم يترك موقعاً ليس فيه أثر العشق ).
-لقد أثر العشق فيَّ هكذا، بحيث لم تبقَ ذرة من جسمي بلا تأثر.
-لم تبق بقعة خالية من الألم (ألم العشق) وتسألني بعد لماذا أتأوه؟
-لقد أصبح قلبي الآن سكناً للعشق، وهذا العشق يتطلب فراغاً يحل فيه.
-ليس من العجب إذاً إذا قلت : هذا (نوع) من الحلول، حيث لم يَبْقَ من صورتي سوى الهيولى( يقول الفلاسفة القدماء أنه لا يمكن أن توجد الهيولى بدون صورة, فكل جسم مركب من صورة و هيولى. و عندما يقول مم عن نفسه أنه فنيت صورته و بقيت الهيولى فقط يشير إلى اضمحلاله و ذوبانه بسبب العشق).
-إن سلطان العشق ظهر فجأة ،فانزاح الجوهر حينما ظهر العَرَضُ (أي ذاب جسمي حينما تملكني العشق ) .
-لقد سخَّر العشق لنفسه الجوهر والجسم والقالب والروح فآثاره بينة في كل شيء .
639-
جان وجَ?ر ودل وهِنَاڤَان
دَسْت وسَر و?ى و?ِشْت و?اڤان (1)
640-
والّلهِ يَكي نَمَايَه رَاحَتْ
بالّله يَكِي نَمَايَه طاقتْ
641-
بِزْدَانْدِنَه وان ژِمِن عَلاَئِقْ
بالجملة دبين كو (نَحْنُ عَاشِقْ) (2)
642-
نا ?ِرسِي لِه حالى من تو ظالم
هيژا تو دبيژي أَزْ نه نالم !
643-
أڤْرَن?هَه وي كو كِرْ تَظَلُّم
تاجدين قه نَمَا ژ بو تكلُّم
644-
أو مانه دِ ?لْ أڤَانْ بِرِينان
بَحْثَا مَه لِه سَرْ ستي وزينان(3)
معاني المفردات:
1-(هناڤ) الأحشاء (?ى) قدم.
2-(بزداندنه) قطعت.
3- (أڤان) مرادف ڤان و هو اسم إشارة في صيغة الجمع, و قد تعسف بعض اللغويين الكرد فقالوا إن هذه الصيغة وحدها هي الصحيحة بينما تعج آثارنا الكلاسيكية بالصيغة الأخرى(ڤان) و لا مجال لذكر الشواهد هنا فهي كثيرة في طيات هذا الديوان و غيره من آثار أسلافنا من الشعراء الكرد.
الترجمة:
-الروح والكبد والقلب والأحشاء، الأيدي والأقدام والرأس والظهر والأعين.
-والّله لم يبقَ لأي منها راحة، وبالّله لم يبقَ في أي منها طاقة.
-لقد قطع الجميع علاقاتهم معي، إذ يهتفون جميعاً : نحن عشاق( قطع العلائق مصطلح صوفي يقصد به قطع الصلة بالعالم المادي و التجرد عنه).
-إنك لاتسأل عن حالي أيها الظالم، ثم تقول: لا تئن ولاتشكو ؟!
-وحينما تظلم واشتكى (مم) بهذه العبارات، لم يعد تاجدين يستطيع الكلام.
-بقي الإثنان رهينَتَيْ جراحيهما، فلنتحدث الآن عن (ستي وزين).